Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
(٤٨) - بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً حَبَّهُ إِلَى عِبَادِهِ - حديث رقم (٦٦٨٢)
إلى الأرض))، رواه أحمد، والطبرانيّ(١).
ويشهد له حديث أبي هريرة له عند البخاريّ في ((الرقاق))، ففيه: ((وما
يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع
به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن
سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه ... )) الحديث.
(دَعَا) وفي لفظ: نادى (جِبْرِيلَ)؛ (فَقَالَ) الله تعالى في ندائه: (إِنِّي أُحِبُّ
فُلَاناً فَأَحِبَّهُ) وفي لفظ ((فأحببه)) بالفاء، (قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ) عَ* (ثُمَّ يُنَادِي)
جبريل (فِي السَّمَاءِ) وفي رواية: ((في أهل السماء)»، وفي حديث ثوبان: ((أهل
السموات السبع))، (فَيَقُولُ) في ندائه: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَاناً، فَأَحِبُّوهُ) بهمزة
القطع، (فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ) ووقع في حديث ثوبان: ((فيقول جبريل: رحمة الله
على فلان، وتقوله حملة العرش)). (قَالَ) وَّهِ: (ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي
الأَرْضِ) زاد الطبرانيّ في حديث ثوبان: ((ثم يهبط إلى الأرض، ثم قرأ
رسول الله ◌َله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُنَّا (@)
[مريم: ٩٦]))، وثبتت هذه الزيادة في آخر هذا الحديث عند الترمذيّ، وابن أبي
حاتم، من طريق سهيل، عن أبيه، وقد أخرج مسلم إسنادها في الحديث
التالي، ولم يَسُق اللفظ.
ومعنى ((يوضع له القبول في الأرض)»: أنه يحصل له في قلوب أهل
الأرض مودّة، ويُزرع له فيها مهابة، فتحبه القلوب، وترضى عنه النفوس، من
غير تودّد منه، ولا تعرّض للأسباب التي تُكتسب لها مودات القلوب، من
قرابة، أو صداقة، أو اصطناع، وإنما هو منحة منه تعالى ابتداءً اختصاصاً منه
لأوليائه، بكرامة خاصّة، كما يقذف في قلوب أعدائه الرعب، والهيبة؛ إعظاماً
له، وإجلالاً لمكانه، قال بعضهم: وفائدة ذلك أن يستغفر له أهل السماء
والأرض، وينشأ عندهم هيبته، وإعزازهم له، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[المنافقون: ٨].
وقيل: معنى ((يوضع له القبول في الأرض))؛ أي: الحب في قلوب
(١) (مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٧٩/٥، و((المعجم الأوسط)) للطبرانيّ ٥٧/٢.

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الناس، ورضاهم عنه، فتميل إليه القلوب، وترضى عنه، فذلك قول الله تعالى:
٩٦
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا
قال ابن كثير تَخْتُ في «تفسيره)): يُخبر تعالى أنه يَغرس لعباده المؤمنين
الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي تُرضي الله تعالى لمتابعتها
الشريعة المحمدية، يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبةً، ومودةً، وهذا
أمر لا بدّ منه، ولا محيد عنه. انتهى (١).
(وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْداً)؛ أي: كرهه، وفيه إثبات صفة البغض لله تعالى على
ما يليق بجلاله وَلَ، (دَعَا)؛ أي: نادى الله عَلَ (جِبْرِيلَ) عَلَّهُ (فَيَقُولُ) في
ندائه: (إِنِّي أَبْغِضُ) بضمّ الهمزة مضارع أَبغض رباعيّاً، (فُلَاناً فَأَبْغِضْهُ) بفتح
الهمزة؛ لكونها همزة قطع، (قَالَ) بَّهِ: (فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ) عَلَّهُ (ثُمَّ يُنَادِي)
جبريل عليّ (فِي أَهْلِ السَّمَاءِ) وهم الملائكة، (إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَاناً فَأَبْغِضُوهُ)
بقطع الهمزة، (قَالَ) بَّهِ: (فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ) بفتح الموحّدة،
والمدّ: شدّة البغض، كما قال الفيّوميّ(٢). (فِي الأَرْضِ))) ونحو هذا في حديث
أبي أمامة عند أحمد، وفي حديث ثوبان عند الطبرانيّ: ((وإن العبد يعمل
بسخط الله، فيقول الله: يا جبريل إن فلاناً يستسخطني ... )) فذكر الحديث على
منوال الحب أيضاً، وفيه: ((فيقول جبريل: سخطة الله على فلان))، وفي آخره
مثل ما في الحبّ: ((حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض)).
والمعنى: أنه يُبغضه أهل الأرض دون أي سبب، وإنما لِمَا كتب الله رَّ
في قلوبهم من بُغضه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: قوله: ((يوضع له القبول في الأرض)): يعني: بالقبول
محبة قلوب أهل الذين والخير له، والرضا به، والسرور بلقائه، واستطابة ذِكره
في حال غَيبته، كما أجرى الله تعالى عادته بذلك في حق الصالحين من سلف
هذه الأئمة، ومشاهير الأئمة، والقول في البغض على النقيض من القول في
الحبّ. انتهى(٣).
(١) ((تفسير ابن كثير)) ١٤٠/٣.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٦٤٤.
(٢) (المصباح المنير)) ٥٦/١.

