Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(٤٨) - كتاب القدر
فَمَا شَاءَ مَوْلَانَا الإِلَهُ فَإِنَّهُ
وَقُدْرَتُهُ لَا نَقْصَ فِيهَا وَحُكْمُهُ
أُرِيدُ بِذَا أَنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا
وَمَالِكُنَا فِي كُلِّ مَا قَدْ أَرَادَهُ
فَإِنَّ لَهُ فِي الْخَلْقِ رَحْمَتُهُ سَرَتْ
أُمُوراً يَحَارُ الْعَقْلُ فِيهَا إِذَا رَأَى
فَتُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ بِقُدْرَةٍ
فَنُثْبِتُ هَذَا كُلَّهُ لإِلَّهِنَا
وَهَذَا مَقَامٌ طَالَمَا عَجَزَ الأُولَى
وَتَحْقِيقُ مَا فِيهِ بِتَبِْینِ غَوْرِهِ
هُوَ الْمَظْلَبُ الأَقْصَى لِوُرَّادِ بَحْرِهِ
لِحَاجَتِهِ إِلَى بَيَانٍ مُحَقِّقٍ
وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَحْكَام دِينِهِ
وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ قَدْ بَانَ ظَاهِراً
وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا وَخَطّ كِتَابِهِ
فَقَوْلُكَ لِمَ قَدْ شَاءَ مِثْلُ سُؤَالٍ مَنْ
وَذَاكَ سُؤَالٌ يُبْطِلُ الْعَقْلُ وَجْهَهُ
وَفِي الْكَوْنِ تَخْصِيصٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ مَنْ
وَإِصْدَارُهُ عَنْ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ
وَلَا رَيْبَ فِي تَعْلِيقِ كُلِّ مُسَبَّبٍ
بَلِ الشَّأُنُ فِي الأَسْبَابِ أَسْبَابٍ مَا تَرَى
وَقَوْلُكَ لِمَ شَاءَ الْإِلَهُ هُوَ الَّذِي
فَإِنَّ الْمَجُوسَ الْقَائِلِينَ بِخَالِقٍ
سُؤَالُهُمُ عَنْ عِلَّةِ السِّرِّ أَوْقَعَتْ
وَإِنَّ مَلَاحِيدَ الْفَلَاسِفَةِ الأُولَى
بَغَوْا عِلَّةً لِلْكَوْنِ بَعْدَ انْعِدَامِهِ
يَكُونُ وَمَا لَا لَا يَكُونُ بِحِيلَةٍ
يَعُمُّ فَلَا تَخْصِيصَ فِي ذِي الْقَضِيَّةِ
بِقُدْرَتِهِ كَانَتْ وَمَحْضِ الْمَشِيئَةِ
لَّهُ الْحَمْدُ حَمْداً يَعْتَلِي كُلَّ مِدْحَةِ
وَمِنْ حِكَم فَوْقَ الْعُقُولِ الْحَكِيمَةِ
مِنَ الْحِكِمِ الْعُلْيَا وَكُلِّ عَجِيبَةٍ
وَخَلْقٍ وَإِبْرَامِ لِحُكْمِ الْمَشِيئَةِ
وَنُثْبِتُ مَا فِيَ ذَاكَ مِنْ كُلِّ حِكْمَةٍ
نَفَوْهُ وَكَرُوا رَاجِعِينَ بِحَيْرَةِ
وَتَحْرِيرٍ حَقِّ الْحَقِّ فِي ذِي الْحَقِيقَةِ
وَذَا عَسِرٌ فِي نَظْمِ هَذِي الْقَصِيدَةِ
لِأَوْصَافٍ مَوْلَانَاَ الإِلَهِ الْكَرِيمَةِ
وَأَفْعَالِهِ فِي كُلِّ هَذِي الْخَلِيقَةِ
وَإِلْهَامُهُ لِلْخَلْقِ أَفْضَلُ نِعْمَةٍ
بَيَانُ شِفَاءٍ للنُّفُوسِ السَّقِيمَةِ
يَقُولُ فَلِمَ قَدْ كَانَ فِي الأَزَلِيَّةِ
وَتَحْرِيمُهُ قَدْ جَاءَ فِي كُلِّ شِرْعَةٍ
لَهُ نَوْعُ عَقْلِ أَنَّهُ بِإِرَادَةِ
أَوِ الْقَوْلُ بِالثَّجْوِيَزِ رَمْيَةُ حَيْرَةِ
بِمَا قَبْلَهُ مِنْ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ
وَإِصْدَارُهَا عَنْ حُكْمِ مَحْضِ الْمَشِيئَةِ
أَزَلَّ عُقُولَ الْخَلْقِ فِي قَعْرِ حُفْرَةِ
لِنَفْعِ وَرَبِّ مُبْدِعٍ لِلْمَضَرَّةِ
أَوَائِلَهُمْ فِي شُبْهَّةِ الثَّئَوِيَّةِ
يَقُولُونَ بِالْفِعْلِ الْقَدِيمِ لِعِلَّةِ
فَلَمْ يَجِدُوا ذَاكُمْ فَضَلُّواَ بِضِلَّةٍ

٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وَإِنَّ مَبَادِي الشَّرِّ فِي كُلِّ أُمَّةٍ
بَخَوْضِهِمُ فِي ذَاكُمُ صَارَ شِرْكُهُمْ
وَيَكْفِيكَ نَقْضاً أَنَّ مَا قَدْ سَأَلْتَهُ
فَأَنْتَ تَعِيبُ الطَّاغِينَ جَمِيعَهُمْ
وَتَنْحَلُ مَنْ وَالَاكَ صَفْوَ مَوَدَّةٍ
وَحَالُهُمُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وِفَعْلَةٍ
وَهَبْكَ كَفَفْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ كَافِرٍ
فَيَلْزَمُكَ الإِعْرَاضُ عَنْ كُلِّ ظَالِمٍ
وَلَا تُبْغِضَنْ يَوْماً عَلَى سَافِكٍ دَمَاً
وَلَا شَاتِم عِرْضاً مَصُوناً وَإِنْ عَلَا
وَلَا قَاطِعٌ لِلنّاسِ نَهْجَ سَبِيلِهِمْ
وَلَا شَاهِدٍ بِالزُّورِ إِفْكاً وَفِرْيَةً
وَلَا مُهْلِكٍ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ عَامِداً
وَكُفَّ لِسَانَ اللَّوْمِ عَنْ كُلِّ مُفْسِدٍ
وَسَهِّلْ سَبِيلَ الْكَاذِبِينَ تَعَمُّداً
وَإِنْ قَصَدُوا إِضْلَالَ مَنْ يَسْتَجِيبُهُمْ
وَجَادِلْ عَنِ الْمَلْعُونِ فِرْعَوْنَ إِذْ طَغَى
وَكُلِّ كَفُورٍ مُشْرِكٍ بِإِلَهِهِ
كَعَادٍ وَنُمْرُودٍ وَقَوْمِ لِصَالِحٍ
وَخَاصِمْ لِمُوسَى ثُمَّ سَائِرٍ مَنْ أَتَّىّ
عَلَى كَوْنِهِمْ قَدْ جَاهَدُوا النَّاسَ إِذْ بَغَوْا
وَإِلَّا فَكُلُّ الْخَلْقِ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ
وَبَطْشَةِ كَفٍّ أَوْ تَخَطِّي قُدَيْمَةٍ
هُمُ تَحْتَ أَقْدَارِ الإِلَهِ وَحُكْمِهِ
وَهَبْكَ رَفَعْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ فَاعِلٍ
فَهَلْ يُمْكِنُ رَفْعُ الْمَلَامِ جَمِيعِهِ
ذَوِي مِلَّةٍ مَيْمُونَةٍ نَبَوِيَّةٍ
وَجَاءَ دُرُوسُ الْبَيِّنَاتِ بِفَتْرَةِ
مِنَ الْعُذْرِ مَرْدُودٌ لَدَى كُلِّ فِظْرَةِ
عَلَيْكَ وَتَرْمِيهِمْ بِكُلِّ مَذَمَّةٍ
وَتُبْغِضُ مَنْ نَاواكَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
كَحَالِكَ يَا هَذَا بِأَرْجَحِ حُجَّةٍ
وَكُلِّ غَوِيٍّ خَارِجٍ عَنْ مَّحَجَّةٍ
عَلَى النَّاسِ فِي نَفْسٍ وَمَالٍ وَحُرْمَةٍ
وَلَا سَارِقٍ مَالاً لِصَاحِبٍ فَاقَةٍ
وَلَا نَاكِحِ فَرْجاً عَلَى وَجْهِ غَيَّةِ
وَلَا مُفْسِدٍ فِي الأَرْضِ فِي كُلِّ وِجْهَةٍ
وَلَا قَاذِفٍ لِلْمُحْصَنَاتٍ بِزَنْيَةِ
وَلَا حَاكِم لِلْعَالَمِينَ بِرِشْوَةٍ
وَلَا تَأُخُذَنْ ذَا جُرْمَةٍ بِعُقُوبَةٍ
عَلَى رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ جَاءٍ بِفِرْيَةٍ
بِرَوْمِ فَسَادِ النَّوْعِ ثُمَّ الرِّيَاسَةِ
فَأُغْرِقَ فِي الْيَمِّ انْتِقَاماً بِغَضْبَةٍ
وَآخَرَ طَاعٍ كَافِرٍ بِنُبُوَّةٍ
وَقَوْمِ لِنُوحٍ ثُمَّ أَصْحَابِ الأَنْكَةِ
مِنَ الأَنْبِيَاءِ مُخْبِياً لِلشَّرِيعَةِ
وَنَالُوا مِنَ الْعَاصِي بَلِيغَ الْعُقُوبَةِ
وَلَحْظَةٍ عَيْنٍ أَوْ تَحَرُّكِ شَعْرَةٍ
وَكُلِّ حِرَاكِ بَلْ وَكُلِّ سَكِينَةٍ
كَمَا أَنْتَ فِيمَا قَدْ أَتَيْتَ بِحُجَّةٍ
فِعَالِ رَدَّى طَرْداً لِهَذِي الْمَقِيسَةِ
عَنِ النَّاسِ طُرّاً عِنْدَ كُلِّ قَبِيحَةٍ

