Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٤) - بَابٌ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ - حديث رقم (٦٧٢٨)
((أو)) هنا للشكّ من الراوي، هل قال بتقديم العجز، أو بتأخيره؟ ثم إن الشكّ
يَحْتَمِل أن يكون من ابن عمر، أو ممن دونه، والله تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض تَخَُّ: رويناه برفع ((العجزُ، والكيس)) عطفاً على
((كُلُّ))، ويجرهما عطفاً على ((شيء))، قال: ويَحْتَمِل أن العجز هنا على ظاهره،
وهو عدم القدرة، وقيل: هو ترْك ما يجب فعله، والتسويف به، وتأخيره عن
وقته، قال: ويَحْتَمِل العجز عن الطاعات، ويَحْتَمِل العموم في أمور الدنيا
والآخرة، والكيسُ ضدُّ العجز، وهو النشاط، والْحِذْق بالأمور، ومعناه أن
العاجز قد قُدِّر عجزه، والكيس قد قُدِّر کیسه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَّثُهُ: قوله: ((حتى العجز والكيس)) قيّدناه بكسر الزاي
والسين وضمّهما، و((حتى)) هي العاطفة، والرفع عَظْف على ((كلُّ)، والخفض
على ((شيء))، و((الكيس)): بفتح الكاف، لا يجوز غيره.
ومعنى هذا الحديث: أنه ما من شيء يقع في هذا الوجود كائناً ما كان
إلا وقد سبق به علم الله تعالى، ومشيئته، سواء كان من أفعالنا، أو صفاتنا، أو
من غيرها، ولذلك أتى بـ((كل)) التي هي للاستغراق، والإحاطة، وعقّبها
بـ((حتى)) التي هي للغاية، حتى لا يخرج عن تلك المقدّمة الكلّية من الممكنات
شيء، ولا يُتوهّم فيها تخصيص، وإنما جَعَل العجز والكيس غاية لذلك ليبيّن
أن أفعالنا، وإن كانت معلومة، ومرادة لنا، فلا تقع منا إلا بمشيئة الله تعالى له
وإرادته، وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللّهُ﴾ [الإنسان:
٣٠]، وصار هذا من نحو قول العرب: قَدِم الحُجاج حتى المشاةُ، فيكون
معناه: أن كل ما يقع في الوجود بقدر الله تعالى ومشيئته، حتى ما يقع منكم
بمشیئتکم.
و((العجز)): التثاقل عن المصالح حتى لا تحصل، أو تحصل لكن على
غير الوجه المرضيّ، و((الكيس)): نقيض ذلك، وهو الجدّ والتشمير في تحصيل
المصالح على وجوهها، والعجز في أصله: معنى من المعاني مناقض للقدرة،
(١) ((إكمال المعلم)) ١٤٣/٨.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وكلاهما من الصفات المتعلقات بالممكنات على ما يُعرف في علم الكلام.
انتهى كلام القرطبيّ كَّته(١).
وقال في ((الفتح)): ((الكَيْس)) بفتح الكاف: ضدّ العجز، ومعناه الْحِذق في
الأمور، ويتناول أمور الدنيا والآخرة، ومعناه: أن كل شيء لا يقع في الوجود
إلا وقد سبق به علم الله، ومشيئته، وإنما جعلهما في الحديث غايةً لذلك؛
للإشارة إلى أن أفعالنا، وإن كانت معلومة لنا، ومرادة منا، فلا تقع مع ذلك
منا إلا بمشيئة الله، وهذا الذي ذكره طاوس مرفوعاً وموقوفاً مطابق لقوله
(9)﴾ [القمر: ٤٩]، فإن هذه الآية نصّ في أن الله
تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
خالق كل شيء، ومقدِّره، وهو أنصّ من قوله تعالى: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾
[الأنعام: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
[الصافات: ٩٦]،
٩٦
واشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدريّة.
ويأتي لمسلم حديث أبي هريرة التالي: ((جاء مشركو قريش، يخاصمون
النبيّ ◌َّ﴿ في القدر، فنزلت))، وقد تقدم في الكلام على سؤال جبريل في
((كتاب الإيمان)) شيء من هذا، وأن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وذكرنا
هناك بيان مقالة القدريّة بما أغنى عن إعادته، ومذهب السلف قاطبةً أن الأمور
كلها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَِّنُهُ، وَمَا
[الحجر: ٢١]، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى
٢١
نُقْزِلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﴿يا هذا من أفراد
المصنّف نَخْتُهُ .
[تنبيه]: تكلّم بعض من كتب على هامش ((صحيح مسلم)) ما يدلّ على
تضعيف هذا الحديث، من أجل الكلام في عمرو بن مسلم الْجَنَديّ، فقد تكلّم
فيه أحمد، وغيره، لكن بعضهم قوّاه، فقد روى عنه جماعة، كما قدّمناه،
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٧٠ - ٦٧١.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٨/١١.