٢٤٣
(٤٨) - بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً حَبَّهُ إِلَى عِبَادِهِ - حديث رقم (٦٦٨٢)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يوضع له القبول)) هو من قوله تعالى: ﴿فَقَبَلَهَا
رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ أي: رضيها، قال المطرّزيّ: القبول مصدر
لم أسمع غيره بالفتح، وقد جاء مفسّراً في رواية القعنبي: ((فيوضع له المحبة))،
والقبول: الرضا بالشيء، وميل النفس إليه، وقال ابن القطاع: قَبِل الله منك
قبولاً، والشيء، والهدية، أُخذت، والخبرُ صَدَق، وفي ((التهذيب)): عليه قبول:
إذا كانت العين تَقبله، والقَبول من الريح الصّبًا؛ لأنها تستقبل الدَّبُور، والقبول أن
يقبل العفو، والعافية، وغير ذلك، وهو اسم للمصدر، أُمِيْت الفعل منه، وقال
أبو عمرو بن العلاء: القبول بفتح القاف لم أسمع غيره، يقال: فلان عليه قَبول:
إذا قَبِلته النفس، وتقبّلتُ الشيءَ قبولاً، ونحوُه لابن الأعرابيّ، وزاد: قَبِلته قبولاً
بالفتح، والضمّ، وكذا قَبِلت هديته عن اللحيانيّ، قال ابن بطال: في هذه الزيادة
ردّ على ما يقوله القدرية: إن الشرّ من فعل العبد، وليس من خَلْق الله. انتهى.
والمراد بالقبول في حديث الباب قبول القلوب له بالمحبة، والميل إليه،
والرضا عنه (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨ /٦٦٨٢ و٦٦٨٣ و٦٦٨٤] (٢٦٣٧)،
و(البخاريّ) في (بدء الخلق)) (٣٢٠٩) و((الأدب)) (٦٠٤٠) و((التوحيد)) (٧٤٨٥)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٦١)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (١٢٨/٣)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٣٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦٧٣)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤١/٢ و٤١٣ و٥٠٩ و٥١٤)، و(ابن راهويه) في
((مسنده)) (٣٦٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٤ و٣٦٥)، و(الطبرانيّ)
في ((الأوسط)) (١٦١/٣)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٥٨/٣)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٣٤٧٠)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٥٩٤/١٣ - ٥٩٥، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٤٠).

٢٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات صفة محبّة الله تعالى عبده على ما يليق بجلاله من غير
تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل.
٢ - (ومنها): أن إعلام الله تعالى جبريل فعلا، وإعلام جبريل
الملائكة للا بمحبة العبد المذكور تنويه به، وتشريف له في ذلك الملأ
الكريم، وليحصل من المنزلة المنيفة على الحظ للعبد العظيم، وهذا من نحو
قوله رقيفر حكاية عن الله تعالى حيث قال: ((أنا مع عبدي إذا ذكرني، إن ذكرني
في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم))(١).
٣ - (ومنها): بيان أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله تعالى، ويؤيده
ما تقدّم في ((الجنائز)): ((أنتم شهداء الله في الأرض)).
قال في ((الفتح)): والمراد بمحبة الله: إرادة الخير للعبد، وحصول الثواب
له.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن تفسير المحبّة بإرادة الخير تفسير
باللازم، والحقّ أن صفة المحبّة تعالى على ظاهرها ثابتة لله تعالى على ما يليق
بجلال الله تعالى، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: ومحبة الملائكة استغفارهم له، وإرادتهم خير الدارين له، ومَيْل
قلوبهم إليه؛ لكونه مطيعاً لله، محبّاً له، ومحبة العباد له: اعتقادهم فيه الخير،
وإرادتهم دَفْع الشر عنه، ما أمكن، وقد تُطلق محبة الله تعالى للشيء على إرادة
إيجاده، وعلى إرادة تكميله، والمحبة التي في هذا الباب من القبيل الثاني،
وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة: من المعلومات التي لا تُحَدّ، وإنما يعرفها
من قامت به وجداناً، لا يمكن التعبير عنه.
والحب على ثلاثة أقسام: إلهيّ، ورُوحانيّ، وطبيعيّ، وحديث الباب
يشتمل على هذه الأقسام الثلاثة، فحب الله العبد حب إلهيّ، وحب جبريل،
والملائكة له حب رُوحانيّ، وحب العباد له حب طبيعيّ. انتهى (٢).
(١) «المفهم)) ٦/ ٦٤٣.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٤/١٣ - ٥٩٥، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٤٠).

٢٤٥
(٤٨) - بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً حَبَّهُ إِلَى عِبَادِهِ - حديث رقم (٦٦٨٣)
٤ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ ◌َخّْتُهُ(١) في قوله : ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُنَّا (@)
[مريم: ٩٦]: قال
أهل العلم بتأويل القرآن، منهم ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير:
يُحبّهم، ويحببهم إلى الناس، وقالوا في قول الله رَك: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِى﴾
[طه: ٣٩]: حبّيتك إلى عبادي.
وقال الربيع بن أنس: إذا أحب الله رَ عبداً ألقى له مودّة في قلوب أهل
السماء، ثم ألقى مودة في قلوب أهل الأرض.
وقال كعب الأحبار: والله ما استقرّ لعبد ثناء في أهل الأرض حتى يستقرّ
ثناء في أهل السماء.
وقال عبد الله بن مسعود: لا تَسَلْ أحداً عن وُدّه لك، وانظر ما في
نفسك له، فإن في نفسه مثل ذلك: ((إن الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارَفَ منها
ائتلف، وما تناكر منها اختلف)).
ورُوي عن أبي الدرداء أنه قال: إياكم ومَن تُبغِضه قلوبكم، وأَخَذه
منصور الفقيه الشافعيّ، فقال:
مِنْ صِدْقِ وُدِّي مُضْمَرُكْ
شَاهِدِي مَا فِي مُضْمَرِي
قَلْبُكَ عَنِّي يُخْبِرُكْ
فَمَا أَرِيدُ وَصْفَهُ
وقيل: إنها لداود بن منصور، وهي أصحّ، والله أعلم.
ومن حديث هذا المعنى قول صالح بن عبد العزيز:
لَا أَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي ضَمَائِرِهِمْ مَا فِي ضَمِيرِي لَّهُمْ من داء يلقين(٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٣] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: اِبْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - (ح)
وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (ح) وَحَدَّثَنِي
(١) ((الاستذكار)) ٨/ ٤٥٠.
(٢) هكذا النسخة، وفيها ركاكة، والذي في ((الإشراف في منازل الأشراف)) ١/ ١١٢
لا بن أبي الدنيا:
لَا أَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي نُفُوسِهِمُ مَا فِي ضَمِيرِي لَهُمْ مِنْ ذَاكَ يَكْفِينِي