٣٠٣
(٤٨) - كتاب القدر
وَتَرْكُ عُقُوبَاتِ الَّذِينَ قَدِ اعْتَدَوْا
فَلَا تُضْمَنَنْ نَفْسٌ وَمَالٌ بِمِثْلِهِ
وَهَلْ فِي عُقُولِ النَّاسِ أَوْ فِي طِبَاعِهِمْ
وَيَكْفِيكَ نَقْضاً مَا بِجِسْمِ ابْنِ آدَمِ
مِنَ الأَلَمِ الْمَقْضِيِّ فِي غَيْرِ حِيلَةَ
إِذَا كَانَ فِي هَذَا لَهُ حِكْمَةٌ فَمَا
وَكَيْفَ وَمِنْ هَذَا عَذَابٌ مُوَلَّدٌ
كَآكِلٍ سُمِّ أَوْجَبَ الْمَوْتَ أَكْلُهُ
فَكُفْرُكَ يَا هَذَا كَسُمٌ أَكَلْتَهُ
أَلَسْتَ تَرَى فِي هَذِهِ الدَّارِ مَنْ جَنَی
وَلَا عُذْرَ لِلْجَانِي بِتَقْديرٍ خَالِقٍ
وَتَقْدِيرُ رَبِّ الْخَلْقِ لِلذَّنْبِ مُوجِبٌ
وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَتَابِ لِرَفْعِهِ
كَخَيْرٍ تُمْحَى بِهِ الذُّنُوبُ وَدَعْوَةٍ
وَقَوْلُ حَلِيفِ الشَّرِّ إِنِّي مُقَدَّرٌ
وَتَقْدِيرُهُ لِلْفِعْلِ يَجْلُبُ نِقْمَةً
فَهَلْ يَنْفَعَنْ عُذَّرُ الْمَلُومِ بِأَنَّهُ
أَم الذَّمُّ وَالتَّعْذِيبُ أَوْكَدُ لِّلَّذِي
فَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو أَنْ تُجَابَ بِمَا عَسَى
فَدُونَكَ رَبَّ الْخَلْقِ فَاقْصِدْهُ ضَارِعاً
وَذَلِّلْ قِيَادَ النَّفْسِ لِلْحَقِّ وَاسْمَعَنْ
وَمَا بَانَ مِنْ حَقٌّ فَلَا تَتْرُكَنَّهُ
وَدَعْ دِينَ ذَا الْعَادَاتِ لَا تَتْبَعَنَّهُ
وَمَنْ ضَلَّ عَنْ حَقِّ فَلَا تَقْفُوَنَّهُ
وَتَرْكُ الْوَرَى الإِنْصَافَ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ
وَلَا يُعْقَبَنْ عَادٍ بِمِثْلِ الْجَرِيمَةِ
قَبُولٌ لِقَوْلِ النَّذْلِ(١) مَا وَجْهُ حِيلَتِي
صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَكُلِّ بَهِيمَةِ
وَفِيمَا يَشَاءُ اللَّهُ أَكْمَلُ حِكْمَةٍ
يُظَنُّ بِخَلْقِ الْفِعْلِ ثُمَّ الْعُقُوبَةِ
عَنِ الْفِعْلِ فِعْلِ الْعَبْدِ عِنْدَ الطَِّيعَةِ
وَكُلٌّ بِتَقْدِيرٍ لِرَبِّ الْبَرِيَّةِ
وَتَعْذِيبُ نَارٍ مِثْلُ جُرْعَةٍ غُصَّةٍ
يُعَاقَبُ إِمَّا بِالْقَضَا أَوْ بِشِرْعَةٍ
كَذَلِكَ فِي الأُخْرَى بِلَا مَثْنَوِيَّةِ
لِتَقْدِيرٍ عُقْبَى الذَّنْبِ إِلَّا بِتَوْبَةِ
عَوَاقِبَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الْخَبِيثَةِ
تُجَابُ مِنَ الْجَانِي وَرُبَّ شَفَاعَةٍ
عَلَيَّ كَقَوْلِ الذِّئُبِ هَذِي طَبِيعَتِي
كَتَقْدِيرِهِ الأَشْيَاءَ طُرّاً بِعِلَّةٍ
كَذَا طَبْعُهُ أَمْ هَلْ يُقَالُ لِعَثْرَةِ؟
طَبِيعَتُهُ فِعْلُ الشُّرُورِ الشَّنِيعَةِ
يُنَجِّيكَ مِنْ نَارِ الإِلَهِ الْعَظِيمَةِ
مُرِيداً لأَنْ يَهْدِيكَ نَحْوَ الْحَقِيقَةِ
وَلَا تُعْرِضَنْ عَنْ فِكْرَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ
وَلَا تَعْصِ مَنْ يَدْعُوِ لأَقْوَمِ شِرْعَةٍ
وَعُجْ عَنْ سَبِيلِ الأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ
وَزِنْ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ بِالْمَعْدِلِيَّةِ
(١) ((النذل)) بفتح، فسكون، و((النذيل)): الخسيس من الناس. اهـ ((ق)).