٤٦٣
(٤) - بَابٌ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ - حديث رقم (٦٧٢٨)
ووثقه مسلم، حيث أخرج له هنا في الأصول ما تفرَّد به، وقال ابن معين في
رواية: لا بأس به، وقال الساجيّ: صدوق يهم، ووثقه ابن حبّان، وقال ابن
عديّ: ليس له حديث منكر جدّاً، وقال الذهبيّ: صالح الحديث(١)، فمثل هذا
أقلّ أحواله أن يكون حَسَن الحديث، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٢٨/٤] (٢٦٥٥)، و(مالك) في ((الموظّأ)» (٢/
٨٩٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٠/٢)، و(ابنه عبد الله) في ((السُّنَّة)) (٧٤٨
و٧٤٩)، و(البخاريّ) في ((خلق أفعال العباد)) (ص٢٥)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٦١٤٩)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٤٩/١)،
و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٠٢٧ و١٢٠٠)، و(ابن المستفاض) في
((القدر)) (٢٢٢/١ و٢٢٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٥/١٠)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنَّة)) (٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن كلّ شيء بقدر الله ◌ُعَلَ، فيجب الإيمان بالقدر كلّه،
خيره وشرّه.
٢ - (ومنها): ما قاله أبو عمر تَخُّْ: في قول ابن عمر ﴿يَا، أو مَن هو
دونه: ((أو الكيس والعجز)) بالشكّ دليل على مراعاة الإتيان بألفاظ النبيّ وَلاو
على رُتْبتها، قال: وأظن هذا من وَرَع ابن عمر ظ﴿هَا، والذي عليه العلماء
استجازة الإتيان بالمعاني، دون الألفاظ لمن يعرف المعنى، رُوي ذلك عن
جماعة منهم منصوصاً، ومن تأمل حديث ابن شهاب ومثله، واختلاف
أصحابهم عليهم في متون الأحاديث بان له ما قلنا - وبالله توفيقنا - انتهى (٢).
٣ - (ومنها): ما قاله أبو عمر أيضاً: في هذا الحديث أدلّ الدلائل
وأوضحها على أن الشرّ والخير كلّ من عند الله، وهو خالقهما، لا شريك له،
ولا إله غيره؛ لأن العجز شرّ، ولو كان خيراً ما استعاذ منه رسول الله وَلقه، ألا
(١) ((ميزان الاعتدال)) ٢٨٩/٣.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٦٣/٦.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
ترى أن رسول الله وسلم قد استعاذ من الكسل، والعجز، والجبن، والدَّين،
ومحال أن يستعيذ من الخير، وفي قول الله رَّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
مِن
[الفلق: ١، ٢] كفاية لمن وُفِّق، وقال ◌َ: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ
٢
شَرِّ مَا خَلَقَ
وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣].
وروى مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن دينار، أنه قال: سمعت
عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي، والفاتن.
ثم أخرج بالإجازة عن عبد العزيز بن أبي روّاد قال: سمعت عطاء بن
أبي رباح يقول: كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل، فقال: أرأيت مَن حرمني
الهدى، وأورثني الضلالة والردى، أتراه أحسن إليّ، أو ظلمني؟ فقال ابن
عباس: إن كان الهدى شيئاً كان لك عنده، فمنعكه، فقد ظلمك، وإن كان
الهدى له يؤتيه من يشاء، فما ظلمك شيئاً، ولا تجالسني بعده.
وقد رُوي أن غيلان القدريّ وقف بربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال له: يا
أبا عثمان، أرأيت الذي منعني الهدى، ومنحني الردى، أأحسن إليّ، أم أساء؟
فقال ربيعة: إن كان منعك شيئاً هو لك، فقد ظلمك، وإن كان فضله يؤتيه من
يشاء، فما ظلمك شيئاً، وإنما أخذه ربيعة من قول ابن عباس هذا، والله أعلم،
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلٍَّ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ
﴾ [الأنبياء:
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، و﴿لَا يُبْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
٢٣]، ذكر عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه
قال له رجل: يا أبا العباس إن ناساً يقولون: إن الشرّ ليس بقدر، فقال: بيننا
وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَّ
ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شٍَّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّأْ قُلْ هَلْ
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ
عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَاْ إِن تَبِعُونَ إِلَّا الَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
[الأنعام: ١٤٨، ١٤٩]
١٤٩
اَلُْجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَلَكُمْ أَجْمَعِينَ
وقال غيلان القدريّ لربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يُعْصَى؟
قال: وأنت تزعم أن الله يعصى قسراً؟. انتهى(١).
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٦٢/٦ - ٦٤.

٤٦٥
(٤) - بَابٌ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ - حديث رقم (٦٧٢٩)
وبالجملة فهذا الباب هلك فيه كثير ممن اتّبع هواه من القدريّة وغيرهم،
ونجا أهل السُّنَّة والجماعة باتباعهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، وعدم الخوض
والتعمّق فيما لا يعنيهم من أسرار القدر الذي اختصّ الله ربك به دون عباده،
اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليّت، وبارك لنا
فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، اللَّهُمَّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب
والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه
من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ
إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
[آل عمران: ٨] آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٩] (٢٦٥٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ
الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ وَّلـ
فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ (® إِنَّا كُلّ شَىْءٍ
[القمر: ٤٨، ٤٩]).
خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قبل
بابین.
٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] وكان ربما دلَّس (ت١٦١)
وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٥ - (زِيَادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) ويقال: يزيد بن إسماعيل المخزوميّ، ويقال:
السَّهْمَيّ المكيّ، صدوقٌ سيئ الحفظ [٦].
رَوَى عن محمد بن عباد بن جعفر، وسليمان بن عتيق.
وروى عنه ابن جريج، والثوريّ، قال ابن معين: ضعيفٌ، وقال علي ابن