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكَ - وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ - كُلُّهُمْ عَنْ
سُهَيْلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الله بن عَبْدٍ القاريّ - بتشديد التحتانية - المدنيّ، نزيل الإسكندرية،
حليف بني زُهْرة، ثقة [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الْكِنْديّ،
أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٣ - (عَبْثَرُ) - بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثلثة - ابن القاسم
الزُّبيديّ - بالضم - أبو زُبيد كذلك، الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدمة في
«الإيمان)) ٣٠٥/٤٨.
٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بن رافع الكاهليّ، ويقال: التَّغْلِيّ الكوفيّ، ثقةٌ
رُبّما وَهِم [٦].
رَوَى عن أبيه، وعكرمة، وعطاء، وعمرو بن مرّة، وفضيل بن عمرو
الفُقيميّ، وغيرهم.
وروى عنه عبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية، وجرير بن
عبد الحميد، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن
عمار: ثقة يُحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: ثقة،
وأبوه من خيار التابعين، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد:
كان ثقة، وقال الحاكم: له أوهام في الإسناد والمتن، وقال الأزديّ: في بعض
حديثه نظر، وتعقبه النباتي بأنه كان يجب أن يذكر ما فيه النظر، وفي
((الميزان)): قال بعضهم: كان يَهِمُ كثيراً، وهو قول لا يُعبأ به.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
٥ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانية - السعديّ
مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) وله ثلاث وثمانون
سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٦ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم قريباً.

٢٤٧
(٤٨) - بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً حََّهُ إِلَى عِبَادِهِ - حديث رقم (٦٦٨٣)
والباقون ذُكرِوا في الباب الماضي.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ)؛ أي: كلّ من هؤلاء الأربعة: يعقوب بن
عبد الرحمن القاريّ، وعبد العزيز الدراورديّ، والعلاء بن المسيَّب، ومالك بن
أنس رووا هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح بهذا السند السابق، وهو: عن
أبيه، عن أبي هريرة
[تنبيه]: أما رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل، فقد ساقها
النسائيّ كَّثُ في ((السنن الكبرى)) بسند المصنّف، فقال:
(٧٧٤٧) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا يعقوب، عن سهيل، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إذا أحب الله عبداً دعا جبريل، فقال: إني
أحببت فلاناً، فأحبوه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل أهل السماء: إن الله يحب
فلاناً، فيحبوه، ثم يضع له القبول في الأرض))، وفي البغض مثل ذلك)). انتهى(١).
وأما رواية عبد العزيز الدراورديّ عن سهيل، فقد ساقها الترمذيّ في
((جامعه)) بسند المصنّف أيضاً، فقال:
(٣١٦١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح،
عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إذا أحب الله عبداً نادى جبريل:
إني قد أحببت فلاناً، فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل
الأرض، فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا
﴾، وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: إني أبغضت فلاناً، فينادي في السماء، ثم
تنزل له البغضاء في الأرض))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى (٢).
وأما رواية العلاء بن المسيَّب عن سهيل، فساقها الطبرانيّ كَُّ في
((المعجم الأوسط))، فقال:
(٥٠٠١) - حدّثنا محمد بن النضر الأزديّ، قال: حدّثنا معاوية بن عمرو،
قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن العلاء بن المسيَّب، أن سهيل بن أبي صالح
حدّثه، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّه قال: ((إن الله إذا أحبّ عبداً قال
لجبريل: إني أحب عبدي فلاناً، فأحبه، فيحبه جبريل، ويقول لأهل السماء:
إن الله يحب عبده فلاناً، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في
(١) ((السنن الكبرى)) ٤١٦/٤.
(٢) ((جامع الترمذيّ)) ٣١٧/٥.

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الأرض))، لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن المسيب إلا زهير. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث إلخ فيه نَظَر لا
يخفى، فقد رواه عبثر بن القاسم عن مسلم في هذا الإسناد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وأما رواية مالك عن سهيل، فقد ساقها ابن حبّان تَخْتُ في ((صحيحه))، فقال:
(٣٦٥) - أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاريّ، قال: أنبأنا أحمد بن أبي
بكر، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
رسول الله ﴿ أنه قال: ((إذا أحب الله العبد قال لجبريل: قد أحببت فلاناً،
فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً،
فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله
العبد))، قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ،
قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسَُّ
يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ:
وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَقَالَ: بِأَبِيكَ أَنْتَ سَمِعْتَ
أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ، عَنْ سُهَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريباً .
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) - بكسر الجيم،
بعدها شين معجمة مضمومة - المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ
مصنفٌ [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧.
والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي، و((عمرو الناقد)» هو: ابن
محمد بن بُکیر.
(١) ((المعجم الأوسط)) ١٧٩/٥.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٨٦/٢.

