Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(٤٦) - بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ - حديث رقم (٦٦٧٢)
فقال: ((ما عَجَبُك؟ لقد دخلت به الجنة)). انتهى(١).
قال البوصيريّ كَّلُ: هذا إسناد صحيح. انتهى، وهو كما قال،
وصعصعة هو ابن معاوية التميميّ عمّ الأحنف بن قيس، له صحبة، وقيل: إنه
مخضرم(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٢] (٢٦٣١) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنٍ، حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَنَا وَهُوَ))، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بكير البغدادي، نزيل أَذَنَةَ، تقدّم
قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم
الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الْجَرْميّ، أبو رَوْح الراسبيّ الْجَرْميّ البصريّ،
ويقال: إنهما اثنان، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وقيل: عن أبي بكر بن عبيد الله،
وسعد مولى أبي بكرة، وأبي الشعثاء جابر بن زيد.
وروى عنه حجاج بن أرطاة، ومات قبله، وابن المبارك، ووكيع، وأبو
أحمد الزبيريّ، ومحمد بن عبيد، وأبو نعيم.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: محمد بن عبد العزيز الْجَرْميّ ثقةٌ،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: الجرميّ لا أحسبه كان حافظاً، وذكر
الخطيب في ((الموضح)) أن البخاري فرَّق بين الْجَرْميّ والراسبيّ، ثم ذكر
محمد بن عبد العزيز الكوفيّ سمع من مغيرة بن مقسم، سمع منه شبابة، قال
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٢١٠/٢.
(٢) ((تقريب التهذيب» ص١٥٢.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الخطيب: الثلاثة واحد، يقال له: الراسبيّ، والجرميّ، والتيميّ، ويكنى أبا
سعيد، وأبا رَوْح(١).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والترمذيّ، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) الأنصاريّ، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ
[٤] (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٦٧/٤٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير بَّ ◌ُه، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وفيه أنس ظُبه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّ ◌ُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ) شرطيّة
مبتدأ خبره ((جاء إلخ)). (عَالَ)؛ أي: قام عليهما بما يُصلحهما، ويحفظهما،
يقال منه: عال الرجل عياله، يعولهم، من باب قال، عَوْلاً، وعِيَالةً؛ أي:
كَفَلهم، وقام بهم، ويقال: عُلته شهراً: إذا كفيته معاشه، قاله القرطبيّ.
وقال عياض في ((المشارق)): قوله: ((من عال جاريتين)) معناه: مَأَنَهُما،
وقام بنفقتهما، وما يحتاجان إليه، وأصله من العَوْل، وهو القُوتُ، ومنه في
الحديث الآخر: ((وابدأ بمن تعول)). انتهى (٢).
(جَارِيَتَيْنِ) قال المناويّ تَظْتُهُ؛ أي: مَن رَبَّى بنتين صغيرتين، وقام
بمصالحهما، من نحو نفقة، وكسوة(٣). (حَتَّى تَبْلُغَا)؛ أي: حتى تصلا إلى حال
يستقلّان بأنفسهما، وذلك إنما يكون في النساء إلى أن يدخل بهنّ أزواجهنّ،
ولا يعني ببلوغها إلى أن تحيض، وتُكلّف؛ إذ قد تتزوّج قبل ذلك فتستغني
بالزوج عن قيام الكافل، وقد تحيض، وهي غير مستقلّة بشيء من مصالحها،
ولو تُركت لضاعت، وفسدت أحوالها، بل هي في هذه الحال أحقّ بالصيانة،
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٧٩/٩.
(٣) ((فيض القدير)) ٦/ ١٧٧.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ١٠٥/٢.
:

١٨٣
(٤٦) - بَابُ فَضْلِ الإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ - حديث رقم (٦٦٧٢)
والقيام عليها؛ لتكمل صيانتها، فيُرْغَبَ في تزويجها، قال القرطبيّ: ولهذا
المعنى قال علماؤنا: لا تسقط النفقة عن والد الصبية بنفس بلوغها، بل بدخول
الزوج بها. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُ: معنى عالهما: قام عليهما بالمؤنة، والتربية،
ونحوهما، مأخوذ من العَول، وهو القُرْب، ومنه: ابدأ بمن تعول، ومعناه:
جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين. انتهى(٢).
(جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ))) قال القاضي عياض ◌َُّهُ: قوله: ((من عال
جاريتين جاء يوم القيامة أنا وهو، وضمّ أصابعه)) كذا في كتاب مسلم، ويَحْتَمِل
أن تمامه: كهاتين، أو كهذه، وضمّ أصابعه، كما قال في الحديث الآخر:
((كهاتين، وقَرَن أصابعه)). انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى أن المراد بقوله: (وَضَمَّ أَصَابِعَهُ):
إصبعيه، وهما الوسطى، والتي تليها، كما هو مفسّر في رواية ابن حبّان؛
يعني: أنه ◌َ﴿ قرن بين إصبعيه إشارةً إلى قُرب فاعل ذلك منه درجةً، أو في
السَّبْق ودخول الجنّة؛ أي: دخل مصاحباً لي قريباً مني؛ يعني: أن ذلك الفعل
مما يُقرِّب درجة ذلك الفاعل إلى درجة النبيّ وَل .
