Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا بُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ،
وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ
جَدْعَاءَ؟))، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ الَّهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٣٠]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤدّب الشاميّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ(١) [١٠] (ت٢٢٨) (م كد) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) برقم [١١٧٤].
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش - بالمعجمة - ثقةٌ [٩]
(ت١٩٤) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤].
٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) - بالزاي، والموحّدة، مصغراً - محمد بن الوليد بن عامر،
أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو
٧ أو ١٤٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤].
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أحد
العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ
المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد
التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
و «أبو هريرة ◌ُه)) ذكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالشاميين،
والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء
السبعة، وفيه أبو هريرة رضيله أحفظ من روى الحديث في دهره.
(١) هذا أولى من قول ((التقريب)): صدوق، كما يظهر من ترجمته في ((تهذيب
التهذيب».

٤٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) وفي
رواية البخاريّ: ((عن أبي سلمة)) بدل سعيد بن المسيّب، قال في ((الفتح)): قوله:
((عن أبي سلمة)) هكذا رواه ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، وتابعه يونس من طريق
عبد الله بن المبارك عنه، وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، وخالفهما
الزُبيديّ، ومعمر، فروياه عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب بدل أبي سلمة،
وأخرجه الذَّهْليّ في ((الزهريات)) من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن حميد بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وقد تقدم من طريق شعيب، عن الزهريّ، عن أبي
هريرة، من غير ذِكر واسطة، وصنيع البخاريّ يقتضي ترجيح طريق أبي سلمة،
وصنيع مسلم يقتضي تصحيح القولين عن الزهريّ، وبذلك جزم الذَّهْليّ. انتهى(١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ اَلِّ: (مَا) نافية،
(مِنْ مَوْلُودٍ) ((من)) زائدة بعد النفي، كما قال في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ نَكِرَةً كَـمَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرّ))
وفي الرواية الآتية: ((كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَّةِ))، وفي رواية
للبخاريّ: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة). قال في ((الفتح)): قوله: ((كل مولود))؛
أي: من بني آدم، وصرَّح به جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة،
بلفظ: ((كلُّ بني آدم يولد على الفطرة))، وكذا رواه خالد الواسطيّ، عن
عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، ذكرها ابن عبد البرّ.
واستُشْكِل هذا التركيب بأنه يقتضي أن كل مولود يقع له التهويد وغيره،
مما ذُكر، والفرض أن بعضهم يستمرّ مسلماً، ولا يقع له شيء.
والجواب: أن المراد من التركيب أن الكفر ليس من ذات المولود،
ومقتضى طبعه، بل إنما حصل بسبب خارجيّ، فإن سَلِم من ذلك السبب،
استمرَّ على الحقّ، وهذا يُقَوِّي المذهب الصحيح في تأويل الفطرة، كما
سيأتي. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ١٨١/٤، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٨٥).
(٢) ((الفتح)) ١٨١/٤، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٨٥).

٤٨٣
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
قال الطيبيّ كَُّهُ: و((مولود)) مبتدأ، وقوله: (إِلَّا يُولَدُ) خبره؛ لأن ((من))
الاستغراقيّة في سياق النفي يفيد العموم، كقولك: ما أحد خير منك، والتقدير:
ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر، والفطرة تدلّ على
نوع منها، وهو الابتداء والاختراع، كالجلسة، والقعدة، والمعنى بها هنا:
تمكّن الناس من الهدى في أصل الجبلّة، والتهيّؤْ لقبول الدِّين، فلو تُرك عليها
لاستمرّ على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدِّين حُسنه موجود في
النفوس، وإنما يُعدل عنه لآفة من الآفات البشريّة والتقليد، كقوله تعالى:
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوَأْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. انتهى (١).
(عَلَى الْفِطْرَةِ) بكسر الفاء، وسكون الطاء المهملة، سيأتي الاختلاف في
تفسيرها قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(فَأَبَوَاهُ)؛ أي: المولود، قال الطيبيّ نَّتُهُ: الفاء إما للتعقيب، أو
السببية، أو جزاء شرط مقدّر؛ أي: إذا تقرَّر ذلك، فمن تغيَّر كان بسبب أبويه،
إما بتعليمهما إياه، أو بترغيبهما فيه، وكونُهُ تبعاً لهما في الدِّين يقتضي أن يكون
حُكمه حُكمهما، وخُصّ الأبوان بالذِّكر؛ للغالب، فلا حجة فيه لمن حَكَم
بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرين، كما هو قول أحمد، فقد استمرّ عمل
﴿يّ، ومن بعدهم على عدم التعرّض لأطفال أهل الذمة(٢).
الصحابة
(بُهَوِّدَانِهِ)؛ أي: يجعلانه يهوديّاً إذا كان يهوديين، (وَيُنَصِّرَانِهِ)؛ أي: يجعلانه
نصرانيّاً إذا كانا نصرانيين، (وَيُمَجِّسَانِهِ)؛ أي: يجعلانه مجوسيّاً إذا كان مجوسیین.
قال الحافظ وليّ الدين تَخْذَلُهُ: قوله: ((فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه)) يَحْتَمِل
أن يكون بطريق العقل، والتعليم، والتسبيب، ويَحْتَمِل أن يكون بالتبعية حكماً،
وإن لم يقع ذلك فعلاً، وفيه على الثاني: تبعية الصغير لأبويه الكافرين في حكم
الكفر، وهو كذلك بالإجماع، والواو في قوله: ((وينصّرانه)) بمعنى ((أو))؛ لأن
الأبوين لا يفعلان الأمرين معاً، وإنما يفعلان أحدهما. انتهى(٣).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢ /٥٤٥ - ٥٤٦.
(٢) (الفتح)) ١٨٥/٤.
(٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢١/٧.

٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وقوله: (كَمَا) قال الطيبيّ ◌َُّهُ: إما حال من الضمير المنصوب في
(يهوّدانه)) مثلاً، فالمعنى: يهوّدان المولودَ بعد أن خُلق على الفطرة شبيهاً
بالبهيمة التي جُدعت بعد أن خُلقت سليمةً، وإما صفة مصدر محذوف؛ أي:
يغيّرانه تغييراً مثل تغييرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة؛ أعني: ((يهوّدانه))،
و((ينصّرانه))، و((يُمجّسانه)) تنازعن في ((كما)) على التقديرين.
وفي رواية للبخاريّ: ((كمثل البهيمة تُنتج البهيمةَ))؛ أي: تَلِدها،
فـ((البهيمةَ)) الثانيةُ بالنصب على المفعولية.
وقوله: (تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ) - بضم أوله، وسكون النون، وفتح المثناة، بعدها
جيم - قال أهل اللغة: نُتجت الناقة على صيغة ما لم يُسَمَّ فاعله، تُنْتَج، بفتح
المثناة، وأَنْتَجَ الرجلُ ناقته، يُنِجُها إنتاجاً، قاله في ((الفتح))(١).
وقال الفيّوميّ كَّلُهُ: ((النِّتاج)) بالكسر: اسم يَشمَل وَضْع البهائم من
الغنم، وغيرها، وإذا وَلِي الإنسانُ ناقةً، أو شاة ماخِضاً حتى تضع قيل: نَتَجَهَا
نَتْجاً، من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة؛ لأنه يتلقى الولد، ويصلح من شأنه،
فهو نَاتِجٌ، والبهيمة مَنْتُوجَةٌ، والولد نَتِيجَةٌ، والأصل في الفعل أنْ يتعدّى إلى
مفعولين، فيقال: نَتَجَهَا ولداً؛ لأنّه بمعنى ولّدها ولداً، وعليه قوله [من الوافر]:
هُمُ نَتَجُوكَ تَحْتَ اللّيْلِ سَقْبا
خَبِيثَ الرِّيحِ مِنْ خَمْرٍ وَمَاءٍ
ويُبنى الفعل للمفعول، فيُحذف الفاعل، ويقام المفعول الأول مُقامه،
ويقال: نُتِجَتِ النّاقَة ولداً: إذا وضعته، ونُتِجَتِ الغنم أربعين سَخْلةً، وعليه قول
زهير [من الطويل]:
كَأَحْمَرٍ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ
ويجوز حَذْف المفعول الثاني اقتصاراً؛ لفهم المعنى، فيقال: نُتِجَّتِ
الشاةُ، كما يقال: أُعطيَ زيدٌ، ويجوز إقامة المفعول الثاني مُقام الفاعل،
وحَذْف المفعول الأول؛ لِفَهم المعنى، فيقال: نُتِج الولدُ، ونُتِجَتِ السَّخلةُ؛
أي: ولدت، كما يقال: أُعطي درهمٌ، وقد يقال: نَتَجَتِ الناقةُ ولداً بالبناء
للفاعل، على معنى وَلَدت، أو حَمَلت، قال السَّرَقُسْطِيّ: نَتَجَ الرجلُ الحاملَ،
(١) ((الفتح)) ٤ /١٨٥.

٤٨٥
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
وَضَعَت عنده، ونَتَجَتْ هي أيضاً: حَمَلت لغةٌ قليلةٌ، وأَنْتَجَتِ الفرسُ، وذو
الحافر بالألف: استبان حملُها، فهي نَتُوجٌ. انتهى كلام الفيّوميّ (١)، وهو
بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(بَهِيمَةً جَمْعَاءَ)؛ أي: لم يذهب من بدنها شيء، سُمّيت بذلك؛ لاجتماع
سلامة أعضائها، لا جَدْع بها، ولا كيّ(٢).
وقال الطيبيّ كَخْتُهُ: (تُنتج)) يُروى على بناء المفعول، وفي ((المُغْرب)) عن
الليث: وقد نُتجت الناقة.
(هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا) بضمّ حرف المضارعة، وكسر الحاء المهملة، وتشديد
السين المهملة، من الإحساس، وهو الإدراك بإحدى الحواسّ، قاله وليّ الدين(٣)،
وقال في ((الفتح)): والمراد به العلم بالشيء، يريد أنها تُولَد لا جدع فيها، وإنما
يَجْدعها أهلها بعد ذلك، وفي رواية البخاريّ: ((هل ترى فيها جدعاء؟)).
وقوله: (مِنْ جَدْعَاءَ))) - بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة، وبالمدّ -
أي: مقطوعة الأذن، أو غيرها من الأعضاء، ومعناه أن البهيمة تَلِد البهيمة
كاملة الأعضاء، لا نقص فيها، وإنما يحصل فيها النقص، والجدع بعد
ولادتها، فكذلك يخرج المولود سليماً من الكفر، وإنما يطرأ له ذلك بعدُ، قاله
وليّ الدين كَُّهُ(٤).
أي: مقطوعة الأذن، قال الطيبيّ ◌َخْذُهُ: قوله: ((هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ
جَدْعَاءَ؟)) في موضع الحال؛ أي: بهيمة سليمةً مقولاً في حقّها هذا القول، وفيه
نوع من التأكيد بمعنى أن كل من نظر إليها قال ذلك؛ لظهور سلامتها،
و((الجدعاء)): المقطوعة الأذن، ففيه إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر، كان
بسبب صَمَمِهم عن الحقّ، وأنه كان خليقاً فيهم. انتهى(٥).
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩١/٢ - ٥٩٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤٦/٢.
(٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢٩/٧.
(٤) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢٩/٧.
(٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤٦/٢.

