Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٨) وتشديد الياء - السُّلَميّ الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات بعد السبعين (ع) تقدم في ((الرضاع)) ٣٥٨١/٣. ٤ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ الصحابيّ الجليل، أحد الخلفاء الراشدين، مات في رمضان سنة أربعين وله ثلاث وستون على الأرجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه: زهير، فبغداديّ، وإبراهيم، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه صحابيّ جمّ المناقب، فهو ابن عمّ رسول الله وَلهر، وزوج ابنته فاطمة ﴿ه، ومن السابقين الأولين، ورجّح جَمْع أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنّة، ومات وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السُّنّة والجماعة. شرح الحديث: (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين المهملة، هو السُّلميّ الكوفيّ يكنى أبا حمزة، وكان صهر أبي عبد الرحمن شيخه في هذا الحديث، ووقع في تفسير [الليل: ١] من طريق شعبة عن الأعمش، سمعت سعد بن ﴿وَِّلِ إِذَا يَغْشَى عبيدة(١). (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلَميّ، اسمه عبد الله بن حَبِيب، وهو من كبار التابعين، ووقع مُسَمّى في رواية معتمر بن سليمان، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عند الفريابيّ. (عَنْ عَلِيٍّ) ◌َُّه، في رواية مسلم الْبَطين، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ: أخذ بيدي عليّ، فانطلقنا نمشي، حتى جلسنا على شاطئ الفرات، فقال عليّ: قال رسول الله وَّ﴿، فذكر الحديث مختصراً. (قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف صاحبها. انتهى (٢). (١) ((الفتح)) ٢١٦/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٦٠٥). (٢) ((تنبيه المعلم)) ص ٤٣٧. ٣٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وفي الرواية الآتية من طريق الأعمش، عن سعد: ((كان رسول الله وَل ذات يوم جالساً، وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه، فقال: ما منكم من أحد ... )). (فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) بإضافة البقيع بالباء الموحدة، وكسر القاف، إلى الغرقد، بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وفتح القاف، وبالدال المهملة، وهو مقبرة المدينة(١)، والغرقد نوع من الشجر، وكان بالبقيع، فأضيف إليه(٢). وقال الفيّوميّ تَخْذِفُهُ: البقيع: المكان الْمتّسع، ويقال: الموضع الذي فيه شجر، وبقيع الغَرْقد بمدينة النبيّ ◌َّ كان ذا شجر، وزال، وبقي الاسم، وهو الآن مقبرة المدينة. انتهى (٣) . (فَأَتَّانَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة: هي عصاً، أو قضيب، يمسكه الرئيس؛ ليتوكأ عليه، ويدفع به عنه، ويشير به لِمَا يريد، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها تُحْمَل تحت الخصر غالباً؛ للاتكاء عليها، وفي اللغة: اختَصَر الرجل: إذا أمسك المخصرة(٤). (فَنَكَّسَ) بتشديد الكاف، وتخفيفها؛ أي: أطرق رأسه. (فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ النبيّ بَّهِ، وشرَعَ (يَنْكُتُ) بفتح الياء، وضم الكاف، وآخره تاء مثناة فوقُ؛ أي: يخط بالمخصرة خطّاً يسيراً مرّةً بعد مرّة، وهذا فِعل المفكِّر المهموم، وقال المجد: النّكْتُ - أي: بفتح، فسكون -: أن تضرب في الأرض بقَضِیب، فیؤثّر فيها. انتهى. (بِمِخْصَرَتِهِ) متعلّق بـ(ينكُت))، (ثُمَّ قَالَ) ◌َِّ: ((مَا) نافية، (مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) ((من)) مزيدة لاستغراق النفي، (مَا مِنْ نَفْسِ مَنْفُوسَةٍ)؛ أي: مصنوعة، مخلوقة، وهو بدل من قوله: ((ما منكم من أحد))، (إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) وفي رواية البخاريّ: ((أو النار)) بـ((أو)) بدل الواو، قال في (الفتح)): ((أو)) للتنويع، ووقع في رواية سفيان ما قد يُشعر بأنها بمعنى الواو، ولفظه: ((إلا وقد كُتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار))، وكأنه يشير إلى ما تقدم من حديث ابن عمر الدالّ على أن لكل أحد مقعدين. (١) ((عمدة القاري)) ٢٩٦/١٩. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٧. (٢) ((عون المعبود)) ٢٩٩/١٢. (٤) ((الفتح)) ٢١٦/١٥ - ٢١٧. ٣٨٣ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٨) وقال الطيبيّ تَخّْثُ قوله: ((مقعده))؛ أي: محل قعوده، وكنى عن كونه من أهل الجنة، أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسطة بينهما لا يمكن أن تجري على ظاهرها، فإن ((ما)) النافية و((من)) الاستغراقية يقتضيان أن يكون لكل أحد مقعد من النار، ومقعد من الجنة، وإن ورد في حديث آخر هذا المعنى؛ لأن التفصيل الآتي يأبى حَمْله على ذلك، فيجب أن تكون الواو بمعنى ((أو)). انتهى. (وَإِلَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً)) إعادة ((إلّا)) يَحْتَمِل أن يكون ((ما من نفس)) بدلَ ((ما منكم))، و((إلا)) الثانية بدلاً من الأُولى، وأن يكون من باب اللفّ والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، والثاني في كل منهما أعمّ من الأول، أشار إليه الكرمانيّ(١) . (قَالَ) عليّ رَبُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) وهذا الرجل وقع في حديث جابر ظبه الآتي عند مسلم بعد هذا أنه سراقة بن مالك بن جُعْشم، ولفظه: ((جاء سراقة بن مالك بن جُعشم، قال: يا رسول الله بَيِّن لنا ديننا، كأنّا خُلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟، أفيما جفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: فقيم العمل؟ فقال: اعملوا، فكل ميسَّر))، وأخرج الطبرانيّ، وابن مردويه نحوه، وزاد: وقرأ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ - إلى قوله -: ﴿لِلْمُسْرَى﴾ [الليل: ٥ -١٠]. وأخرجه ابن ماجه من حديث سراقة نفسه، لكن دون تلاوة الآية. ووقع هذا السؤال وجوابه سوى تلاوة الآية لشُريح بن عامر الكلابيّ، أخرجه أحمد، والطبرانيّ، ولفظه: ((قال: ففيم العمل إذاً؟ قال: اعملوا، فكل ميسَر لِمَا خُلق له)). وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عمر، قال: ((قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أمر مبتدَعٌ، أو أمر قد فُرِغ منه؟ قال: فيما قد فُرِغ منه ... )) فذكر نحوه. وأخرج البزار، والفريابيّ من حديث أبي هريرة: ((أن عمر قال: يا رسول الله ... )) فذكره. (١) ((الفتح)) ٢١٦/١٥ - ٢١٧. ٣٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وأخرجه أحمد، والبزار، والطبرانيّ من حديث أبي بكر الصديق (قلت: يا رسول الله نعمل على ما فُرغ منه ... )) الحديث نحوه. ووقع في حديث سعد بن أبي وقاص: ((فقال رجل من الأنصار ... )). والجمع بينها تعدُّد السائلين عن ذلك، فقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن السائل عن ذلك جماعة، ولفظه: ((فقال أصحابه: ففيم العمل، إن كان قد فُرغ منه؟ فقال: سَدِّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل ... )) الحديث، أخرجه الفريابيّ(١). (أَفَلَا نَمْكُثُ)؛ أي: نثبت، ونستمرّ، والفاء معَقّبة لشيء محذوف، تقديره؛ أي: فإذا كان كذلك أفلا نمكث (عَلَى كِتَابِنَا)؛ أي: نعتمد على ما قُدّر علينا، وهو المكتوب علينا، من سعادة، أو شقاوة، (وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟)؛ أي: نترك العمل، وفي الرواية التالية: ((قالوا: يا رسول الله، فلِمَ نعمل؟ أفلا نتكل؟))؛ أي: أفلا نعتمد على كتابنا الذي قدّر الله علينا؟. وقال الطيبيّ كَُّهُ قوله: ((أفلا نتكل))؛ أي: أفلا نعتمد على ما كُتب لنا في الأزل، ونترك العمل؟ يعني: إذا سبق القضاء لكل واحد منا بجنة، أو نار، فأيّ فائدة في السعي؟ فإنه لا يرُدّ قضاء الله، وقَدَره، فأجاب وَّه بقوله: ((اعملوا)) وهو من الأسلوب الحكيم، مَنَعهم وَّ عن الاتكال، والترك، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد، من امتثال أمر مولاه، وهو عبوديته عاجلاً، وتفویض الأمر إلیه آجلاً . يعني: أنتم عبيد، ولا بدّ لكم من العبودية، فعليكم بما أُمرتم، وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية؛ لآية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، فلا تجعلوا العبادة، وتَرْكها سبباً مستقلًا لدخول الجنة والنار، بل هي أمارات، وعلامات لها، ولا بد في الإيجاب من لُطف الله وكرمه، أو خذلانه، كما ورد: ((ولا يدخل الجنة أحد بعمله ... )) الحديث. انتهى(٢). وقال السنديّ كَّثُ ما حاصله: قوله: ((أفلا نتّكل)): أي: إذا كان العمل (١) ((الفتح)) ٢١٧/١٥ - ٢١٨. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٣٧/٢ - ٥٣٨. ٣٨٥ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٨) لا يردّ القضاء والقدر السابق، فلا فائدة فيه، فنبّه بالجواب عنه أن الله تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسباباً ومسبَّبات، ومن قدّره من أهل الجنّة قدّر له ما يُقرّبه إليها من الأعمال، ووفّقه لذلك، بإقداره، ويُمكّنه منه، ويُحرّضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذَلَهُ حتى اتّبع هواه، وترك أمر مولاه. والحاصل: أنه جعل الأعمال طريقاً إلى نَيْل ما قدّره له من جنة أو نار، فلا بدّ من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسّر ذلك المشي لكلِّ في طريقه، ويَسهلُ عليه، وتلا الآية للاستشهاد على أن التيسير منه تعالى. انتهى(١). وقوله: (فَقَالَ إلخ) هذا من تمام قول الرجل(٢)؛ أي: قال الرجل الذي قال: ((أفلا نمكث إلخ)) مكملاً سؤاله: (مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ)؛ أي: من كُتب سعيداً (فَسَيَصِيرُ)؛ أي: فسيرجع (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ) لكونه خُلق له، (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) بفتح الشين المعجمة، وكسرها، قال المجد ◌َّتُهُ: والشَّقًا: الشدّة، والعسر، ويمدّ، شَقِي، كرَضِي، شَقَاوةً - أي: بالفتح - ويُكسر، وشَقاً، وشَقَاءً، وشَقْوةً، ويُكسر، وشقاه الله، وأشقاه. انتهى (٣). (فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَقَالَ) النبي وَلّ ردّاً على هذا الإيراد: ((اعْمَلُوا) بما أُمرتم