وقال ابن حبّان تَظُّْ في ((صحيحه)) بعد إخراج الحديث من طريق ثابت،
عن أنس، بلفظ: ((من عال ابنتين، أو ثلاثاً، أو أختين، أو ثلاثاً، حتى يَبِنَّ،
أو يموت عنهنّ، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين))، وأشار بإصبعه الوسطى،
والتي تليها، قال ابن حبّان كَخَُّ: قوله وَله: ((كنت أنا وهو في الجنة كهاتين))
أراد به في الدخول والسبق، لا أن مرتبة من عال ابنتين، أو أختين في الجنة
كمرتبة المصطفى و 18 سواء. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك به هذا من أفراد المصنّف نَظّتُهُ.
(١) ((المفهم)) ٦٣٦/٦ - ٦٣٧.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٤٠٥/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٠/١٦.
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٢/ ١٩١.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٧٢/٤٦] (٢٦٣١)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (٣٠٨/١)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩١٤)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٨/ ٥٥٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك))
(١٧٧/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٧٦/١)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان))
(٤٠٤/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٦٨٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٤٧) - (بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٣] (٢٦٣٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((لَا
يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْنَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قريباً .
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ المدنيّ الفقيه المشهور، تقدّم أيضاً
قريباً .
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَظُبه، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَظْتُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه،
فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وأنه أصحّ أسانيد أبي هريرة نظابه، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة نظُبه
رأس المكثرين السبعة.

١٨٥
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٣)
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ وَلِ)؛ أنه (قَالَ: ((لا) نافية، (يَمُوتُ
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ) وفي رواية أبي حازم الآتية تقييده بقوله:
(لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ))؛ أي: لم يَجْر عليهم القلم بسبب بلوغهم، وعملهم الحنث؛
أي: الذنب، (فَتَمَسَّهُ النَّارُ) بالنصب بعد الفاء السببيّة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَم))) - بفتح المثناة، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام -
أي: ما ينحلّ به القَسَم، وهو اليمين، وهو مصدر: حَلّل اليمينَ؛ أي: كفّرها،
يقال: حلّل تحليلاً، وتَحِلَّةً، وتَحِلّا بغير هاء، والثالث شاذّ، وقال أهل اللغة:
يقال: فعلته تحلّةَ القسم؛ أي: قدرَ ما حَلَّلتُ به يميني، ولم أُبالغ.
وقال الخطابيّ: حَلَّتِ القَسَم تحلّةً؛ أي: أبررتها .
[تنبيه]: قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو
معيَّنٌ، وقيل: غير معيَّن، فالجمهور على الأول، وقيل: لم يَعْنِ به قَسَم بعينه،
وإنما معناه: التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ يُستعمل في هذا، تقول: لا ينام
هذا إلا لتحليل الأَلِيّة، وتقول: ما ضربته إلا تحليلاً، إذا لم تبالغ في الضرب؛
أي: قَدْراً يصيبه منه مكروه، وقيل: الاستثناء بمعنى الواو؛ أي: لا تَمَسُّه النار
قليلاً، ولا كثيراً، ولا تحلّةَ القسم، وقد جَوَّز الفرّاء، والأخفش مجيء ((إلّا))
بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَّ الْمُرْسَلُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾
[النمل: ١٠، ١١]، والأول قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره، وقالوا:
المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، قال الخطابيّ: معناه
لا يدخل النار؛ ليعاقَب بها، ولكنه يدخلها مجتازاً، ولا يكون ذلك الجواز إلا
قدر ما يُحَلِّل به الرجل يمينه، ويدلّ على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق، عن
معمر، عن الزهريّ في آخر هذا الحديث: ((إلا تحلة القسم))؛ يعني: الورود،
وفي (سنن سعيد بن منصور)) عن سفيان بن عيينة، في آخره: ثم قرأ سفيان:
﴿وَإِنِ مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ومن طريق زمعة بن صالح، عن الزهريّ، في آخره:
قيل: وما تحلة القسم؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وكذا وقع
من رواية كريمة في الأصل: قال أبو عبد الله: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وكذا

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
حكاه عبد الملك بن حبيب، عن مالك، في تفسير هذا الحديث، وورد نحوه
من طريق أخرى في هذا الحديث، رواه الطبرانيّ من حديث عبد الرحمن بن
بشر الأنصاريّ مرفوعاً: ((من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، لم يَرِد
النارَ إلا عابر سبيل))؛ يعني: الجواز على الصراط، وجاء مثله من حديث آخر،
أخرجه الطبرانيّ، من حديث سهل بن معاذ بن أنس الْجُهَنيّ، عن أبيه،
مرفوعاً: ((مَن حَرَس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعاً، لم ير النار بعينه،
إلا تحلة القسم))، فإن الله رَ قال: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ .
[تنبيه آخر]: اختلف في موضع القَسَم من الآية، فقيل: هو مقدَّر؛ أي:
والله إن منكم، وقيل: معطوف على القَسَم الماضي في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ
لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]؛ أي: وربك إن منكم، وقيل: هو مستفاد من قوله
تعالى: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾؛ أي: قَسَماً واجباً، كذا رواه الطبرانيّ وغيره، من طريق
مُرّة، عن ابن مسعود، ومن طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، ومن طريق
سعيد، عن قتادة، في تفسير هذه الآية.