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
[تنبيه]: قال الحافظ تَّلُهُ: ذكر ابن هشام في ((المغني)) عن ابن هشام
الخضراويّ أنه جعل هذا الحديث شاهداً لورود ((حتى)) للاستثناء، فذكره بلفظ:
((كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه، وينصّرانه))،
وقال: ولك أن تخرّجه على أن فيه حذفاً؛ أي: يولد على الفطرة، ويستمرّ على
ذلك حتى يكون؛ يعني: فتكون للغاية على بابها. انتهى، ومال صاحب
((المغني)) في موضع آخر إلى أنه ضُمِّن ((يولد)) معنى ينشأ مثلاً، قال: وقد
وجدت الحديث في ((تفسير ابن مردويه)) من طريق الأسود بن سَرِيع بلفظ:
((ليست نَسَمةٌ تولد، إلا وُلدت على الفطرة، فما تزال عليها، حتى يُبين عنها
لسانها ... )) الحديث، وهو يؤيد الاحتمال المذكور، واللفظ الذي ساقه
الخضراوي لم أره في (الصحيحين))، ولا غيرهما، إلا عند مسلم(١) في الرواية
الآتية بلفظ: ((حتى يعبّر عنه لسانه))، ثم وجدت أبا نعيم في ((مستخرجه على
مسلم)) أورد الحديث من طريق كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن
الزُّبيديّ، عن الزهريّ بلفظ: ((ما من مولود يولد في بني آدم، إلا يولد على
الفطرة، حتى يكون أبواه يهودانه ... )) الحديث، وكذا أخرجه ابن مردويه من
هذا الوجه، وهو عند مسلم(٢) عن حاجب بن الوليد، عن محمد بن حرب،
بلفظ: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، أبواه يهودانه ... ))، الحديث.
انتھی .
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه، هذا ظاهر في أن تلاوة الآية من أبي هريرة،
وليس مرفوعاً، ففي الرواية الآتية إدراجٌ، فليُتنبّه.
قال الطيبيّ كَّهُ: قوله: ((ثم يقول)) الظاهر: ثم قرأ، فعدل إلى القول،
وأتى بالمضارع على حكاية الحال الماضية؛ استحضاراً له في ذهن السامع،
كأنه يسمع منه بَّر. انتهى كلام الطيبيّ ◌َُّهُ(٣).
واعترضه القاري، قائلاً: إن العلّة المذكورة لا تصلح أن تكون سبباً
(١) هو الحديث الخامس في هذا الباب.
(٢) هو الحديث الأول في الباب، وهو الذي نشرحه الآن.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤٦/٢.

٤٨٧
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
للعدول إلى القول، فالأظهر ما قاله ابن حجر: إن ظاهر السياق: ثم قرأ،
فعَدَل عنه لفظاً إشارة فيما يظهر - والله أعلم - أن اللفظ القرآنيّ في مقام
الاستدلال لا تجري عليه أحكام القرآن؛ لأن ذِکره للاستدلال به صارف له عن
القرآنيّة. اهـ. ويؤيّده ترك الاستعاذة في ابتدائه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الطيبيّ: هو التوجيه الأقرب،
وأما ما استظهره القاري مما قاله ابن حجر، ففيه نظر، ولا سيّما قوله: صارف
له عن القرآنيّة غير صحيح؛ بل باطلٌ؛ فإن الاستدلال بالقرآن لا يصحّ إلا بكونه
قرآناً، وأما إذا خرج عن كونه قرآناً فليس محلّ استدلال، وأما ما أيّد به من
تَرْك الاستعاذة فيه، فلا يدلّ عليه؛ وإنما يدل على كون الأمر بالاستعاذة في
الآية للاستحباب، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(وَاقْرؤوا إِنْ شِئْتُمْ) معرفة الدليل على ما ذُكر من القرآن قوله تعالى:
(﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]) بنصب ((فطرة)) على الإغراء؛ أي: الزموها، وسيأتي
ما قيل في معناها. (﴿ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ﴾ [الروم: ٣٠])؛ أي: خَلَقهم ابتداءً،
وجَبَلهم (﴿عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠])؛ أي: على تلك الفطرة، (﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ﴾.
[الروم: ٣٠])؛ أي: فيكم، من قبول الإسلام، وهو مؤوّل بأنه من شأنه، أو
الغالب فيه، أنه لا يبدّل، أو يقال: الخبر بمعنى النهي، ولا يجوز أن يكون
إخباراً محضاً، لحصول التبديل.
قال حماد بن سلمة في معنى الحديث: هذا عندنا حيث أَخَذ الله العهد
في أصلاب آبائهم، فقالوا: بلى، قال الخطابيّ: هذا معنى حسنٌ، وكأنه ذهب
إلى أنه لا عبرة بالإيمان الفطريّ في أحكام الدنيا، وإنما يُعتبر الإيمان الشرعيّ
المكتسَب بالإرادة، ألا ترى أنه يقول: ((فأبواه يهودانه)) في حكم الدنيا، فهو
مع وجود الإيمان الفطريّ فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين.
قال القرطبيّ كَّتُهُ: أقول - والعلم عند الله تعالى -: ويؤيّد هذا وجوه:
أحدها: أن التعريف في قوله وَعليه: ((يولد على الفطرة)) إشارة إلى معهود،
وهو قوله تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٦٤/١.