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
هُنَالِكَ تَبْدُو طَالِعَاتٌ مِنَ الْهُدَى
بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ذَاكَ إِمَامُنَا
فَلَا يَقْبَلُ الرَّحْمَنُ دِيناً سِوَى الَّذِي
وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَاشِرُ الْخَاتِمُ الَّذِي
وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّ الْعِبَادِ بِأَنَّ مَنْ
فَهَذِي دَلَالَاتُ الْعِبَادِ لِحَائِرٍ
وَفَقْدُ الْهُدَى عِنْدَ الْوَرَى لَا يُفِيِدُ مَنْ
وَحُجَّةُ مُحْتَجِّ بِتَقْدِیرٍ رَبِّهِ
وَأَمَّا رِضَانَا بِالْقَضَاءِ فَإِنَّمَا
كَسُقْم وَفَقْرٍ ثُمَّ ذُلِّ وَغُرْبَةٍ
فَأَمَّا الأَفَاعِيلُ الَّتِي كُرِهَتْ لَنَا
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ لَا رِضَا
وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِقَّضَائِهِ
وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِإِضَافَةٍ
كَمَا أَنَّهَا لِلرَّبِّ خَلْقٌ وَأَنَّهَا
فَنَرْضَى مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَلْقُهُ
وَمَعْصِيَةُ الْعَبْدِ الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ
فَإِنَّ إِلَهَ الْخَلْقِ حَقٌّ مَقَالُهُ
كَمَا أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ هَكَذَا
وَحِكْمَتُهُ الْعُلْيَا اقْتَضَتْ مَا اقْتَضَتْ مِنَ الْـ
يَسُوقُ أُولِي التَّعْذِيبِ بِالسَّبَبِ الَّذِي
وَيَهْدِي أُولِي التَّنْعِيمِ نَحْوَ نَعِيمِهِمْ
وَأَمْرُ إِلَهِ الْخَلْقِ بَيَّنَ مَا بِهِ
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ أَثَّرَتْ
وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ لَمْ يَنَلْ
وَلَا مَخْرَجَ لِلْعَبْدِ عَمَّا بِهِ قَضَى
تُبَشِّرُ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالْحَنِيفِيَّةِ
وَدِينِ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ
بِهِ جَاءَتِ الرُّسْلُ الْكِرَامُ السَّجِيَّةِ
حَوَى كُلَّ خَيْرٍ فِي عُمُوم الرِّسَالَةِ
غَدا عَنْهُ فِي الْأُخْرَى بِأَقْبَحِ خَيْبَةِ
وَأَمَّا هُدَاهُ فَهْوَ فِعْلُ الَرُّبُوبَةِ
غَدا عَنْهُ بَلْ يُجْزَى بِلَا وَجْهِ حُجَّةِ
تَزِيدُ عَذَاباً كَاحْتِجَاجٍ مَرِيضَةٍ
أُمِرْنَا بِأَنْ نَرْضَى بِمِثْلِ الْمُصِيبَةِ
وَمَا كَانَ مِنْ مُؤْذٍ بِدُونٍ جَرِيمَةٍ
فَلَا نَرْتَضِي مَسْخُوطَةً لِمَشِيئَةِ
بِفِعْلِ الْمَعَاصِي وَالنُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ
وَلَا نَرْتَضِي الْمَقْضِيَّ أَقْبَحِ خَصْلَةِ
إِلَيْهِ وَمَا فِينَا فَنَلْقَى بِسَخْطَةٍ
لِمَخْلُوقِهِ لَيْسَتْ كَفِعْلِ الْغَرِيزَةِ
وَنَسْخَطُ مِنْ وَجْهِ اكْتِسَابِ الْخَطِيئَةِ
لِمَا أَمَرَ الْمَوْلَى وَإِنْ بِمَشِيئَةٍ
بِأَنَّ الْعِبَادَ فِي جَحِيمٍ وَجَنَّةٍ
بَلِ الْبُهْمُ فِي الآلَامِ أَيْضاً وَنِعْمَةِ
فُرُوقٍ بِعِلْمٍ ثُمَّ أَيْدٍ وَرَحْمَةِ
يُقَدِّرُهُ نَحْوَ الْعَذَابِ بِعِزَّةٍ
بِأَعْمَالٍ صِدْقٍ فِي رَجَاءٍ وَخَشْيَةِ
يَسُوقُ أُولِي التَّنْعِيمِ نَحْوَ السَّعَادَةِ
أَوَامِرُهُ فِيهِ بِتَيْسِيرٍ صَنْعَةٍ
بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ بِتَقْدِيرِ شِقْوَةِ
وَلَكِنَّهُ مُخْتَّارُ حُسْنٍ وَسَوْأَةٍ

٣٠٥
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
فَلَيْسَ بِمَجْبُورٍ عَدِيمِ الإِرَادَةِ
وَمِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ خَلْقُّ مَشِيئَةٍ
فَقَوْلُكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكاً لِحِكْمَةٍ
وَأَخْتَارُ أَنْ لا أَخْتَارَ فِعْلَ ضَلَالَةٍ
وَذَا مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ
فَدُونَكَ فَافْهَمْ مَا بِهِ قَدْ أَجَبْتُ مِنْ
أَشَارَتْ إِلَى أَصْلٍ يُشِيرُ إِلَى الْهُدَی
وَصَلَّى إِلَهُ الْخَلْقِ جَلَّ جَلَالُهُ
وَلَكِنَّهُ شَاءٍ بِخَلْقِ الإِرَادَةِ
بَهَا صَارَ مُخْتَارَ الْهُدَى بِالضَّلَالَةِ
كَقَوْلِكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكَ الْمَشِيئَةِ
وَلَوْ نِلْتُ هَذَا الشَّرْكَ فُزْتُ بِتَوْبَةِ
عَلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ مِنْ ذِي الْمَشِيئَةِ
مَعَانٍ إِذَا انْحَلَّتْ بِفَهْمِ غَرِيزَةِ
وَلِلَّهِ رَبِّ الْخَلْقِ أَكْمَلُ مِدْحَةٍ
عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ(١)
انتهت قصيدة شيخ الإسلام ابن تيميّة تَظْثُ في الردّ على سؤال في قصيدة
وجهها بعض الذمِّيين معترضاً على القَدَر، فأجابه تَخْذُ بهذه القصيدة الجامعة
الفاذّة، فأجاد وأفاد، جزاه الله عن دفاعه عن الإسلام خير الجزاء، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(١) - (بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ،
وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقَاوَتِهِ، وَسَعَادَتِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٠٠] (٢٦٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ ثُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا
أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ وَهْبٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ
خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي
ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَُكُ(٢)، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ
كَلِمَاتٍ، بِكَتْبٍ رِزْقِهِ (٣)، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ، أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ،
(١) انتهت. منقولة من ((مجموع الفتاوى)) ٢٤٥/٨ - ٢٥٥.
(٢) وفي نسخة: ((يرسل الله الملك)).
(٣) وفي نسخة: ((يكتب رزقه)).

٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ
عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ
النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْتَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ
الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عبدُ اللهِ بنُ نُمير) - بنون، مصغّراً - الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ،
ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله أربع وثمانون
سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ،
لم يُصِب من قال: في حديثه خلل [٢] مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست
وتسعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٧ / ٣٧٤.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و((عبد الله)) هو: ابن مسعود
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه إسنادان، فرَّق بينهما بالتحویل،
وكلاهما مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ
مخضرم، وفيه ابن مسعود نظراته من مشاهير الصحابة
.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَُّبه، وفي رواية للبخاريّ: ((سمعت عبد الله بن
مسعود)) (قَالَ:) عبد الله (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ:) قال
الطيبيّ تَخْلُهُ: يَحْتَمِل أن تكون الجملة حاليّةً، ويَحْتَمِل أن تكون اعتراضيّةً، وهو
أَولى؛ لتعمّ الأحوال كلها، وأن ذلك من دأبه، وعادته.
وقوله: ((الصادق))؛ أي: الكامل في الصدق، أو الظاهر كونه صادقاً
بشهادة المعجزات الباهرات، وليس المراد أنه الصادق دون غيره.
وقوله: ((المصدوق))؛ أي: الذي جاءه الصدق من ربّه، وليس معناه:
الْمُصَدَّق - بفتح الدال المشدّدة - أي: الذي صَدَّقه المؤمنون، وإن كان هو في

٣٠٧
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيُّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
الواقع موصوفاً بكونه مُصَدَّقاً أيضاً. قاله السنديّ دَظُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((الصادق)) معناه: المُخبِر بالقول الحقّ، ويُطلق
على الفعل، يقال: صدق القتال، وهو صادق فيه، والمصدوق معناه: الذي
يُصْدَق له في القول، يقال: صَدَقته الحديثَ: إذا أخبرته به إخباراً جازماً، أو
معناه: الذي صَدَقه الله تعالى وَعْدَهُ.
وقال الكرمانيّ(٢): لَمّا كان مضمون الخبر أمراً مخالفاً لِمَا عليه الأطباء،
أشار بذلك إلى بطلان ما ادَّعَوْه، ويَحْتَمِل أنه قال ذلك؛ تلذذاً به، وتبركاً،
وافتخاراً، ويؤيّده(٣) وقوع هذا اللفظ بعينه في حديثٍ (٤) ليس فيه إشارة إلى
بطلان شيء يخالف ما ذُكر، وهو ما أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن
شعبة: سمعت الصادق المصدوق يقول: ((لا تُنزع الرحمة إلا من شقيّ))، وفي
عند البخاريّ: سمعت الصادق المصدوق يقول: ((هلاك
حديث أبي هريرة
أمتي على يدي أُغيلمة من قریش)).
((إِنَّ أَحَدَكُمْ) بفتح همزة ((أنَّ))، وهو الظاهر، وكسرها على الحكاية.
قال أبو البقاء كَّتُ في إعراب ((المسند))(٥): لا يجوز في ((أنّ)) إلا الفتح؛
لأنها وما عملت فيه معمول ((حدثنا))، فلو كُسِرت لصار مستأنفاً منقطعاً عن
قوله: (حدثنا)).
[فإن قلت]: اكسِرْ، واحْمِل ((حدّثنا)) على ((قال)).
[قيل]: هذا خلاف الظاهر، ولا يُترك الظاهر إلى غيره، إلا لدليل مانع
(١) ((شرح السنديّ على سنن ابن ماجه)) ٥٨/١.
(٢) (شرح البخاريّ) للكرمانيّ ٧٢/٢٣.
(٣) قد اعترض العيني هذا الكلام على الحافظ كعادته بما فيه نَظَر لا يخفى على
المنصف، فلا تغترّ به.
(٤) يوجد في نسخة ((الفتح)) ما لفظه: ((في حديث أنس إلخ))، ولفظ ((أنس)) زِيْدَ غلطاً؛
والصواب ما ذكرته؛ لأن الحديث ليس لأنس، وإنما للمغيرة بن شعبة، فتأمله
بالإمعان، ثم وجدته في شرح العينيّ على الصواب، راجع: ((عمدة القاري)) ٢٣/
١٤٦، ولله الحمد.
(٥) ص٢٤٠ رقم (٢٣٨).

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
من الظاهر، ولو جاز مثل هذا من غير أن يثبت به النقل لجاز في مثل قوله
تعالى: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الكسر؛ لأن معنى ((يعدكم)): يقول
لكم، وقد اتفق القراء على أنها بالفتح.
وقال الزركشيّ: وردّ عليه القاضي شمس الدين الخوبيّ، وقال: الكسر
واجب؛ لأنه الرواية، ووجهه على الحكاية، كقول الشاعر:
سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْئاً (١)
برفع ((النّاسُ)).
وجزم النووي في ((شرحه)) بكونه بالكسر على الحكاية، وجوَّز الفتح، وقد
جزم ابن الجوزي بأنه في الرواية بالكسر فقط. قال الخوبي: ولو لم تجئ به
الرواية لَمَا امتنع جوازاً على طريق الرواية بالمعنى، وأجاب عن الآية بأن
الوعدَ مضمون الجملة، وليس بخصوص لفظها، فلذلك اتفقوا على الفتح، فأما
هنا فالتحديث يجوز أن يكون بلفظه وبمعناه. انتهى(٢).
(يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) كذا في رواية أبي معاوية، ووكيع، وابن نمير
هنا، وفي الرواية الآتية: ((إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه))، وفي رواية عند
البخاريّ: ((إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه))، وفي رواية عند ابن ماجه: ((إنه
يُجمع خلق أحدكم في بطن أمه))، وفي رواية بلفظ: ((ابن آدم)) بدل ((أحدكم)).
والمراد بالجمع: ضمّ بعضه إلى بعض بعد الانتشار، وفي قوله: ((خلق))
تعبير بالمصدر عن الجثّة، وحُمِل على أنه بمعنى المفعول، كقولهم: هذا درهمٌ
ضَرْبُ الأميرِ؛ أي: مضروبه، أو على حذف مضاف؛ أي: ما يقوم به خَلْقُ
أحدكم، أو أُطلق مبالغةً، كقوله:
وَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِذْبَارُ(٣)
(١) البيت لذي الرّمّة، وتمامه:
سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْئاً بِسَائِقَةِ الْبَيَاضِ إِلَى الْوَحِيدِ
(٢) ((الفتح)) ٥٨٤/١١ ببعض تصرّف، وزيادة من ((عقود الزبرجد)) للسيوطيّ ٢٢٤/١ -٢٢٥.
(٣) أشار به إلى قول الشاعر:
تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا اذَّكَرَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِذْبَارُ

