Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٢) - بَابُ حِجَاجٍ آدَمَ وَمُوسَى لَاهِ - حديث رقم (٦٧٢٠)
والغيّ: ضدّ الرشد، وهو الانهماك في الشرّ، ويُطلق أيضاً على مجرد الخطأ،
يقال: غَوَى، من باب ضرب؛ أي: أخطأ صواب ما أُمر به(١).
قال القاضي عياض: ((أغويت الناس)) قيل: يَحْتَمِل أنك سبب ذلك
بإخراجهم من الجنة، فعرّضتهم لإغواء الشياطين، ويَحْتَمِل أنه لمّا غَوَى هو
بمعصيته، كما قال تعالى: ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] وهم ذرّيّته سُمُّوا
غاوين، والغيّ: الانهماك في الشرّ، وأما في شأن آدم عليهلا، فقيل: معناه:
جَهِلَ، وقيل: أخطأ، وقد جاء في الرواية الأخرى: ((فنسي)). انتهى (٢).
وقال ابن منظور كَُّهُ: ((أغويت الناس))؛ أي: خيّبتهم، يقال: غَوَى
الرجلُ: خاب، وأغواه غيره، وقوله ◌َل: ﴿وَعَصَىّ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَفَوَ﴾؛ أي: فسد
عليه عيشه، قال: والغَوَّة، والغَيّة واحد، وقيل: غَوَى؛ أي: ترك النهي، وأكل
من الشجرة، فعوقب بأن أُخرج من الجنة، وقال الليث: مصدر غَوَى الغَيّ،
قال: والغَوَاية: الانهماك في الغيّ، ويقال: أغواه الله: إذا أضله، وقال تعالى:
(٣)
[الصافات: ٣٢]. انتهى"
(٣٢)
﴿فَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَّا غَوِينَ
وقوله: (وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) المراد بالجنة التي أُخرج منها آدم - عليه
الصلاة، والسلام - جنة الخلد التي هي دار الجزاء في الآخرة، وجنة الفردوس
وغيرها التي هي دار البقاء، وهي كانت موجودة قبل آدم - عليه الصلاة
والسلام - وهو مذهب أهل الحقّ(٤).
وقوله: (أَنْتَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ) قال عياض: عامّ يراد به
الخصوص؛ أي: مما علّمك، ويَحْتَمِل مما علمه البشر (٥).
وقوله: (وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ)؛ أي: اختاره على أهل زمانه،
وقوله: ((برسالته)) بالإفراد، وقُرئت الآية به، وبالجمع(٦) .
وقوله: (فَتَلُومُنِي) بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية الماضية:
((أتلومني)).
(١) راجع: ((تحفة الأحوذيّ)) ٢٨٢/٦.
(٣) ((لسان العرب)) ١٤٠/١٥ - ١٤١.
(٥) (شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٣٠٤/٤.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ١٣٧.
(٤) ((عمدة القاري)) ٦٠/١٩.
(٦) ((شرح الزرقانيّ)) ٣٠٤/٤.

٤٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي
ذُبَابٍ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ هُرْمُزَ - وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عَلَِّهِ عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ
آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيَكَ مِنْ رُوحِهِ،
وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى
الأَرْضِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاَكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ، وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ
الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيّاً، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ
أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَاماً، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَّ ◌َادَمُ
رَبَُّ فَغَوَ﴾؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلاً كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ
أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ
الأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌّ [١٠]
(ت٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمْرة، أبو عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ،
ثقةٌ [٨] (ت٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٣ - (الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
سعد بن أبي ذُباب - بضمّ الذال المعجمة، وموحدتين - الدَّوْسيّ - بفتح الدال ـ
المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٥] (ت١٤٦) (عخ م مد ت س ق) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١٥٢٩/٥٤.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ) المدنيّ، مولى بني ليث، وهو غير يزيد الفارسيّ