به، (فَكُلِّ مُيَسَّرٌ) وفي الرواية الآتية: ((فكلّ ميسّر لِمَا خُلق له ... )) الحديث. (أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ) بصيغة المبنيّ للمجهول؛ أي: يُسهَّلون، ويهيّئون (لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ») قال في ((الفتح)): وحاصل السؤال: ألَا نترك مشقة العمل، فإنا سنصير إلى ما قُدّر علينا، وحاصل الجواب: لا مشقة؛ لأن كل أحد ميسَر لِمَا خُلق له، وهو يسير على من يسّره الله، قال الطيبيّ: الجواب من الأسلوب الحكيم، مَنَعهم عن ترك العمل، وأمَرَهم بالتزام ما يجب على العبد، من العبودية، وزَجَرهم (١) ((شرح السنديّ على ابن ماجه)) ٦٠/١ - ٦١. (٢) وأما ما وقع في شرح الشيخ الهرريّ من أن هذا القول للنبيّ وَّز، فخطأ، فتنبّه. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٩٩. ٣٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر عن التصرف في الأمور المغيبة، فلا يجعلوا العبادة وتَرْكها سبباً مستقلاً لدخول الجنة والنار، بل هي علامات فقط. انتهى(١). (ثُمَّ قَرَأَ) النبيّ نَّهِ قوله تعالى: (﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل: ٥])؛ أي: حقّ الله من المال، أو الامتثال، (﴿وَقَ﴾ [الليل: ٥]) رّبه؛ أي: خاف مخالفته، أو [الليل: ٦])؛ أي: بالخُلْف؛ عقوبته، واجتنب معصيته، (﴿وَصَدَّقَ بِالْمُسْنَى يعني: أيقن أن الله تعالى سيُخْلف عليه، وعن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، والضحاك: ﴿وَصَدَّقَ بِالْمُتْنَى ﴾﴾ بلا إله إلا الله، وعن مجاهد: وصدّق بالجنة، وعن قتادة، ومقاتل: بموعود الله تعالى، (﴿فَسَنْيَسِرُهُ﴾ [الليل: ٧])؛ أي: فسنهيئه في الدنيا (﴿لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧])؛ أي: للخلّة اليسرى، وهو العمل بما يرضاه الله تعالى. (﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ [الليل: ٨])؛ أي: بالنفقة في الخير، (﴿وَأَسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨])؛ أي: بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى، (﴿وَكَذَّبَ بِالْمُنْفَ )) [الليل: ٩])؛ [الليل: ١٠])؛ أي: للخَلّة أي: بكلمة لا إله إلا الله، (﴿فَسَنُيَسْرُ لِلْمُسْرَى (٥) المؤدية إلى العسر، والشدّة، وهي خلاف اليسرى، قيل: سُمّي طريق الخير باليسرى؛ لأن عاقبته اليسر، وطريق الشر بالعسرى؛ لأن عاقبته العسر. قال في ((الفتح)): ووقع في حديث ابن عباس عند الطبرانيّ نحو حديث عمر، وفي آخره: ((قال: اعمل، فكلُّ ميسَر))، وفي آخره عند البزار: ((فقال القوم بعضهم لبعض: فالجِدّ إذاً))، وأخرجه الطبرانيّ في آخر حديث سراقة، ولفظه: ((فقال: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: كل ميسر لعمله، قال: الآن الجدّ، الآن الجدّ))، وفي آخر حديث عمر عند الفريابيّ: ((فقال عمر: ففيم العمل إذاً؟ قال: كلٌّ لا يُنال إلا بالعمل؟ قال عمر: إذاً نجتهد))، وأخرج الفريابيّ بسند صحيح إلى بشير بن كعب، أحد كبار التابعين: ((قال: سأل غلامان رسول الله ﴿ فيم العمل؟ فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم شيء نستأنفه؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، قالا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لِمَا هو عامل، قالا: فالجدّ الآن)). انتهى (٢). (١) ((الفتح)) ٢١٨/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٦٠٥). (٢) ((الفتح)) ٢١٨/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٦٠٥). ٣٨٧ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٨) وقال أبو عبد الله القرطبيّ كَُّ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى ﴾﴾: قال ابن مسعود: يعني: أبا بكر ظُه، وقاله عامة المفسرين، فُرُوي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يُعتق على الإسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي بُنَيّ، لو أنك أعتقت رجالاً جُلْداً يمنعونك، ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾؛ أي: بذل، ﴿وَاتَّقَ﴾؛ أي: محارم الله التي نهى عنها . ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾؛ أي: بالخلَف من الله تعالى على عطائه، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ((ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللَّهُمَّ أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللَّهُمَّ أعط ممسكاً تلفاً)). وقال أهل التفسير: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ المعسرين، وقال قتادة: أعطى حق الله تعالى الذي عليه. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه. ﴿وَصَدَّقَ بِالْمُشْفَ ؛ أي: بلا إله إلا الله، قاله الضحاك، والسلميّ، وابن عباسٍ أيضاً، وقال مجاهد: بالجنة، دليله قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقال قتادة: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. وقال زيد بن أسلم: بالصلاة، والزكاة، والصوم. وقال الحسن: بالخلف من عطائه، وهو اختيار الطبريّ وتقدم عن ابن عباس، وكله متقارب المعنى، إذ كله يرجع إلى الثواب الذي هو الجنة. وقوله تعالى: ﴿فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾﴾؛ أي: نرشده لأسباب الخير، والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد بن أسلم: ﴿لِلْيُسْرَى﴾ للجنة. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴾﴾؛ أي: ضنّ بما عنده، فلم يبذل خيراً. روى · قال: سوف أحول بينه وبين الضحاك عن ابن عباس: ﴿فَسَنْيَسِّرُ لِلْمُسْرَى الإيمان بالله، وبرسوله، وعنه عن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف، يقول: بخل بماله، وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْفَى واستغنى عن ربه. ﴿وَكَذَّبَ بِالْمُسْنَى ﴾﴾؛ أي: بالخلف. وروى ابن أبي نجيح قال: بالجنة. وبإسناد عنه آخر قال: عن مجاهد: ﴿وَكَذَبَ بِالْمُنْفَ ٣٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ﴿ بَلْفَ﴾؛ أي: بلا إله إلا الله. ﴿فَسُيَسِرُ﴾؛ أي: نسهّل طريقه ﴿لِلْمُسْرَى﴾؛ أي: للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي: فسنعسّر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها. وقد تقدم أن الملك ينادي صباحاً ومساء: ((اللَّهُمَّ أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً))، رواه أبو الدرداء. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ تَّهُ(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٠٨/١ و٦٧٠٩ و٦٧١٠ و٦٧١١] (٢٦٤٧)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٦٢) و((التفسير)) (٤٩٤٥ و٤٩٤٦ و٤٩٤٧ و٤٩٤٨) و((الأدب)) (٦٢١٧) و((القدر)) (٦٦٠٥) و((التوحيد)» (٧٥٥٢) وفي ((الأدب المفرد)) (٣١١/١)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٦٩٤)، و(الترمذيّ) في ((القدر)) (٢١٣٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥١٦/٦ و٥١٧)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٧٨)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٠٧٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٢/١ و١٢٩ و١٣٢ و١٤٠ و١٥٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢/١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٨٤)، و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (٣٣٤ و٣٣٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٣٧/١ و٤٥٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٩٩/٢ و٢٠٠ و٢٠٥)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (ص١٧١ - ١٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الاعتقاد)) (٨٦ و٨٧) وفي ((شعب الإيمان)) (٢٠٥/١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (ص٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٧٥/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): ما قاله أبو عمر تَخْتُ: قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السُّنَّة مجتمعون على (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٨٢/٢٠ - ٨٥. ٣٨٩ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٨) الإيمان بهذه الآثار، واعتقادها، وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق(١). ٢ - (ومنها): بيان وجوب الإيمان بالقدر. ٣ - (ومنها): جوازُ القعود عند القبور، والتحدث عندها بالعلم والموعظة، وقال المهلب: نَكْتُهُ الأرض بالْمِخْصرة أصل في تحريك الإصبع في التشهد، نَقَله ابن بطال، وهو بعيد، وإنما هي عادة لمن يتفكر في شيء يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكراً منه لر في أمر الآخرة بقرينة حضور الجنازة، ويحتمل أن يكون فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه من الحِكم المذكورة، ومناسبته للقصة أن فيه إشارةً إلى التسلية عن الميت بأنه مات بفراغ أجله. ٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل لأهل السُّنَّة في أن السعادة والشقاء بتقدير الله القديم. ٥ - (ومنها): أن فيه رَدّاً على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر؛ لأن الجبر لا يكون إلا عن كُره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا كاره له . ٦ - (ومنها): أن أفعال العباد، وإن صدرت عنهم، لكنها قد سبق علم الله بوقوعها بتقديره، ففيها بطلان قول القدرية صريحاً . ٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا، كمن اشتَهَر له لسان صدق وعكسه؛ لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر. ورُدَّ بما تقدم في حديث ابن مسعود ظه، وأن هذا العمل الظاهر قد ينقلب لعكسه على وفق ما قُدِّرَ. والحق أن العمل علامةٌ وأمارةٌ، فيُحكم بظاهر الأمر، وأمرُ الباطن إلى الله تعالى. قال الطيبيّ نقلاً عن الخطابي: إن قول الصحابيّ هذا مطالبة بأمر يوجب (١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٦/ ١٢. ٣٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر تعطيل العبوديّة، فلم يُرخّص وَ* له، وذلك أن إخبار الرسول وَّيقول عن سابق الكتاب، إخبار عن غيب علم الله تعالى فيهم، وهو حجة عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبيّ وَ ر أن هنا أمرين مُحكَمين، أحدهما لا يُبْطِلُ الآخر: باطن، وهو الحكمة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر، وهو السمة اللازمة في حق العبودية، وهو أمارة ومُخَيَّلةٌ، غير مفيدة حقيقة العلم، ويشبه أن يكون - والله أعلم - إنما عوملوا بهذه المعاملة، وتُعُبِّدوا بهذا التعبّد؛ ليتعلّق خوفهم ورجاؤهم بالباطن، وذلك من صفة الإيمان، وبَيَّنَ وََّ لهم أن كلّاّ ميسَّر لِمَا خُلق له، وأن عمله في العاجل دليلُ مصيره في الآجل، وتلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى ® وَصَدَّقَ بِالْمُسْفَ ٦ ﴾ [الليل: ٥ - ٨]، وهذه الأمور في حكم الظاهر، ومن ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى وراء ذلك حُكم الله تعالى فيهم، وهو الحكيم الخبير: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ [الأنبياء: ٢٣]. يُسْتَلُونَ واطلب نظير ذلك من أمرين: الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع المعالجة بالطبّ، فإنك تجد المعتبَر فيهما علّة موجبة، والظاهر البادي سبباً مُخيّلاً، وقد اصطلح الناس خواصّهم وعوامهم على أن الظاهر منها لا يُترك بالباطن. انتهى (١). وقال الخطابيّ في ((معالم السنن)): هذا الحديث إذا تأملته أصبت منه مما يتخالج في الضمير من أمر القدر، وذلك أن القائل: ((أفلا نتكل، وندع العمل)) لم يترك شيئاً مما يَدخُل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في التجويز والتعديل إلا وقد طالب به، وسأل عنه، فأعلمه رسول الله ( 8* أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقلت معانيها، وجَرَت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل ليكون أمارة في الحال العاجلة لِمَا يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمن تيسّر له العمل الصالح كان مأمولاً له الفوز، ومن تيسّر له العمل الخبيث كان مخوفاً عليه الهلاك. (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٣٨/٢ - ٥٣٩. ٣٩١ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٨) وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر، وليست بموجبات، فإن الله تعال طَوَى علم الغيب عن خَلْقه، وحجبهم عن دَرْكه، كما أخفى عنهم أمر الساعة، فلا يَعلَم أحد متى إِبّانُ قيامها، ثم أخبر على لسان رسوله بَّه بعض أماراتها وأشراطها، فقال: ((من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان))، ومنها كيت وكيت. انتهى كلام الخطابيّ ببعض تصرّف(١). وقال غيره: وجه الانفصال عن شبهة القدرية أن الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا الامتثال، وغيّب عنّا المقاديرَ لقيام الحجة، ونَصَبَ الأعمالَ علامةً على ما سبق في مشيئته، فمن عَدَلَ عنه ضَلَّ وتاه؛ لأن القدر سر من أسرار الله، لا يَطَّلِع عليه إلا هو، فإذا أدخل أهل الجنة، كشف لهم عنه حينئذ(٢). والله أعلم. ٨ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة أخذ المخصرة، وجواز التنكيت بها في الأرض، أو في الماء، أو نحو ذلك، وليس ذلك من العبث المذموم، قال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): ((باب مَن نَكَتَ العودَ في الماء والطين))، ثم أورد حديث الباب محتجّاً على ما ترجم له، قال ابن بطال في ((شرحه)): من عادة العرب إمساك العصا، والاعتماد عليها عند الكلام وغيره، وقد عاب ذلك عليهم بعض من يتعصب للعجم، وفي استعمال النبيّ وَيقر له الحجة البالغة، وكأن المراد بالعود هنا: المخصرة التي كان النبيّ وَّ﴿ يتوكأ عليها، وليس مصرّحاً به في هذا الحديث. قال الحافظ تَخّلُهُ: قلت: وفقه الترجمة أن ذلك لا يُعدّ من العبث المذموم؛ لأن ذلك إنما يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، ثم لا يستعمله فيما لا يضرّ تأثيره فيه، بخلاف من يتفكر وفي يده سكين، فيستعملها في خشبة تكون في البناء الذي فيها إفساداً، فذاك هو العبث المذموم. انتهى، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَخَّتُهُ: قال العلماء: ثبت بهذه الآية (١) راجع: ((معالم السنن)) ٦٢/٨ - ٦٣. (٢) راجع: ((الفتح)) ٦٠٦/١١. ٣٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ وبقوله : أَمْوَلَهُم بِلَّيْلِ وَالتَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٤] - إلى غير ذلك من الآيات - أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها. وليس الجواد: الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل: الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد: الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل: الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجراً وحمداً فهو الجواد، وكل من استحقّ بالمنع ذمّاً، أو عقاباً فهو البخيل، ومن لم يستفد بالعطاء أجراً ولا حمداً، وإنما استوجب به ذمّاً فليس بجواد، وإنما هو مسرف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم، ومن لم يستوجب بالمنع عقاباً ولا ذمّاً، واستوجب به حمداً، فهو من أهل الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم وسداد رأيهم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ: فَأَخَذَ عُوداً، وَلَمْ يَقُلْ: مِخْصَرَةً، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْئَةَ فِي حَدِيثِهِ: عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميميّ، أبو السَّريّ الكوفيُّ، ثقة [١٠] (٢٤٣) وله إحدى وتسعون سنةً (عخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٢ - (أَبُو الأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى إسناد منصور المذكور قبله، وهو: عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، عن عليّ (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٨٢/٢٠ - ٨٥. ٣٩٣ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآَدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٩) وقوله: (فِي مَعْنَاهُ) ((في)) بمعنى الباء؛ أي: حدّثنا بمعنى حديث منصور الماضي. [تنبيه]: أما رواية أبي الأحوص عن منصور بن المعتمر، فقد ساقها أبو يعلى كَّلُ في ((مسنده))، فقال: (٣٧٥) - حدّثنا خَلَف بن هشام، حدّثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ، قال: خرجنا مع رسول الله وَ﴿ في جنازة، فلما انتهينا إلى بقيع الْغَرْقد، قعد رسول الله وَّهِ، وقعدنا معه، فأخذ عوداً، فنكت به الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: ((ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا عَلِم الله مكانها من الجنة، ومكانها من النار، وشقيّة، أو سعيدة)). قال: فقام رجل من القوم، قال: أفلا نَدَع العمل، ونُقبل على كتابنا، فمن كان منّا من أهل السعادة يُسِّر لعملها، ومن كان من أهل الشقوة صار إلى الشقوة؟، قال: فقال رسول الله وَله: (بل اعملوا، فكلّ ميسَر، فمن كان من أهل السعادة يُسِّر لعملها، ومن كان من أهل الشقوة يُسِّر لعملها)). انتهى(١). وأما رواية أبي بكر بن أبي شيبة التي أشار إليها، فقد ساقها اللالكائيّ نَّثُ في ((اعتقاد أهل السُّنَّة))، فقال: (١٠٦٤) - أخبرنا عيسى بن عليّ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البغويّ، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن (ح) ... (١٠٦٥) - وأخبرنا عبد الرحمن بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: ثنا جدّي يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ قال: خرجنا مع رسول الله بَّ، فانتهينا إلى بقيع الغرقد، فقعد رسول الله وَفيه، ثم قعدنا حوله، وأخذ عوداً، فنكت به في الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: ((ما منكم من أحد، من نفس منفوسة، إلا وقد عُلم مكانها من الجنة، أو النار، شقيّة أو سعيدة))، فقال رجل: يا رسول الله، ألا ندع (١) ((مسند أبي يعلى)) ٣٠٦/١. ٣٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر العمل، ونُقبل على كتابنا؟ فمن كان منّا من أهل السعادة، صار إلى السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة، صار إلى الشقوة؟ فقال رسول الله وَله: ((اعملوا، فكل ميسر، فمن كان من أهل الشقوة يُسِّر لعملها، ومن كان من أهل السعادة يُسِّر لعملها))، ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى وَنَّفَ وَصَدَّقَ ٩ وَكَذَّبَ بِالْمُسْفَ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى بِالْحُسْنَى ٧ (١) ﴾. انتهى(١). لِلمُسْری وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ ذَاتَ يَوْم جَالِساً، وَفِي يَدِهِ عُودٌ، يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ، إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ)) ((لَ، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَّا مَنْ ﴾). إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِرُ لِلْمُسْرَى أَعْطَى وَنََّ ﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ () رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أبو سعيد الأشجّ)) هو: عبد الله بن سعيد الكِنديّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله، و((أبوه)) هو: عبد الله بن نمير الْهَمْداني الكوفيّ، و((أبو كريب)) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة أيضاً، و((أبو معاوية)) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، و((الأعمش)) هو: سليمان بن مِهْران الكوفيّ. وقوله: (ذَاتَ يَوْمِ جَالِساً) ((ذات)) مقحمة؛ أي: يوماً من الأيّام، و((جالساً)) حال من ((رسولَّ اللهِوَ)). (١) ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) ٤/ ٥٩٩. ٣٩٥ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١١ - ٦٧١٢) وقوله: (فَرَفَعَ رَأْسَهُ)؛ أي: بعد تنكيسه، كما بُيّن في الرواية الماضية. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ الَّبِيِّ ◌ِهِ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين. [تنبيه]: رواية شعبة عن منصور، والأعمش هذه ساقها البخاريّ كَّثُ في ((صحيحه)) بسند المصنّف، فقال: (٧١١٣) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن منصور، والأعمش، سمعا سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ ◌َُّه، عن النبيّ وَّ ﴿ أنه كان في جنازة، فأخذ عوداً، فجعل ينكت في الأرض، فقال: ((ما منكم من أحد إلا كُتب مقعده من النار، أو من الجنة))، قالوا: ألا نتكل؟ قال: ((اعملوا، فكل ميسَّر، ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّمَ (@)﴾ الآية [الليل: ٥])). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١٢] (٢٦٤٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنٍ جُعْشُم، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا، كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟(٢) أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟(٣) قَالَ: ((لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ (٢) وفي نسخة: «فيما العمل الآن)). (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٧٤٥/٦. (٣) وفي نسخة: ((أم فيما يُستقبل؟)). ٣٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر الْمَقَادِيرُ))، قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦. ٢ - (زهير) بن حرب، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] (ت٢٣٢) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و((أبو خيثمة)) هو: زُهير بن معاوية بن حُديج المذكور قبل التحويل، و((يحيى بن يحيى)) هو التميميّ النيسابوريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (٤١٣ و٤١٤) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله ها الصحابيّ ابن الصحابيّ، أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ظًّا؛ أنه (قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) بضمّ الجيم، والشين المعجمة، بينهما عين مهملة الكنانيّ، ثم المدلجيَّ، أبو سفيان الصحابيّ المشهور، من مسلمة الفتح، مات في خلافة عثمان ◌ًا سنة أربع وعشرين، وقيل: بعده، تقدّمت ترجمته في ((كتاب الحجّ)) برقم ٢٩٤٣/١٧. (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا)؛ أي: بيّن لنا أصل ديننا؛ أي: ما نعتقده، وندين به من حال أعمالنا، هل سبق بها قدرٌ أم لا؟ (كَأَنَّا خُلِقْنَا) بالبناء للمفعول، (الآنَ)؛ أي: في الوقت الحاضر؛ يعني: أنهم غير عالمين بهذه المسألة، فكأنهم خُلقوا الآن بالنسبة إلى علمها، وفائدته استدعاء أوضح البيان، قاله القرطبيّ(١). (فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟) وفي نسخة: ((فيما العمل الآن؟))، ووقع في نسخة (١) ((المفهم)) ٦٥٩/٦. ٣٩٧ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٢) الأبيّ، والقرطبيّ بلفظ: ((فيم العمل اليوم؟)) بحذف ألف ((ما))، وهذا هو الجاري على القاعدة الأغلبيّة، كما قال في ((الخلاصة)): وَ((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وقال القرطبيّ: قوله: ((فيم العمل؟)) هكذا صحيح الرواية ((فيم) الأول(١) بغير ألف؛ لأنَّها استفهامية، والثانية بألف؛ لأنها خبرية، وقد وقع في بعض النسخ بالعكس، والأول الصواب. ومقتضى هذا السؤال: أن ما يصدر عنا من الأعمال، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، هل سبق علم الله تعالى بوقوعه، فنفذت به مشيئته، أو ليس كذلك؟ وإنما أفعالنا صادرة عنا بقدرتنا ومشيئتنا، والثواب والعقاب مرَتَّب عليها بحَسَبها، وهذا القسم الثاني هو مذهب القدرية، وقد أبطل النبيّ وَلّ هذا القِسْم بقوله: ((لا، بل فيما جَفّت به الأقلام، وجَرَت به المقادير))؛ أي: ليس الأمر مستأنفاً، بل قد سبق به علم الله، ونفذت به مشيئته، وجفّت به أقلام الكتبة في اللوح المحفوظ، وفي صحف الملائكة المكتوبة في البطن، بل قد نصّ على هذا في حديث عمران بن حصين ﴿ّ المذكور بعد هذا، وأنصّ من هذا كلّه ما خرّجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿يا قال: خرج علينا رسول الله وَل*، وفي يده كتابان، فقال للّذي في يده اليمنى: ((هذا كتاب من ربِّ العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمل(٢) على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً))، ثم قال للذي في يده اليسرى: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم (١) أراد بالأول: ((ما)) من قوله: ((فيم العمل))، وأراد بالثانية: ((ما)) التي في قوله: ((فيما جفّت إلخ))، وغرضه أن ((ما)) الأُولى استفهاميّة، فحقّها أن تُحذف ألفها، وأما ((ما)) التي في قوله: ((فيما جفّت إلخ)) الصواب إثبات ألفها؛ لأنها خبريّة، أو موصولة، فلا تُحذف ألفها. هذا هو مراد القرطبيّ تقذفُهُ، لكن نقل الأبيّ كلام القرطبيّ هذا، وفَهِمه على غير وجهه، فأفسده، فانظر كلامه في ((شرحه)) ٨٢/٧ - ٨٣. (٢) يقال: ((أجملت الحساب)): إذا جمعت آحاده، وكملت أفراده؛ أي: أُحصوا وجُمعوا . ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر أبداً))، ثم رَمَى بهما، وقال: ((فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير)) قال الترمذيّ(١): هذا حديث حسن صحيح. والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة، يفيد مجموعها العلم القطعيّ، واليقين الحقيقيّ الاضطراريّ بإبطال مذاهب القدرية، لكنهم كابروا في ذلك كلّه، وردّوه، وتأوّلوا ذلك تأويلاً فاسداً، ومؤّهوه للأصول التي ارتكبوها من التحسين، والتقبيح، والتعديل، والتجويز، والقول بتأثير القدرة الحادثه على جهة الاستقلال، وقد تكلّم أئمة أهل السُّنَّة معهم في هذه الأصول، وبيّنوا فسادها في كتبهم. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ) بدل من قوله: ((فيما العمل؟»، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَدَلُ الْمُضَمَّنِ الْهَمْزَ يَلِي هَمْزاً كـ((مَنْ ذَا أَسَعِيدٌ أَمْ عَلِي)) قال القاضي عياض كَخَُّهُ: قوله: ((جفّت به الأقلام))؛ أي: نفذت به المقادر، وكتبته في اللوح المحفوظ، كما تقدم كتابه مما عهدناه، وفُرغ منه، فيبقى القلم بعد الذي كتب به جافّاً، لا مداد فيه؛ لتمام ما كُتب به، وكتابة الله، وقلمه، ولوحُهُ من غَيب عِلْمِه، نؤمن به، ونَكِلُ صفة علم ذلك إلى الله تعالى. انتھی(٣). (وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟) بفتح النون أوله، وفي بعض النسخ: ((يُسْتَقْبل)) بالياء، وعليه فهو مبنيّ للمفعول. (قَالَ) وَلّ: (لا)؛ أي: ليس العمل فيما يُستقبل، (بَلْ فِيمَا جَقَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ))، قَالَ) سُراقة رَُّه: (فَفِيمَ الْعَمَلُ؟) قال القرطبيّ: هذا السؤال هو الأوّل الذي تضمّنه قوله: ((أفلا نمكث على كتابنا، ونَدَعُ العمل؟))، وقد بيّناه. (قَالَ زُهَيْرٌ) بن معاوية الراوي عن أبي الزبير (ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ) إما لِبُعده، أو التشويش بعض الحاضرين عليه، (فَسَأَلْتُ) بعض (١) رواه الترمذيّ برقم (٢١٤١). (٣) ((مشارق الأنوار)) ١٥٩/١. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٦٠ - ٦٦١. ٣٩٩ (١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٣) الحاضرين (مَا قَالَ؟)؛ أي: أيّ شيء قال أبو الزبير؟، ويحتمل أن يكون المسؤول هي أبا الزبير، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) ذلك المسؤول قال: ((اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ)))؛ أي: مهيَّأ، وميسّر لِمَا خُلق له، فمن كان من أهل الجنّة فسييسّر لعمل أهل الجنّة، ومن كان من أهل النار، فسيُيسّر لعمل أهل النار، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧١٢/١ و٦٧١٣] (٢٦٤٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٢/٣ - ٢٩٣ و٣٨٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩١٩)، و(البخاريّ) في ((خلق أفعال العباد)) (١٣٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧) ١٢١)، و(ابن الجعد) في («مسنده)) (١/ ٣٨٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ﴿ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كُلَّ عَامِلِ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث عن أبي الزبير هذه ساقها الإمام أحمد تخّثُ في ((مسنده))، فقال: (١٤٦٤٠) - حدثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فُرغ منه، أم الأمر نأتنفه؟ قال: ((لأمر قد فُرغ منه))، فقال سُراقة: ففيم العمل إذاً؟ فقال رسول الله ◌َّ: ((كلُّ عامل ميسَّر لعمله)). انتهى(١). (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٣٥/٣. ٤٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١٤] (٢٦٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفْ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: فَقَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: قِيلَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: ((كُلُّ مُيَسَرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَزِيدُ الضُّبَعِيُّ) هو: يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الأزهر البصريّ، يُعْرَف بالرِّشْك بكسر الراء، وسكون المعجمة، ثقةٌ عابدٌ، وَهِم مَن لَّنه [٦] (ت١٣٠) وهو ابن مائة سنة (ع) تقدم في «الحيض)) ١٤/ ٧٦٧. [تنبيه]: قوله: ((الضُّبعيّ)) بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة: نسبة إلى ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، نزلوا البصرة، وهي أيضاً نسبة إلى المحلّة التي سكنها بنو ضبيعة بالبصرة، نزلها غيرهم، فنُسبوا إليها، ومنهم يزيد الرشك، أفاده في ((اللباب))(١). ٢ - (مُطَرِّفُ) بن عبد الله بن الشِّخِّير - بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة المكسورة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم راء - العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملتين مفتوحتين، ثم معجمة - أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧. ٣ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعِيّ، أبو نُجيد - بنون، وجيم مصغراً - الصحابيّ المشهور، وأبوه أيضاً صحابيّ ◌ًا، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، مات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩. والباقيان ذُكرا في الباب. (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٦٠/٢.