٣٠٩
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآَحَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
جعلها نفس الإقبال والإدبار؛ لكثرة وقوع ذلك منها .
قال القرطبيّ في ((المفهم)): المراد: أن المنيّ يقع في الرحم حين
انزعاجه بالقوّة الشهوانية الدافعة مبثوثاً متفرقاً، فيجمعه الله في محل الولادة من
الرحم في هذه المدّة (١).
(أَرْبَعِينَ يَوْماً) في رواية وكيع الآتية: ((أربعين ليلة))، وفي رواية معاذ عن
شعبة: ((أربعين يوماً، أو أربعين ليلة)) بالشكّ، وفي حديث جرير وعيسى:
((أربعين يوماً)).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أربعين يوماً)) زاد في رواية آدم: ((أو أربعين
ليلة))، وكذا لأكثر الرواة عن شعبة بالشكّ، وفي رواية يحيى القطان، ووكيع،
وجرير، وعيسى بن يونس: ((أربعين يوماً)) بغير شكّ، وفي رواية سلمة بن
كهيل: ((أربعين ليلة)) بغير شكّ.
ويُجمع بأن المراد: يوم بليلته، أو ليلة بيومها. ووقع عند أبي عوانة من
رواية وهب بن جرير، عن شعبة مثل رواية آدم، لكن زاد ((نطفة)) بين قوله:
((أحدكم)) وبين قوله: ((أربعين))، فبيّن أن الذي يُجمع هو النطفة، والمراد
بالنطفة: المنيّ، وأصله: الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك: أن ماء
الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع، وأراد الله أن يخلق من ذلك: جنيناً هيّأ
أسباب ذلك؛ لأن في رحم المرأة قوتين: قوّة انبساط عند ورود منيّ الرجل،
حتى ينتشر في جسد المرأة، وقوّة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه
منكوساً، ومع كون المنيّ ثقيلاً بطبعه، وفي منيّ الرجل قوة الفعل، وفي منيّ
المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاج يصير منيّ الرجل كالإنفَحَة للَّبَن، وقيل: في
كل منهما قوّة فعل وانفعال، لكن الأول في الرجل أكثر، وبالعكس في المرأة.
وزعم كثير من أهل التشريح أن منيّ الرجل لا أثر له في الولد إلا في
عَقْده، وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تُبطل ذلك، وما ذُكر
أوّلاً أقرب إلى موافقة الحديث، والله أعلم.
وقال ابن الأثير تَخُّْ في ((النهاية)): يجوز أن يريد بالجمع: مُكث النطفة
(١) ((المفهم)) ٦٤٩/٦ - ٦٥٠.
.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
في الرحم؛ أي: تمكث النطفة أربعين يوماً تخمر فيه حتى تتهيأ للتصوير، ثم
تخلق بعد ذلك.
وقيل: إن ابن مسعود فسّره بأن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن
يخلق منها بشراً طارت في جسد المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين
يوماً، ثم تنزل دماً في الرحم، فذلك جَمَعها .
قال الحافظ: هذا التفسير ذكره الخطابيّ، وأخرجه ابن أبي حاتم في
((التفسير)) من رواية الأعمش أيضاً عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود.
وقوله: ((فذلك جَمْعها)) كلام الخطابيّ، أو تفسير بعض رواة حديث
الباب، وأظنه الأعمش، فظنَّ ابن الأثير أنه تتمة كلام ابن مسعود، فأدرجه
فيه، ولم يتقدم عن ابن مسعود في رواية خيثمة ذِكر الجمع حتى يفسره.
وقد رجَّح الطيبي هذا التفسير، فقال: الصحابي أعلم بتفسير ما سَمِع،
وأحقّ بتأويله، وأَولى بقبول ما يتحدث به، وأكثر احتياطاً في ذلك من غيره،
فليس لمن بعده أن يتعقب كلامه.
وقد وقع في حديث مالك بن الحويرث، رَفَعَهُ ما ظاهره يخالف التفسير
المذكور، ولفظه: ((إذا أراد الله خَلْق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في
كل عِرْق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره كل عِرْق له
دون آدم في أي صورة ما شاء ركبه))، وفي لفظ: ((ثم تلا: ﴿فِي أَِّ صُورَقِ مَا شَآءَ
رَكَبَكَ (®﴾ [الانفطار: ٨]؛ وله شاهد من حديث رباح اللخميّ، لكن ليس فيه
ذِكر يوم السابع.
وحاصله: أن في هذا زيادة تدلّ على أن الشَّبَه يحصل في اليوم السابع،
وأن فيه ابتداء جَمْع المنيّ، وظاهر الروايات الأخرى أن ابتداء جَمْعه من ابتداء
الأربعين.
وقد وقع في رواية عبد الله بن ربيعة، عن ابن مسعود: أن النطفة التي
تُقْضَى منها النفس إذا وقعت في الرحم كانت في الجسد أربعين يوماً، ثم
تحادرت دماً، فكانت عَلَقَةً.
وفي حديث جابر: أن النطفة إذا استقرّت في الرحم أربعين يوماً، أو
ليلة، أَذِن الله في خَلْقها، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو.

٣١١
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
وفي حديث حذيفة بن أَسِيد، من رواية عكرمة بن خالد، عن أبي الطفيل
عنه، أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً، ثم يتسوَّر عليها الملَك، وكذا في
رواية يوسف المكيّ، عن أبي الطفيل عند الفريابيّ، وعنده، وعند مسلم، من
رواية عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل: ((إذا مرَّ بالنطفة
ثلاث وأربعون)) وفي نسخة: ((اثنتان وأربعون ليلة))، وفي رواية ابن جريج، عن
أبي الزبير، عند أبي عوانة: ((اثنتان وأربعون))، وهي عند مسلم، لكن لم يَسُق
لفظها، قال: مثل عمرو بن الحارث، وفي رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبي
الطفيل، عند مسلم أيضاً: ((إذا أراد الله أن يخلق شيئاً يأذن له لبضع وأربعين
ليلة)).
وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل: ((يدخل الملك على النطفة
بعدما تستقرّ في الرحم بأربعين، أو خمس وأربعين))، وهكذا رواه ابن عيينة،
عن عمرو، عند مسلم.
ورواه الفريابيّ من طريق محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو، فقال:
((خمسة وأربعين ليلة))، فجزم بذلك.
فحاصل الاختلاف: أن حديث ابن مسعود لم يَختلف في ذِكر الأربعين،
وكذا في كثير من الأحاديث، وغالبها، كحديث أنس عند البخاريّ لا تحديد
فيه، وحديث حذيفة بن أسيد اختلفت ألفاظ نَقَلَتِهِ، فبعضهم جزم بالأربعين،
كما في حديث ابن مسعود، وبعضهم زاد ثنتين، أو ثلاثاً، أو خمساً، أو
بضعاً، ثم منهم من جزم، ومنهم من تردد.
وقد جمع بينها القاضي عياض بأنه ليس في رواية ابن مسعود بأن ذلك
يقع عند انتهاء الأربعين الأولى، وابتداء الأربعين الثانية، بل أطلق الأربعين،
فاحتَمَلَ أن يريد: أن ذلك يقع في أوائل الأربعين الثانية.
ويَحْتَمِل أن يُجمع الاختلاف في العدد الزائد، على أنه بحسب اختلاف
الأجنّة، وهو جيّد، لو كانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متّحدة، وراجعة
إلى أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد، فدلّ على أنه لم يضبط القَدْر الزائد على
.الأربعين، والخَطْب فيه سهل، وكلّ ذلك لا يدفع الزيادة التي في حديث
مالك بن الحويرث في إحضار الشَّبَه في اليوم السابع، وأن فيه يبتدئ الجمع

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
بعد الانتشار، وقد قال ابن منده: إنه حديث متّصل على شرط الترمذيّ،
والنسائيّ، واختلاف الألفاظ بكونه في البطن، ويكونه في الرحم لا تأثير له؛
لأنه في الرحم حقيقةً، والرحم في البطن، وقد فسَّروا قوله تعالى: ﴿فِ ظُلُمَتٍ
ثَلَثٍ﴾ [الزمر: ٦] بأن المراد: ظُلمة المشيمة، وظلمة الرَّحِم، وظلمة البطن،
فالمشيمة في الرحم، والرحم في البطن.
(ثُمَّ يَكُونُ)؛ أي: يصير خَلْقُ أحدكم؛ أي: مادّةُ خلقه، وهي النطفة،
(فِي ذَلِكَ) الرحم (عَلَقَةً) - بفتحتين -: أي: دماً جامداً غليظاً، وسُمّي بذلك
للرطوبة التي فيه، وتَعَلَّقه بما مَرّ به، (مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل الزمن المذكور،
وهو الأربعون.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: (ذلك)) الأول إشارة إلى المحلّ الذي اجتمعت فيه
النطفة، وصارت علقَةً، و((ذلك)) الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون،
وكذلك القول في قوله: ((ثم يكون في ذلك مضغةً مثل ذلك))، والمضغة: قَدْر
ما يَمضغه الماضغ من لحم أو غيره. انتهى(١) .
وفي رواية للبخاريّ: ((ثم علقةً مثل ذلك))، وفي رواية له: ((ثم تكون علقة
مثل ذلك))، قال في ((الفتح)): و(تكون)) هنا بمعنى تصير؛ ومعناه: أنها تكون
بتلك الصفة مدة الأربعين، ثم تنقلب إلى الصفة التي تليها، ويَحْتَمِل أن يكون
المراد: تصييرها شيئاً فشيئاً، فيخالط الدم النطفةَ في الأربعين الأُولى بعد
انعقادها، وامتدادها، وتجري في أجزائها شيئاً فشيئاً حتى تتكامل علقةً في أثناء
الأربعين، ثم يخالطها اللحم شيئاً فشيئاً إلى أن تشتد، فتصير مضغةً، ولا تسمى
علقة قبل ذلك ما دامت نطفة، وكذا ما بعد ذلك من زمان العَلَقة والمضغة.
وأما ما أخرجه أحمد من طريق أبي عبيدة قال: قال عبد الله، رَفَعه: ((إِن
النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها، لا تتغير)) ففي سنده ضَعْف،
وانقطاع، فإن كان ثابتاً حُمِل نفي التغير على تمامه؛ أي: لا تنتقل إلى وصف
العلقة إلا بعد تمام الأربعين، ولا ينفي أن المنيّ يستحيل في الأربعين الأولى
دماً إلى أن يصير علقة. انتهى.
(١) ((المفهم)) ٦٥٠/٦.