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
الآية [الروم: ٣٠]؛ لأن معنى المأمور به بقوله: ﴿فَأَقِّرْ وَجْهَكَ﴾ [الروم: ٤٣]:
اثبُت على العهد القديم المعنيّ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وثانيها: ما جاء في طرق هذا الرواية: ((ما من مولود إلا وهو يولد على
الملّة))، وكذا أورد الترمذيّ هذا الحديث في كتابه بغير لفظة الفطرة، ولفظه:
((كلّ مولود يولد على الملّة))؛ لأن الدِّين في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ
حَنِيفًا﴾ هو عَيْن الملّة؛ لقوله تعالى: ﴿دِينًا فِيَّمًا مِلَّةَ إِنَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام:
(١٦]، وقوله: ﴿ حكاية عن الله تعالى: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلّهم وإنهم
أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم ... )) الحديث، أخرجه مسلم.
وثالثها: التشبيه بالمحسوس المعايَن؛ ليفيد أن ظهوره بلغ في الكشف
والبيان مبلغ هذا المحسوس المشاهَد، ثم قيّده بقوله: ((هل تحسّونه)) تقريراً
لذلك، کما سبق.
وتلخيصه: أن العالَم إما عالم الغيب، وإما عالم الشهادة، فإذا نُزِّل
الحديث على عالم الغيب أشكل معناه، وإذا صُرِف إلى عالم الشهادة الذي
عليه مبنى ظاهر الشرع، سهل تعاطيه، كما قال الخطابيّ.
وتحريره: أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم
الغيب، وأنه وُلد على الخلقة التي خَلَق الله الناس عليها، من الاستعداد
للمعرفة، وقبول الحق، والتأبي عن الباطل، والتمييز بين الخطأ والصواب،
حَكَمَ بأنه لو تُرك على ما هو عليه، ولم يَعْتَوِره من الخارج ما يَصُدّه عن النظر
الصحيح من فساد التربية، وتقليد الأبوين، والإِلْف بالمحسوسات، والانهماك
في الشهوات، ونحو ذلك، استَمَرّ على ما كان عليه من الفطرة السليمة، ولم
يَختر عليه شيئاً، ويَنظُر فيما نُصب من الدلائل على التوحيد، وصِدق
الرسول وَله، وغير ذلك نظراً صحيحاً يوصله إلى الحقّ، ويهديه إلى الرّشْد،
وعَرَف الصواب، واتّبَع الحقّ، ودخل في الملة الحنيفية، ولم يلتفت إلى ما
سواها، لكن يصدُّه عن ذلك أمثال هذه العوائق.
[فإن قلت]: أمْر الغلام الذي قتله الخضر ينقض عليك هذا البناء؛ لأنه
لم يُلحق بأبويه، بل خيف إلحاقهما به؛ لقول تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا

٤٨٩
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠]، ولقوله وَّ: ((الغلام الذي قتله الخضر طُبع يوم طُبع
کافراً»، وهو حديث رواه مسلم.
[قلت]: لا ينقضه، بل يرفعه، ويُشَيِّد بنيانه؛ لأن الخضر؛ نظر إلى عالم
الغيب، وقَتل الغلام، وموسى لعلّله اعتبر عالم الشهادة، وظاهر الشرع، فأنكر
عليه، ولذلك لمّا اعتَذَر الخضر بالعلم الخفي الغائب، أمسك موسى؛ عن
الاعتراض. انتهى كلام الطيبيّ تَّهُ(١).
وقوله: (الآيَةْ) تجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، النصب على تقدير فِعْل؛
أي: اقرأ الآية إلى آخرها، والرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: الآية
مقروءة بتمامها، والجرّ بتقدير: إلى آخر الآية، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
هذا متفق عليه .
لضُوعيه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٧٣٢ و٦٧٣٣ و٦٧٣٤ و٦٧٣٥ و٦٧٣٦
و٦٧٣٧ و٦٧٣٨] (٢٦٥٨)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٥٨ و١٣٥٩ و١٣٨٥)
و((التفسير)) (٤٧٧٥) و((القدر)) (٦٥٩٩)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٢٢٩/٤
و٢٣٠)، و(الترمذيّ) في ((القدر)) (٢١٣٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٤١/١)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٢٨٢ و٣٤٦
و٣٩٣ و٤١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(الطحاويّ)
في ((مشكل الآثار)) (١٦٢/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٩٧/١١ و٢٨٢)،
و(الآجرّيّ) في ((الشريعة)) (ص١٩٤)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٩/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٢/٦ و٢٠٣) و((شُعب الإيمان)) (٩٧/١)
و((الاعتقاد)) (١٦٤/١ و١٥٥)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٩٩٤
و٩٩٥ و٩٩٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٨٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤٧/٢ - ٥٤٨.

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
١ - (منها): بيان إثبات القدر، وأن الله تعالى علم الأشياء قبل وجودها،
وقدّرها، وكتبها، ثم إنها توجد على طبق ذلك.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الولد الصغير يتبع أبويه في الإسلام
والكفر، ففي رواية لمسلم: ((فإن كانا مسلمين فمسلم))، وقد أجمع المسلمون
على ذلك، وإنما اختلفوا فيما إذا أسلم أحد أبويه، فقال الشافعيّ، وأبو
حنيفة، وأحمد، والجمهور: يتبع أيهما أسلم، سواء كان هو الأب، أو الأم،
وقال مالك: يتبع أباه خاصّة، دون أمه، حتى لو أسلمت أمه، وأبوه كافر
استمرّ على الحكم له بالكفر.
واختلفوا أيضاً فيما إذا سُبِي، وليس معه أحد أبويه، فقال الجمهور
أيضاً: يتبع السابي، فإذا كان مسلماً فهو مسلم، ولو كان أبواه كافرين حيّين،
وقال مالك: هو على حاله من الحكم عليه بالكفر، ولو انفرد عنهما حتى يُسْلم
استقلالاً بعد البلوغ، ذكره وليّ الدين كَذّفُهُ(١).
٣ - (ومنها): أن ابن عبد البر: حكى عن طائفة أنه ليس في هذا الحديث
ما يقتضي العموم، وأن معناه: أن كل من وُلد على الفطرة، وكان أبواه على
غير الإسلام هوّداه، أو نصّراه، أو مجّساه، قالوا: وليس معناه أن جميع
المولودين يولدون على الفطرة، بل المعنى: أن المولود على الفطرة بين الأبوين
الكافرين يكفِّرانه، وكذا من يولد على الفطرة، وكان أبواه كافرين حُكم له
بحکمهما في صِغَره، حتى يبلغ، فیکون له حُكْم نفسه حينئذ، لا حكم أبويه.
واحتَجّ هؤلاء بحديث الغلام الذي قَتَله الخضر، فإنه لم يولد على
الفطرة، بل طُبع كافراً، وحديث أبي سعيد مرفوعاً: ((ألا إن بني آدم خُلقوا
طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمناً، ويحيا مؤمناً، ويموت مؤمناً، ومنهم من
يولد كافراً، ويحيا كافراً، ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً، ويحيا مؤمناً،
ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً، ويحيا كافراً، ويموت مؤمناً».
ويردّ هذا التأويل لفظ الرواية الأخرى بلفظ: ((ما من مولود يولد إلا على
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢٣/٧.