٤٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
المدينيّ: رجل من أهل مكة معروف، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال
النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو الفتح
الأزديّ: فيه نظرٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء.
أخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف، والترمذيّ، وابن
ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرِ الْمَخْزُومِيُّ) هو: محمد بن عبّاد بن
جعفر بن رِفاعة بن أمية بن عابد بن عبد الله بن عُمر بن مَخزُوم المكيّ، ثقةٌ
[٣] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٢٧/٣٦.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُهَ ذُكر قبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ)؛ أي: القبيلة المعروفة، قال
الفيّوميّ: ((قُريش)) هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ. وقيل:
قريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش. نقله السهيليّ وغيره.
وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ كَّثُ مع ترجيح الثاني في ((ألفيّة السيرة)) حيث
قال :
أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ
وأصل القرش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريشٌ.
وقيل: قُريشٌ دابّة تسكن البحر، وبه سُمِّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا
ويُنسب إلى قريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيٍّ، وربّما نُسب إليه في
الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ. انتهى كلام الفيّوميّ بزيادة(١).
(يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل،
(فِي الْقَدَرِ)؛ أي: في إثبات القدر. وقال النوويّ تَخْلُهُ: المراد بالقدر هنا:
القدر المعروف، وهو ما قدَّر الله وقضاه، وسبق به علمه وإرادته، وأشار
(١) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٩٧.

٤٦٧
(٤) - بَابٌ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ - حديث رقم (٦٧٢٩)
الباجيّ إلى خلاف هذا، وليس كما قال. انتهى(١).
أي: في شأن القدر، (فَنَزَلَتْ) الآية، وهي قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يُسْحَبُنَ﴾)
بالبناء للمفعول؛ أي: يُجرّ المشركون (﴿فِي النَّارِ عَلَ وُجُوهِهِمْ﴾) ويقال لهم عند
سحبهم وإلقائهم في نار جهنّم: (﴿ذُوقُواْ﴾) على إنكاركم القدر، (﴿مَسََّ
سَقَرَ﴾)؛ أي: إصابة نار جهنّم لكم، قال النسفيّ تَظُّ: هو كقولك: وجد مسّ
الْحُمّى، وذاق طعم الضرب؛ لأن النار إذا أصابتهم بحرّها فكأنها تمسّهم مسّاً.
و(سقر)) غير منصرف؛ للتأنيث والتعريف؛ لأنها عَلَم لجهنّم، مِن سَقَرتهُ النارُ:
إذا لوّحته. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: و(سقر)) اسم من أسماء جهنم لا ينصرف؛ لأنه اسم
مؤنّث معرفةٌ، وكذا لظى، وجهنم. وقال عطاء: ((سقر)) الطبق السادس من
جهنّم. وقال قُطرُب: ((سقر)) من سَقَرته الشمس، وصقرته: لَوّحته، ويوم
مُسَمْقِرٌ، ومُصَمْقِرٌ: شديد الحرّ. انتهى (٣) .
(﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ﴾) بنصب ((كلّ)) بفعل يفسّره قوله: (﴿خَقْنَهُ بِقَدَرٍ﴾) القدر
بفتحتين، أو بفتح فسكون: التقدير؛ أي: بتقدير سابق، أو خَلَقْنا كلّ شيء
مقدّراً محكماً مرتّباً على حَسَب ما اقتضته الحكمة، أو مقدّراً مكتوباً في اللوح،
معلوماً قبل كونه، قد علمنا حاله، وزمانه. قاله النسفيّ (٤).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر كَظّتُهُ: قرأ العامّة: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ﴾ قرأ
العامّة ((كلّ)) بالنصب، وقرأ أبو السّمّال: ((كلّ)) بالرفع على الابتداء، ومن نَصَب
فبإضمار فِعل، وهو اختيار الكوفيين؛ لأن ((إنّ)) تطلب الفعل فهي به أولى،
والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات الله تعالى؛ لأنك لو حذفت ((خلقنا))
المفسّر، وأظهرت الأول لصار: إنا خلقنا كلَّ شيء بقدر، ولا يصحّ كون خلقنا
صفة لـ((شيء))؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيراً لِمَا
يعمل فيما قبله. انتهى(٥) .
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١٦.
(٣) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤٧/١٧.
(٥) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤٧/١٧.
(٢) (تفسير النسفيّ)) ٢٠٦/٤.
(٤) ((تفسير النسفيّ) ٢٠٦/٤.