٣١٣
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآَحَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
وقد نقل الفاضل عليّ بن المهذب الحمويّ الطبيب اتفاق الأطباء على أن
خَلْق الجنين في الرحم يكون في نحو الأربعين، وفيها تتميز أعضاء الذَّكر دون
الأنثى؛ لحرارة مزاجه، وقواه، وأعيد إلى قوام المني الذي تتكون أعضاؤه
منه، ونضجه، فيكون أقبل للشكل والتصوير، ثم يكون علقة مثل ذلك، والعلقة
قطعة دم جامد، قالوا: وتكون حركة الجنين في ضُعف المدة التي يُخلق فيها،
ثم يكون مضغة مثل ذلك؛ أي: لحمة صغيرة، وهي الأربعون الثالثة، فتتحرك.
قال: واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر.
وذكر الشيخ شمس الدين ابن القيّم أن داخل الرحم خَشِنٌ كالسفنج،
وجعل فيه قبولاً للمنيّ، كطلب الأرض العطشى للماء، فجعله طالباً مشتاقاً إليه
بالطبع، فلذلك يمسكه، ويشتمل عليه، ولا يُزلقه، بل ينضم عليه؛ لئلا يفسده
الهواء، فيأذن الله لملك الرحم في عَقْده، وطبخه أربعين يوماً، وفي تلك
الأربعين يُجمع خلقه، قالوا: إن المنيّ إذا اشتمل عليه الرحم، ولم يقذفه
استدار على نفسه، واشتدّ إلى تمام ستة أيام، فينقط فيه ثلاث نقط في مواضع
القلب، والدماغ، والكبد، ثم يظهر فيما بين تلك النقط خطوط خمسة إلى تمام
ثلاثة أيام، ثم تنفذ الدموية فيه إلى تمام خمسة عشر، فتتميز الأعضاء الثلاثة،
ثم تمتد رطوبة النخاع إلى تمام اثني عشر يوماً، ثم ينفصل الرأس عن
المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنين في تسعة أيام، ثم يتم
هذا التمييز بحيث يظهر للحسّ في أربعة أيام، فيكمل أربعين يوماً، فهذا معنى
قوله يلى: ((يُجمع خلقه في أربعين يوماً))، وفيه تفصيلُ ما أُجمل فيه.
ولا ينافي ذلك قوله: ((ثم تكون علقة مثل ذلك)) فإن العلقة، وإن كانت
قطعة دم، لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المنيّ، ويظهر
التخطيط فيها ظهوراً خفيّاً على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يوماً بتزايد
ذلك التخليق شيئاً فشيئاً، حتى يصير مضغة مخلقةً، ويظهر للحسّ ظهوراً لا
خفاء به، وعند تمام الأربعين الثالثة، والطعن في الأربعين الرابعة، ينفخ فيه
الروح، كما وقع في هذا الحديث الصحيح، وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا
بالوحي، حتى قال كثير من فضلاء الأطباء، وحذّاق الفلاسفة: إنما يُعرف ذلك
بالتوهم والظن البعيد، واختلفوا في النقطة الأولى أيها أسبق، والأكثر: نُقَط

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
القلب، وقال قوم: أول ما يُخلق منه السُّرّة؛ لأن حاجته من الغذاء أشدّ من
حاجته إلى آلات قواه، فإن من السرّة ينبعث الغذاء، والحُجُب التي على الجنين
في السرّة كأنها مربوط بعضها ببعض، والسرّة في وسطها، ومنها يتنفس
الجنين، ويتربى، وينجذب غذاؤه منها .
(ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ) المراد مثل مدة الزمان المذكور في
الاستحالة، والمضغة: قطعة اللحم، سُمِّيت بذلك؛ لأنها قَدْر ما يمضغ
الماضغ.
(ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَُّك) وفي بعض النسخ: ((ثم يرسل الله الملك))، وفي رواية
للبخاريّ: ((ثم يبعث الله ملكاً))؛ أي: يبعث الله إليه الملَك في الطور الرابع
حينما يتكامل بنيانه، وتتشكّل أعضاؤه، فيعيّن، ويُنقش فيه ما يليق به من
الأعمال والأعمار والأرزاق حسبما اقتضته حكمته، وسبقت كلمته، فمن وجده
مستعدّاً لقبول الحقّ واتّباعه، ورآه أهلاً للخير، وأسباب الصلاح، متوجّهاً إليه
أثبته في عداد السعداء، وكَتب له أعمالاً صالحةً تناسب ذلك، ومن وجده
جافياً، قاسي القلب، ضارياً بالطبع، متنائياً عن الحقّ أَثبت ذكره في ديوان
الأشقياء الهالكين، وكَتب له ما يُتَوَقَّع منه من الشرور والمعاصي، هذا إذا لم
يعلم من حاله وقوع ما يقتضي تغيّر ذلك، وإن علم من ذلك شيئاً كتب له أوائل
أمره وأواخره، وحكم عليه وفقَ ما يَتمّ به عمله؛ فإن مِلاك العمل خواتمه،
وهو الذي يسبق إليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنّة. انتهى كلام
الطيبيّ تَظّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): اللام في ((الملَك)) للعهد، والمراد به: عهدٌ
مخصوص، وهو جنس الملائكة الموكلين بالأرحام، كما ثبت في رواية
حذيفة بن أَسِيد من رواية ربيعة بن كلثوم: ((أن ملكاً موكلاً بالرحم))، ومن رواية
عكرمة بن خالد: ((ثم يتسوَّر عليها الملَك الذي يُخَلِّقها)) وهو بتشديد اللام.
وفي رواية أبي الزبير عند الفريابيّ: ((أتى ملك الأرحام)) وأصله عند
مسلم، لكن بلفظ: ((بعث الله ملكاً)).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٣٤/٢.