٢٤٩
(٤٨) - بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَأَ حَبَّهُ إِلَى عِبَادِهِ - حديث رقم (٦٦٨٤)
وقوله: (فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى في
رجب سنة (١٠١هـ) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٤٦/٦.
وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِم) جملة حالية؛ أي: والحال أن عمر بن عبد العزيز
كان أميراً على الموسم؛ أي: موسم الحجّ، وهو مُجْتَمعه، قاله المجد.
وقال المرتضى في ((التاج)): مَوْسِم الحج، كمَجْلِس: مجتمعه، وكذا
مَوْسِم السُّوق، والجمع: مواسم، قال اللحيانيّ: وإنما سُمّيت مواسم؛
الاجتماع الناس، والأسواق فيها، وفي ((الصحاح)): سُمّي بذلك؛ لأنه مَعْلَمٌ
يُجَمَع إليه، قال الليث: وكذلك كانت أسواق الجاهلية. انتهى(١).
وقوله: (فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى عمر بن عبد العزيز، قال
سهيل: (فَقُلْتُ لأَبِي) أبي صالح ذكوان، (يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ
عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ) أبو صالح: (وَمَا ذَالَكَ؟)؛ أي: وما سبب قولك هذا؟، قال
سهيل: (قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ)؛ أي: لأني رأيت الناس
يحبّونه، فاستدللت بذلك على ما قلته، (فَقَالَ) له أبوه: (بِأَبِيكَ) جارّ ومجرور
متعلّق بمحذوف، وهو خبر مقدّم لقوله: (أَنْتَ)؛ أي: أنت مفديّ بأبيك، وإنما
فداه بنفسه تعجّباً مما قاله حيث وافق حديث أبي هريرة ظه المرفوع، فأثنى
علیه، وَفَدَاه بنفسه.
وقوله: (سَمِعْتُ) بضمّ التاء للمتكلّم، (أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َُه (يُحَدِّثُ عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وجملة ((سمعتُ إلخ)) مستأنفة استئنافاً بيانياً، فكأنه قال له: لِمَ
قلت: بأبي أنت؟ فقال: لأني سمعت أبا هريرة
[تنبيه]: يوجد في بعض النسخ: ((سمعتَ)) مضبوطاً بفتح التاء ضَبْط قلم،
فإن صحّ يكون المعنى على الاستفهام، كأنه قاله له: هل أنت سمعت أبا هريرة
يتحدّث إلخ؛ يعني: أن هذا الذي قلتَه كأنك سمعته من حديث أبي هريرة
ـه،
ومعلوم أن سهيلاً لم يلق أبا هريرة، وإنما قاله لموافقة ما قاله سهيل لِمَا سمعه
هو عن أبي هريرة ﴿به، فقال ذلك متعجّباً منه: كأنك سمعته من أبي هريرة
كما سمعته أنا منه.
(١) (تاج العروس)» ص٧٩٢٥.

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وعلى كلِّ فالغرض منه مَدْح ابنه سهيل حيث وافق ما قاله حديث
أبي هريرة رضيه المرفوع، فأثنى عليه بفطنته، وإصابته الحقّ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ، عَنْ سُهَيْلٍ) فاعل (ذَكَرِ)) ضمير
عبد العزيز الماجشون.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الماجشون عن سهيل بن أبي صالح هذه ساقها
البيهقيّ تَكْثُ في ((كتاب الزهد الكبير))، فقال:
(٨٠١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن المؤمل، ثنا
الفضل بن محمد بن المسيب، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد العزيز
الماجشون، عن سهيل بن أبي صالح، أنه قال: كنت مع أبي غداة عرفة، قال:
فوقفنا لعمر بن عبد العزيز للنظر إليه، وهو أمير الحاجّ، قال: فقلت: يا أبتاه
والله إني لأرى الله يحب عمر، قال: لِمَ أيْ بُنَّيّ؟ قال: قلت: لِمَا أراه دخل له
قلوبَ الناس من المودّة، قال: فقال: بأبيك أنت، سمعت أبا هريرة يقول: قال
رسول الله وَّل: ((إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل، إن الله قد أحب فلاناً،
فأحبوه، قال: فإذا كان ذلك كان له القبول، والمودة عند أهل الأرض، وإذا
أبغض الله عبداً نادى جبريل، فقال: يا جبريل إن الله قد أبغض فلاناً،
فأبغضوه، فينادي جبريل في السماء، إن الله قد أبغض فلاناً، فأبغضوه، فإذا
كان ذلك وُضعت له البغضة عند أهل الأرض)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤٩) - (بَابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٥] (٢٦٣٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:
((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَتَّدَةٌ، فَمَّا تَعَارَفَ مِنْهَا اقْتَلَفَ، وَمَا تَتَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ))).
(١) ((كتاب الزهد الكبير)) للبيهقيّ ٢/ ٣٠٠.

٢٥١
(٤٩) - بَابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ - حديث رقم (٦٦٨٦)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في
الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٨٦] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا
جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِحَدِيثٍ يَرْفَعَّهُ، قَالَ:
((النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي
الإِسْلَام، إِذَا فَقُهُوا، وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اقْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ
مِنْهَا اخْتَلَفَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَام) الْكِلابيّ، أبو سهل الرَّقِّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩]
(ت٧ أو ٢٠٨) (بخ م ٤) تَقْدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) - بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف -
الْكِلّابيّ، أبو عبد الله الرَّقّيّ، ثقة يَهِمُ في حديث الزهريّ [٧] (ت١٥٠) وقيل:
بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣ / ٣٥٧.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية الْبَكّائيّ - بفتح
الموحّدة، وتشديد الكاف ــ أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرَّقَّة، وهو ابن أخت
ميمونة أم المؤمنين رضيهنا، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] (ت١٠٣)
(بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي، والباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وفيه أبو هريرة ظ ◌ُه، أحفظ من روى
الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَُه (بِحَدِيثٍ) متعلّق بـ (حدّثنا يزيد))، وقوله: (يَرْفَعُهُ)