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وقال الإمام ابن كثير ◌َخْلُ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَلٍ
يَوْمَ يُسْحَبُّونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُودِهِمْ ذُوقُواْ مَسَ سَقَرَ (®)﴾ [القمر: ٤٧، ٤٨].
٤٧
وَسُعُرٍ
قال: يُخبر تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحقّ، وسُعُر مما
هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتّصف بذلك
من كافر، ومبتدع، من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُتْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى
وُجُوهِهِمْ﴾؛ أي: كما كانوا في سُعُر، وشكّ، وتردُّد، أورثهم ذلك النارَ، وكما
كانوا ضُلّالاً يُسحبون فيها على وجوههم، لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم
تقريعاً وتوبيخاً: ﴿ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
﴾، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله تعالى:
• [الأعلى: ١-
وَالَّذِى قَدَرَ فَهَدَى ®َـ
٢
﴿َبْعِ أَسْمَ رَيِّكَ الْأَعْلَىِ جَ الَّذِ خَلَقَ فَسَوَّى
٣]؛ أي: قَدّر قَدَراً، وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدلّ بهذه الآية الكريمة أئمة
السُّنَّة على إثبات قَدَر الله السابق لِخَلْقه، وهو عِلْمه الأشياء قبل كونها، وكتابته
لها قبل بَرْئها، وردُّوا بهذه الآية، وبما شاكلها من الآيات، وما وَرَدَ في معناها
من الأحاديث الثابتات، على الفرقة القدرية، الذين نَبَغُوا في أواخر عصر
ـى(١)، والله تعالى أعلم.
الصحابة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
[تنبيه]: ضعّف بعضهم هذا الحديث بسبب زياد بن إسماعيل؛ لأنهم
تكلموا فيه.
[قلت]: زياد، وإن ضعفه ابن معين، وغيره، فقد روى عنه ابن جريج،
والثوريّ، وقال ابن المدينيّ: رجل من أهل مكة معروف، وقال النسائيّ: ليس
به بأس، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ووثقه ابن حبّان، ووثّقه مسلم أيضاً
حيث أخرج له هذا الحديث في الأصول، فأقلّ أحواله أن يكون حسن
الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٦٨/٤.

٤٦٩
(٤) - بَابٌ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ - حديث رقم (٦٧٢٩)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٢٩/٤] (٢٦٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٤٤٤ و٤٧٦)، و(البخاريّ) في ((خلق أفعال العباد)) (ص٢٨)، و(الترمذيّ) في
((القدر)) (٢١٥٧) و((التفسير)) (٣٢٩٠)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٨٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٣٩)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١١٠/٢٧)،
و(الفسويّ) في ((المعرفة والتاريخ)) (٢٣٦/٣)، و(الواحديّ) في ((أسباب النزول))
(ص٢٦٨)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٢٦٥/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات القدر وأنه عامّ في كلّ شيء، فكل ذلك مقدور في
الأزل معلوم الله ◌َلَ، مراد له، وأن الإيمان به واجب.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٣ - (ومنها): أن الآية نصّ في تعذيب مكذّبي القدر، وهو محمول كما
قال النوويّ على جحد القَدَر المعروف، وهو جحد تقدير الله معلق للأشياء،
وسَبْق علمه بها، وإرادته، فإن من كذب بهذا فهو كافر خارج عن الإسلام بلا
خلاف بين أهل العلم(١).
٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن كثير كَّلُهُ: أنه استَدَلّ بهذه الآية الكريمة
أئمة السُّنَّة على إثبات قَدَر الله تعالى السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل
كونها، وكتابته لها قبل بَرْئها، وردُوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما
ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدريّة الذين نبغوا في أواخر
٤. انتهى(٢).
عصر الصحابة
٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر تَخْدَّثُ: قال الله وَّ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ
[التكوير:
(٢٩)
بِقَدَرٍ (٤٦)، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
٢٩]، فليس لأحد مشيئة تنفذ إلا أن تنفذ منها مشيئة الله تعالى، وإنما يجري
الخلق فيما سبق من علم الله، والقدر سرّ الله، لا يُدرَك بجدال، ولا يشفي منه
مقال، والحجاج فيه مرتجة، لا يُفتح شيء منها إلا بكسر شيء، وغَلْقه، وقد
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١٦.
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ٢٨٦/٤.

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار
بالاستسلام، والانقياد، والإقرار بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما
يريد، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦](١).
وقال أيضاً: وجملة القول في القدر أنه سرّ الله، لا يدرك بجدال، ولا
نظر، ولا تشفي منه خصومة، ولا احتجاج، وحَسْب المؤمن من القدر أن يعلم
أن الله لا يقوم شيء دون إرادته، ولا يكون شيء إلا بمشيئته، له الخلق،
والأمر كلّه، لا شريك له، نظام ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ
وحَسْب المؤمن من
،
اَللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
القدر أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرّة، ولا يكلّف نفساً إلا وسعها، وهو
الرحمن الرحيم، فمن ردّ على الله تعالى خبره في الوجهين، أو في أحدهما،
كان عناداً، وكفراً.
وقد ظاهرت الآثار في التسليم للقدر، والنهي عن الجدل فيه،
والاستسلام له، والإقرار بخيره وشره، والعلم بعدل مُقدِّره، وحِكْمته، وفي
نقض عزائم الإنسان برهانٌ فيما قلنا، وتبيان، والله المستعان. انتهى كلام ابن
عبد البرّ ◌َخْهُ(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنس، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥) - (بَابٌ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَى، وَغَيْرِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٣٠] (٢٦٥٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ
◌ِإِسْحَاقَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ بِاللَّمَم مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ لَهُ
قَالَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ،
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٣/٦.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٣٩/٦ - ١٤٠.