٣١٥
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآَحَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
وفي حديث ابن عمر: ((إذا أراد الله أن يخلق النطفة قال ملك الأرحام))،
وفي حديث أنس: ((وَّل الله بالرحم ملكاً)).
وقال الكرمانيّ(١): إذا ثبت أن المراد بالملَك مَن جُعل إليه أمر تلك
الرحم، فكيف يُبعَث، أو يرسل؟ وأجاب بأن المراد: أن الذي يُبعث بالكلمات
غير الملك الموكل بالرحم الذي يقول: يا رب نطفة إلخ، ثم قال: ويَحْتَمِل أن
يكون المراد بالبعث: أنه يؤمر بذلك.
قال الحافظ: وهو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، وبه جزم القاضي عياض(٢)
وغيره.
وقد وقع في رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش: ((إذا
استقرت النطفة في الرحم أخذها الملَك بكفه، فقال: أيْ رب أُذَكَر أو
أنثى؟ ... )) الحديث، وفيه: ((فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة
هذه النطفة، فينطلق، فيجد ذلك))، فينبغي أن يفسّر الإرسال المذكور بذلك.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): اختلف في أول ما يتشكل من أعضاء الجنين،
فقيل: قلبه؛ لأنه الأساس، وهو معدن الحركة الغريزية، وقيل: الدماغ؛ لأنه
مجمع الحواسّ، ومنه ينبعث، وقيل: الكبد؛ لأن فيه النموّ والاغتذاء الذي هو
قوام البدن، ورجّحه بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعيّ؛ لأن النموّ هو
المطلوب أولاً، ولا حاجة له حينئذ إلى حسّ ولا حركة إرادية؛ لأنه حينئذ
بمنزلة النبات، وإنما يكون له قوّة الحسّ، والإرادة عند تعلق النفس به، فيقدَّم
الكبد، ثم القلب، ثم الدماغ. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: إن الاختلاف في مثل هذا مما لا ينبغي؛ إذ لا
فائدة فيه، ولا نصّ يُعتمد عليه، فلا ينبغي الخوض في مثله، فيا ليت أهل
العلم لم يشتغلوا بمثله، ويضيّعوا أوقاتهم فيما لا يعنيهم، والله المستعان، وهو
الهادي إلى سواء السبيل.
(فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ) ظاهر هذه الرواية أن نَفْخ الروح قبل الكتابة، ورواية
(١) ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ٧٣/٢٣.
(٣) ((الفتح)) ١٥/ ١٩٤.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٨/ ١٢٧.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
آدم بن أبي إياس عند البخاريّ صريحة في تأخير النفخ؛ للتعبير بقوله: ((ثم))،
ورواية مسلم هذه محتملة، فتُردّ إلى الصريحة؛ لأن الواو لا ترتِّب، فيجوز أن
تكون معطوفة على الجملة التي تليها، وأن تكون معطوفة على جملة الكلام
المتقدّم؛ أي: يُجمع خلقه في هذه الأطوار، ويؤمر الملَك بالكتب، وتوسّط
قوله: ((ينفخ فيه الروح) بين الْجُمَل، فيكون من ترتيب الخبر على الخبر، لا من
ترتيب الأفعال المخبَر عنها .
ونقل ابن الزملكانيّ عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك؛ أن العرب
إذا عَبَّرت عن أمر بعدة أمور متعددة، ولبعضها تعلّق بالأول حَسُن تقديمه لفظاً
على البقية، وإن كان بعضها متقدماً عليه وجوداً، وحَسُن هنا؛ لأن القصد
ترتيب الخلق الذي سيق الكلام لأجله.
وقال عياض: اختَلَفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم يُختلف أن
نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في
الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعوّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام
في الاستلحاق عند التنازع، وغير ذلك بحركة الجنين في الجوف، وقد قيل:
إنه الحكمة في عدّة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول في
الخامس، وزيادة حذيفة بن أسيد مُشْعِرة بأن الملَك لا يأتي لرأس الأربعين، بل
بعدها، فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشراً، وهو مصرَّح به في حديث ابن
عباس: ((إذا وقعت النطفة في الرحم، مكثت أربعة أشهر وعشراً، ثم ينفخ فيها
الروح)). وما أشار إليه من عدة الوفاة جاء صريحاً عن سعيد بن المسيِّب،
فأخرج الطبريّ عنه أنه سئل عن عدّة الوفاة، فقيل له: ما بال العشرة بعد
الأربعة أشهر؟ فقال: يُنفخ فيها الروح.
وقد تمسَّك به من قال كالأوزاعيّ وإسحاق: إن عدة أم الولد مثل عدة
الحرّة، وهو قويّ؛ لأن الغرض استبراء الرحم، فلا فرق فيه بين الحرة والأمة،
فيكون معنى قوله: ((ثم يُرسل إليه الملك))؛ أي: لتصويره، وتخليقه، وكتابة ما
يتعلق به، فينفخ فيه الروح إثر ذلك، كما دلت عليه رواية البخاريّ وغيره.
ووقع في حديث عليّ بن عبد الله عند ابن أبي حاتم: ((إذا تمَّت للنطفة
أربعة أشهر بعث الله إليها ملكاً، فينفخ فيها الروح، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ

٣١٧
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
خَلْقَا ءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وسنده منقطع، وهذا لاينافي التقييد بالعشر الزائدة.
ج
ومعنى إسناد النفخ للملك أنه يفعله بأمر الله، والنفخ في الأصل: إخراج
ريح من جوف النافخ؛ ليدخل في المنفوخ فيه، والمراد بإسناده إلى الله تعالى
أن يقول له: کن، فیکون.
وجَمَع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين، فالكتابة الأُولى في السماء، والثانية
في بطن المرأة، ويَحْتَمِل أن تكون إحداهما في صحيفة، والأخرى على جبين
المولود، وقيل: يختلف باختلاف الأجنة، فبعضها كذا، وبعضها كذا، والأول
أَولی(١).
(وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعْ كَلِمَاتٍ)؛ أي: يؤمر بكتب أربعة أشياء من أحوال الجنين،
والمراد بالكلمات: القضايا المقدرّة، وكل قضيّة تسمى كلمة، وقوله: (بِكَتْبٍ
رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، وفي بعض النسخ: ((يكتب
رزقه))، فالجملة مستأنفة، ووجّه في ((الفتح)) هذه النسخة، وفي رواية أبي
الأحوص عن الأعمش: ((فيؤمر بأربع كلمات))، ويقال له: اكتب، فذَكَر
الأربع، وقوله: (وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو،
والجملة عَظْف على مفعول ((اكتُب))؛ لأنه أريدَ بها لَفْظها باعتبار الوجود
الْكَتْبيّ، دون اللفظيّ، فإن اللفظ لا يكون لفظاً إلا بالتلفّظ، لا بالكتابة، ثم
الترديد في الحكاية، لا في المحكيّ، وإنما جاءت الحكاية على لفظ الترديد
نظراً إلى التوزيع والتقسيم على آحاد المولود، فمنهم شقيّ وسعيد. قاله
.(٢)
السنديّ(٢) .
قال في ((الفتح)): وتكلّف الخوبي في قوله: إنه يؤمر بأربع كلمات،
فيكتب منها ثلاثاً، والحقّ أن ذلك من تصرّف الرواة، والمراد: أنه يكتب لكل
أحد إما السعادة، وإما الشقاء، ولا يكتبهما لواحد معاً، وان أمكن وجودهما
منه؛ لأن الحكم إذا اجتمعا للأغلب، وإذا ترتبا فللخاتمة، فلذلك اقتصر على
أربع، وإلا لقال: خمس.
(١) ((الفتح)) ١٩٨/١٥ - ١٩٩.
(٢) (شرح السنديّ على ابن ماجه)) ٥٨/١.