٤٤٣
(٢) - بَابُ حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى عَلَّهِ - حديث رقم (٦٧٢١)
على الصحيح، وهو والد عبد الله، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (م د ت س)
تقدم في ((الجهاد والسِّيَر)) ٤٦٧٦/٤٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) قال في ((الفتح)): إضافة الله خلق
آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف، وكذا إضافة روحه إلى الله. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((إضافة الله خلق آدم إلى يده في
الآية إضافة تشريف)) هكذا قال الحافظ في ((الفتح))؛ يعني: أنه من المجاز، لا
من الحقيقة، وفيه نظر، بل الحقّ أنه على ظاهره، وأن الله تعالى يداً حقيقيّة،
تليق بجلاله، لا تشبه يد الخلق، فنحن نثبت ما أثبته لنفسه من اليد والأصابع،
والعين، والوجه، ونحو ذلك، من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا
تحريف، وكون الإضافة حقيقية يستفاد منها مع إثبات اليد تشريف آدم ظلَّل*
وذريته، حيث خلقه الله رَك بيده، فتبصّر، والله ◌َعْلَ الهادي إلى سواء السبيل.
ثم رأيت الشيخ البرّاك قال تعليقاً على كلام الحافظ المذكور، فقال: أما
إضافة الروح التي نُفخت في آدم إلى الله، فهي من إضافة المخلوق إلى خالقه،
لا من إضافة الصفة إلى الموصوف، فإضافتها إذاً إلى الله تعالى إضافة تشريف،
كما ذكره الحافظ نَّتُهُ .
وأما إضافة خلق آدم إلى يده وَلَ فلأنّ خَلْقه كان باليدين، وفي هذا
تشريف لآدم على سائر المخلوقات، وقد دلّ على هذه الفضيلة لآدم عظَل*
الكتاب والسُّنَّة المتواترة، قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾
[ص: ٧٥]، وهذا التركيب لا يَحْتَمل إلا الخلق باليدين، وهذا بيّن على منهج
أهل السُّنَّة والجماعة المثبتين لليدين، وسائر صفات الله تعالى، وأما الذين
ينفون حقيقة اليدين عن الله تعالى، ويتأولونها في الآية بالقدرة، أو النعمة،
فعلى قولهم لا يكون لآدم خصوصيّة ومزيّة على غيره، فلا يكون في إضافة
الخلق إلى اليدين تشريف حقيقيّ، بل تشريف لفظيّ.
وقول الحافظ في هذه الإضافة: إضافة تشريف: لفظه يَحتَمل التشريف
(١) ((الفتح)) ٢٣٤/١٥.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
الحقيقيّ، والتشريف اللفظيّ، وحَمْله على الثاني هو الموافق لطريقته، ولذا لم
يفرّق بين إضافة خلق آدم ليده، وإضافة الروح إليه . انتهى كلام الشيخ
البرّاك(١)، وهو تحقيق مفيد، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال في ((الفتح)): ((من)) زائدة على رأي،
والنفخ بمعنى الخلق؛ أي: خلق فيك الروح. انتهى (٢).
وقوله: (وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ)؛ أي: أمرهم بالسجود لك، فسجدوا له،
قال قتادة: فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَدَ له
ملائكته، وقال بعضهم: كان هذا سجود تحيّة، وسلام، وإكرام، كما قال
تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ، سُجَّدًا﴾ الآية [يوسف: ١٠٠]، وقد كان
هذا مشروعاً في الأمم الماضية، ولكنه نُسخ في ملّتنا، ذكره الإمام ابن كثير رَّتُهُ
في ((تفسيره))(٣).
وقوله: (وَأَعْطَاَ الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ) قال ابن جرير تَخْلُهُ: قوله:
﴿مِن كُلِّ شَىءٍ﴾ [الحجر: ١٩] يقول: من التذكير، والتنبيه على عظمة الله، وعز
سلطانه، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لقومه، ومِنْ أَمْر بالعمل بما كُتب في الألواح،
﴿وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤] يقول: وتبييناً لكل شيء، من أمر الله،
ونهيه. انتهى(٤).
وقوله: (وَقَرَّبَكَ نَجِيّاً)؛ أي: حال كونه مناجياً، قيل: حتى سَمِع صريف
القلم، حين كُتب له في الألواح، قاله في ((العمدة)»(٥).
وقال المناويّ: النجيّ: المناجي الواحد، وهو الذي يخاطِب الإنسان،
ويحدّثه سرّاً. انتهى(٦).
وقوله: (بِأَرْبَعِينَ عَاماً) وفي الرواية السابقة: ((بأربعين سنةً))، قال
(١) راجع ما كتبه في: هامش ((الفتح)) ٢٣٤/١٥ - ٢٣٥.
(٢) ((الفتح)) ٢٣٤/١٥ - ٢٣٥.
(٣) راجع: ((مختصر أحمد شاكر)) ١٠٣/١.
(٤) ((تفسير الطبريّ)) ٩/ ٥٧.
(٦) ((فيض القدير)) ١٠٩/١.
(٥) ((عمدة القاري)) ٢٨٤/١٥.