٤٧١
(٥) - بَابٌ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزُّنَى، وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٧٣٠)
فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ
ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ))، قَالَ عَبْدٌ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ طَاؤُس) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ،
ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبد مناف بن عمّ رسول الله وَّة، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة
ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله بباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف كَُّ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتّحاد
كيفيّة التحمّل والأداء؛ لأن المصنّف سمعه من لفظهما، ولذا قال: ((حدّثنا))،
وهما أخذاه قراءة، ولذا قالا: ((أخبرنا))، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ،
والابن عن أبيه، وأن ابن عباس ◌ّ ذو مناقب جمّة، فقد دعا له رسول الله وَلايقوى
بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر تظله: لو
أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحدٌ، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد
العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ، وأبو هريرة لته أحفظ من روى
الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَ؛ أنه (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ بِاللَّمَم) - بفتح
اللام، والميم - هو ما يُلِمّ به الشخص، من شهوات النفس، وقيل: هو مقارفة
الذنوب الصغار، وقال الراغب: اللمم: مقارفة المعصية، ويُعَبَّر به عن

٤٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
الصغيرة، ومحصَّل كلام ابن عباس ظًّا تخصيصه ببعضها، ويَحْتَمِل أن يكون
أراد: أن ذلك من جملة اللمم، أو في حكم اللمم(١).
وقال الخطابيّ: يريد بذلك: ما عفا الله عنه من صغار الذنوب، وهو معنى
قوله تعالى: ﴿اَلَِّينَ يَجْتَلِبُونَ كَبَهِرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَِشَ إِلَّ اللَّمَمْ﴾، وهو ما يُلمّ به الإنسان
من صغار الذنوب التي لا يكاد يسلم منها إلا من عصمه الله، وحفظه. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ما رأيت شيئاً أشبه باللمم)): هذا من ابن
عباس ﴿ّ معنى تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَهِرَ آلْإِثْمِ وَاُلْفَوَِشَ إِلَّ الََّمْ﴾
[النجم: ٣٢]، وهو ما دون الكبائر، والفواحش: هي الصغائر، وقال زيد بن
ثابت ظه: هي ما ألمّوا به في الجاهلية، وقيل: هو مقاربة المعصية من غير
إلمام، وقيل: الذنب الذي يُقلع عنه، ولا يُصرّ عليه، وقيل غير هذا، وأشبه
هذه الأقوال القول الأول، وعليه يدلّ قوله وَله: ((الصلوات الخمس مكفرات
لِمَا بينهنّ، إذا اجتنبت الكبائر))، والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما يستفحش
من الكبائر، كالزنا بذوات المحارم، واللواط، ونحو ذلك. انتهى(٣).
(مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبهِ: (إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ) بكسر ((إنّ) لوقوعها محكيّة
بالقول، كما قال في ((الخلاصة)):
أَوْ حَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ
حَالٍ كَـ«زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ)»
أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلَّ
(قَالَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ)؛ أي: أثبت في اللوح المحفوظ، (عَلَى ابْنِ آدَمَ
حَظَّهُ)؛ أي: نصيبه (مِنَ الزِّنَى) بالقصر على الأفصح، قال القاري: والمراد من
الحظّ: مقدِّمات الزنى، من التمني، والتخطي، والتكلم لأجله، والنظر،
واللمس، والتخلي، وقيل: أثبت فيه سببه، وهو الشهوة، والميل إلى النساء،
وخَلَق فيه العينين، والقلب، والفَرْج، وهو الذي يجد لذة الزنى، أو المعنى:
قَدَّر في الأزل أن يجري عليه الزنى في الجملة. انتهى (٤).
(١) ((الفتح)) ٢٢٨/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٦١٢).
(٢) راجع: ((عون المعبود)) ١٣٣/٦.
(٤) راجع: ((عون المعبود)) ١٣٣/٦.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٦٧٣.