٤٩١
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
هذه الفطرة))(١)، فقد ذكره بأداة الحصر، فأفاد العموم، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى ((الفطرة)) المذكورة
في هذا الحديث:
(اعلم): أنه قد اختَلَف السلف في المراد بها على أقوال كثيرة:
[أحدها]: أن المراد: الخِلقة، فإن الفَظْر بمعنى الخَلْق، والمراد: الخلقة
المعروفة الأُولى المخالفة لخلق البهائم؛ أي: على خلقة يَعرف بها ربه، إذا
بلغ مبلغ المعرفة، ذكره ابن عبد البرّ عن جماعة من أهل الفقه والنظر، قال:
وأنكروا أن يُفْطَر المولود على كفر، أو إيمان، وإنما يعتقد ذلك بعد البلوغ إذا
مَيَّز، ولو فُطر في أول أمره على شيء ما انتقل عنه، وقد نجدهم يؤمنون، ثم
يكفرون، ومحال أن يعقل الطفل حال ولادته كفراً أو إيماناً، والله تعالى يقول:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَئِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فمن لا يعلم
شيئاً استحال منه الكفر والإيمان، قال ابن عبد البرّ: هذا القول أصحّ ما قيل
في ذلك.
[القول الثاني]: أن المراد هنا: الإسلام، حكاه ابن عبد البرّ عن أبي
هريرة، والزهريّ، وغيرهما، وقال هؤلاء: هذا هو المعروف عند عامّة
السلف، من أهل العلم بالتأويل، فقد أجمعوا في قول الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ
الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ [الروم: ٣٠] أنها دين الإسلام، واحتجوا بقول أبي
هريرة رضيه في هذا الحديث: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا﴾، واحتجوا بقوله في حديث عياض بن حمار ظراته: ((إن الله خَلَق آدم
وبنيه حنفاء مسلمين))، ثم ردّه ابن عبد البر بأن الإسلام مستحيل من الطفل،
وقرَّر المازري ذلك بأن المراد بالفطرة: ما أُخذ عليهم في صُلب آدم يوم:
﴿أَسْتُ بِرَبَّكُمْ﴾، وأن الولادة تقع عليها، حتى يقع التعبير بالأبوين، وقرره أبو
العباس القرطبيّ بأن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مُؤَهّلة لقبول الحقّ، كما
خَلَق أعينهم، وأسماعهم قابلةً للمرئيات، والمسموعات، فما دامت على ذلك
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢٣/٧.

٤٩٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
القبول، وعلى تلك الأهلية، أدركت الحقّ، ودين الإسلام، وصحح هذا أبو
العباس القرطبيّ بقوله في رواية مسلم: ((على هذه الملة))، وهي إشارة إلى ملة
الإسلام، قال: وقد جاء ذلك مصرَّحاً به في ((صحيح مسلم)): ((وإني خلقت
عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم ... ))
الحدیث .
وفي معنى ذلك قول النوويّ: الأصح أن معناه: أن كل مولود يولد متهيأ
للإسلام، فمن كان أبواه، أو أحدهما مسلماً استَمَرّ على الإسلام في أحكام
الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما، فيتبعهما في أحكام
الدنيا، وهذا معنى: ((يهوّدانه، وينصّرانه))؛ أي: يُحكم له بحكمهما في الدنيا،
فإن بلغ استمرّ عليه حُكمُ الكفر، ودينهما، فإن سبقت له سعادة أسلم، وإلا
مات على كفره. انتهى(١).
[القول الثالث]: أن المراد: البداءة التي ابتدأهم عليها؛ أي: على ما
فَطر الله عليه خَلْقه، من أنه ابتدأهم للحياة، والموت، والشقاء، والسعادة، قال
محمد بن نصر المروزيّ: وهذا المذهب سببه ما حكاه أبو عبيد، عن عبد الله بن
المبارك، أنه سئل عن قول النبيّ وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة)»، فقال:
يفسِّره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين، فقال: ((الله أعلم بما
كانوا عاملين))، قال: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه،
وقال ابنه عبد الله ما رسمه مالك في ((الموطا))، وذكره في أبواب القدر فيه من
الآثار ما يدلّ على أن مذهبه في ذلك نحو هذا القول.
[القول الرابع]: أن معناه: أن الله تعالى قد فطرهم على الإنكار،
والمعرفة، وعلى الكفر، والإيمان، فأخذ من ذرية آدم عليَّهُ الميثاق حين
خلقهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قالوا جميعاً: ﴿بَلَى﴾، فأما أهل السعادة،
فقالوا: بلى على معرفة له طوعاً من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة، فقالوا: بلى
كرهاً، لا طوعاً، قال محمد بن نصر المروزيّ: وسمعت إسحاق بن راهويه
يذهب إلى هذا المعنى، واحتَجّ بقول أبي هريرة ظه: اقرؤوا إن شئتم:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/١٦.