وقال الطيبيّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالقَسَمِ: ما دلّ على القطع والبَتِّ
من السياق، فإن قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَيِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] تذييل، وتقرير لقوله:
﴿ وَإِنْ مِنْكُرْ﴾، فهذا بمنزلة القسم، بل أبلغ؛ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات.
[تنبيه آخر]: اختَلَف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو
الدخول، رَوى عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: أخبرني من
سمع من ابن عباس، فذكره، ورَوى أحمد، والنسائيّ، والحاكم، من حديث
جابر، مرفوعاً: ((الورود الدخول، لا يبقى بَرُّ، ولا فاجر، إلا دخلها، فتكون
على المؤمنين برداً وسلاماً))، ورَوَى الترمذيّ، وابن أبي حاتم، من طريق
السديّ: سمعت مُرّة يحدّث عن عبد الله بن مسعود، قال: يَرِدونها، أو
يَلِجونها، ثم يَصْدُرون عنها بأعمالهم، قال عبد الرحمن بن مهديّ: قلت
لشعبة: إن إسرائيل يرفعه، قال: صدق، وعمداً أدعه، ثم رواه الترمذيّ عن
عبد بن حميد، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، مرفوعاً .
وقيل: المراد بالورود: الممرّ عليها، رواه الطبريّ وغيره، من طريق
بشر بن سعيد، عن أبي هريرة، ومن طريق أبي الأحوص، عن عبد الله بن

١٨٧
(٤٧) - بَابُ فَضْلٍ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٣)
مسعود، ومن طريق معمر، وسعيد، عن قتادة، ومن طريق كعب الأحبار،
وزاد: ((يستوون كلهم على متنها، ثم ينادي منادٍ: أمسكي أصحابك، وَدَعِي
أصحابي، فيخرج المؤمنون نَدِيّةً أبدانهم)).
وهذان القولان أصحّ ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن من عَبَّر
بالدخول تجوّز به عن المرور، ووجْهه أن المارّ عليها فوق الصراط في معنى
من دَخَلها، لكن تختلف أحوال المارّة باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجةً من
يمرّ كلمع البرق، كما بُيّن ذلك في حديث الشفاعة، ويؤيد صحة هذا التأويل
ما رواه مسلم من حديث أم مبشر: ((إن حفصة قالت للنبيّ ◌َ ﴿ لَمّا قال: لا
يدخل أحد شَهِد الحديبية النار: أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال
لها: أليس الله تعالى يقول: ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَوْ﴾ [مريم: ٧٢])) الآية.
وفي هذا بيان ضَعْف قول من قال: الورود مختصّ بالكفار، ومن قال:
معنى الورود: الدنوّ منها، ومن قال: معناه: الإشراف عليها، ومن قال: معنى
ورودها: ما يُصيب المؤمن في الدنيا من الْحُمَّى، على أن هذا الأخير ليس
ببعيد، ولا ينافيه بقية الأحاديث، والله أعلم، ذَكَر هذا كلّه في ((الفتح)).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧ /٦٦٧٣ و٦٦٧٤ و٦٦٧٥] (٢٦٣٢)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٥١) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٥٦) وفي ((الأدب
المفرد)) (٦٢/١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٣٥/١)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز))
(١٠٦٠)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٥/٤) وفي ((الكبرى)) (٦١٥/١ و٦/
٤٩٤)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٦٠٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّقه)) (١١/
١٣٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٣٩/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣/
٣٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٤٤/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠/
٢٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٤٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(١٤٤/١)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٤١٥/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٦٧/٤ و٦٨ و٧٨/٧ و٦٤/١٠) و((شُعَب الإيمان)) (٣٣٦/١ و١٣١/٧)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٥٠ و٤٥١ و١٥٤٢ و١٥٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل من مات له ثلاثة أولاد، فإنه يدخل الجنّة، ولا
تمسّه النار، إلا الورود الذي في قوله رَبّ: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية.
٢ - (ومنها): أن هذا الفضل خاصّ بالمسلمين، فلا حظّ للكافر فيه،
وتدخل المسلمات فيه، وقد جاء ما يخصّهنّ بالذّكر في الحديث الثالث.
٣ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على المسلمين، حيث جعل لهم الجنة
عِوَضاً عما يصيبهم من البلاء بموت أولادهم.
٤ - (ومنها): بيان أن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأن من يكون سبباً في
حَجْب النار عن أبويه أَولى بأن يُحجَبَ هو؛ لأنه أصل الرحمة، وسببها، بل
جاء التصريح به في الحديث، ولفظه: ((فيقال: ادخلوا الجنّة أنتم وآباؤكم))،
والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن من حلف أن يفعل كذا، ثم فَعَل منه شيئاً ولو قَلّ بَرّت
يمينه، خلافاً لمالك، قاله عياض وغيره.
٦ - (ومنها): بيان كون أولاد المسلمين في الجنة. قاله الجمهور،
ووَقَفت طائفة قليلة، والصحيح قول الجمهور.
قال النوويّ تَخُّْ: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من
مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم، لِمَا
أخرجه مسلم عن عائشة ها، قالت: أُتي رسول الله وَّه، بصبيّ من صبيان
الأنصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور، من عصافير
الجنة، لم يعمل سوءاً، ولم يدركه، قال: ((أو غير ذلك يا عائشة، خَلَق الله رَّت
الجنة، وخَلَق لها أهلاً، وخَلَقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها
أهلاً، وخلقهم في أصلاب آبائهم)).
قال: والجواب عنه: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير
دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. انتهى، والله
تعالى أعلم.

١٨٩
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٤)
٧ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخّْثهُ: في هذا الحديث على حَسَب ما
قيّده مالك تَّلُ في ترجمته من ذِكر الحسبة، وهي الصبر، والاحتساب،
والرضا، والتسليم، أن المسلم تُكَفَّر خطاياه، ويُغفر له ذنوبه بالصبر على
مصيبته، ولذلك خَرَج عن النار، فلم تمسّه، قاله في ((الاستذكار))(١).
وقال في ((التمهيد)): فيه أن المسلم تُكَفَّر خطاياه، وتُغْفَر له ذنوبه بالصبر
على مصيبته، ولذلك زُحزح عن النار، فلم تمسّه؛ لأن من لم تُغفر له ذنوبه لم
يُزحزح عن النار - والله أعلم، أجارنا الله منها - وإنما قلت ذلك بدليل
قوله وير: ((لا يزال المؤمن يصاب في ولده، وحامَّته حتى يلقى الله، وليست
عليه خطيئة))، وإنما قلت: إن ذلك بالصبر والاحتساب والرضى؛ لقوله وَالقول:
((من صبر على مصيبته، واحتسب كان جزاؤه الجنة)). انتهى (٢)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ مَالِكِ، وَبِمَعْنَى حَدِيثِّهِ، إِلَّا
أَنَّ فِي حَدِيثٍ سُفْيَانَ: ((فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ بمهملة، أبو محمد، قيل: اسمه
عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٣ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد بن رافع النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريباً.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) (الاستذكار)) ٧٣/٣.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٣٤٦/٦ - ٣٤٧.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، والبابين الماضيين.
وقوله: (فَيَلِجَ النَّارَ) من الولوج، وهو الدخول، يقال: وَلَجَ يَلِج وُلُوجاً
ولِجَةً؛ أي: دخل، قال سيبويه: إنما جاء مصدره: وُلُوجاً، وهو من مصادر
غير المتعدي، على معنى: وَلَجت فيه، وأولَجه: أدخله، قال الله تعالى:
﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١]؛ أي: يزيد من
هذا في ذلك، ومن ذلك في هذا، قاله في ((العمدة))(١).
وقوله: ((فيلجَ النارَ)) منصوب بـ(أَنْ)) المقدرة، تقديره: فأن يلج النار؛ لأن
الفعل المضارع المنفيّ يُنصب بـ((أن)) المقدرة، وحَكَى الطيبيّ عن بعضهم: إنما
تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير ((أن)) إذا كان ما قبلها وما بعدها سببية، ولا
سببية ههنا؛ إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد، ولا عدمه سبباً لولوج أبيهم
النار، فالفاء بمعنى الواو التي للجمعية، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة
من أولاده، وولوجه النار، ونظيره ما ورد: ((ما من عبد يقول في صباح كل
يوم، ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض، ولا
في السماء، وهو السميع العليم، فيضرَّه شيء)) بالنصب، وتقديره: لا يجتمع
قول عبدٍ هذه الكلمات في هذه الأوقات، وضرُّ شيء إياه، قال الطيبيّ: إن
كانت الرواية على النصب فلا مَحِيد عن ذلك، والرفع يدل على أنه لا يوجد
ولوج النار عقيب موت الأولاد، إلا مقداراً يسيراً، ومعنى فاء التعقيب كمعنى
الماضي في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] في أن
ما سيكون بمنزله الكائن؛ لأن ما أخبر به الصادق من المستقبل كالواقع.
وقال بعضهم (٢): وهذا قد تلقاه جماعة عن الطيبيّ، وأقروه عليه، وفيه
نَظَر؛ لأن السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء؛ لأن الاستثناء بعد النفي إثبات،
فكان المعنى أن تخفيف الولوج مسبَّب عن موت الأولاد، وهو ظاهر؛ لأن
(١) ((عمدة القاري)) ٣٣/٨.
(٢) يعني: الحافظ ابن حجر، كما هو في ((الفتح)) ٦٩٧/٣ - ٦٩٨.

١٩١
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٤)
الولوج عامّ، وتخفيفه يقع بأمور، منها موت الأولاد بشرطه، وما ادّعاه أن
الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نَظَّر.
قلت(١): في كل واحد من نظريه نَظَر، أما الأول، فلأنّا لا نسلّم حصول
السببية بالنظر إلى الاستثناء؛ لأن الولوج ههنا ليس على حقيقته بالاتفاق؛ لأنه
بمعنى الورود، وقد مرّ أن في معناه أقوالاً، وقوله: لأن الاستثناء بعد النفي
إثبات: محلّ نزاع، وقد عُلم في موضعه، وأما الثاني فأيضاً ممنوع؛ لأن
الحروف ينوب بعضها عن بعض، ولم يمنع أحد عن ذلك، ألا ترى أن بعضهم
قالوا: إن الاستثناء بمعنى الواو؛ أي: لا تمسه النار قليلاً، ولا كثيراً، ولا
تحلّة القَسَم، وقد جوّز الفراء، والأخفش، وأبو عبيدة مجيء ((إلا)) بمعنى
الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
[البقرة: ١٥٠]؛ أي: ولا الذين ظلموا منهم. انتهى (٢).
[تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ، فساقها البخاريّ كَّلُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(١١٩٣) - حدّثنا عليّ، حدّثنا سفيان، قال: سمعت الزهريّ، عن
سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((لا يموت لمسلم
ثلاثة من الولد، فيلجَ النار، إلا تحلّة القَسَم))، قال أبو عبد الله: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمُ إلَّا
وَارِدُهَا﴾. انتهى(٣).
وساقها أيضاً أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنّفه))، فقال:
(١١٨٧٧) - حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي
هريرة، يرفعه، قال: ((من قَدَّم ثلاثة من ولده لن يلج النار، إلا تحلة القسم)).
انتھی (٤).
وأما رواية معمر عن الزهريّ، فساقها عبد الرزّاق تَظُّ في ((مصنّفه))،
فقال :
(٢٠١٣٩) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن
(١) القائل هو: العينيّ في ((عمدته)).
(٣) ((صحيح البخاريّ)) ٤٢١/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٥/٨.
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٦/٣.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من مات له
ثلاثة لم يبلغوا الحِنْث، لم تمسّه النار، إلا تحلّة القَسَم)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٥] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ
مُحَمَّدٍ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنَ
الأَنْصَارِ: ((لَا يَمُوَتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَحْتَسِبَهُ، إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ))،
فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَوِ اثْنَيْنٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبيد الدّرَاوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم
المدنيّ، صدوق، كان يحدِّث من كُتُب غيره، فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن
عبيد الله العمريّ منكر [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وقبل خمسة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنیین، سوی شیخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن أهلها، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه
أبو هريرة رضيته، وقد مضى القول فيه.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َُّله؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ:) لم أر
من ذكر أسماءهنّ، وفي رواية ابن حبّان: ((أن نسوة من الأنصار قُلن له: يا
رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك مع الرجال، فقال رسول الله وَله: موعدكنّ
بيت فلانة، فجاء، فتحدث معهنّ، ثم قال: لا يموت لإحداكنّ ... )) الحديث.
(لا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، (يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ)؛ أي:
ممن لم يبلغوا الحِنْث، كما قيّد في الرواية الأخرى.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٣٩/١١.

١٩٣
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٥)
وقال القرطبيّ تَخَّثُ: ((الولد)): يقال على الذكر والأنثى، بخلاف الابن،
فإنَّه يقال على الذكر: ابن، وعلى الأنثى: ابنة، وقد يُقيَّد مطلق هذه الرواية،
بقوله في الرواية الأخرى: ((لم يبلغوا الحنث)) كما يُقَيّد مطلق حديث أبي هريرة
الماضي بقوله هنا: ((فتحتسبه))، ويحديث أبي النضر السُّلميّ: ((لا يموت لأحد
من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم)).
فقوله: ((لم يبلغوا الحنث))؛ أي: التكليف، والحنث: الإثم، وإنما خصّه
بهذا الحدّ؛ لأنَّ الصغير حبّه أشدّ، والشفقة عليه أعظم، وقيّده بالاحتساب؛
لِمَا قرّرناه غير مرة أن الأجور على المصائب لا تحصل إلا بالصبر،
والاحتساب.
وإنما خصّ الولد بثلاثة؛ لأنَّ الثلاثة أوّل مراتب الكثرة، فتعظم
المصائب، فتكثر الأجور، فأمَّا إذا زاد على الثلاثة فقد يَخِفّ أمر المصيبة
الزائدة؛ لأنها كأنها صارت عادة ودَيْدناً، كما قال المتنبي [من الكامل]:
أَنْكَرْتُ طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً ثُمَّ اعْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنَا
وقال آخر [البسيط]:
رُوِّعْتُ بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلِي وَجِيرَانِي
ويَحْتَمِل أن يقال: إنما لم يَذْكر ما بعد الثلاثة؛ لأنَّه من باب الأحرى
والأولى؛ إذ من المعلوم أن من كَثُرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفي بذلك عن
ذِكره، والله تعالى أعلم(١).
(فَتَحْتَسِبَهُ) أفرد الضمير، باعتبار الميت؛ أي: تدّخر أجر ذلك الميت
عند الله تعالى، قال الفيّوميّ تَخْذَثُ: احْتَسَبَ الأجرَ على الله: ادّخره عنده، لا
يرجو ثواب الدنيا، والاسم: الحِسْبَةُ، بالكسر، واحْتَسَبْتُ بالشيء: اعتددت
به، قال الأصمعيّ: وفلان حَسَنُ الحِسْبَةِ في الأمر؛ أي: حَسَن التدبير، والنظر
فيه، وليس هو من احتساب الأجر، فإن احْتِسَابَ الأجر فِعل لله، لا لغيره.
انتهى(٢).
وقال في ((المشارق)): الاحتساب، والْحِسبان بالكسر، والْحِسْبة: هو
(١) ((المفهم)) ٦٣٨/٦ - ٦٣٩.
(٢) (المصباح المنير)) ١٣٥/١.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ادّخار الأجر، وأن يَحْسُبه في حسناته. انتهى (١).
وقال ابن الأثير كَّلُهُ: ((احتساباً))؛ أي: طلباً لوجه الله، وثوابه،
فالاحتساب من الْحَسْب، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله
وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يَعتدّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل
كأنه معتدّ به، والْحِسْبة اسم من الاحتساب، كالعِدّة من الاعتداد، والاحتسابُ
في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله
بالتسليم، والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم
فيها؛ طلباً للثواب المرجوّ منها .
قال: ومعنى: ((احتسب فلان ابناً له)): اعتَدّ مصيبته به في جملة بلايا الله
التي يثاب على الصبر عليها. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)) عند شرح قول البخاريّ: ((فاحتسب)) ما نصّه؛ أي:
صَبَر راضياً بقضاء الله، راجياً فضله، قال: ولم يقع التقييد بذلك أيضاً في
أحاديث الباب(٣)، وكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه أيضاً، كما في
حديث جابر بن سمرة، وحديث جابر بن عبد الله، وفي رواية ابن حبان،
والنسائيّ من طريق حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس، رفعه: ((من احتسب
من صُلْبه ثلاثة، دخل الجنة ... )) الحديث، ولمسلم من طريق سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رَُّّه مرفوعاً: ((لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من
الولد، فتحتسبهم إلا دخلت الجنة ... )) الحديث، ولأحمد، والطبرانيّ من
حديث عقبة بن عامر، رفعه: ((من أعطى ثلاثة من صلبه، فاحتسبهم على الله،
وجبت له الجنة))، وفي ((الموطأ)) عن أبي النضر السّلَميّ، رفعه: ((لا يموت
لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم إلا كانوا جُنّة من النار ... ))
الحدیث.
وقد عُرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلا بدّ
من قَيْد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيَّدة، ولكن أشار
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢١١/١.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٩٥٥/١.
(٣) يعني: الأحاديث التي أوردها البخاريّ في ذلك الباب.

١٩٥
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٥)
الإسماعيليّ إلى اعتراض لفظيّ، فقال: يقال في البالغ: احتَسَب، وفي
الصغير: افتَرَط. انتهى.
وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل،
أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دُريد وغيره احتَسَب فلان بكذا:
طلب أجراً عند الله، وهذا أعمّ من أن يكون لكبير، أو صغير، وقد ثبت ذلك
في الأحاديث التي ذكرناها، وهي حجة في صحة هذا الاستعمال.
وقوله: ((وقول الله رَك: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥])) وأراد بذلك
الآية التي في البقرة، وقد وُصف فيها الصابرون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذّا
[البقرة: ١٥٦] فكأن البخاريّ أراد
١٥٦
أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ
تقييد ما أُطلق في الحديث بهذه الآية الدالة على ترك القلق، والجزع، ولفظُ
المصيبة في الآية، وإن كان عاماً، لكنه يتناول المصيبة بالولد، فهو من أفراده.
(١)
انتھی
.
(إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ))، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ) قيل: من القائلات أم سُليم، كما
عند أحمد في («المسند» (٤٣١/٦)، وابن أبي شيبة في ((المصنّف)) (٣٥٣/٣)،
والطبرانيّ في ((الكبير))، كما في ((المجمع)) (٦/٣) بسند جيّد، كما قال الحافظ
في ((الفتح))، ومنهنّ أم مبشّر، كما عند الطبرانيّ، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة،
وأبي قُرّة في ((سننه)(٢). (أَوِ اثْنَيْنِ) هكذا بالنصب، وهو مفعول لمقدّر؛ أي: أو
قدّمت اثنين من ولدها (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) وَّهِ: ((أَوِ اثْنَيْنٍ)))؛ أي: أو قدّمت
اثنين، فلها الجنّة، ووقع في النسخة الهنديّة بلفظ: ((أو اثنان؟»، فقال: ((أو
اثنان))، فيكون فاعلاً لمحذوف؛ أي: مات لها اثنان، وأشار في هامشها أنه
وقع في بعض النُّسخ بلفظ: ((واثنين))، بالواو في الموضعين، فليُتُنبّه.
قال النوويّ تَخُّْ: هذا محمول على أنه ومفر أوحي إليه عند سؤالها، أو
قبله، وقد جاء في غير مسلم: ((أو واحد))(٣).
(١) ((الفتح)) ٦٩٠/٣ - ٦٩٢.
(٢) راجع: ما كتبه الشيخ مشهور بن حسن في هامش ((تنبيه المعلم)) ص٤٣٤ - ٤٣٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨١/١٦ - ١٨٢.

