Indexed OCR Text
Pages 501-520
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ)) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٣) ٥٠١ رَتَّب أيضاً أحاديث هذا الباب ترتيباً يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدّره بالحديث الدالّ على التوقف - وهو حديث: ((الله أعلم بما كانوا عاملين) - ثم ثنى بالحديث المرجّح لكونهم في الجنة - وهو حديث الفطرة - ثم ثلّث بالحديث المصرِّح بذلك - وهو حديث قصّة الرؤيا - فإن قوله في سياقه: ((وأما الصبيان حوله، فأولاد الناس)) قد أخرجه في ((التعبير)) بلفظ: ((وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة))، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: ((وأولاد المشركين))، ويؤيده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس مرفوعاً: ((سألت ربي اللّاهين من ذرية البشر، أن لا يعذبهم، فأعطانيهم))، إسناده حسن، وورد تفسير اللاهين بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعاً، أخرجه البزار، وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صُريم عن عمتها، قالت: قلت: يا رسول الله، مَن في الجنة؟ قال: ((النبيّ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة))، إسناده حسن. انتهى. والحاصل: أن المذهب الراجح في الأطفال، سواء كانوا للمسلمين - وهذا بلا خلاف - أو للمشركين، فإنهم في الجنّة؛ لوضوح أدلّته، وقوّة حجته، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً))، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمْعَاءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ - بالمهملة - أبو محمد البصريّ، وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد تَخُّْ في («مسنده))، فقال: ٥٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر (٧٦٩٨) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّيه: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصّرانه، ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٤] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، ثُمَّ يَقُولُ: اقْرَؤُوا: ﴿فِطَرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ اُلْدِيْثُ اَلْقَبِّمُ﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السّرح المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسان المصريّ، يُعرف بابن التّستُريّ، صدوق، تُكُلِّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح، وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١٤/٣. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف المدنيّ الفقيه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٧٥/٢. (٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٥) ٥٠٣ وقوله: (ثُمَّ يَقُولُ إلخ) فاعل (يقول) ضمير أبي هريرة ◌َظُه، كما بُيّن في الرواية الماضية، وليس ضمير رسول الله وَّ، ففيه إدراج، كما مرّ بيانه، والله تعالى أعلم. وقوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الإشارة إلى دين الإسلام؛ أي: دين الإسلام هو الدين المستقيم . والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ بُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُشَرِّكَانِهِ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَبْتَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُھَیْرُ بْنُ حَرْب) تقدّم قبل بابین. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً . والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ) ((يُلِدَ)) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، فعل ماض مغيَّر الصيغة، أصله: وُلِدَ، على وزن ضُرِب، أُبدلت واوه ياء؛ لانضمامها، قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في جميع النُّسخ: ((يُلِدَ)) بضم الياء المثناة تحتُ، وكسر اللام، على وزن ضُرِبَ، حكاه القاضي عن رواية السمرقنديّ، قال: وهو صحيح على إبدال الواو ياءً؛ لانضمامها، قال: وقد ذكر الهجريّ في ((نوادره)): يقال: وُلِد ويُلِد بمعنّى، قال القاضي: ورواه غير السمرقنديّ: ((يُولَّدُ)). انتهى (١). (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/١٦ - ٢١٠. ٥٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض، وتبعه النوويّ، والسنوسيّ، وغيرهما من ضبط: ((يُلِدَ)) بضمّ الياء التحتانيّة هو الصواب، وأما ما ذكره القرطبيّ من ضَبْطه بالتاء الفوقيّة بدل الياء، فالظاهر أنه تصحيف، فليُتَنّه، والله تعالى أعلم. (فَأَبَوَاهُ)؛ أي: المولود، (يُهَوِّدَانِهِ)؛ أي: يعلّمانه دين اليهود، ويجعلانه يهوديّاً، (وَيُنَصِّرَانِهِ)؛ أي: يعلّمانه دين النصارى، ويجعلانه نصرانيّاً، (وَيُشَرِّكَانِهِ))) بتشديد الراء؛ أي: يعلّمانه دين المشركين، ويجعلانه مشركاً. (فَقَالَ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه (١): (يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ أي: قبل أن يبلغ أن يعرف هذه الأديان، ويتبيَّنها، بأن مات صغيراً؛ أي: فما حكمه، هل هو من أهل الجنة، أم من أهل النار؟ (قَالَ) إِليه: ((اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))) قال ابن قتيبة: معنى قوله: ((بما كانوا عاملين))؛ أي: لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم بشيء، وقال غيره: أي: عَلِم أنهم لا يعملون شيئاً، ولا يرجعون، فيعملوا، أو أخبر بعلم شيء لو وُجد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨]، ولكن لم يُرِدْ أنهم يُجازَون بذلك في الآخرة؛ لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل، قاله في ((الفتح))(٢). والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي حَدِيثِ ابْنٍ ثُمَيْرٍ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إِلَّ وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: ((إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: ((لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ)). (١) ((تنبيه المعلم)) ص٤٣٨. (٢) ((الفتح)) ٢٤٧/٢. ٥٠٥ (٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٧) رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قريباً . وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) ضمير التثنية لأبي معاوية، وعبد الله بن نمير. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش، ساقها الإمام أحمد تَظُّهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٤٣٨) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويليه: ((ما من مولود يولد، إلا على هذه الملة، حتى يُبِين عنه لسانه، فأبواه يهودانه، أو ينصّرانه، أو يشرّكانه))، قالوا: يا رسول الله، فكيف ما كان قبل ذلك؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). انتهى(١). وأما رواية عبد الله بن نُمير، فقد ساقها أيضاً أحمد مقروناً بغيره، فقال: (٧٤٣٦) - حدّثنا أبو معاوية، ووكيع، ومحمد بن عبيد، قالوا: حدّثنا الأعمش ... وابن نُمير ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ريج: «ليس مولود يولد إلا على هذه الملة))، وقال وكيع مرةً: ((على (٢) الملة)). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنْتِجُونَ الإِبِلَ، فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَبْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيراً؟ قَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل ثلاثة أبواب. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٥٣/٢. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٥٣/٢. البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ٥٠٦ شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأبناويّ اليمنيّ؛ أنه (قَالَ: هَذَا) مبتدأ، وهو إشارة إلى ما تضمّنته ((صحيفته)) المشهورة من الأحاديث، وعدّتها (١٣٨) حديثاً. (مَا حَدَّثَنَا) ((ما)) اسم موصول خبر المبتدأ، (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّه فَذَكَرَ)؛ أي: همّام، (أَحَادِيثَ) وقد مرّ عَدَدُها آنفاً، وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ٍِّ:) لأنه مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه ((مَنْ يُولَدُ) ((من)) اسم موصول مبتدأ خبره قوله: (يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ) بكسر الفاء، هي في اللغة: الْخِلقة، والمراد بها هنا ما يراد في الآية الشريفة، وهي الدِّين؛ لأنه قد اعتَوَرها البيان من أول الآية، وهو: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ﴾، ومن آخرها وهو: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمْ﴾(١). (فَأَبَوَاهُ) الفاء إما للتعقيب، وهو ظاهر، وإما للتسبب؛ أي: إذا تقرر ذلك فمن تغيَّر كان بسبب أبويه، وقوله: (يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ) معناه: أنهما يعلّمانه ما هو عليه، ويصرفانه عن الفطرة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: يُرَغِّبانه في ذلك، أو أن كونه تبعاً لهما في الدين بولادته على فراشهما يوجب أن يكون حكمه حكمهما، وقيل: معنى ((يهودانه)): يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن سبقت له السعادة أسلم إذا بلغ، وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه فالصحيح أنه من أهل الجنة، وقيل: لا عبرة بالإيمان الفطريّ في أحكام الدنيا، إنما يُعتبر الإيمان الشرعيّ المكتسب بالإرادة، والفعل، وطفل اليهودِيَّيْن مع وجود الإيمان الفطريّ محكوم بكفره في الدنيا تبعاً لوالديه. قال الكرمانيّ ◌َّتُهُ: [فإن قلت]: الضمير في ((أبواه)) راجع إلى كل مولود؛ لأنه عامّ فيقضي تهويد كل المواليد، أو نحوه، وليس الأمر كذلك؛ لبقاء البعض على فطرة الإسلام. [قلت]: الغرض من التركيب: أن الضلالة ليست من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل أينما حصلت فإنما هي بسبب خارج عن ذاته. انتهى (٢). (كَمَا تَنْتِجُونَ الإِبِلَ) ضُبط في النُّسخ بالقلم بفتح التاء الأولى، وکسر (١) ((عمدة القاري)) ٨/ ١٧٧. (٢) ((عمدة القاري)) ٨/ ١٧٧. ٥٠٧ (٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٧) الثانية، من باب ضرب، والواو فاعل، و((الإبل)) منصوب على المفعوليّة، وقال وليّ الدين تَُّ: قوله: ((تُنْتَجُون)) بضم أوله، وإسكان ثانيه، وفتح ثالثه، وقوله: ((الإبلَ)) منصوب على المفعولية، وهذا الفعل مبنيّ للفاعل، وإن كانت صيغته صيغة المبنيّ للمفعول، وقول أبي العباس القرطبيّ: إنه مبنيّ لِمَا لم يُسَمّ فاعله، إن أراد في الصورة، وإلا فهو وَهَمِّ، فقد ذُكر فاعله معه. انتهى(١). (فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ)؛ أي: مقطوعة الأذن، (حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟))) من باب نفع؛ أي: تقطعون أُذُنها، (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرنا، فهو من إطلاق السبب على المسبّب؛ لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرّرة؛ أي: قد رأيت ذلك، فأخبرنا(٢)، (مَنْ يَمُوتُ صَغِيراً)؛ أي: ماذا حكمه، أهو من أهل الجنّة، أم من أهل النار؟ . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((أفرأيت من يموت صغيراً)): هذا السؤال إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مفسّراً من حديث ابن عباس ◌ًا، فأمَّا أولاد المؤمنين، فقد تقدم الاستدلال على أنهم في الجنة، وأما أطفال المشركين فاختلف فيهم على ثلاثة أقوال(٣): فقيل: في النار مع آبائهم، وقيل: في الجنة، وقيل: تؤجّج لهم نار، ويؤمرون بدخولها، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار. وذهب قوم - وأحسبهم من غير أهل السُّنَّة - فقالوا: یکونون في برزخ. وسبب اختلاف الثلاثة الأقوال: اختلاف الآثار في ذلك، ومخالفة بعضها لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١١٥]، والصبيّ والمجنون لا يفهمون، ولا يخاطبون، فهم كالبهائم، فلم يُبعث إليهم رسول، فلا يعذَّبون. والحاصل من مجموع ذلك - وهو: القول الحقّ الجاري على أصول أهل الحقّ -: أن العذاب المترتب على التكليف لا يعذّبه من لم يكلّف، ثم لله (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢١/٧. (٢) ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٤/ ٥٦٢. (٣) هذا على حَسَب ما ثبت لدى القرطبيّ، وإلا فقد تقدّم أن الأقوال عشرة، فتنبّه. البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ٥٠٨ تعالى أن يعذِّب من شاء ابتداء من غير تكليف، من صبيّ أو مجنون، أو غير ذلك بحكم المالكية، وأنه لا حَجْر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالماً بشيء من ذلك إن فعله، كما قررناه في الباب قبل هذا، وعلى هذا يدلّ قوله وَّ في حديث عائشة فيها: ((إن الله خلق للجنة أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم))، وقد قدّمنا أن الأعمال معرّفات، لا موجبات. انتهى(١). (قَالَ) بَطِّ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: معناه: الله أعلم بما جَبَلَهم عليه، وطَبَعهم عليه، فمن خلقه الله تعالى على جبلّة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه الله على جبّة الكفار من القسوة والمخالفة، كان من أهل النار، وهذا كما قال في غلام الخضر: ((طُبع يوم طبع كافراً))، وهذا الثواب والعقاب ليس مرتّباً على تكليف، ولا مرتبطاً به، وإنما هو بحكم علمه ومشيئته. وأما من قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمَده قوله وَّ: ((هم من آبائهم»، ولا حجّة فیه لوجهین : أحدهما: أن المسألة علمية، وهذا خبر واحد، وليس نصّاً في الغرض. وثانيهما: سلّمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل، وعليها خرج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول الله إنا نبيّت أهل الدار من المشركين، وفيهم الذراري؟ فقال: ((هم من آبائهم))؛ يعني: في جواز القتل في حال التبييت، وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٨] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((كُلُّ (١) «المفهم)) ٦٧٨/٦ - ٦٧٩. (٢) ((المفهم)) ٦٧٨/٦ - ٦٧٩. ٥٠٩ (٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٨) إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ(١) بَعْدُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ (٢)، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنٍ فَمُسْلِمٌ، كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُّهُ، يَلْكُرُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَيْهِ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل أربعة أبواب. شرح الحديث: (عَنِ الْعَلَاءِ) بن عبد الرحمن الْجهنيّ مولاهم المدنيّ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن يعقوبِ الجهنيّ مولاهم المدنيّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿ُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ)؛ أي: على ملّة الإسلام (وَأَبَوَاهُ) وفي نسخة: ((أبواه)) بحذف الواو، (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد أن ولدته أمه على الفطرة، (يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُتَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) وفي بعض النسخ: ((وينصّرانه، ويمجّسانه)) بالواو، (فَإِنْ كَانَا)؛ أي: الأبوان، (مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ)؛ أي: فالمولود مسلم تبعاً لهما، (كُلُّ إِنْسَانٍ) هكذا النسخ بدون واو، و((كلُّ) مبتدأ، وقوله: (تَلِدُهُ أَمُّهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((إنسان))، وجملة قوله: (يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ) خبر المبتدأ، و((يلْكُز)) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: لكزه لَكْزاً، من باب قَتَلَ: ضربه بجُمْع كفّه في صدره، وربّما أُطلق على جميع البدن، قاله الفيّوميّ(٣). (فِي حِضْنَيْهِ) قال النوويّ تَخْذَلُهُ: هكذا هو في جميع النُّسخ: ((في حضنیه)) بحاء مهملة مكسورة، ثم ضاد معجمة، ثم نون، ثم ياء، تثنية حِضْن، وهو الجَنْب، وقيل: الخاصرة، قال القاضي: ورواه ابن ماهان: ((خِصْييه)) بالخاء المعجمة، والصاد المهملة، وهو الأنثيان، قال القاضي: وأظنّ هذا وَهَماً، بدليل قوله: ((إلا مريم، وابنها))، وسبق شرح هذا الحديث في ((كتاب الفضائل))، وسبق ذِكْر الغلام الذي قتله الخضر في فضائل الخضر. انتهى (٤). (١) وفي نسخة: ((أبواه)). (٢) وفي نسخة: ((أو ينصّرانه، أو يمجّسانه)). (٣) ((المصباح المنير)) ٥٥٨/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢١٠/١٦ - ٢١١. ٥١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر (إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا))) عَِّ وفي رواية للبخاريّ: ((كلُّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب))؛ أي: في المشيمة التي فيها الولد(١)، قال القرطبيّ: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط، فحَفِظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها، حيث قالت: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى ◌ِلَّلا(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٩] (٢٦٥٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَيُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القُرَشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت١٥٨) وقيل: سنة تسع (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣. ٢ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الليثيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت٥ أو ١٠٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦. والباقون ذُكروا قبل أربعة أحاديث. وقوله: (سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ) وفي رواية ابن عباس: ((ذراري المشركين))، قال الحافظ تَّلهُ: ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية هذا السائل، لكن عند أحمد، وأبي داود، عن عائشة ﴿ّا ما يَحْتَمِل أن تكون هي السائلة، فأخرجا من طريق عبد الله بن أبي قيس، عنها: قالت: قلت: يا (١) قال في ((الفتح)) في موضع آخر: المراد بالحجاب: الجلدة التي فيها الجنين، أو الثوب الملفوف على الطفل. انتهى. (٢) ((الفتح)) ٥٢/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣١). ٥١١ (٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٠) رسول الله ذراريّ المسلمين؟ قال: ((مع آبائهم))، قلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين ... )) الحديث. ورَوَى عبد الرزاق من طريق أبي معاذ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: قالت: سألتْ خديجةُ النبيّ وَّر عن أولاد المشركين؟ فقال: ((هم مع آبائهم))، ثم سألته بعد ذلك، فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، ثم سألته بعدما استَحْكَم الإسلام، فنزل: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال: ((هم على الفطرة - أو قال -: في الجنة))، وأبو معاذ هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ولو صحّ هذا لكان قاطعاً للنزاع، رافعاً لكثير من الإشكال المتقدّم. انتھی(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغّْثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤٠] (.) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، مِثْلَ حَدِيثِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ، وَمَعْقِلٍ: سُئِلَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرام السَّمَرقنديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌّ [١١] (ت٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ - بفتح الموحّدة - الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. (١) ((الفتح)) ١٨٠/٤. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع وأربعين ومائتين (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠. ٥ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ، أبو عليّ، نُسِب إلى جدّه، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٦ - (مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ - بالموحّدة - مولاهم، صدوقٌ يخطئ [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ يعني: هؤلاء الثلاثة: معمر، وشعيب بن أبي حمزة، ومعقل بن عُبيد الله رووا هذا الحديث عن الزهريّ مثل رواية یونس، وابن أبي ذئب عنه. وقوله: (سُئِلَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ) - بتشديد الياء، وتخفيفها -: جمع ذُرّية، وذريةُ الرجل: أولاده، ويكون واحداً، وجمعاً(١). [تنبيه]: أما رواية معمر عن الزهريّ فساقها عبد الرزّاق تَخّْتُهُ في (مصنّفه))، فقال: (٢٠٠٧٧) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله وَله عن أطفال المشركين؟ فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). انتهى (٢). وأما رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ، فساقها البخاريّ كَّتُ في («صحیحه))، فقال: (١٣١٨) - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الليثيّ، أنه سمع أبا هريرة ◌َظُه يقول: سئل النبيّ وَّر عن ذراريّ (١) ((عمدة القاري)) ١٤٩/٢٣. (٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١/ ١١٧. ٥١٣ (٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤١ - ٦٧٤٢) المشركين؟ فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). انتهى(١). وأما رواية معقل بن عبيد الله عن الزهريّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِلَّهِ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرَاً، فَقَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، و((ابن أبي عمر)» هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، و((سُفيان)) هو: ابن عيينة، و((أبو الزنا)) هو: عبد الله بن ذكوان، و((الأعرج)) هو: عبد الرحمن بن هُرمُز. وقوله: (مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيراً) ((مَن)) اسم موصول في مجلّ جرّ بدل من ((أطفال))، و((صغيراً)) حال من الفاعل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤٢] (٢٦٦٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَهِ عَنْ أَطْفَالٍ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: ((اللهُ أَعْلَّمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (أَبُو عَوَانَةً) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُو بِشْرٍ) جعفر بن إياس أبو بشر بن أبي وحشية - بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية - ثقة من أثبت الناس في (١) (صحيح البخاريّ)) ٤٦٥/١. ٥١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، من الخامسة، مات سنة خمس وقيل: ست وعشرين، (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٨/٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة، قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين، (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر ﴿هَا، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي بشر عن سعيد، وفيه ابن عبّاس طيّ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: ﴿ّ؛ أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ) قال في ((الفتح)): (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) لم يسمع ابن عباس رضيًّا هذا الحديث من النبيّ وَّةِ، بَيَّن ذلك أحمد، من طريق عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس قال: كنت أقول في أولاد المشركين: هم منهم، حتى حدّثني رجل عن رجل، من أصحاب النبيّ وَّ، فلقيته، فحدّثني عن النبيّ وَلّر أنه قال: ((ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين))، فأمسكت عن قولي. انتهى(١). (عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ)؛ أي: عن حُكمهم، أهم من أهل الجنّة، أم من أهل النار؟ (قَالَ) بَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))) قال ابن قتيبة: أي: عَلِم أنهم لا يعملون شيئاً، ولا يرجعون، فيعملون، أو أخبر بعلم الشيء لو وُجد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُواْ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ولكن لم يُرِد أنهم يُجَازَوْن بذلك في الآخرة؛ لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل. وقال ابن بطال: يَحْتَمِل قوله: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) وجوهاً من التأويل : (١) ((الفتح)) ٤/ ١٨٠ رقم (١٣٨٣). ٥١٥ (٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٣) أحدها: أن يكون قبل إعلامه أنهم من أهل الجنة. الثاني: أي: على أيّ دين يميتهم لو عاشوا، فبلغوا العمل، فأما إذا عُدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له. الثالث: أنه مُجمل يفسره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، فهذا إقرار عامّ يدخل فيه أولاد المؤمنين والمشركين، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث، ممن أقرّ بهذا الإقرار من أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدِّم، لا يُقضَى له بغيره؛ لأنه لم يدخل عليه ما يَنقُضه إلى أن يبلغ الحنث، وأما من قال: حكمهم حكم آبائهم، فهو مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ﴾ الآية [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧، والنجم: ٨٣](١). وقوله: (إِذْ خَلَقَهُمْ) ظرف لـ((أعلم))؛ أي: حين خلقهم، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٧٤٢] (٢٦٦٠)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٨٣) و((القدر)) (٦٥٩٧)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٧١١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٩٥١ و١٩٥٢) وفي ((الكبرى)) (٢٠٧٨ و٢٠٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٥/١ و٣٢٨ و٣٤٠ و٣٥٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤٣] (٢٦٦١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْتَبِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَسْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِراً، وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَاناً وَكُفْرَاً)). (١) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٨. ٥١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْتَبٍ) الحارثيّ القعنبيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ مولاهم البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (رَقَبَةُ - بقاف، وموحّدة مفتوحتين ـ ابْنُ مَسْقَلَةَ) بالسين، ويقال فيه: مصقلة - بالصاد - العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ، وكان يمزح [٦] (ت١٢٩) (خ م ت س فق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢. ٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، اختلط بأخرة، وكان يدلّس [٣] (ت١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٦ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، سيد القرّاء، ويكنى أبا مه، اختلف في سنة موته اختلافاً كثيراً، الطفيل أيضاً، من فُضلاء الصحابة قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٦. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من ثمانيّات المصنّف، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ، ورواية سليمان عن رقبة من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان من الطبقة الرابعة، ورقبة من السادسة على ما في ((التقريب))، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : أنه (قَالَ: قَالَ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿يَا؛ (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ الْغُلَّمَ) قال أبو عبد الله القرطبيّ كَّتُهُ: اختَلَف العلماء في الغلام، هل كان بالغاً أم لا؟ فقال الكلبيّ: كان بالغاً يقطع الطريق بين قريتين، وأبوه من عظماء أهل إحدى القريتين، وأمه من عظماء القرية الأخرى، فأخذه ٥١٧ (٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٣) الخضر، فصرعه، ونزع رأسه عن جسده، قال الكلبيّ: واسم الغلام: شمعون، وقال الضحاك: حیسون، وقال وهب: اسم أبیه: سلاس، واسم أمه: رحمى، وحگی السُّھیليّ أن اسم أبيه: کازیر، واسم أمه: سهوى. وقال الجمهور: لم يكن بالغاً، ولذلك قال موسى: زاكية، لم تذنب، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في النساء. وكان الخضر قتله لمّا عَلِم من سِرّه، وأنه طُبع كافراً كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك لأرهق أبويه كفراً، وقتل الصغير غير مستحيل، إذا أذن الله في ذلك، فإن الله تعالى الفعال لِمَا يريد، القادر على ما يشاء، وفي ((كتاب العرائس)): إن موسى لمّا قال للخضر: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّبِيَّةٌ﴾ [الكهف: ٧٤] الآية، غَضِب الخضر، واقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم عنه، وإذا في عظم كتفه مكتوب: كافر، لا يؤمن بالله أبداً . وقد احتَجّ أهل القول الأول بأن العرب تُبقي على الشابّ اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية [من الطويل]: شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا وقال صفوان لحسان [من الطويل]: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرٍ وفي الخبر: إن هذا الغلام كان يُفسد في الأرض، ويُقسم لأبويه أنه ما فَعَل، فيُقسمان على قَسَمه، ويَحميانه ممن يطلبه، قالوا: وقوله: ﴿ِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] يقتضي أنه لو كان عن قَتْل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدلّ على كِبَر الغلام، وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، وإنما جاز قتله؛ لأنه كان بالغاً عاصياً. قال ابن عباس: كان شاباً يقطع الطريق. وذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سنّ التكليف؛ لقراءة أُبَيّ، وابن عباس: ((وأما الغلام فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين))، والكفر والإيمان من صفات المكلفين، ولا يُطلق على غير مكلّف، إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنصّ، فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيَّن أن يصار إليه، ٥١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر والغلام من الاغتلام، وهو شدّة الشَّبَق. انتهى(١). (الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ) قال أبو عبد الله القرطبيّ تَظُْ في ((تفسيره)): في البخاريّ: قال يعلى: قال سعيد: وجد غلماناً يلعبون، فأخذ غلاماً كافراً، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، ﴿قَالَ أَقْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ لم تعمل بالحنث، وفي ((الصحيحين)): ((ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده، فقتله ... ))، وقيل: إن الخضر مرّ بغلمان يلعبون، فأخذ بيده غلاماً ليس فيهم أضوأ منه، وأخذ حجراً، فضرب به رأسه حتى دمغه، فقتله، قال القرطبيّ: ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يَحْتَمِل أن يكون دمغه أوّلاً بالحجر، ثم أضجعه، فذبحه، ثم اقتلع رأسه، والله أعلم بما كان من ذلك، وحَسْبك بما جاء في ((الصحيح)). انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما في ((الصحيحين)) من قوله: ((فاقتلع رأسه بيده)) هو المعوّل عليه، وأما القولان الآخران، فلا يُعوّل عليهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (طُبعَ كَافِراً) بالبناء للمفعول، وفي رواية: ((طُبع يوم طُبع كافراً))؛ أي: ◌ُخُلق يوم خُلق كافراً؛ يعني: خُلق على أنه يَختار الكفر، فلا ينافي ما تقدّم من قوله وَجر: ((كل مولود يولد على الفطرة))؛ إذ المراد بالفطرة: استعداد قبول الإسلام، وهو لا ينافي كونه شقيّاً في جِبِلّته(٣). (وَلَوْ عَاشَ) ذلك الغلام (لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَاناً وَكُفْراً))؛ أي: حَمَلهما عليهما، وألحقهما بهما، والمراد بالطغيان ها هنا: الزيادة في الضلال، قاله النوويّ، وقال السنديّ: أي: كلّفهما الطغيان، وحَمَلهما عليه، وعلى الكفر؛ أي: ما تَرَكهما على الإيمان. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢١/١١. (٢) ((تفسير القرطبىّ)) ٢٠/١١ - ٢١. (٣) ((تحفة الأحوذيّ)) ٨/ ٤٧٣. (٤) ((عون المعبود)) ٣٠٩/١٢. ٥١٩ (٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٤٤) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب ◌ُّه هذا من أفراد المصنّف نَّلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٤٣/٦] (٢٦٦١)، وتقدّم ضمن الحديث الطويل في ((فضائل الخضر)) برقم [٦١٤٤/٤٦] (٢٣٨٠)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٧٠٥ و٤٧٠٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٥٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٩/٣ و٣٨٨/٦)، و(عبد الرزّاق) في ((تفسيره)) (٤١١/٢)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٣/١٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٨/٥ و١٢١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٣/١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٨٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٢١)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (١/ ٨٦)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٠٧٥)، و(البيهقيّ) في ((الاعتقاد)) (١٣٩/١ و١٦٦)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (١٧٤/٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤٤] (٢٦٦٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَّلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ صَبِيٌّ، فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَوَ لَا تَدْرِينَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ النَّارَ، فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلاً، وَلِهَذِهِ أَهْلاً؟))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بن رافع الأسديّ الكاهليّ، ويقال: الثعلبيّ الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِم [٦] تقدم في ((البر والصلة والآداب)) ٦٦٨٣/٤٨. ٢ - (فُضَيْلُ بْنُ عَمْرِو) الْفُقيميّ - بالفاء، والقاف، مصغراً - أبو النضر الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت١١٠) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٢/٤١. ٥٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ٣ - (عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيمية، أم عمران، كانت فائقة الجمال، وهي ثقة [٣] (ع) تقدم في (الصيام)) ٢٧١٤/٣٤. ٤ - (عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) عَّا تقدّمت قريباً . والباقيان ذُكرا في الباب، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد، وشرح الحديث يأتي بعده. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٤٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى جَنَازَةٍ صَبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ: ((أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلاً، خَلَقَهُمْ لَهَا، وَهُمْ فِي أَصْلَابٍ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلاً، خَلَقَهُمْ لَهَا، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (طَلْحَةُ بْنُ بَحْيَى) بن طلحة بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يخطئ [٦] (ت١٤٨) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب. شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) ﴿ّا؛ أنها (قَالَتْ: دُعِيَ) بضمّ أوله، مبنيّاً للمفعول، ونائب فاعله قوله: (رَسُولُ اللهِ﴿ إِلَى جَنَازَةٍ صَبِيٍّ) وفي رواية النسائيّ: ((أُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّه بِصَبِيِّ، مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ)). (مِنَ الأَنْصَارِ) بفتح الهمزة: لقب لمسلمي الأوس والخزرج الذين نصروا الإسلام، وآووا المسلمين، قال في ((اللسان)): والأنصار أنصار النبيّ بَّ، غَلَبت عليهم الصفة، فجرى مَجْرَى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أُضيف إليه