٤٤٥
(٢) - بَابُ حِجَاجٍ آدَمَ وَمُوسَى بَلَّاِ - حديث رقم (٦٧٢٢)
النوويّ كَخّلُ: المراد بالتقدير هنا: الكتابة في اللوح المحفوظ، وفي صحف
التوراة، وألواحها؛ أي: كتبه عليّ قبل خلقي بأربعين سنة، وقد صرّح بهذا في
الرواية التي بعد هذه، فقال: ((بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟،
قال موسى: بأربعين عاماً، قال: أتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليّ
أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟، فهذه الرواية مصرّحة ببيان المراد
بالتقدير، ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر، فإن علم الله تعالى، وما قَدّره على
عباده، وأراد من خلقه أزليّ، لا أول له، ولم يزل نَّا مريداً لِمَا أراده من
خَلْقه، من طاعة، ومعصية، وخير، وشرّ. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ حَاتِم قَالَا: حَدَّثَنَا
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى:
أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي
اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ (٢)، وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ
أُخْلَقَ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٢ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨]
(ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/١٦.
(٢) وفي نسخة: ((برسالاته)).

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]
(ت١٠٥) على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ،
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَيِّ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبٍِّ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ) ابن زياد بن النجّار الحنفيّ، أبو إسماعيل
اليماميّ، قاضيها، ويقال: اسم النجار: يحيى، ثقةٌ مدلِّس [٣].
رَوَى عن يحيى بن أبي كثير، وسعيد الْجُريريّ، وإسحاق بن عبد الله بن
أبي طلحة، وابن عون، وغيرهم.
وروى عنه قتيبة، وعمرو الناقد، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل،
وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ رجلٌ صالحٌ عفيفٌ،
وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ، صدوقٌ، وكان يقول: لم أسمع من
يحيى بن أبي كثير إلا حديثاً واحداً: ((التقى آدم وموسى))، وقال أبو زرعة:
ثقةٌ، وقال عمر بن يونس اليماميّ: ثنا أيوب بن النجار، وكان من أفضل أهل
اليمامة، وقال محمد بن مهران الرازيّ: كان يقال: إنه من الأبدال، له في
((الصحيحين)) الحديث الذي ذكره ابن معين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له عند الشيخين إلا هذا
الحدیث.

٤٤٧
(٢) - بَابُ حِجَاجٍ آدَمَ وَمُوسَى عَّاهِ - حديث رقم (٦٧٢٣)
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ، مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه
يدلِّس، ويرسل [٥] (ت١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع) ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٢٤.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة،
وكان مولده سنة بضع وعشرين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٥ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد بن رافع النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٨ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبٍِّ) الأبناويّ اليمنيّ، تقدّم قريباً.
و((أبو هريرة ﴿ه)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: أما رواية أبي سلمة عن أبي هريرة ظه، فقد ساقها البخاريّ تَخْذُّهُ
في ((صحيحه))، فقال:
(٤٤٦١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير،
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَّر قال: ((حاجّ
موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك، وأشقيتهم؟
قال: قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه؟، أتلومني
على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني، أو قدّره عليّ قبل أن يخلقني؟)) قال
رسول الله وَ﴾: ((فحجّ آدم موسى)). انتهى(١).
وأما رواية همّام بن منبه، عن أبي هريرة ظُه، فساقها عبد الرزاق تَخَّلهُ
في (مصنّفه))، فقال:
(٢٠٠٦٨) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَلا ير: ((تحاجّ آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي
أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض؟ فقال له آدم: أنت الذي
أعطاك الله علم كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال:
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٧٦٤/٤.

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
أفتلومني على أمر كان قد كُتب قبل أن أفعله، أو قال: من قبل أن أُخلق؟
قال: فحجّ آدم موسی)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع،
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ،
نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ) أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ
التميميّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان) ٣٣٦/٦٠.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) بتقديم الزاي، مصغّراً العيشيّ، أبو معاوية البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، بالقاف، وضم الدال، أبو
عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن،
وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يُرسِل عنهما [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت١١٠)
(ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٨.
و«أبو هريرة څته)) ذُكر قبله.
ـه هذه ساقها
[تنبيه]: رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة
البخاريّ كَّثُ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٤٥٩) - حدّثنا الصَّلْت بن محمد، حدّثنا مهديّ بن ميمون، حدّثنا محمد بن
سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَ لي قال: ((التقى آدم وموسى، فقال موسى
لآدم: آنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ قال له آدم: آنت الذي
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١/ ١١٣.