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: وقد استَشكَّل بعض الناس قوله وَّ: ((لا يموت
لإحداكن ثلاثة من الولد، إلا كانوا لها حجاباً من النار))، ثم لمّا سئل عن
اثنين، قال: ((واثنين)). ووجْهه: أنه إذا كان حُكْمُ الاثنين حكمَ الثلاثة، فلا
فائدة لذكر الثلاثة أوّلاً، وهذا إنما يصدر عمن يعتقد أن دلالة المفهوم نصّ
كدلالة المنظوم، وليس الأمر كذلك، بل هي عند القائلين بها من أضعف
جهات دلالات الألفاظ، وسائر وجوه الدّلالات مرجّحة عليها، كما بيّنّاه في
الأصول، هذا إن قلنا: إن أسماء الأعداد لها مفهوم، فإنَّه قد اختَلَف في ذلك
القائلون بالمفهوم، وألحقوا هذا النوع باللَّقب الذي لا مفهوم له باتفاق
المحقّقين، ثم إن الرافع لهذا الإشكال أن يقال: إن الثواب على الأعمال إنما
يُعلَم بالوحي، فيكون الله تعالى قد أوحى إلى نبيّه وَّه بذلك في الثلاثة، ثم
إنه لَمّا سئل عن الاثنين أوحى الله إليه في الاثنين بمثل ما أوحى إليه بالثلاثة،
ولو سئل عن الواحد لأجاب بمثل ذلك، كما قد دلّت عليه الأحاديث
المذكورة في ذلك.
ويَحْتَمِل أن يقال: إن ذلك بحَسَب شدّة وَجْد الوالدة، وقوّة صبرها، فقد
لا يَبْعد أن تكون مَن فقدت واحداً، أو اثنين أشدّ ممن فقدت ثلاثة، أو مساوية
لها، فتُلحق بها في درجتها، والله تعالى أعلم (١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظه هذا من أفراد
المصنّف تَحْذَلَهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٧٥/٤٧] (٢٦٣٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد» (١٤٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٨٩٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١٠١٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٦/٢ و٣٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٩٤١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٧/٤)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦٣٩/٦.

١٩٧
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٦] (٢٦٣٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا
أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيٍّ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَّتْ: يَا رَسُولَ اللهِ
ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ بَوْماً، نَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا
عَلَّمَكَ اللهُ، قَالَ: ((اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا))، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ،
فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ، تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا
ثَلَاثَةً، إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَاباً مِنَ النَّارِ))، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنٍ، وَاثْنَيْنٍ، وَاثْنَيْنٍ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَى: (وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنٍ، وَاثْنَيْنٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
ء
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الأَصْبَهَانِيَّ) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن
الأصبهانيّ الكوفيّ الجهنيّ(١)، ثقة [٤] مات في إمارة خالد الْقَسْريّ على
العراق (ع) تقدم في ((الحج)) ١٠/ ٢٨٨٣.
٤ - (أَبُو صَالِحِ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات المذكور في السند الماضي.
٥ - (أَبُو سَعِيَّدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿يا، استُصغِر بأُحُد، ثم شَهِد ما بعدها، وروى
الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع
وسبعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو
سعيد رُّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً.
(١) قال في ((العمدة)): أصله من أصبهان، خرج منها حين افتتحها أبو موسى الأشعريّ.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
شرح الحديث :
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ) قال في ((العمدة)): ((أصبهان)) بفتح
الهمزة، وكسرها، وبالباء، والفاء، وأهل المشرق يقولون: أصفهان بالفاء،
وأهل المغرب بالباء، وهي مدينة بعراق العجم، عظيمة، خرج منها جماعة من
العلماء والمحدثين. انتهى (١).
وقال في ((اللباب)): ((الإصبهانيّ)) بكسر الألف، أو فتحها، وسكون الصاد
المهملة، وفتح الباء الموحّدة، والهاء، وفي آخرها نون: هذه النسبة إلى أشهر
بلدة بالجبال، وإنما قيل لها هذا الاسم على ما سمعت من بعضهم أنها تُسمّى
بالعجميّة: سباهان، وسباه: العسكرُ، وهان: الجمع، وكانت جموع عساكر
الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة في هذا الموضع، مثل عسكر فارس،
وكرمان، والأهواز. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): واسم والد عبد الرحمن المذكور: عبد الله، قال
البخاريّ في ((التاريخ)): إن أصله من أصبهان لَمّا فتحها أبو موسى، وقال
غيره: كان عبد الله يتّجر إلى أصبهان، فقيل له: الأصبهانيّ، ولا منافاة بين
القولين فيما يظهر لي. انتهى(٣).
(عَنْ أَبِي صَالِحِ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن
مالك بن سنان (الْخُدْرِّيِّ) بضمّ الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، بعده
راء: نسبة إلى خُدرة، واسمه: الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج بن
حارثة، قبيلة من الأنصار (٤). (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا
أعرفها(٥)، وقال الحافظ في ((الفتح)): لم أقف على اسمها، ويَحْتَمل أن تكون
هي أسماء بنت يزيد بن السكن. انتهى (٦). (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا
(١) ((عمدة القاري)) ١٣٣/٢.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب) ٦٩/١.
(٣) ((الفتح)) ٦٩٤/٣، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٢٤٩).
(٤) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٢٦/١.
(٥) ((تنبيه المعلم)) ص٤٣٥.
(٦) ((الفتح)) ١٩٩/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣١٠).