٤٩٣
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاْ لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ قال إسحاق: يقول: لا
تبديل لخِلْقته التي جُبل عليها ولدُ آدم كلهم؛ يعني: من الكفر والإيمان،
والمعرفة والإنكار، قال: واحتَجَّ له بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ الآية، قال إسحاق: أجمع أهل العلم إنها الأرواح قبل
الأجساد، واحتَجَّ لهذا أيضاً بحديث أُبَيّ بن كعب ◌َُّه في قصة الغلام الذي
قَتَله الخضر، وأنه طُبع كافراً، وبحديث عائشة ﴿ها، وقوله وَ ﴿ لها: «أوَ لا
تدرين أن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً، ولهذه أهلاً؟))(١).
قال إسحاق: فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم، قال ابن عبد البر:
إن أراد هؤلاء أن الله خلق الأطفال، وأخرجهم من بطون أمهاتهم ليعرف منهم
العارف، ويعترف، فيؤمن، ويُنكر منهم المنكر، فيكفر، كما سبق له القضاء،
وذلك في حين يصح منهم فيه الإيمان والكفر، فذلك ما قلنا، وإن أرادوا أن
الطفل يولد عارفاً مقرّاً مؤمناً وعارفاً جاحداً كافراً في حين ولادته، فهذا يكذبه
العيان والعقل، قال: وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه الحذّاق الفهماء
من أهل السُّنَّة، وإنما هو قول المجبرة.
[القول الخامس]: أن معناه: ما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن
يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره، فخاطبهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
قَالُواْ بَلَىٌ﴾ فأقرُّوا له جميعاً بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب
آبائهم، مخلوقين، مطبوعين على تلك المعرفة، وذلك الإقرار، قالوا: وليست
تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب
فطرةٌ ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل، فدعَوْهم إلى الاعتراف له
بالربوبية، فمنهم من أنكر بعد المعرفة؛ لأنه لم يكن الله ليدعو خَلْقه إلى
الإيمان به، وهو لم يُعرِّفهم نفسه، رواه أبو داود في ((سننه)) عن حماد بن سلمة
أنه سئل عن هذا الحديث فقال: هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في
أصلاب آبائهم، حين قال: ﴿أَلَسْتُ بَِبِّكُمْ قَالُواْ بٌَّ﴾.
[القول السادس]: أن المراد بالفطرة: ما يقلّب الله قلوب الخلق إليه بما
(١) رواه مسلم في هذا الباب.

٤٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
يريد، فقد يكفر العبد، ثم يؤمن، فيموت مؤمناً، وقد يؤمن، ثم يكفر، فيموت
كافراً، وقد يكفر، ثم لا يزال على كفره، حتى يموت عليه، وقد يكون مؤمناً،
حتى يموت على الإيمان، فالفطرة عند هؤلاء ما قدّره الله على عباده من أول
أحوالهم إلى آخرها، سواء كانت حالة واحدة لا تنتقل، أو حالاً بعد حال،
قال ابن عبد البرّ: وهذا وإن كان صحيحاً في الأصل، فإنه أضعف الأقاويل
من جهة اللغة في معنى الفطرة، حكاها كلها ابن عبد البرّ وغيره.
[القول السابع]: أن المراد بالفطرة: ملّة أبيه؛ أي: دِينه؛ بمعنى: أن له
حُكمه، حكاه القاضي عياض، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: سألت
محمد بن الحسن عن هذا الحديث، فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن
تنزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد، قال أبو عبيد: كأنه يعني: أنه لو كان يولد
على الفطرة، ثم مات قبل أن يهوِّداه أبواه، أو ينصّرانه، لم يرثهما، ولم يرثاه؛
لأنه مسلم، وهما كافران، ولَمَا جاز أن يُسْبَى، فلما فُرضت الفرائض،
وتقررت السنن على خلاف ذلك عُلم أنه يولد على دينهما. انتهى.
وهذا يوافق القول الثاني أن المراد بالفطرة: الإسلام لله، وجعله منسوخاً لِمَا
ذكره، والحقّ أنه لا يحتاج فيه إلى دعوى النسخ؛ لأنه وإن كان معناه الولادة على
الإسلام، فقد أخبر في بقيته أن أبويه يهوّدانه، وينصّرانه؛ أي: يثبت له حكمهما
بطريق التبعية، فالحكم بإسلامه هو الباطن، ويهوديته، أو نصرانيته هو في الظاهر.
وقال ابن عبد البرّ: أظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه لإشكاله
عليه، أو لجهله به، أو لكراهة الخوض في ذلك، قال: وقوله: إن ذلك كان قبل
الأمر بالجهاد، فليس كما قال؛ لأن في حديث الأسود بن سَرِيع ما يُبيّن أن ذلك
كان بعد الأمر بالجهاد، وهو حديث صحيح، ثم رَوَى عن الأسود بن سَرِيع
قال: قال رسول الله وَالر: ((ما بال قوم بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟)) فقال
رجل: أوَ ليس أبناؤهم أولاد المشركين؟ فقال رسول الله وَلّى: ((أوَ ليس خياركم
أولاد المشركين؟ إنه ليس من مولود، إلا وهو يولد على الفطرة، فيعبِّر عنه
لسانه، ويهوِّده أبواه، أو ينصّرانه))، ذكر هذا كلّه ولي الدين العراقيّ(١).
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٢١/٧.

٤٩٥
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ)) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح الأقوال هو القول الثاني، وهو أن
المراد بالفطرة هو الإسلام، وقد تقدّم أنه هو المعروف عند عامّة السلف،
وصححه النووي، والقرطبيّ، قال النوويّ كَّفُهُ: والأصح أن معنى قوله: ((يولد
علبى الفطرة)) أن كل مولود يولد متهيئاً للإسلام، فمن كان أبواه، أو أحدهما
مسلماً استمرّ على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين
جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى: ((يهوِّدانه، وينصِّرانه،
ويمجِّسانه))؛ أي: يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمرّ علیه حُكْمُ
الكفر ودِينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره، وإن
مات قبل بلوغه فالأصح أنه من أهل الجنة.
والجواب عن حديث: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) أنه ليس فيه تصريح
بأنهم في النار، وحقيقة لفظه: ((الله أعلم بما كانوا يعملون)) لو بلغوا، ولم
يبلغوا؛ إذ التكليف لا يكون إلا بالبلوغ.
وأما غلام الخضر، فيجب تأويله قطعاً؛ لأن أبويه كانا مؤمنين، فيكون
هو مسلماً، فيُتأوّل على أن معناه: أن الله أعلمُ أنه لو بلغ لكان كافراً، لا أنه
كافر في الحال، ولا يجري عليه في الحال أحكام الكفار، والله أعلم. انتهى.
والحاصل: أن أرجح الأقوال هو القول بأن الفطرة هي الإسلام، ويقوّي
ذلك رواية مسلم بعد هذا بلفظ: ((ما من مولود يولد إلا وهو على هذه الملّة))،
فإنه صريح في كون معنى الفطرة هو الإسلام، ويقوّيه أيضاً ما سيأتي لمسلم في
(كتاب صفة الجنّة)) من حديث عياض بن حمار ه الطويل، وفيه: ((وإني
خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم ... ))
الحديث، فهو أيضاً صريح في أنهم فُطروا على هذه الملّة، وهي الإسلام،
فتأمَّله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأطفال، هل هم
من أهل الجنّة، أم من أهل النار؟
(اعلم): أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، وأما أولاد
المسلمين، فلا خلاف في كونهم من أهل الجنّة، كما حكاه القاضي أبو يعلى