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
والمراد من كتابة الرزق: تقديره قليلاً أو كثيراً، وصفته حراماً، أو
حلالاً، وبالأجل هل هو طويل، أو قصير، وبالعمل هو صالح، أو فاسد.
ووقع لأبي داود من رواية شعبة والثوري جميعاً عن الأعمش: ((ثم يُكتب
شقيّاً أو سعيداً)). ومعنى قوله: ((شقيّ، أو سعيد)) أن الملك يكتب إحدى
الكلمتين، كأن يكتب مثلاً: أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو
شقيّ باعتبار ما يُختم له، وسعيد باعتبار ما يُختم له، كما دل عليه بقية الخبر،
وكان ظاهر السياق أن يقول: ويكتب شقاوته، وسعادته، لكن عَدَلَ عن ذلك؛
لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطيبيّ تَخَُّهُ .
ووقع في حديث أنس: ((إن الله وَكَّلَ بالرحم ملكاً، فيقول: أيْ رب أَذَكر
أو أنثى؟))، وفي حديث عبد الله بن عمرو: ((إذا مكثت النطفة في الرحم أربعين
ليلة، جاءها ملك، فقال: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله ما شاء، ثم
يدفع إلى الملك، فيقول: يا رب أسِقْطٌ أم تامّ؟، فيبيّن له، ثم يقول: أواحد أم
توأم؟ فيبيّن له، فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيبيّن له، ثم يقول: أناقص الأجل أم
تامّ الأجل؟ فيبيّن له، ثم يقول: أشقيّ أم سعيد؟ فيبيّن له، ثم يقطع له رزقه مع
خلقه، فيهبط بهما)).
ووقع في غير هذه الرواية أيضاً زيادة على الأربع، ففي رواية عبد الله بن
ربيعة، عن ابن مسعود: ((فيقول: اكتب رزقه، وأثره، وخلقه، وشقيّ أو سعيد)).
وفي رواية خُصيف، عن أبي الزبير، عن جابر من الزيادة: ((أي رب
مصيبته؟ فيقول: كذا وكذا)).
وفي حديث أبي الدرداء، عند أحمد، والفريابيّ: ((فرغ الله إلى كل
عبد من خمس: من عمله، وأجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه)).
وأما صفة الكتابة: فظاهر الحديث أنها الكتابة المعهودة في صحيفته،
ووقع ذلك صريحاً في حديث حذيفة بن أَسِيد الآتية عند مسلم: ((ثم تطوى
الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص))، وفي رواية الفريابيّ: ((ثم تُطْوَى تلك
الصحيفة إلى يوم القيامة)).
ووقع في حديث أبي ذرّ: ((فيقضي الله ما هو قاضٍ، فيكتب ما هو لاقٍ،
بين عينيه، وتلا أبو ذرّ خمس آيات من فاتحة سورة التغابن))، ونحوه في حديث

٣١٩
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٠٠)
ابن عمر في ((صحيح ابن حبان)) دون تلاوة الآية، وزاد: ((حتى النكبة يُنكبها))،
وأخرجه أبو داود في ((كتاب القَدَر)) المُفْرَد. انتهى(١).
وقال ابن أبي جمرة كَُّ(٢): في الحديث في رواية أبي الأحوص يَحْتَمِل
أن يكون المأمور بكتابته الأربع المأمور بها، ويَحْتَمل غيرها، والأول أظهر؛
لِمَا بَيّته بقيّة الروايات. انتهى.
[تنبيه]: حديث ابن مسعود ظه بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب
في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار، كلُّ طور منها في أربعين، ثم بعد
تكملتها يُنفخ فيه الروح، وقد ذَكَر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد
بمدة في عِدة سُوَر، منها في ((سورة الحج)) قوله رَى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ
رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْتَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَفَقِ ثُمَّ مِن مُضْغَتْرِ
تَُلَّقَّةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّمُبَيِنَ لَكُمْ﴾ الآية [الحج: ٥] ودلت هذه الآية على أن
التخليق يكون للمضغة، وبَيّن الحديثُ أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت
الأربعين، وهي المدة التي إذا انتهت سُمِّيت مضغة، وذكر الله النطفة، ثم
العلقة، ثم المضغة في سُوَر أخرى، وزاد في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ بعد المضغة:
﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، ويؤخذ
منها، ومن حديث الباب أن تصيير المضغة عظاماً بعد نَفْخ الروح. ووقع في
آخر رواية أبي عبيدة المتقدِّم ذِكرها قريباً بعد ذِكر المضغة: ((ثم تكون عظاماً
أربعين ليلة، ثم يكسو الله العظام لحماً)).
وقد رَتَّبَ الأطوار في الآية بالفاء؛ لأن المراد: أنه لا يتخلل بين
الطورين طَوْر آخر، ورتَّبها في الحديث بـ(ثُمَّ)) إشارةً إلى المدة التي تتخلل بين
الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بـ((ثم)) بين النطفة والعَلَقة؛ لأن النطفة
قد لا تتكوّن إنساناً، وأتى بـ(ثم)) في آخر الآية عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا
ءَآخر﴾ الآية [المؤمنون: ١٤] ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه،
وأما الإتيان بـ((ثم)) في أول القصة بين السُّلالة والنطفة، فللإشارة إلى ما تخلل
بين خَلْق آدم وخَلْق ولده.
(١) ((الفتح)) ١٩٤/١٥ - ١٩٥.
(٢) ((بهجة النفوس)) ٢٢٢/٣.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
ووقع في حديث حُذيفة بن أَسيد الآتي عند مسلم ما ظاهره يخالف
حديث ابن مسعود، ولفظه: ((إذا مَرّ بالنطفة ثلاث وأربعون))، وفي نسخة:
اثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها
وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: أيْ رب أذَكَر أم أنثى؟ فيَقضِي ربك ما
شاء، ويَكتُب الملك، ثم يقول: يا رب أجله ... )) الحديث، هذه رواية
عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد في
مسلم، ونسبها عياض في ثلاثة مواضع من شرح هذا الحديث إلى رواية ابن
مسعود، وهو وَهَمِّ، وإنما لابن مسعود في أول الرواية ذِكْرُ قوله: ((الشقيُّ من
شَقِيَ في بطن أمه، والسعيدُ من وُعِظ بغيره))، فقط، وبقية الحديث إنما هو
لحذيفة بن أَسيد، وقد أخرجه جعفر الفريابي من طريق يوسف المكيّ، عن أبي
الظُفيل عنه بلفظ: ((إذا وقعت النطفة في الرحم، ثم استقرت أربعين ليلةً، قال:
فيجيء ملَك الرحم فيدخل، فيصوِّر له عظمه ولحمه وشعره وبشره وسمعه
وبصره، ثم يقول: أيْ رب أَذَكَر أو أنثى؟ ... )) الحديث.
قال القاضي عياض: وحَمْل هذا على ظاهره لا يصح؛ لأن التصوير بأثر
النطفة وأوّلِ العَلَقة في أول الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما يقع
التصوير في آخر الأربعين الثالثة، كما قال تعالى: ﴿فُرَ خَلَقْنَ النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا
اُلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ ◌َحْمًا﴾ الآية [المؤمنون:
١٤]، قال: فيكون معنى قوله: ((فصوّرها إلخ))؛ أي: كتب ذلك، ثم يفعله بعد
ذلك، بدليل قوله بعدُ: ((أذكر أو أنثى؟))، قال: وخَلْقه جميعَ الأعضاء،
والذكوريةُ والأنثوية، يقع في وقت متفق، وهو مُشَاهَد فيما يوجد من أجنة
الحيوان، وهو الذي تقتضيه الخلقة، واستواء الصورة، ثم يكون للملك فيه
تصوّر آخر، وهو وقت نَفْخ الروح فيه، حين يكمل له أربعة أشهر، كما اتفق
عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة اشهر. انتهى ملخصاً.
وقد بسطه ابن الصلاح في ((فتاويه))، فقال ما مُلَخَّصه: أعرض البخاري
عن حديث حُذيفة بن أَسِيد إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم
يره ملتئماً مع حديث ابن مسعود، وحديثُ ابن مسعود لا شك في صحته، وأما
مسلم فأخرجهما معاً، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما، بأن يُحمَل إرسال