١٩٩
(٤٧) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ - حديث رقم (٦٦٧٦)
رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ) وفي رواية للبخاريّ: ((قالت النساءُ للنبيّ وَّ:
غَلَبَنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نَفْسك)). قال في ((العمدة)): معناه: أن
الرجال يلازمونك كل الأيام، ويسمعون العلم، وأمور الدِّين، ونحن نساء
ضعفة، لا نقدر على مزاحمتهم، فاجعل لنا يوماً من الأيام نسمع العِلم، ونتعلم
أمور الدين(١). (فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْماً)؛ أي: يوماً معيّناً من عندك، لا
نعيّنه نحن من عند أنفسنا، وقولها: (نَأْتِيكَ فِيهِ) جملة في محلّ نصب صفة
لـ(يوماً))، وقولها: (تُعَلِّمُنَا) جملة حاليّة، أو صفة بعد صفة، (مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ)؛
أي: من الوحي الذي أوحاه الله إليك. (قَالَ) بَلِهِ: ((اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا)))
ليوم سمّاه باسمه، وفي رواية ابن حبّان: ((فقال رسول الله وٌَّ: موعدكنّ بيت
فلانة، فجاء، فتحدّث معهنّ)). (فَاجْتَمَعْنَ)؛ أي: النساء في ذلك اليوم، وفي
ذلك المكان، (فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ) وفي رواية
للبخاريّ: ((فوعدهنّ يوماً لقيهنّ فيه، فوعظهنّ، فأمرهنّ، فكان فيما قال
لهنّ ... )) فذكر نحو ما هنا، قال الحافظ تَّتُهُ: ولم أر في شيء من طُرقه بيان
ما علّمهنّ، لكن يمكن أن يؤخذ من حديث أبي سعيد الآخر الماضي في
(كتاب الزكاة))، وفيه: ((فمَرّ على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني
رأيتكن أكثر أهل النار ... )) الحديث، وفيه: ((فقامت امرأة، فقالت: لِمَ؟
- وفيه -: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ وأليس إذا حاضت لم
تصلّ، ولم تصم ... )) والمرأة المذكورة هي أسماء. انتهى(٢).
(ثُمَّ قَالَ) وَلِ: (((مَا) نافية، (مِنْكُنَّ) متعلّق بحال مقدّر، (مِنِ امْرَأَةٍ) ((من))
زائدة، و((امرأة)) مبتدأ خبره جملة الاستثناء؛ لأنه استثاء مفرّغ، إنما خص
المرأة بالذِّكر؛ لأن الخطاب حينئذ كان للنساء، وليس له مفهوم؛ لِمَا في بقية
الطرق(٣)، وقوله: (تُقَدِّمُ) جملة في محلّ رِفع صفة ((امرأة))، (بَيْنَ يَدَيْهَا) متعلّق
بـ((تقدّم))، (مِنْ وَلَدِهَا) بفتحتين، يشمل الذّكر والأنثى، والمفرد، والجمع(٤)،
(١) ((عمدة القاري)) ١٣٤/٢.
(٢) ((الفتح)) ١٩٩/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣١٠).
(٣) ((الفتح)) ٦٩٤/٣.
(٤) ((الفتح)) ٦٩٥/٣.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وهو متعلّق بحال مقدّر؛ لأنه بيان مقدّم على قوله: ((ثلاثة))، والقاعدة أن نعت
النكرة إذا قُدّم يُعرب حالاً، كما هو معروف في محلّه. (ثَلَاثَةً) بالنصب على
المفعوليّة لـ((تقدّم))؛ أي: ثلاثة أولاد، وفي رواية: ((ثلاثاً))، وكلاهما جائز؛
لأن القاعدة أنه إذا حُذف التمييز جاز تذكير العدد، وتأنيثه. (إِلَّا كَانُوا) وفي
رواية عند البخاريّ: ((إلا كُنّ)) بضم الكاف، وتشديد النون، وكأنه أُنِّث باعتبار
النفس، أو النسمة، قاله في ((الفتح)) (١). (لَهَا حِجَاباً)؛ أي: ساتراً (مِنَ النَّارِ))،
فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) هي أم سليم الأنصاريّة والدة أنس بن مالك، كما رواه الطبرانيّ
بإسناد جيّد عنها: ((قالت: قال رسول الله ب * ذات يوم، وأنا عنده: ما من
مسلمَين يموت لهما ثلاثة، لم يبلغوا الحُلُم، إلا أدخله الجنة بفضل رحمته
إياهم، فقلت: واثنان؟ قال: واثنان))، وأخرجه أحمد، لكن الحديث دون
القصة.
ووقع لأم مُبَشِّر الأنصاريّة أيضاً السؤال عن ذلك، فرَوَى الطبرانيّ أيضاً
من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر: ((أن النبيّ وَّ دخل على أم
مبشر، فقال: يا أم مبشر من مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة، فقلت: يا
رسول الله، واثنان؟ فسكت، ثم قال: نعم، واثنان)).
وفي حديث جابر بن سمرة أن أم أيمن ممن سأل عن ذلك، وعن ابن
عباس أن عائشة أيضاً منهنّ.
وحَكَى ابن بشكوال أن أم هانئ أيضاً سألت عن ذلك.
ويَحْتَمِل أن يكون كل منهنّ سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد
القصة ففيه بُعْد؛ لأنه ◌َّ لمّا سئل عن الاثنين بعد ذِكر الثلاثة، وأجاب بأن
الاثنين كذلك، فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن
بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعداً
جدّاً؛ لأن مفهومه يُخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي؛ بناء
على القول بمفهوم العدد، وهو معتبَر هنا.
وممن سأل عن ذلك أيضاً: جابر بن عبد الله، ورَوَى الحاكم، والبزار،
(١) ((الفتح)) ٦٩٥/٣.