٤٤٩
(٢) - بَابُ حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى عَلَّهِ - حديث رقم (٦٧٢٥)
اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟، قال: نعم،
قال: فوجدتها كَتَب عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحجّ آدم موسى)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٥] (٢٦٥٣) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِيِّ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ
بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ)
المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب المصريّ، تقدّم أيضاً في الباب
الماضي.
٣ - (أَبُو هَانِيِّ الْخَوْلَانِيُّ) حميد بن هانئ المصريّ، لا بأس به [٥] وهو
أكبر شيخ لابن وهب (ت١٤٢) (بخ م ٤) تقدّم في ((المقدّمة)) ١٥/٤.
[تنبيه]: قوله: ((الْخَوْلانيّ)) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو: نسبة إلى
خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن يشجُب بن عَريب بن
زيد بن كهلان بن سبأ، واسم خولان: أفكل، وهي قبيلة نزلت الشام، قاله في
((اللباب))(٢).
٤ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ) - بضم المهملة والموحدة - عبد الله بن
يزيد المعافريّ المصريّ، ثقةٌ [٣] مات سنة مائة بإفريقية (بخ م ٤) تقدم في
((الزكاة)) ٢٤٢٦/٤٢.
[تنبيه]: قوله: ((الْحُبُليّ)) بضمّ الحاء المهملة، والموحّدة: نسبة إلى حيّ
(١) (صحيح البخاريّ)) ١٧٦٤/٤.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٤٧٢.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
من اليمن من الأنصار، يقال لهم: بنو الْحُبْلَى، قاله في ((اللباب))(١).
وقال المرتضى كَُّهُ: والحُبلَى؛ كُبُشْرَى: لَقَبُ سالِم بنِ غَنْمِ بن عَوْف بنِ
الخَزْرَج. وغَنْمُ: هو قَوْقَلٌ لُقِّب به؛ لِعِظَم بَظْنِهِ، مِن وَلَدِه:َ بَنُو الحُبَلَى: بَطْنٌ مِن
الأنصارِ، ثم مِن الخَزْرَج، وهو حُبْلِيٍّ بَالضّمّ علَى القِياس، وبضمَّتَيْن، وعليه
اقتصَر ◌ِيبَوَيهِ، وقال: هو مِمّا جاء على غيرِ قِياسٍ في النَّسَبِ، نَقَل بعضُ أهلِ
العربيّة عن سِيبَوَيه: الحُبَلِيُّ كُجُهَنِيٍّ، قال السّهَيلِي: وهو خطأ، لم يَضْبِظْهِ سِيبَوَيه
هكذا، وقد نَقَلَه أبو عليٍّ في ((البارِع)) من كتاب سِيبوَيه بالضَّمّ على الصَّحِيح،
وإنّما أَوقَعَه في الوَهْم كونُ سِيبوَيه ذَكره مع الجُذَمِيِّ نِسبةً لجَذِيمَةَ، وهو إنما
ذَكره معه؛ لكَونِ كل منهما شاذّاً، لا لكونِهِ مِثْلَه في الوَزن، فتأمَّلْ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وبهذا يتبيّن أن الْحُبُليّ بضمّ، فسكون، وبضمّتين،
وأما قول المجد دَّثُ في ((القاموس)): وكجُهَنيّ فخطأً، فليُتُنّه، والله تعالى أعلم.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد - بالتصغير -
ابن سَعْد بن سَهْم السّهْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين
المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة
على الأصح بالطائف، على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين من أوله إلى
آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن راويه صحابيّ ابن صحابيّ ﴿ّ، وهو
أحد العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿َ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهـ
يَقُولُ: ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ)؛ أي: أجرى القلم على اللوح، أو غيره
بتحصيل مقاديرها على وفق ما تعلقت به إرادته، وليس المراد هنا أصل
التقدير؛ لأنه أزليّ، لا ابتداء له(٣).
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٣٣٧. (٢) (تاج العروس)) ص ٦٩٦٤.
(٣) ((فيض القدير)) ٥٤٨/٤.

٤٥١
(٢) - بَابُ حِجَاجٍ آدَمَ وَمُوسَى بَّهِ - حديث رقم (٦٧٢٥)
وقال في ((المرعاة)): ((المقادير)): جمع مقدار، وهو الشيء الذي يُعرف به
قَدْر الشيء، وكميته، كالمكيال، والميزان، وقد يُستعمل بمعنى القدر نفسه،
وهو الكمية، والكيفية؛ أي: أمر الله تعالى القلم أن يُثبت في اللوح المحفوظ
ما سيوجد من الخلائق، ذاتاً، وصفة، وفعلاً، وخيراً، وشراً، على ما تعلقت
به إرادته الأزلية. قال النوويّ: قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في
اللوح المحفوظ، أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذلك أزليّ، لا أول له،
(١)
انتھی'
(قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)) قال في ((الفتح)):
هذا محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ، على وفق ما في علم الله تَالنَ .
انتھی(٢).
وقال المناويّ: ((بخمسين ألف سنة)) معناه طول الأمد، وتكثير ما بين
الخلق والتقدير من الْمُدَد، لا التحديد؛ إذ لم يكن قبل السموات والأرض سنة
ولا شهر، فلا تدافع بينه وبين خبر الألفين.
وقال البيضاويّ: أو تقديره ببرهة من الدهر الذي يوم فيه كألف سنة مما
تعدُّون، أو من الزمان نفسه. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله البيضاويّ هو الحقّ، وأما قول
المناويّ: معناه طول المدّة لا التحديد فليس بشيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((كتب الله مقادير الخلائق إلخ))؛ أي: أثبتها
في اللوح المحفوظ، أو فيما شاء، فهو توقيت للكَتْب، لا للمقادير؛ لأنَّها
راجعة إلى علم الله تعالى، وإرادته، وذلك قديم، لا أول له، ويستحيل عليه
تقديره بالزمان؛ إذ الحقّ ◌َالّ بصفاته موجود، ولا زمان، ولا مكان، وهذه
الخمسون ألف سنة سنون تقديرية؛ إذ قبل خلق السموات لا يتحقق وجود
الزمان؛ فإنَّ الزمان الذى يعبّر عنه بالسنين، والأيام، والليالي إنما هو راجع
إلى أعداد حركات الأفلاك، وسَيْر الشمس، والقمر في المنازل، والبروج
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٤٠٢/١.
(٣) ((فيض القدير)) ٥٤٨/٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٨٩/١١.