٢٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
جملة في محلّ جرّ صفة لـ((حديث))؛ أي: يرفع أبو هريرة ظله ذلك الحديث
إلى النبيّ ◌َ، وهذه من صيغ الرفع حكماً، كما قال السيوطيّ رُه في ((ألفيّة
الأثر)) عند تعداد صيغ الرفع حكماً:
وَهَكَذَا يَرْفَعُهُ يَنْمِيهِ رِوَايَةً يَبْلُغْ بِهِ يَرْوِيهِ
والحامل للتابعيّ على العدول عن قول الصحابيّ: سمعت رسول الله وَالقتل،
أو نحوها إلى قوله: يرفعه، مع تحقّقه بأن الصحابيّ رفعه إلى النبيّ ◌َّ كونه
يشك في صيغ الرفع بعينها، هل هي سمعت، أو قال رسول الله وَّل، أو
نبيّ الله، أو حدّثني، أو نحوها؟ راجع تمام البحث في المسألة ((شرحي)) على
الألفيّة المذكورة(١)، تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق.
(قَالَ) النبيّ ◌َِّ: ((النَّاسُ مَعَادِنُ) جمع مَعْدن بكسر الدال، من عَدَن: إذا
أقام؛ لإقامة الذهب والفضة به، أو لإقامة الناس فيها شتاءً وصيفاً، قاله
الزرقانيّ ◌َُّهُ(٢).
وقال ابن منظور كَخَّتُهُ: ((المعدن)) بكسر الدال، هو المكان الذي يثبت فيه
الناس؛ لأن أهله يقيمون فيه، ولا يتحوّلون عنه شتاءً، ولا صيفاً، ومعدن كل
شيء من ذلك، ومعدن الذهب والفضة سُمِّي معدناً؛ لإنبات الله فيه جوهرهما،
وإثباته إياه في الأرض، حتى عَدَن؛ أي: ثبت فيها، وقال الليث: المعدن:
مكانُ كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه، نحو معدن الذهب والفضة، والأشياء،
وفي الحديث: ((فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم))؛ أي: أصولها التي
يُنْسَبون إليها، ويتفاخرون بها، وفلان معدن للخير والكرم: إذا جُبِل عليهما،
على المَثَل. انتهى(٣).
وقال المناويّ تَّتُهُ: ((الناس معادن))؛ أي: أصولٌ مختلفةٌ، ما بين
نفيس، وخسيس، كما أن المعدن كذلك فخيارهم في الجاهلية هم خيارهم في
الإسلام، وقوله: (كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ) قال الرافعيّ كَُّ: وجه الشبه أن
اختلاف الناس في الغرائز والطبائع، كاختلاف المعادن في الجواهر، وأن
(١) ((إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفية الأثر)) ١٢٧/١ - ١٢٨.
(٣) ((لسان العرب)) ٢٧٩/١٣.
(٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٢/ ١٣٧.

٢٥٣
(٤٩) - بَابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ - حديث رقم (٦٦٨٦)
رسوخ الاختلاف في النفوس، كرسوخ عروق المعادن فيها، وأن المعادن كما
أن منه ما لا تتغير صفته، فكذا صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان
شريفاً في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمرّ
شَرَفه، فكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية، وهذا معنى قوله:
(خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَام) ثم لمّا أَطلق الحكم خصّه بقوله:
(إِذَا فَقُهُوا) بضم القاف على الأجود، ذكرهَ أبو البقاء؛ أي: صاروا فقهاء، ففيه
إشارة إلى أن نوع الإنسان إنما يتميز عن بقية الحيوان بالعلم، وأن الشرف
الإسلامي لا يتمّ إلا بالفقه، وأنه الفضيلة العظمى، والنعمة الكبرى، والمراد
بالخيار في هذا ونحوه: من كان متصفاً بمحاسن الأخلاق، كالكرم، والفقه،
والحِلم، وغيرها، متوقّياً لمساوئها، كالبخل، والفجور، والظلم، وغيرها.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((بضمّ القاف إلخ)) ويجوز كسرها، كما
أشار إليه، قال المجد تَُّهُ: الفِقْهُ بالكسر: العِلْمُ بالشيءٍ، والفَهْمُ له،
والفِظْنَةُ، وغَلَبَ على عِلم الدينِ؛ لشَرَفِهِ، وفَقُّهَ ككَرُمَ، وفَرِحَ، فهو فَقِيهٌ، وفَقُهُ،
كَنَدُسٍ، جَمْعه: فُقَهاءُ، وهي فَقيهَةٌ، وفَقُهَةٌ، جَمْعها: فُقَهاءُ، وفَقائِهُ، وفَقِهَهُ
كَعَلِمَهُ: فَهِمَهُ، كَتَفَقَّهَهُ، وفَقَّهَهُ تَفْقيهاً: عَلَّمَهُ، كَأَفْقَهَهُ. انتهى(٢) .
وقال الفيّوميّ تَّتُ: الفِقْهُ فَهْمُ الشيءٍ، قال ابن فارس: وكلّ علم لشيء
فهو فِقْهٌ، والفِقْهُ على لسان حملة الشرع علم خاصّ، وفَقِهَ فَقَهاً، من باب
تَعِبَ: إذا عَلِم، وفَقُّهَ بالضم مثله، وقيل: بالضم إذا صار الفقه له سَجِيّة، قال
أبو زيد: رجل فَقُّهُ، بضم القاف، وكسرها، وامرأة فَقُهَةٌ، بالضم ويتعدى
بالألف، فيقال: أَفْقَهْتُكَ الشيءَ، وهو يَتَفقَّهُ في العلم، مثلُ يتعلم. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ كَّلُهُ: قوله: ((الناس معادن)): المعدن: الْمُستقَرّ،
والمستوطّنُ، من عدنت البلد: إذا توطّنته، ومنه: المعدن المستقَرّ للجواهر
والفلزات، و((معادن)) خبر المبتدأ، ولا يستقيم حَمْله عليه إلا بأحد وجهين:
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٢٩/٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٦١٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٧٩/٢.