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
الفرّاء الحنبليّ عن الإمام أحمد رَّتُ أنه قال: لا يُختلف فيهم أنهم من أهل
الجنّة، وهذا هو المشهور بين الناس، وأما ما نُقل عن بعضهم أنهم توقّفوا،
وقالوا: إن الولدان كلهم تحت المشيئة، فغريب جدّاً، كما نبّه عليه الحافظ ابن
كثير في ((تفسيره))(١)، فتنبّه.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه قد اختلف العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة
على أقوال:
[أحدها]: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمَّادَين، وابن
المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقيّ في ((الاعتقاد)) عن الشافعيّ في حقّ أولاد
الكفار خاصّةً، قال ابن عبد البرّ: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في
هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرّحوا بأن أطفال المسلمين في
الجنة، وأطفال الكفار خاصّة في المشيئة، والحجة فيه حديث: ((الله أعلم بما
كانوا عاملين)).
قال ابن القيّم ◌َخْلُ: قالوا: وقد رَوى ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث
جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العطارديّ قال: سمعت ابن عباس يقول،
وهو على المنبر: قال رسول الله وَ له: ((لا يزال أمر هذه الأمة قَوّاماً، أو مقارباً
ما لم يتكلموا في الولدان، والقَدَر)).
قال أبو حاتم: الولدان أراد بهم أطفال المشركين، قال ابن القيّم: وفيما
استدلّت به هذه الطائفة نظر، والنبيّ نَّ لم يجب فيهم بالوقف، وإنما وَكَلَ
عِلم ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله، وهذا جواب عن سؤالهم: كيف
يكونون مع آبائهم بغير عمل؟ وهو طرف من الحديث، ويدل عليه حديث
عائشة ﴿يا الذي ذكره أبو داود(٢)، والنبيّ وَّ وكَل العلم بعملهم إلى الله، ولم
(١) راجع: ((تفسير سورة الإسراء)) لابن كثير ٣٥/٣.
(٢) أراد: ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٢٢٩/٤: عن عائشة قالت: قلت: يا
رسول الله ذراري المؤمنين؟ فقال: ((هم من آبائهم))، فقلت: يا رسول الله بلا
عمل؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، قلت: يا رسول الله فذراري المشركين؟
قال: ((من آبائهم))، قلت: بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).

٤٩٧
(٦) - بَابُ مَعْتَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
يقل: الله أعلم حيث يستقرون، أو أين يكونون، فالدليل غير مطابق لمذهب
هذه الطائفة.
وأما حديث أبي رجاء عن ابن عباس في المنع من الكلام فيهم، ففي
القلب مِن رَفْعه شيء(١) .
وبالجملة فإنما يدلّ على ذمّ من تكلم فيهم بغير علم، أو ضَرَب
الأحاديث فيهم بعضها ببعض، كما فعل مع الذين أنكر عليهم كلامهم في
القدر، وأما من تكلم فيهم بعلم وحقّ فلا يُذمّ. انتهى(٢).
[ثانيها]: أنهم تَبَع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار
في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة، من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى:
﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وتعقبه بأن المراد: قوم نوح
خاصّة، وإنما دعا بذلك لَمّا أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ
ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأما حديث: ((هم من آبائهم - أو منهم))، فذاك ورد في
حكم الحربيّ.
ورَوَى أحمد من حديث عائشة ◌َؤثّا: سألت رسول الله وَّ و عن ولدان
المسلمين؟، قال: ((في الجنة))، وعن أولاد المشركين؟ قال: ((في النار))،
فقلت: يا رسول الله لم يُدرِكوا الأعمال، قال: ((ربك أعلم بما كانوا عاملين،
لو شئتِ أسمعتك تضاغيهم (٣) في النار))، وهو حديث ضعيف جدّاً؛ لأن في
إسناده أبا عَقِيل مولى بُهَيَّة، وهو متروك.
وقال ابن القيّم تَّثُ: وهذا القول مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو
يعلى روايةً عن أحمد، قال شيخنا - يعني: ابن تيميّة تَخُّْ - وهو غلط منه على
أحمد، وسبب غلطه أن أحمد سئل عنهم، فقال: هم على الحديث، قال
القاضي: أراد حديث خديجة، إذ سألت النبيّ ◌َ ل﴿ عن أولادها الذين ماتوا قبل
الإسلام، فقال: ((إن شئت أسمعتُك تضاغيهم في النار)).
(١) صححه الشيخ الألبانيّ كَلُ. راجع: ((الصحيحة)) ١٩/٤.
(٢) ((حاشية ابن القيم على سنن أبي داود)) ٣٢١/١٢.
(٣) أي: صياحهم.