٤٥٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
السماوية، فقبل السموات لا يوجد ذلك، وإنما يرجع ذلك إلى مدّة في علم الله
تعالى، لو كانت السموات موجودة فيها لعُدِّدت بذلك العدد، وهذا نحو مما
قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّارٍ﴾
[أالأعراف: ٥٤]؛ أي: في مقدار ستة أيام، ثم هذه الأيام كل يوم منها مقدار
ألف سنة من سِنِي الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلَفِ سَنَةٍ مِّمَّا
تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وكقوله: ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]،
هذا قول ابن عباس وغيره من سلف المفسرين على ما رواه الطبريّ في
((تاريخه)) عنهم.
ويَحْتَمِل أن يكون ذِكر الخمسين ألفاً جاء مجيء الإغياء في التكثير، ولم
يُرِدْ عين ذلك العدد، فكأنه قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق هذا العالم
بآماد كثيرة، وأزمان عديدة، وهذا نحو مما قلناه في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ
لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، والأول أظهر، وأولى. انتهى
كلام القرطبيّ كَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ◌ِِّ: (وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ))) المعنى: كان عرشه قبل أن يخلق
السموات والأرض على وجه الماء، وفيه إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ
هذا العالم؛ لكونهما خُلقا قبل خلق السماوات والأرض، وقد روى أحمد،
والترمذيّ، وصححه من حديث أبي رَزِين الْعُقيليّ مرفوعاً: أن الماء خُلق قبل
العرش. وروى السّدّيّ في ((تفسيره)) بأسانيد متعددة: أن الله لم يخلق شيئاً مما
خلق قبل الماء، وأما حديث: ((أول ما خلق الله القلم))، فيُجمع بينه وبين ما
قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه
صدر من الكتابة؛ أي: أنه قيل له: اكتب أول ما خلق، وأما حديث: ((أول ما
خلق الله العقل)) فليس له طريق ثابت، وعلى تقدير ثبوته، فهذا التقدير الأخير
هو تأويله، واختُلف في أيهما خُلق أولاً، العرش، أو القلم؟ والأكثر على سَبْق
خلق العرش، واختار ابن جرير، ومن تبعه الثان. انتهى، أفاده في ((الفتح))(٢)،
والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦٦٨/٦ - ٦٦٩.
(٢) ((مرعاة المفاتيح)) ٤٥٠/١.

٤٥٣
(٢) - بَابُ حِجَاجٍ آدَمَ وَمُوسَى لِلَّهِ - حديث رقم (٦٧٢٦)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بها هذا من أفراد
المصنّف نَظّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٢٥/٢ و٦٧٢٦] (٢٦٥٣)، و(الترمذيّ) في
(القدر)) (٢١٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٩/٢)، و(عبد بن حميد) في
(«مسنده)) (٣٤٣)، و(ابن وهب) في ((القدر)) (١٠١/١)، و(البزّار) في ((مسنده))
(٤٢٦/٦)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٠٢٦)، و(الخطيب) في
(«تاريخ بغداد)) (٢٥٢/٢)، و(يعقوب الفسويّ) في ((المعرفة والتاريخ)) (٢]
٢٩٧)، و(البيهقيّ) في ((الاعتقاد)) (١٣٦/١)، و(ابن المستفاض) في ((القدر))
(٨٧/١ و٨٨)، و(أبو نعيم) في ((تاريخ أصفهان)) (٣٨٤/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ (ح)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ - يَعْنِي: ابْنَ
يَزِيدَ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هَانِيْ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: ((وَعَرْشُهُ
عَلَى الْمَاءِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْمُقْرِئُ) عبد الله بن يزيد المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرئ، أصله
من البصرة، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ أقرأ القرآن نيفاً وسبعين سنةً [٩] (ت٢١٣)
وقد قارب المائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
٢ - (حَيْوَةُ) - بفتح أوله، وسكون التحتانية، وفتح الواو - ابن شُريح بن
صفوان التُّجِيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت٨ أو ١٥٩)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) هو: محمد بن سهل بن عَسْكر التميميّ
مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م ت س)
تقدم في ((الصيام)) ٢٥٣٥/٨.

٤٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
٤ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم
الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤)
وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)» ١٨٨/٢٢.
٥ - (نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ) الْكَلَاعِيّ - بفتح الكاف، واللام الخفيفة - أبو يزيد
المصريّ، يقال: إنه مولى شُرَحبيل ابن حَسَنة، ثقةٌ عابد [٧] (ت١٦٨) (خت م
د س ق) تقدم في ((الإمارة)) ٤٩١٨/٤٤.
والباقيان ذُكرا في الباب، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي
عمر العدنيّ، و((أبو هانئ)) هو: حميد بن هانئ المصريّ.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هَانِئٍ) الضمير لحيوة بن شُریح، ونافع بن یزید.
[تنبيه]: أما رواية حيوة عن أبي هانئ، فساقها الترمذيّ ◌َُّهُ في
((جامعه))، فقال:
(٢١٥٦) - حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن المنذر الباهليّ الصنعانيّ، حدّثنا
عبد الله بن يزيد المقرئ، حدّثنا حيوة بن شُريح، حدَّثني أبو هانئ الْخَوْلانيّ، أنه
سمع أبا عبد الرحمن الْحُبُليّ يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت
رسول الله وَ* يقول: ((قَدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض
بخمسين ألف سنة))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ غريب. انتهى(١).
وأما رواية نافع بن يزيد عن أبي هانئ فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ تَصْرِيفِ اللهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٧] (٢٦٥٤) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ ثُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ
الْمُقْرِئِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٤٥٨/٤.

٤٥٥
(٣) - بَابُ تَصْرِيفِ اللهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ - حديث رقم (٦٧٢٧)
أَبُو هَانِيٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ
إِصْبَعَيْنٍ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرَّفُهُ حَيْثُ بَشَاءُ))، ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في البابين الماضيين، و((ابْنُ نُمَيْرِ)) هو: محمد بن عبد الله بن
نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، غير شیخیه،
فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني كوفيّ، والمقرئ بصريّ، ثمّ مكيّ، وأنه
مسلسل بالتحديث، والسماع، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه راويان اشتهرا
بالكنية .
شرح الحديث:
عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، بضمّتين، أو بضمّ، فسكون؛ (أَنَّهُ سَمِعَ
(يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهَ يَقُولُ: ((إِنَّ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ)
قُلُوبَ بَنِي آدَمَ) وفي حديث النَّاس بن سَمْعان ◌َظُه عند ابن ماجه: ((ما من
قلبٍ إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه ... ))،
وقوّله: (كُلَّهَا) بالنصب توكيد لـ((قلوبَ))، (بَيْنَ إِصْبَعَيْنٍ) - بكسر الهمزة، وفتح
الموحّدة - أفصح لغاتها، وهي عشرة، تثليثُ الهمزة، مع تثليث الموحّدة،
والعاشرة أُضْبُوع، بوزن أُسْبُوع. (مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ) قال النوويّ: هذا من
أحاديث الصفات، وفيها القولان السابقان قريباً:
أحدهما: الإيمان بها، من غير تعرّض لتأويل، ولا لمعرفة المعنى، بل
يؤمن بأنها حقّ، وأن ظاهرها غير مراد، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىٌْ﴾
[الشورى: ١١].
والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا: المراد المَجاز، كما