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
إما أن يكون محمولاً عليه بالتشبيه، كقولك: زيد أسدٌ، فيكون (كمعادن
الذهب)» بدلاً منه.
وإما بأن يكون المعادن مجازاً من التفاوت، فالمعنى: الناس متفاوتون
تفاوتاً مثل تفاوت معادن الذهب والفضّة، فالمراد بالتفاوت: تفاوت النسب في
الشرف والضَّعَة، يدلّ عليه قوله وَل* في حديث آخر: ((فعن معادن العرب
تسألوني؟ قالوا: نعم))؛ أي: أصولها التي يُنسبون إليها، ويتفاخرون بها، وإنما
جُعلت معادن لها؛ لِمَا فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله
تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة لها .
وقوله: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) جملة مبيّنة
بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة، قال الله
تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، شبّههم
بالمعادن في كونها أوعيةً للجواهر النفيسة، والفلزات المنتفعة بها المعنيّ بهما
في الإنسان كونه أوعية العلوم والْحِكَم، فالتفاوت في الجاهليّة بحسب
الأنساب، وشَرَف الآباء، وكَرَم الأصل، وفي الإسلام بحسب العلوم والحِكم،
فالشرف الأول موروث، والثاني مكتسب.
[فإن قلت]: ما فائدة التقييد بقوله: ((إذا فقُهُوا))؛ لأن كلّ من أسلم،
وكان شريفاً في الجاهليّة فهو خير من الذي لم يكن له شرف فيها، سواء فقه،
أو لم يفقه؟.
[قلت]: ليس كذلك، فإن الإيمان يرفع التفاوت المعتبر في الجاهليّة،
فإذا تحلَّى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصليّ، فيجتمع شرف
النسب مع شرف الحسب، انظر إلى المنقبة السنيّة، كيف ردّ تيمّنها وبركتها ما
رَفَعه الإسلام من الشرف الموروث؟، وفُهم من ذلك أن الوضيع المسلم
المتحلّي بالعلم أرفع منزلةً من الشريف المسلم العاطل، ونِعْم ما قال الأحنف
[من الرمل]:
فَإِلَى ذُلِّ مَا يَصِيرُ(١)
كُلُّ عِزِّ لَمْ يُوَطَّدْ بِعِلْم
(١) الشطر الثاني فيه انكسار، فليحرّر.

٢٥٥
(٤٩) - بَابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ - حديث رقم (٦٦٨٦)
وقال آخر [من الطويل]:
بِمُحْتَسَبٍ إِلَّا بِآخَرَ مُكْتَسَبْ
وَلَا الشَّرَفُ الْمَوْرُوثُ لَا دَرَّ دَرُّهُ
وقال آخر [من الكامل]:
إِنَّ السَّرِيَّ إِذَا سَرَى فَبِنَفْسِهِ
وَابْنُ السَّرِيِّ إِذَا سَرَى أَسْرَاهُمَا
رُوي أن فزاريّاً شكى إلى عمر بن الخطّاب به من لطمة لطمها جبلة بن
الأيهم، فأمر بالقصاص، فقال جبلة: أيُقتصّ منّي، وأنا ملِكٌ، وهو سوقةٌ؟
فقال عمر: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة. انتهى(١).
وقال المناويّ تَخُّْ: قوله: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)):
معدن كل شيء أصله؛ أي: أصول بيوتهم تُعْقِب أمثالَها، ويَسري كَرَم أعراقها
إلى فروعها، والمعادن جَمْعِ مَعْدِن، مِن عَدَن بالمكان أقام، ومنه سمّي
المعدن؛ لأن الناس يقيمون فيه صيفاً وشتاءً، ومعدن كل شيء مركزه، كما في
((الصحاح))، وبه يُعرف أن إطلاق اسم المعدن على بعض الأجساد كالذهب،
من تسمية الشيء باسم مركزه، والحديث ورد على منهج التشبيه في التفاضل في
الصفات الوهبية، والكسبية، كالأخلاق الجِبِلّية، والآداب الحاصلة بواسطة
الأدلة، وشتان في القياس بين الذهب والفضة، والرصاص والنحاس، فبقدر ما
بين ذلك من التفاوت تكون الصفة في الأشخاص، فكأنه قال: الناس يتفاوتون
في الصفات الذاتية، والعَرَضية، كما تتفاوت المعادن في ذواتها، وأعراضها
القائمة بها، من العلل، والأدناس، ذكره بعضهم.
وقال القاضي: المعدن المستَقَرّ، والمستوطَن، مِن عَدَن بالبلد: إذا
توطّنه، فكما أن المعادن منها ما يحصل منه شيء يُعبأ به، ومنها ما يحصل منه
بكدّ، وتَعَب كثير شيء قليل، ومنها ما هو بعكسه، ومنها ما يُظفر منه بمغارات
مملوءة ذهباً، فمن الناس من لا يعي، ولا يفقه، ولا تُغني عنه الآيات والنذر،
ومنهم من يحصل له علم قليل، واجتهاد طويل، ومنهم من هو بالعكس، ومنهم
من تَفِيض عليه من حيث لا يحتسب بلا سوق، وطلب، معالم كثيرة، وتنكشف
له المغيّبات، ولم يبق بينه وبين القدس حجاب، وذا من جوامع الكلم الذي
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢ / ٦٦١ - ٦٦٢.