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
قال شيخنا: وهذا حديث موضوع، وأحمد أجلّ من أن يَحتج بمثله،
وإنما أراد حديث عائشة: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
[ثالثها]: أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار؛ لأنهم لم يعملوا
حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار.
قال ابن القيّم: وهذا أيضاً ليس بشيء، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة
والنار، وأما الأعراف، فإن مآل أصحابها إلى الجنة، كما قاله الصحابة رضيويه(١).
[رابعها]: خَدَم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس، ضعيف، أخرجه أبو
داود الطيالسيّ، وأبو يعلى، وللطبرانيّ، والبزار، من حديث سمرة مرفوعاً:
((أولاد المشركين خَدَم أهل الجنة))، وإسناده ضعيف.
[خامسها]: أنهم يصيرون تراباً، رُوي عن ثمامة بن أشرس.
[سادسها]: هم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغلّطه ابن تيمية، بأنه
قول لبعض أصحابه، ولا يُحفظ عن الإمام أصلاً.
[سابعها]: أنهم يمتحنون في الآخرة، بأن تُرفع لهم نار، فمن دخلها
كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أبى عُذّب، أخرجه البزار، من حديث أنس،
وأبي سعيد، وأخرجه الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة
الامتحان في حقّ المجنون، ومن مات في الفترة، من طرق صحيحة، وحَكَى
البيهقيّ في ((كتاب الاعتقاد)) أنه المذهب الصحيح، ومال إليه ابن القيّم، قال:
وهذا أعدل الأقوال، وبه يُجمع بين شمل الأدلّة، وتتّفق الأحاديث في هذا
الباب .
قال الجامع عفا الله عنه: لو صحّت أحاديث امتحان الأطفال لكان هذا
المذهب أعدل المذاهب، وأرجحها، كما قال ابن القيّم، لكنها غير ثابتة، فقد
أخرجها أبو يعلى الموصليّ من حديث أنس وظ﴿ه، وفي سنده ليث بن أبي
سُليم، وهو متروك، وأخرجها الذهليّ، والبزّار من حديث أبي سعيد
الخدريّ رُه، وفي سندها عطيّة العوفيّ، وهو ضعيف جدّاً، ورُوي من حديث
معاذ بن جبل ظُه، وفي سنده عمرو بن واقد الدمشقيّ، وهو متروك.
(١) ((حاشية ابن القيم على سنن أبي داود)) ١٢/ ٣٢١.

٤٩٩
(٦) - بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ... إلخ - حديث رقم (٦٧٣٢)
والحاصل: أن أحاديث امتحان الأطفال غير ثابتة، وإنما يصحّ حديث
امتحان الأصمّ، والأحمق، والْهَرِم، وأهل الفترة، فقد أخرجه أحمد من حديث
الأسود بن سَرِيع ◌ُه، فقال في ((مسنده)):
(١٦٣٤٤) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا معاذ بن هشام، حدّثنا أبي،
عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع، أن رسول الله وَلحوم
قال: ((أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصمّ، لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق،
ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة، فأما الأصمّ، فيقول: رب قد جاء الإسلام،
وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق، فيقول: رب قد جاء الإسلام، والصبيان
يحذفوني بالبعر، وأما الهرِم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئاً،
وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم
لَيُطيعنّه، فيرسِل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها
لكانت عليهم برداً وسلاماً)).
ثم ساق بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن
أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً،
ومن لم يدخلها يُسحب إليها)). انتهى(١).
وهذا إسناد صحيح، فظهر بهذا أن حديث الامتحان بالنسبة للأصمّ، ومن
ذُكر معه صحيح، لا حديث امتحان الأطفال، فترجيح القول بالامتحان في
حقّهم به غير صحيح؛ لأن ظُرقه كلها واهية، فلا يمكن تصحيحها بتعدّد
طرقها، فتنبّه، وتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: تُعُقّب القول بالامتحان المذكور بأن الآخرة ليست دار تكليف،
فلا عمل فيها، ولا ابتلاء.
وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة، أو النار، وأما في
عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ
٤٢
إِلَى الشُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
· [القلم: ٤٢] وفي (الصحيحين)): ((إن الناس يؤمَرون
بالسجود، فيصير ظَهْر المنافق طبقاً، فلا يستطيع أن يسجد)).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٤/٤.

٥٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
[ثامنها]: أنهم في الجنة، قال النوويّ تَخّْثُ: وهو المذهب الصحيح
المختار الذي صار إليه المحققون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يعذِّب العاقل؛ لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن
لا يعذِّب غير العاقل من بابٍ أولى، ولحديث سمرة الطويل، وفيه: ((والشيخ
في أصل الشجرة إبراهيم علا، والصبيان حوله، فأولاد الناس ... ))، ولحديث
عمة خنساء قالت: قلت: يا رسول الله، مَن في الجنة؟ قال: ((النبيّ في الجنة،
والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة))، رواه أحمد، وإسناده حسن.
[تاسعها]: الوقف.
[عاشرها]: الإمساك، قال الحافظ تَُّ: وفي الفرق بينهما دقة.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي هو قول من قال: إنهم في
الجنّة، كما هو ظاهر مذهب البخاريّ كَّثُ، وذكر النوويّ كَّثُهُ: أنه المذهب
الصحيح المختار الذي صار إليه المحقّقون للآية المذكورة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
فإن قال قائل: إنها في عذاب الدنيا. قلنا: اللفظ عامّ، فلا ينفي دخول
عذاب الآخرة.
ومِن أصرح الأدلّة: حديث سمرة بن جندب ◌َظُه في ((صحيح البخاريّ))
أنه وَ* قال في جملة ذلك المنام حين مرّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة،
وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم عظلّ*، وهؤلاء أولاد المسلمين،
وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: ((نعم،
وأولاد المشركين))، وهذا أوضح دليل، وأبْيَن حجة في المسألة.
وقد مال الإمام البخاريّ تَّثُ إلى ترجيح هذا القول، فقال في
((صحيحه): ((باب ما قيل في أولاد المشركين))، قال في ((الفتح)): هذه الترجمة
تُشعر بأنه كان متوقفاً في ذلك، وقد جزم بعد هذا في ((تفسير سورة الروم)) بما
يدلّ على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، كما سيأتي تحريره، وقد
(١) ((الفتح)) ١٧٨/٤ - ١٧٩، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٨٤).