٤٧٣
(٥) - بَابٌ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزّنَى، وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٧٣٠)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((كتب))؛ أي: قَدَّر ذلك عليه، أو أمر الملك
بكتابته، كما تقدم بيانه في شرح حديث ابن مسعود ره الماضي قريباً،
وإطلاق الزنا على اللمس، والنظر، وغيرهما بطريق المجاز؛ لأن كلَّ ذلك من
مقدماته(١)
.
(أَدْرََكَ)؛ أي: أصاب ابن آدم، ووجد (ذَلِك)؛ أي: ما كتبه الله تعالى،
وقدّره، وقضاه، أو حظه، (لَا مَحَالَةً) - بفتح الميم - أي: لا بُدّ له من عمل ما
قُدِّر عليه أنه يعمله، قاله في ((الفتح))، وقال ابن بطّال: ((لا محالة)) يعني: لا
حيلة له في التخلص من إدراك ما كُتب عليه(٢).
وقال في ((العون)): ((لا محالة)): بفتح الميم، ويضم(٣)؛ أي: لا بُدّ له،
ولا فِراق، ولا احتيال منه، فهو واقع البتة. انتهى (٤).
وقال المناويّ في ((الفيض))(٥): (كتب حظه من الزنا))؛ أي: خلق له
الحواسّ التي بها يجد لذة الزنا، وأعطاه القوى التي بها يَقْدر عليه، وركّز في
جبلّته حب الشهوات، فـ((مِن)) للبيان، وهو مع مجروره حال من ((حظه))، ذكره
القاضي، وقوله: ((أدرك ذلك لا محالة)) بفتح الميم؛ أي: أصاب ذلك، ووصَل
إليه البتة، و((لا)) لنفي الجنس، قال الجوهريّ: حال لونه: تغيَّر، وحال عن
العهد: انقلب، وحال الشيء بيننا: حجز، والْمَحالة: الحيلة، وقولهم: لا
محالة؛ أي: لا بُدّ، قال البيضاويّ: وهذا استئناف جواب عمن قال: هل
يخلُص ابن آدم عنه؟ وقال ابن رسلان: كلُّ ما سبق في العلم لا بدّ أن يدركه،
لا يستطيع دفعه، لكن يلام على صدوره منه؛ لتمكّنه من التمسك بالطاعة، وبه
تندفع شُبَهُ القدرية، والجبرية.
وقال الطيبيّ: الجملة الثانية مترتبة على الأُولى، بلا حرف الترتيب؛
(١) ((الفتح)) ٢٢٨/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٦١٢).
(٢) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطال ٢٧١/١٧.
(٣) هذا فيه نظر، فإن الضم لم يذكره غيره، فليُنظر.
(٤) راجع: ((عون المعبود)) ١٣٣/٦.
(٥) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٢٤٦/٢.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
تعويضاً لاستفادته إلى ذهن السامع، والتقدير: كَتَب الله ذلك، وما كَتَبه لا بُدّ
أن یقع. انتهى(١) .
وقال في ((الفتح)) نقلاً عن ابن بطال: كلُّ ما كتبه الله على الآدميّ، فهو
قد سبق في علم الله، وأنه لا بُدّ أن يُدركه المكتوب عليه، وأن الإنسان لا
يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه، إلا أنه يلام إذا واقع ما نُهِي عنه بحجب ذلك
عنه، وتمكينه من التمسك بالطاعة، فبذلك يندفع قول القدريّة، والمجبرة،
ويؤيده قوله: (والنفس تَمَنَّى، وتشتهي))؛ لأن الْمُشْتَهي بخلاف الْمُلْجَأ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل في ((الفتح)) كلام ابن بطّال، والذي
رأيته في ((شرحه)) أن هذا كلام المهلّب، وعبارته:
قال المهلَّب: وكلُّ ما كتبه الله على ابن آدم فهم سابق في علم الله، لا بدّ
أن يُدركه المكتوب عليه، وأن الإنسان لا يملك دَفْع ذلك عن نفسه، غير أن الله
تعالى تفضَّل على عباده، وجعل ذلك لَمَماً وصغائر، لا يطالب بها عباده، إذا
لم يكن للَفَرْج تصديق لها، فإذا صدّقها الفرج، كان ذلك من الكبائر، رِفقاً
من الله بعباده، ورحمة لهم؛ لِمَا جبلهم عليه من ضَعف الخلقة، ولو آخذ عباده
باللمم، أو ما دونه من حديث النفس، لكان ذلك عدلاً منه في عباده،
وحكمة، لا يُسأل عما يفعل، وله الحجة البالغة، لكن قَبِل منهم اليسير، وعفا
لهم عن الكثير؛ تفضلاً منه، وإحساناً. انتهى(٢).
(فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ)؛ أي: حظها على قصد الشهوة فيما لا يحل له، (النَّظَرُ)؛
أي: النظر إلى الأجنبية، وفي الرواية التالية: ((كُتِب على ابن آدم نصيبه من
الزنا، مُدرِك ذلك، لا محالةَ، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما
الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الْخُطا،
والقلب يَهْوَى، ويتمنى، ويصدِّق ذلك الفرج، ویكذبه)).
وقال ابن مسعود ربه: العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان، وزناهما
التقبيل، واليدان تزنيان، وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٣٩/٢.
(٢) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطال ٢٧١/١٧.

٤٧٥
(٥) - بَابٌ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزّنَى، وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٧٣٠)
وقيل: إنما سميت هذه الأشياء زنا؛ لأنها دواعي إليه(١). (وَزِنَى اللِّسَانِ
النُّطْقُ)؛ أي: التكلم على وجه الحرمة كالمواعدة.
وفي رواية للبخاريّ: ((المنطق))، وهو بمعنى النطق، (وَالَّفْسُ)؛ أي:
القلب، كما في الرواية التالية، ولعل النفس إذا طلبت تبعها القلب. (تَمَنَّى)
بفتح أوله، على حذف إحدى التاءين، والأصل: تتمنى، كما في ﴿تَلَفَّى﴾
[الليل: ١٤]، و﴿نَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَ (تَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
(وَتَشْتَهِي)؛ أي: تشتاق إلى أن تقع في الزنا، والشهوة: اشتياق النفس
إلى الشيء(٢)، ولعله عَدَل عن سنن السابق؛ لإفادة التجدد؛ أي: زنا النفس
تمنيها، واشتهاؤها وقوعَ الزنى الحقيقيّ(٣). (وَالْفَرْجُ) بفتح الفاء، وسكون
الراء: يُطلق على القُبُل والدبر؛ لأن كلّ واحد منفرجٌ؛ أي: منفتح، وأكثر
استعماله في العُرف في القُبُل(٤). (يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ)))؛ أي: إن فَعَل
بالفرج ما هو المقصود من ذلك، صار الفرج مصدِّقاً لتلك الأعضاء، وإن ترك
ما هو المقصود من ذلك، فقد صار الفرج مكذِّباً لها .
وقال في ((العمدة)): قوله: ((والفرج يصدق ذلك)) المذكور من زنا العين،
وزنا اللسان، والتصديق بالفعل، والتكذيب بالترك، وقيل: التصديق والتكذيب
من صفات الإخبار، فما معناهما هنا؟.
وأجيب بأنه لمّا كان التصديق هو الحكم بمطابقة الخبر للواقع،
والتكذيب الحكم بعدمها، فكأنه هو الْمُوقِع، أو الدافع، فهو تشبيه، أو لمّا
كان الإيقاع مستلزماً للحكم بها عادةً فهو كناية. انتهى(٥).
وقال الطيبيّ: سُمّيت هذه الأشياء باسم الزنا؛ لأنها مقدمات له، مؤذنة
بوقوعه، ونُسِب التصديق والتكذيب إلى الفرج؛ لأنه منشؤه، ومكانه؛ أي:
يصدّقه بالإتيان بما هو المراد منه، ويكذّبه بالكفّ عنه.
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٧/٢٣.
(٣) ((عون المعبود)) ٦/ ١٣٣.
(٥) ((عمدة القاري)) ٢٤٠/٢٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٢٦/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢ /٤٦٦.