٢٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أوتيها المصطفى ◌َ، وأفاد الترغيب في تطبّع الأوصاف الجميلة، والتوصل
إليها بكل حيلة، والعِرْق دسّاس، وأدب السَّوْء كعِرْق السَّوْء، فعلى العاقل أن
يتخير لنطفته، ولا يضعها إلا في أصل أصيل، وعنصر طاهر، فإن الولد فيه
عِرْق ينزع إلى أمه، فهو تابع لها في الأخلاق والطباع، إشارة إلى أن ما في
معادن الطباع من جواهر مكارم الأخلاق وضدها، ينبغي استخراجه برياضة
النفس، كما يستخرج جوهر المعدن بالمقاساة والتعب.
قال بعضهم: ومن كان وليّاً في علم الله فلا تتغير ولايته، وإن وقع في
معصية؛ لأن الحقائق الوضعية لا يقدح فيها النقائص الكسبية، فالذهب والفضة
موجودان في المعادن، والمعدن الأصلي صحيح، لكن قد يدخل عليه علل
نفسية في ظاهره، فيعالَج لتزول، فكما أن المعدن في أصله صحيح، لا يخرج
عن معدنيته، فكذا المؤمن الحقيقيّ أو الولي الحقيقيّ لا يُخرجه ما جرى على
جوارحه من النقائص عن حقيقة إيمانه، أو ولايته.
وقال بعضهم: المراد أن كل من كان أصله عند الله مؤمناً، فهو يرجع إلى
أصله، كالمعدن، ومن كان عنده كافراً رجع إلى أصله كذلك، وحقيقة الأمر
مستورة عنّا الآن؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء، فيقلب التراب ذهباً، وعكسه،
والجماد مائعاً، وعكسه، والنبات حيواناً، وعكسه. انتهى(١).
وقوله: (وَالأَرْوَاحُ)؛ أي: أرواح الناس، وهو مبتدأ خبره قوله: (جُنُودٌ)
جَمْع جُنْد؛ أي: جُموع (مُجَنَّدَةٌ) بفتح النون المشدّدة؛ أي: مجتمعة متقابلة، أو
مختلطة، منها حزب الله: ﴿أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ومنها
حزب الشيطان: ﴿أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ ثُمُ الْخَصِيرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وفي قوله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: ٤] إشارة إلى أن الجندين:
أحدهما علويّ الهمة، والآخر سفليّ النَّهْمة(٢).
وقال النوويّ: قال العلماء: معناه جموع مجتمعة، أو أنواع مختلفة،
وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه، وقيل: إنها موافقة صفاتها التي
(١) ((فيض القدير)) ٢٩٥/٦.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٩٥/١٤.

٢٥٧
(٤٩) - بَابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ - حديث رقم (٦٦٨٦)
جعلها الله عليها، وتناسبها في شِيّمها، وقيل: لأنها خُلقت مجتمعة، ثم فُرِّقت
في أجسادها، فمن وافق بشِيّمه أَلِفَه، ومن باعده نافره، وخالفه، وقال الخطابيّ
وغيره: تألُفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة، أو الشقاوة في المبتدأ،
وكانت الأرواح قسمين، متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت،
واختلفت، بحسب ما خُلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى
الأشرار، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قال الخطابيّ: يَحْتَمِل أن يكون إشارةً إلى معنى
التشاكل في الخير والشر، والصلاح والفساد، وأن الْخَيِّرَ من الناس يَحِنّ إلى
شكله، والشرير نظير ذلك، يميل إلى نظيره، فتعارُف الأرواح يقع بحَسَب
الطباع التي جُبلت عليها من خير وشرّ، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت
تناكرت.
ويَحْتَمِل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب، على ما جاء أن
الأرواح خُلقت قبل الأجسام، وكانت تلتقي، فتتشامّ فلمّا حَلّت بالأجسام
تعارفت بالأمر الأول، فصار تعارُفها وتناكرها على ما سَبَق من العهد المتقدّم.
وقال غيره: المراد أن الأرواح أول ما خُلقت خُلقت على قسمين،
ومعنى تقابلها؛ أن الأجساد التي فيها الأرواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت، أو
اختلفت، على حسب ما خُلقت عليه الأرواح في الدنيا إلى غير ذلك
بالتعارف.
قال الحافظ: ولا يعكر عليه أن بعض المتنافِرَين ربما ائتلفا؛ لأنه محمول
على مبدأ التلاقي، فإنه يتعلق بأصل الخلقة، بغير سبب، وأما في ثاني الحال
فيكون مكتسَباً؛ لتجدُّد وصْفِ يقتضي الألفة بعد النفرة، كإيمان الكافر،
وإحسان المسيء. انتهى(٢).
(فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا) التعارف جَرَيَان المعرفة بين اثنين، والتناكر ضدّه؛ أي:
فما تعرّف بعضها من بعض قبل حلولها في الأبدان (ائْتَلَفَ) بهمزة وصل، ثم
(١) (شرح النوويّ)) ١٨٥/١٦.
(٢) ((الفتح)) ٦١٥/٧، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٣٣٦).

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
همزة ساكنة تُبدل ألفاً في الوصل جوازاً، وتبدل ياءً حال الابتداء وجوباً؛ أي:
حصل بينهما الألفة والرأفة حال اجتماعهما بالأجساد في الدنيا، (وَمَا تَتَاكَرَ
مِنْهَا)؛ أي: في عالم الأرواح، (اخْتَلَفَ)))؛ أي: في عالم الأشباح، والإفراد
والتذكير في الفعلين باعتبار لفظ ((ما))، والمراد منه بطريق الإجمال - والله أعلم
بحقية الحال - أن الأرواح البشرية مجبولة على مراتب مختلفة، وشواكل
متباينة، وكل ما شاكل منها في عالم الأمر في شاكلته تعارفت في عالم الخلق،
وائتلفت، واجتمعت، وكل ما كان على غير ذلك في عالم الأمر، تناكرت في
عالم الخلق، فاختلفت، وافترقت، فالمراد بالتعارف ما بينهما من التناسب،
والتشابه، وبالتناكر ما بينهما من التنافر، والتباين، فتارة على وجه الكمال،
وتارة على وجه النقصان؛ إذ قد يوجد كل من التعارف والتناكر بأدنى مشاكلة
بينهما، إما ظاهراً، وإما باطناً، قاله القاري(١).
وقال في ((النهاية)): قوله: ((جنود مجندة))؛ أي: مجموعة، كما يقال:
ألوفٌ مؤلّفة، وقناطيرُ مقنطرةٌ، ومعناه: الإخبار عن مبدأ كون الأرواح،
وتقدمها الأجسادَ؛ أي: أنها خُلقت أول خِلقتها على قسمين، من ائتلاف
واختلاف، كالجنود المجندة المجموعة، إذا تقابلت، وتواجهت، ومعنى تقابُل
الأرواح ما جعلها الله عليها من السعادة والشقاوة، والأخلاق، في مبدأ
الخلق، يقول: إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا، فتأتلف،
وتختلف على حسب ما خُلقت عليه، ولهذا ترى الْخيِّر يحبّ الأخيار، ويميل
إليهم، والشِّرِّير يحبّ الأشرار، ويميل إليهم. انتهى(٢).
وقال الطيبيّ تَّثُهُ: الفاء في قوله: ((فما تعارف)) للتعقيب، أتبعت
المجمل بالتفصيل، فدلّ قوله: ((ما تعارف)) على تقدّم اشتباك واختلاط في
الأزل، ثم تفرّق بعد ذلك فيما لا يزال أزمة متطاولة، ثم ائتلاف بعد التعارف،
كمن فَقَد أنيسه، وأليفه، ثم اتّصل به، فلزمه، وأنِسَ به، ودلّ قوله: ((وما
تناكر)) على أن ذلك الفقيد لحق بمن لم يكن له سبق اختلاط معه، فاشمأزّ
منه، وفارقه إلى من كان معه في السابق.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٧٣٣/٨ - ٧٣٤.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٧٣٣/٨ - ٧٣٤.