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
يقال: فلان في قبضتي، وفي كفي، لا يراد به أنه حالّ في كفه، بل المراد
تحت قدرتي، ويقال: فلان بين إصبعي، أقلّبه كيف شئت؛ أي: إنه مني على
قهره، والتصرف فيه كيف شئت، فمعنى الحديث أنه ◌َّلَ متصرّف في قلوب
عباده وغيرها، كيف شاء، لا يمتنع عليه منها شيء، ولا يفوته ما أراده، كما
لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه، ومَثَّله
بالمعاني الحسية تأكيداً له في نفوسهم.
[فإن قيل]: فقدرة الله تعالى واحدة، والإصبعان للتثنية؟.
فالجواب: أنه قد سبق أن هذا مجاز، واستعارةٌ، فوقع التمثيل بحسب ما
اعتادوه، غير مقصود به التثنية والجمع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ قد سبق لنا
تفنيده غير مرّة، وأن الواجب في أحاديث الصفات أن يؤمَن بها، كما جاءت،
وتُثَبَت كما أثبتَها النصّ الصحيح الصريح، فتُثبت الأصابع ونحوها لله تعالى كما
أثبتها هذا الحديث الصريح الصحيح على ما يليق بجلاله ثمان .
والحاصل: أن هذا الحديث من أحاديث الصفات التي نؤمن بها، ونعتقد
أنها حقّ من غير تعرّض للتأويل، ولا لمعرفة الكيفيّة؛ لأن الإيمان بها فرضٌ،
والامتناع عن الخوض في معرفة حقائقها واجب، فالمهتدي من سلك فيها
سبيل التسليم، والخائض في إدراك كيفيّتها زائغ، والمنكِر لها معظّلٌ، والمكيّف
مشبّه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ١١].
وقد نقل الطيبيّ كَُّ في ((شرحه)) عن شيخه أبي حفص السُّهْرورديّ ◌َحْذَلُهُ
أنه قال في «کتاب العقائد» له:
أخبر الله رَ أنه استوى على العرش، فقال تعالى: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وأخبر رسوله ◌َّالله بالنزول، وغير ذلك مما جاء من اليد،
والقدم، والتعجّب، والتردّد، وكلّ ما ورد من هذا القبيل، فلا يُتصرّف فيها بتشبيه،
ولا تعطيل، فلولا إخبار الله تعالى، وإخبار رسوله وَ ﴿ ما تجاسر عقلٌ أن يحوم
حول ذلك الحمى، وتلاشى دون ذلك عقل العقلاء، ولُبّ الألبّاء. انتهى(١).
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤٤/٢.

٤٥٧
(٣) - بَابُ تَصْرِيفِ اللهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ - حديث رقم (٦٧٢٧)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نقله الطيبيّ عن شيخه هو التحقيق
الحقيق بالقبول، فيا ليت الطيبيّ مشى على طريقة شيخه، ولكنه حاد، ومال عن
الصراط المستقيم، فترى في شرحه يختار مذهب المؤوّلين، ويقوّيه، ويطوّل
نفسه في تقريره، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، اللَّهُمَّ اهدِنا فيمن هديت، وعافنا
فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، اللَّهُمَّ فاطرَ السموات والأرض عالم الغيب
والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لِمَا اختلف فيه
من الحقّ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
(كَقَلْبٍ وَاحِدٍ) بيّن بهذا التشبيه أن التصرّف في تلك الأصابع سهل
كسهولة التصرّف في قلب واحد، (يُصَرِّفُهُ) بتشديد الراء؛ أي: يقلّب ذلك
القلب الواحد، والمراد: تلك القلوب جميعها. (حَيْثُ يَشَاءُ))) وفي حديث
النوّاس: ((إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه))، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَمَهَا
[الشمس: ٨]، فيقلّبها تارة من فجورها إلى تقواها، بأن
◌ُرَهَا وَتَقْوَنُهَا
يجعلها تقيّةً بعد أن كانت فاجرةً، ويَعْدِلها أخرى عن تقواها إلى فجورها، بأن
يجعلها فاجرة بعد أن كانت تقيّةً.
قال بعضهم: إنما نَسَب تقليب القلب إلى الله تعالى إشعاراً بأن الله تعالى
إنما تولّى بنفسه أمر قلوبهم، ولم يَكِله إلى أحد من ملائكته، وخصّ الرحمن
بالذكر إيذاناً بأن ذلك التولّي لم يكن إلا بمحض رحمته، وفَضْل نعمته؛ كيلا
يطّلع أحد غيره على سرائرهم، ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم. انتهى(١).
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبٍ) بتشديد الراء؛ أي:
مقلّبها تارة إلى الطاعة، وتارة إلى المعصية، وتارة إلى اليقظة، وتارة إلى
الغفلة، (صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)))؛ أي: قلّبها على أنواع طاعتك، بأن
تتقلّب من طاعة إلى طاعة أخرى، ولا تخرج عنها إلى المعاصي، وفي حديث
النوّاس: ((وَكَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى
دِينِكَ))؛ أي: اجعله ثابتاً على دينك القويم، غير مائل عن صراطك المستقيم،
والله تعالى أعلم.
(١) ((الكاشف)) ٥٤٤/٢.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص .
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٢٧/٣] (٢٦٥٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٤١٤/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٨/٢ و١٧٣)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٩٠٢)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٤٣١/٦)، و(عبد بن حُميد) في
((مسنده)) (١٣٧/١)، و(الآجرّيّ) في ((الشريعة)) (ص٣١٦)، و(ابن أبي عاصم)
في (السُّنَّة)) (١٠٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص١٤٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الله ◌ُعَلَ هو المتصرّف في قلوب عباده كيف يشاء،
إن شاء هداها، وإن شاء أزاغها .
٢ - (ومنها): إثبات صفة الأصابع لله رَك، وهو مذهب أهل السُّنَّة
والجماعة، فيثبتونها كما أثبتتها النصوص الصحيحة، على مراد الله تعالى. ومن
أنكر ذلك كالجهميّة، ضالّ مضلّ، ومن أَوَّلَ، فهو مخطئ زائغ عن الحقّ.
٣ - (ومنها): ما قاله البغويّ تَخَّتُ: فيه بيان أن العبد ليس إليه شيء من
أمْر سعادته أو شقاوته، بل إن اهتدى فبهداية الله إياه، وإن ثبت على الإيمان
فبتثبيته، وإن ضلّ فبصرفه عن الهدى، قال الله ◌ُعَالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ
هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال ◌ُخَالَ إخباراً عن حمد أهل الجنة: ﴿اَلْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِى هَدَمْنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال ◌َ:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ﴾
[إبراهيم: ٢٧].
٤ - (ومنها): شدّة خوف النبيّ وَل﴿ من ربّه رَك، حيث يدعو أن
يصرّف الله قلبه على طاعته، وشدّة حرصه ◌َ على تنبيه أمته أن لا يصيبها
ذُهول ولا غفلة عن مراقبة الخواتم، فإن الأمر بالخواتم، وفي حديث أنس
عند الترمذيّ في ((جامعه)): كان رسول الله وَل يُكْثر أن يقول: ((يا مقلّب