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وقيل: معناه إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك، فقد صار الفرج
مصدّقاً لتلك الأعضاء، وإن ترك ما هو المقصود من ذلك، فقد صار الفرج
مكذباً .
وقيل: معنى ((كَتَبَ)) أنه أثبت عليه ذلك، بأن خلق له الحواسّ التي يجد
بها لذة ذلك الشيء، وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين،
وبما رُكِّب فيهما من القوة الباصرة، تجد لذة النظر، وعلى هذا، وليس المعنى
أنه ألجأه إليه، وأجبره عليه، بل رَكَّز في جبلّته حُبّ الشهوات، ثم إنه تعالى
برحمته وفضله يعصم من يشاء.
وقيل: هذا ليس على عمومه، فإن الخواص معصومون عن الزنى،
ومقدماته .
ويَحْتَمِل أن يبقى على عمومه، بأن يقال: كتب الله تعالى على كل فرد
من بني آدم صدور نفس الزنى، فمن عصمه الله عنه بفضله صدر عنه من
مقدماته الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته، وهم
خواص عباده صَدَر عنه لا محالة بمقتضى الجبلّة مقدماته الباطنة، وهي تمنّ
النفس، واشتهاؤها. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه)) يشير إلى أن
التصديق هو الحكم بمطابقة الخبر للواقع، والتكذيب عكسه، فكان الفرج هو
الموقع، أو الواقع، فيكون تشبيهاً .
ويَحْتَمِل أن يريد: أن الإيقاع يستلزم الحكم بها عادةً، فيكون كنايةً.
قال الخطابيّ: المراد باللمم: ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ
كَرَ اْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللََّمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وهو المعفوّ عنه، وقال في الآية
الأخرى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:
٣١] فيؤخذ من الآيتين أن اللمم من الصغائر، وأنه يكفّر باجتناب الكبائر.
وقال ابن بطال: تفضَّل الله على عباده بغفران اللمم، إذا لم يكن للفرج
تصديق بها، فإذا صدّقها الفرج كان ذلك كبيرة.
(١) ((عون المعبود)) ٦/ ١٣٣.

٤٧٧
(٥) - بَابٌ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَى، وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٧٣٠)
ونقل الفراء أن بعضهم زعم أن ((إلا)) في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمْ﴾ بمعنى الواو،
وأنكره، وقال: إلا صغائر الذنوب، فإنها تكفَّر باجتناب كبارها، وإنما أطلق عليها
زنا؛ لأنها من دواعيه، فهو من إطلاق اسم المسبَّب على السبب مجازاً. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ عَبْدٌ)؛ أي: عبد بن حُميد شيخه الثاني، (فِي رِوَايَتِهِ: ابْنِ
طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) غرضه من هذا بيان اختلاف شیخیه،
فإسحاق قال: ((عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس))، فرواه بالعنعنة،
وعبد بن حميد قال: ((عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عبّاس))، فصرّح
بسماع طاوس عن ابن عبّاس، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ر﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٣٠/٥ و٦٧٣١] (٢٦٥٧)، و(البخاريّ) في
((الاستئذان)) (٦٢٤٣) و((القدر)) (٦٦١٢)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٥٣
و٢١٥٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٧٣/٦)، و(أحمد) في «مسنده)) (٢/
٢٧٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٤١٩ و٤٤٢٠ و٤٤٢١ و٤٤٢٢
و٤٤٢٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٩/٧ و١٨٥/١٠ - ١٨٦)، و(الطحاويّ)
في ((مشكل الآثار)) (٢٩٨/٣)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٠٩/١١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الزنا أنواع يحصل بالأعضاء المذكورة، ولكنه يكون
من اللمم التي تكفَّر باجتناب الكبائر، كما قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا
◌ُنْهَوّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية.
٢ - (ومنها): إثبات القَدَر، وأن الله تعالى قدّر الأشياء، وكتبها في اللوح
المحفوظ، فهي تقع بمشيئته على مقتضى عِلمه ثقيل .
(١) ((الفتح)) ٢٢٨/١٥ - ٢٢٩، كتاب ((القدر)) رقم (٦٦١٢).

٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
٣ - (ومنها): أن في قوله: ((والنفس تشتهي، والفرج يصدّق، أو يكذب))
ما يُستدَلّ به على أن العبد لا يخلق فعل نفسه؛ لأنه قد يريد الزنا مثلاً،
ويشتهيه، فلا يطاوعه العضو الذي يريد أن يزني به، وتُعجزه الحيلة فيه، ولا
يدري لذلك سبباً، ولو كان خالقاً لفعله لَمَا عجز عن فِعل ما يريده، مع وجود
الطواعية، واستحكام الشهوة، فدلّ على أن ذلك فعل مقدَّر يُقدّرها الله إذا
شاء، ويُعَطِّلها إذا شاء(١).
٤ - (ومنها): ما قاله في ((العمدة)): قوله: ((زنا العين))؛ يعني: فيما زاد
على النظرة الأولى التي لا يملكها، فالمراد: النظرة على سبيل اللذة والشهوة،
وكذلك زنا المنطق فيما يلتذ به، من محادثة ما لا يحل له ذلك منه، والنفس
تمنَّى ذلك، وتشتهيه، فهذا كله يسمى زناً؛ لأنه من دواعي زنا الفرج، قال:
واحتجّ أشهب بقوله: ((والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه)) أنه إذا قال: زَنى يدك،
أو رجلك، لا يُحدّ، وخالفه ابن القاسم، وفي ((التوضيح)): وقال الشافعيّ: إذا
قال: زنت يدك يُحدّ، واعترض عليه بعض من عاصرناه من الشافعية، والأصح
أن هذا كناية، ففي ((الروضة)): إذا قال: زنت يدك، أو عينك، أو رجلك، أو
يداك، أو عيناك، فكناية على المذهب، وبه قطع الجمهور؛ يعني: من
الشافعية. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَام الْمَخْزُومِيُّ،
حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عُنِ النَّبِيِّ
قَالَ: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزَّنَّى، مُدْرِك ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا
النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الإِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ،
وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى، وَيَتَمَّنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ، وَيُكَذِّبُهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ
(١) ((الفتح)) ٢٢٩/١٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٤٠/٢٢.

٤٧٩
(٥) - بَابٌ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَى، وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٦٧٣١)
المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُو هِشَام الْمَخْزُومِيُّ) المغيرة بن سلمة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (وُهَيْبُ) - بالتصغير - ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتُ، لكنه تغيّر قليلاً بأَخَرَةٍ [٧] (ت١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم
في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٣.
٤ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحِ) المدنيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوَّان السمّان، تقدّم أيضاً قريباً.
و((أبو هريرة څته)) ذُكر قبله.
وقوله: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: قُضي، وقُدّر
عليه، وهو نصّ في الردّ على القدريّة(١).
وقوله: (مُدْرِكْ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ) قال القرطبيّ: كذا صحّ، وهو مرفوع،
على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو مدرك ذلك، و((لا محالةَ))؛ أي: لا بدّ
من وقوع ذلك منه.
وقوله: (وَالْقَلْبُ يَهْوَى، وَيَتَمَنَّى)؛ يعني: أن هواه وتمنّيه هو زناه، وإنَّما
أُطلق على هذه الأمور كلها زنا؛ لأنَّها مقدِّماتها؛ إذ لا يحصل الزنا الحقيقيّ
في الغالب إلا بعد استعمال هذه الأعضاء في تحصيله، والزنا الحقيقيّ: هو
إيلاجٍ الفرج المحرّم شرعاً في مثله، ألا ترى قوله: (وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ،
وَيُكَذَّبُهُ)؛ يعني: إن حصل إيلاج الفرج الحقيقي، تمَّ زنا تلك الأعضاء،
وثبت إثمه، وإن لم يحصل ذلك، واجتنب كفّر زنا تلك الأعضاء، كما قال
تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية
(٢).
[النساء: ٣١]
وقال النوويّ كَّلُهُ: معنى الحديث: أن ابن آدم قُدِّر عليه نصيب من
الزنى، فمنهم من يكون زناه حقيقيّاً بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من
يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام، أو الاستماع إلى الزنى، وما يتعلق بتحصيله،
(١) «المفهم)) ٦٧٤/٦.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٧٤ - ٦٧٥.

٤٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
أو بالمس باليد، بأن يمس أجنبية بيده، أو يقبّلها، أو بالمشي بالرجل إلى
الزنى، أو النظر، أو اللمس، أو الحديث الحرام مع أجنبية، ونحو ذلك، أو
بالفكر بالقلب، فكل هذه أنواع من الزنى المجازيّ.
والفرج يصدّق ذلك كله، أو يكذّبه، معناه: أنه قد يحقق الزنى بالفرج،
وقد لا يحققه، بأن لا يولج الفرج في الفرج، وإن قارب ذلك، والله أعلم.
وأما قول ابن عباس: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة،
فمعناه: تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَهِرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ الَُّمَّ إِنَّ رَبَّكَ
وَسِعُ اٌلْمَغْفِرَؤُ﴾ .
ومعنى الآية - والله أعلم - الذين يجتنبون المعاصي، غير اللمم، يُغفر لهم
اللمم، كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ﴾، فمعنى الآيتين: أن اجتناب الكبائر يُسقط الصغائر، وهي اللَّمم،
وفسَّره ابن عباس بما في هذا الحديث، من النظر، واللمس، ونحوهما، وهو كما
قال، هذا هو الصحيح في تفسير اللمم، وقيل: أن يُلِمّ بالشيء، ولا يفعله، وقيل:
الميل إلى الذنب، ولا يصرّ عليه، وقيل غير ذلك، مما ليس بظاهر، وأصل اللمم،
والإلمام: الميل إلى الشيء، وطَلَبه من غير مداومة، والله أعلم. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ مَعْنَى: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ))،
وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٣٢] (٢٦٥٨) - حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ،
عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٦/١٦.