٢٥٩
(٤٩) - بَابٌ الأَزْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ - حديث رقم (٦٦٨٦)
ودلّ تشبيه الأرواح بالجنود المجنّدة على أن ذلك الاجتماع في الأول
كان لأمر عظيم، وخَطْب جسيم، من فَتْح بلاد، وقهر أعداء، ودلّ ذلك على
أن أحد الحزبين حزب الله، والآخر حزب الشيطان، فمن تألّف في الأزل
بحزب الله فاز وأفلح: ﴿أُوْلَئِكَ حِبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[المجادلة: ٢٢]، ومن تألّف بحزب الشيطان خاب وخسر: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَيْنِ
أََّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ ثُمُ الْخَبِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]، ومن عادة الأجناد المتحزّبة أن
يسوم كلّ واحد من أحد الحزبين بعلاقة ترفع التناكر من البَيْن، فمتى شاهدوها
ائتلفوا .
فعلى هذا بنى قوله: ((فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))،
فهي تفريع على التشبيه بمنزلة ترشيح الاستعارة، وهذا التعارف إلهامات من الله
تعالى في قلوب العباد من غير إشعار منهم بالسابقة، ولا يمنع من هذا التعارف
فَصْله بالأباعد والأجانب، ولا تضمّه شجنة الأرحام والأواصر، قال الشاعر:
[من البسيط]:
كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمَانَ لَهُ نَسَباً وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمُ
ولم يَحْظَ آل قصيّ بهِ، وحَظِيت به أم معبد قال [من الطويل]:
بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا تُجَارَى وَسُودَدِ
فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ
وَمَفْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدٍ
لِيَهْنِ بَنِي گَعْبٍ مَقَامُ فَتَاتِهَا
ولا يدفعه بُعْدُ الدار، ولا يجمعه قرب الْمَزَار [من الطويل]:
وَإِلَّا فَأَيْنَ التُّرْكُ مِنْ سَاكِنِي نَجْد
مُنَاسَبَةُ الأَرْوَاحِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا
قال حكيم: أقرب القُرْب مودة القلب، وإن تباعَد جسم أحدهما من
الثاني، وأبعدُ الْبُعْد تنافر المتداني، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه الحافظ أبو يعلى تَُّ في ((مسنده)) من
حديث عائشة ضيها، وذكر له قصّة، فقال:
(٤٣٨١) - حدّثنا يحيى بن معين، حدّثنا سعيد بن الحكم، حدّثنا يحيى بن
أيوب، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: كان
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٩٨/١٠ - ٣١٩٩.

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
بمكة امرأة مَزّاحة، فنزلت على امرأة مثلِها، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: صَدَق
حِبِّي، سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها
ائتَلَف، وما تناكر منها اختلف))، قال: ولا أعلم إلا قال في الحديث: ولا
تُعْرَف تلك المرأة. انتهى(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ع ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
فأما الجزء الأول، فأخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٨٦/٤٩] (٢٦٣٨) وتقدّم
في ((فضائل الصحابة)) [٦٤٣٣/٤٩] (٢٥٢٦)، وأخرج (البخاريّ) الجزء الأول
منه في ((الأنبياء)) (٣٣٥٣ و٣٣٧٤ و٣٤٩٣ و٣٤٩٦ و٣٥٨٨ و٤٦٨٩)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٧/٦)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٧٩/١)،
و(عبد الرزّاق) في («مسنده)) (٣١٦/١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٤٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٧/٢ و٢٦٠ و٣٩١ و ٤٣٨ و٤٨٥ و ٤٩٨ و٥٢٥
و٥٣٩) وفي ((فضائل الصحابة)) (١٥١٨ و١٥١٩ و١٦٧٣)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٨٤/١)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٢٦/١)، و(الطحاويّ) في
(مشكل الآثار)) (٣١٥/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٢)، و(القضاعيّ) في
((مسند الشهاب)) (٦٠٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٤٤ و٣٨٤٥).
وأما الجزء الثاني فأخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٨٥/٤٩ و٦٦٨٦]
(٢٦٣٨)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٣٦) وفي ((الأدب المفرد)) (٩٠١)،
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٣٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٥/٢ و٥٢٧
و٥٣٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٦٨)، و(تمام الرازيّ) في ((الفوائد))
(٢٥١/١)، و(أبو الشيخ) في ((الأمثال)) (١٠٢)، و(أبو نعيم) في ((تاريخ
أصبهان)) (٩٤/٢)، و(الخطيب البغداديّ) في ((تاريخ بغداد)) (٣٢٩/٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٧١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((مسند أبي يعلى)) ٣٤٤/٧.