٤٥٩
(٤) - بَابٌ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ - حديث رقم (٦٧٢٨)
القلوب ثبّت قلبي على دينك))، قالوا: يا رسول الله آمنًا بك، وبما جئت به،
فهل تخاف علينا؟ قال: ((نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلّبها
كيف يشاء)»، اللَّهُمَّ ثبّت قلوبنا على دينك، ﴿رَبََّا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا
[آل عمران: ٨]، امين.
٨
مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ أْوَقَّابُ
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤) - (بَابٌ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٢٨] (٢٦٥٥) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ زِبَادِ بْنِ
سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاساً مِنْ أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ، أَوِ الْكَيْسُ وَالْعَجْزُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم البصريّ، أبو يحيى
المعروف بالنَّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ(١)، من كبار
[١٠] (٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٢ - (زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] (ع) تقدم في
((الطهارة)» ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُسْلِم) الَجَنَديّ - بفتح الجيم، والنون - اليمانيّ، صدوقٌ،
ء
له أوهام [٦].
رَوَی عن طاوس، وعكرمة.
(١) هذا هو الأَولى من قوله في ((التقريب)): لا بأس به، كما يظهر من ترجمته في
((تهذيب التهذيب».

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وروى عنه ابنه عبد الله، وابن جريج، ومعمر، وأمية بن شِبْل، ومحمد بن
منصور الجنَديّ، وعمرو بن نَشيط، وابن عيينة.
قال أحمد: ضعيفٌ، وقال مرّةً: ليس بذاك، وقال ابن الجنيد عن ابن
معين: لا بأس به، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس بالقويّ، وقال
عبد الله بن أحمد: قلت لابن معين: عمرو بن مسلم أضعف، أو هشام بن
حجير؟ فضعّف، أو قال: هشام أحبّ إليّ، وقال ابن المدينيّ: ذكره يحيى بن
سعيد، فحرَّك يده، وقال: ما أرى هشام بن حُجير إلا أمثل منه، قلت له:
أضْربُ على حديث هشام؟ قال: نعم، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عديّ: ليس له حديث منكر جدّاً، وقال
الساجيّ: صدوق بهم، وقال ابن خِرِاش ليس بشيء، وكذا قال ابن حزم في
((المحلَّى)).
أخرج ه البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وقال
الحافظ: وله ذِكر في سند أثر معلّق في ((الذبائح)) في ((صحيح البخاريّ)).
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿ها، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ طَاوُس) بن كيسان اليمانيّ؛ (أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاساً مِنْ أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِ وَّ) وفي رواية اللالكائيّ: ((عن طاووس اليمانيّ قال: أدركت
ثلثمائة من أصحاب رسول الله وَ ﴿ يقولون: كلُّ شيء بقَدَر، وسمعت عبد الله بن
عمر يقول: كان رسول الله وسلم يقول: كل شيء بقدر، حتى العجز
والكيس))(١). (يَقُولُونَ: كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ)؛ أي: بتقدير الله ثَظّ له في الأزل.
(قَالَ) طاوس: (وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِ﴿يَا (يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ، وَالْكَيْسُ، أَوِ الْكَيْسُ وَالْعَجْزُ)))
(١) ((اعتقاد أهل السنة)) ٦٦١/٤.