Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٤٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٦٦٦٢) قال القرطبيّ: الجار يُطلق، ويراد به الداخل في الجوار، ويُطلق، ويراد به المجاور في الدار، وهو الأغلب، والذي يظهر أنه المراد به في الحديث الثاني؛ لأن الأول كان يَرِث ويورَث، فإن كان هذا الخبر صدر قبل نَسْخ التوريث بين المتعاقدين فقد كان ثابتاً، فكيف يترجى وقوعه، وإن كان بعد النَّسخ فكيف يُظَنّ رجوعه بعد رفعه، فتعيَّن أن المراد به المجاور في الدار. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة (١): حِفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة، كالهدية، والسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقّد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه، إلى غير ذلك، وكفّ أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه، حسيةً كانت، أو معنويةً، وقد نفى وَّ الإيمان عمن لم يأمَن جاره بوائقه، كما في الحديث الذي يليه، وهي مبالغة تنبئ عن تعظيم حقّ الجار، وأن إضراره من الكبائر، قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح، وغير الصالح، والذي يشمل الجميع إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخصّ الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفّه عن الذي يرتكبه بالحسنى، على حسب مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبيِّن محاسنه، والترغيب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضاً، ويستر عليه زَلَلَه عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فبه، وإلا فيهجره قاصداً تأديبه على ذلك، مع إعلامه بالسبب؛ ليكفّ. انتهى ملخصاً . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة وثنا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٦٢/٤٢ و٦٦٦٣] (٢٦٢٤)، (والبخاريّ) في (الأدب)) (٦٠١٤) وفي ((الأدب المفرد)) (١٠١ و١٠٦)، و(أبو داود) في (١) ((بهجة النفوس)) ١٦٥/٤. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ((الأدب)) (٥١٥١)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩٤٢)، و(ابن ماجه) في (الآداب)) (٣٦٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٢/٦ و٩١ و١٢٥ و١٨٧)، و(ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) (٥٤٥/٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥١١)، و (أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٠٧/٣)، و(ابن أبي الدنيا) في ((مكارم الأخلاق)) (٣١٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في حقّ الجار، حتى إنه وَ* من كثرة وصيّة جبريل ◌ُلَّ به ظنّ أنه سيجعله من جملة الورثة. قال ابن عبد البرّ ◌َّتُ: في هذا الحديث الحضّ على برّ الجار، وإكرامه، وقد ثبت عنه وَّل قوله: ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره))، والله رحمك قد أوصى بالجار ذي القربى، والجار الجنب. انتهى (١). ٢ - (ومنها): بيان شدّة عناية الشريعة الإسلاميّة بالمحافظة على حقوق الجوار، وهو من الأمور التي يستحسنها العقل، ولو لم يَرِدْ بها الشرع، ولذا كان أهل الجاهليّة يتفاخرون بها، قال ابن عبد البرّ: وذكر مالك عن أبي حازم بن دينار، أنه قال: كان أهل الجاهلية أبرّ بالجار منكم، وهذا قائلهم يقول [من الكامل]: وَإِلَيْهِ قَبْلِي يَنْزِلُ الْقِدْرُ نَارِي وَنَارُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ أَلَا يَكُونَ لِبَابِهِ سِتْرُ مَا ضَرَّ جَارٌ أَلَّا أُجَاوِرَه حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي الْخِدْرُ أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي بَرَزَتْ ٣ - (ومنها): أنه اختُلف في حدّ الجار، قال الإمام البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه)): ((باب حقّ الجوار في قرب الأبواب)). (٥٦٧٤) - حدّثنا حجاج بن منهال، حدّثنا شعبة، قال: أخبرني أبو عمران، قال: سمعت طلحة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أُهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك باباً))(٢). قال في ((الفتح)): قوله: ((أقربهما))؛ أي: أشدّهما قرباً، قيل: الحكمة فيه (١) (التمهيد لابن عبد البرّ)) ٤١/٢١. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٤١/٥. ١٤٣ (٤٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٦٦٦٣) أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره، من هدية وغيرها، فيتشوَّف لها، بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لِمَا يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة، وقال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب؛ لأن الهدية في الأصل ليست واجبةً، فلا يكون الترتيب فيها واجباً، ويؤخذ من الحديث أن الأخذ في العمل بما هو أعلى أولى، وفيه تقديم العلم على العمل. واختلف في حدّ الجوار، فجاء عن عليّ ◌َّه: من سمع النداء فهو جار، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد، فهو جار، وعن عائشة: حدّ الجوار أربعون داراً من كل جانب، وعن الأوزاعيّ مثله، وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) مثله عن الحسن، وللطبرانيّ بسند ضعيف، عن كعب بن مالك، مرفوعاً: ((ألا إن أربعين داراً جار))، وأخرج ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب: أربعون داراً عن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه، ومن بين يديه، وهذا يَحْتَمِل كالأُولى، ويَحْتَمِل أن يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرةً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن من صلى الصلوات معك دائماً، ولا سيّما صلاة الصبح هو جار لك؛ لأن هذا يدلّ على قربه من دارك، ويرى كل ما يدخل في بيتك، أو بعضه، ولو صحّ حديث: ((أربعون داراً جارٌ)) لكان نصّاً في التحديد، لكنه ضعيف(٢)، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَِّّ وَلِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً. (١) ((الفتح)) ٥٦٨/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٢٠). (٢) راجع: ((إرواء الغليل)) للشيخ الألبانيّ كَفُ ١٠٠/٦. ١٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) سلمة بن دينار المدنيّ، ثقة (١) فقيهٌ [٨] (ت١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدمً في ((الإيمان)) ٢٩٠/٤٥. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) أبو المنذر المدنيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، تقدّم قريباً. و((عائشة ێّا)) ذُكرت قبله. [تنبيه]: رواية عروة عن عائشة ﴿ّ هذه ساقها الطبرانيّ تَكْتُهُ في ((الأوسط))، فقال: (٦٤٧) - حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا عمرو بن محمد الناقد، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَلاقر: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه))، قال: لم يرو هذا الحديث عن هشام، إلا ابن أبي حازم. انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٤] (٢٦٢٥) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّنُهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ) هو: عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧٥/٦. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ البصريّ، تقدّم قبل حدیثین. ٣ - (عُمَرُ بْنُ مُّحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٦] مات قبل سنة خمسين ومائة (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٣/٣١. (١) هذا أَولى من قوله في ((التقريب)): صدوق؛ لأن الأئمة وثّقوه، انظر ترجمته في: ((تت)) . (٢) ((المعجم الأوسط)) ٢٠٢/١. ١٤٥ (٤٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٦٦٦٤) ٤ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر المدنيّ، ثقة [٣] تقدم في ((الإيمان)) ١٢٢/٥. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿يا، تقدّم قريباً. وقوله: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار إلخ)) قال القرطبيّ كَّثُ: قد تقدَّم أن الجار يقال على المجاور في الدار، وعلى الداخل في الجوار، وكل واحد منهما له حقّ، ولا بُدّ من الوفاء به، وقد تقدَّم قوله وَله: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه))، متّفقٌ عليه، وقوله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره))، متّفق عليه، ولمّا أكد جبريل لعلّها على النبيّ ◌َ ﴿ في حق الجوار، وكَثُر عليه من ذلك غلب على ظنّ النبيّ وَّ أن الله سيحكم بالميراث بين الجارين، وهذا يدلّ على أن هذا الجار هنا هو جار الدار؛ لأنَّ الجار بالعهد قد كان من أول الإسلام يرث، ثم نُسخ ذلك، كما تقدَّم، فإن كان هذا القول صدر من النبيّ ◌َ﴿ في أول الأمر، فقد كان التوارث مشروعاً، فمشروعيته واقعة محققة غير منتظرة، ولا مظنونة، وإن كان بعد ذلك، فرَفْعُ ذلك الحكم ونَسْخه محقّق، فكيف تُظنّ مشروعيته؟ فتعيّن أن المراد بالجوار في هذا الحديث هو جوار الدار، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢ /٦٦٦٤ و٦٦٦٥ و٦٦٦٦] (٢٦٢٥)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠١٥) وفي ((الأدب المفرد)) (١٠٤)، و(أحمد) في (مسنده)) (٨٥/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧/٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢/ ٣٦٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٨٧)، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٦١٠/٦ - ٦١١. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِسْحَاقَ - قَالَ أَبُو كَامِلِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَّةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م دس) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ) أبو عبد الصمد البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] (ت١٨٧) ويقال: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦. [تنبيه]: قوله: ((الْعَمّيّ)) بفتح العين المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى العمّ، وهو بطن في تميم، وهم ولد مرّة بن وائل بن عمرو بن مالك بن فهم بن غَنْم بن دوس، يقال لهم: بنو العمّ، قاله في ((اللباب))(١). ٤ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) ابن أخي أبي ذرّ الْغَفَاريّ البصريّ، ثقة [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٢/٥٢. ٦ - (أَبُو ذَرٍّ) الغِفَاري الصحابيّ المشهور، اسمه جُنْدُب بن جُنَادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدراً، ومناقبه كثيرة جدّاً، مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان خيًّا (ع) تقدم في «الإیمان)) ٢٢٤/٢٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه شيخان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعي، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٥٩/٢. ١٤٧ (٤٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٦٦٦٥) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغِفَارِيّ ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ) قال المجد ◌َّهُ: الطَبْخُ: الإنْضَاجُ، اشْتِواءً، واقْتِدَاراً، طَبَخَ، كَنَصَرَ، ومَنَعَ، فانْطَبَخَ، واطَّبَخَ، كَافْتَعَلَ، وكَمَسْكَنٍ: مَوْضِعُهُ، وكَمِنْبَرٍ: آلَتَّهُ، أو القِدْرُ، وككَثَّانٍ: مُعَالِجُهُ، وكَكِتابَةٍ: حِرْفَتُهُ، وَكَكُناسَةٍ: ما فارَ من رَغْوَةِ القِدْرِ. انتھی(١). وقال الفيّوميّ تَخْلُهُ: الطَّبِيخُ: فَعِيل، بمعنى مَفْعُول، وطَبَحْتُ اللحم طَبْخاً، من باب قتل: إذا أنضجته بمرق، قاله الأزهريّ، ومن هنا قال بعضهم: لا يسمى طَبِيخاً، إلا إذا كان بمرق، ويكون الطَّبْخُ في غير اللحم، يقال: خبزة جيِّدة الطّبْخِ، وآجرّة جيّدة الطبخ، والمطبخ بفتح الميم والباء: موضع الطَّبْخِ، وقد تُكسر الميم تشبيهاً باسم الآلة. انتهى (٢). وقوله: (مَرَقَةً) ((المرَق)) بفتحتين: هو الذي يُؤْتَدَمُ به، واحدَتُه مرَقةٌ، والمَرَقة أخصُّ منه، قالَه الجوهريّ(٣). وقال في ((المشارق)): هو ما يُطبخ من اللحم، وشِبهه، ويؤكل بمائه، يُصطبغ فيه بضدّ الثريد. انتهى(٤). وقوله: (فَأَكْثِرْ مَاءَهَا) قال القرطبيّ نَّتُهُ: فيه تنبيه لطيف على تيسير الأمر على البخيل؛ إذ الزيادة المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن، وهو الماء، ولذلك لم يقل: إذا طبخت مرقةً، فأكثر لحمها، أو طبيخها؛ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد. انتهى(٥). (وَتَعَاهَدْ) يقال: تعهّده، وتعاهده، واعتهده: تفقّده، وأحدث العهد به، قاله المجد تَّتُهُ(٦)، وقال الفيّوميّ ◌َخْلَمُ: تَعَهَّدْتُ الشيءَ: ترددتُ إليه، وأصلحته، وحقيقته: تجديد العهد به، وتَعَهَّدْتُهُ: حفظته، قال ابن فارس: ولا (١) ((القاموس المحيط)) ص٣٢٦. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٧/٢ - ٣٦٨. (٣) ((تاج العروس)) ص ٦٥٨٢. (٤) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٧٣٩/١. (٥) ((المفهم)) ٦١١/٦ - ٦١٢. (٦) ((القاموس المحيط)) ص٩٢٣. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب يقال: تَعَاهَدْتُهُ؛ لأن التفاعل لا يكون إلا من اثنين، وقال الفارابيّ: تَعَهَّدْتُهُ أفصح من تَعَاهَدْتُهُ. انتهى(١). والمعنى هنا: تفقّد (جِيرَانَك))) وجدّد عهدك بالإهداء إليهم، والجيران بكسر الجيم: جمع جار، وهو المجاور؛ يعني: تفقَّدْهم بزيادة طعامك، وتجديد عَهْدك بذلك، لتحفظ به حقّ الجوار، قال ابن الملك: إنما أمَره بإكثار الماء في مرقة الطعام حرصاً على إيصال نصيب منه إلى الجار، وإن لم يكن لذيذاً (٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٦٥ و٦٦٦٦] ( ... )، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١١٣ و١١٤)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٣٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦٦٩٠)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٤٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٩/٥ و١٥٦ و١٦١ و١٧١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٦/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٧/٢)، و(ابن منده) في ((الفوائد)) (٧٨/١)، و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد)) (١٤٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٧/ ٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحضّ على تكثير المرقة، ليواسي بها جيرانه، قال الحافظ العراقيّ كَّلُهُ: وفيه نَذْب إكثار مرق الطعام؛ لِقَصْد التوسعة على الجيران، والفقراء، وأن المرق فيه قُوّة اللحم، فإنه يسمى أحد اللحمين؛ لأنه يَخرُجُ خاصية اللحم فيه بالغليان. انتهى. وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك)) هذا الأمر على جهة الندب، والحضّ على مكارم الأخلاق، والإرشاد إلى محاسنها؛ لِمَا (١) ((المصباح المنير)) ٤٣٥/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٧١/٤. ١٤٩ (٤٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٦٦٦٦) يترتّب عليه من المحبّة، وحُسن العشرة، والألفة، ولما يحصل به من المنفعة، ودَفْع الحاجة والمفسدة، فقد يتأذى الجار بقُتار(١) قِدْر جاره، وعياله، وصغار أولاده، ولا يقدر على التوصّل إلى ذلك، فتَهِيج من ضعفائهم الشهوة، ويَعْظُم على القائم عليهم الألم والكُلفة، وربما يكون يتيماً، أو أرملة ضعيفة، فتَعْظُم المشقة، ويشتدّ منهم الألم والحسرة، وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يُدفع إليهم، فلا أقبح من منع هذا النزر اليسير الذي يترتّب عليه هذا الضرر الكبير. انتهى (٢) . ٢ - (ومنها): الأمر بتعاهد الجيران، والإحسان إليهم، قال المناويّ: الأمر فيه للندب عند الجمهور، وللوجوب عند الظاهرية. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الظاهريّة هو الظاهر؛ لظواهر النصوص، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قاله العلائيّ: فيه تنبيهٌ لطيفٌ على تسهيل الأمر على مزيد الخير، حيث لم يقل: فأكثروا لحمها، أو طعامها؛ إذ لا يسهل ذلك على كثير. انتهى. ٤ - (ومنها): أن فيه أفضلية اللحم المطبوخ على المشويّ؛ لعموم الانتفاع؛ لأنه لأهل البيت والجيران، ولأنه يُجعل فيه الثريد، وهو أفضل الطعام، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي ◌َّهِ أَوْصَانِي: (إِذَا طَبَخْتَ مَرَقاً، فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ))). (١) ((القُتار)): الدخان من المطبوخ وزناً ومعنى. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦١١. ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ إِذْرِيسَ) عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ)؛ أي: ناولهم، واجعلهم يأخذون منها، وأصل الإصابة الأخذ، يقال: أصاب من الطعام: إذا أكل منه، وقوله في غزوة حنين: ((أن يصيبهم ما أصاب الناس))؛ أي: ينالهم من عطايا النبيّ وَلّ ر ذلك، قاله في ((المشارق))(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فأصبهم منها بمعروف))؛ أي: بشيء يُهْدَى مثله عُرفاً، تحرزاً من القليل المحتقَر، فإنه - وإن كان مما يُهْدَى - فقد لا يقع ذلك الموقع، فلو لم يتيسّر إلا القليل المحتقر فليُهْدِه، ولا يحتقره، كما جاء في الحديث الآخر: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً))، وبكون المهدى له مأموراً بقبول ذلك المحتقَر، والمكافأة عليه، ولو بالشكر؛ لأنَّه وإن كان قَدْره محتقراً دليلٌ على تعلق قلب المهدي بجاره. انتهى(٢). والحديث من أفراد المصنّف تَُّهُ، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٣) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٧] (٢٦٢٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، (١) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٩٦/٢. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦١٢. ١٥١ (٤٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ اللَّقَاءِ - حديث رقم (٦٦٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي: الْخَزَّازَ - عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِّ وَّهِ: ((لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، أصله من بخارى، ثقةٌ، قيل: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤١٧/٧٩. ٣ - (أَبُو عَامِرِ الْخَزَّازُ) - بمعجمات - صالح بن رُسْتُم المزنيّ مولاهم البصريّ، صدوقٌ كثيَّر الخطأ [٦]. رَوَى عن عبد الله بن أبي مليكة، وأبي قلابة، وحميد بن هلال، والحسن البصريّ، وأبي عمران الجونيّ، وعكرمة، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وروى عنه ابنه عامر، وإسرائيل، وهشيم، ومعتمر، وأبو داود الطيالسيّ، والنضر بن شميل، ويحيى القطان، وسعيد بن عامر الضبعيّ، وعثمان بن عمر بن فارس، وأبو نعيم، وغيرهم. قال عباس عن ابن معين: ضعيف، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى: لا شيء، وقال رجل ليحيى: إن ابن المدينيّ يحدث عن أبي عامر الخزاز، ولا يحدث عن عمران القطان، قال: سخنة عينه، وقال الأثرم عن أحمد: صالح الحديث، وقال العجليّ: جائز الحديث، وابنه عامر بن صالح ثقة، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: شيخ يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وقال أبو داود الطيالسيّ: حدثنا أبو عامر الخزاز، وكان ثقةً، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، وقال الدار قطنيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عديّ: عزيز الحديث، وقال: روى عنه يحيى القطان، مع شدّة استقصائه، وهو عندي لا بأس به، ولم أر حديثاً منكراً جدّاً، وقال أبو بكر البزار، ومحمد بن وضاح: ثقةٌ، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وأرَّخ ابن حبان في ((الثقات)) وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائة، وكذا أرّخه ابن قانع، وغيره. ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أخرج له البخاريّ في التعاليق و((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن ◌ُنادة الغِفَارِيّ ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ لِيَ) بسكون الياء، وفتحها، (النَّبِيُّ ◌َِِّ: ((لا) ناهيةٌ، (تَحْقِرَنَّ) - بفتح المثناة فوقُ، وكسر القاف، وفتح الراء، وتشديد النون - أي: لا تستصغرنّ، يقال: حَقَره، واحتقره: استصغره، قال الزمخشريّ: تقول العرب: هو حَقير فَقِير، وهو حاقر ناقر، وفي المثل: من حُقِر حُرِم، وفلان خطير غير حقير(١). وقوله: (مِنَ الْمَعْرُوفِ)؛ أي: ما عرفه الشرع، والعقل بالحُسن، وقال الطيبيّ: المعروف: اسم جامع لكل ما عُرِف من طاعة الله تعالى، والتقرّب إليه، والإحسان إلى الناس، وهو من الصفات الغالبة(٢). قال: ومن المعروف: النِّصفة، وحُسن الصحبة مع الأهل، وغيرهم، وتلقي الناس بوجه طلق وبشاشة. انتهى(٣). وقال الراغب: المعروف: اسمُ كلِّ فعل يُعْرَف حُسنه بالشرع، والعقل معاً، ويُطلق على الاقتصاد؛ لثبوت النهي عن السرف، وقال ابن أبي جمرة: يُطلق اسم المعروف على ما عُرِف بأدلة الشرع أنه من أعمال البرّ، سواء جرت به العادة، أم لا. انتهى (٤). وقال الخطّابيّ تَّهُ: المعروف كل ما تعرفه النفوس، وتستحسنه العقول، (١) ((فيض القدير)) ١٢١/١. (٢) هكذا نسخة الطيبيّ: ((الغالبة)) بالباء الموحّدة، ولعل صوابه: ((الغالية)) بالياء المثنّاة تحتُ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٤٤/٥. (٤) ((تحفة الأحوذيّ)) ٦/ ٩٠. ١٥٣ (٤٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ اللَّقَاءِ - حديث رقم (٦٦٦٧) من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشِّيَم، وهي التي كانت لم تزل مستحسنةً في كل زمان، وعند أهل كل ملة، فلا تزال كذلك، لا يجري عليها النَّسخ، ولا يجوز فيها التبديل. انتهى(١). (شَيْئاً)؛ أي: كثيراً كان أو حقيراً، (وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاَ) المسلمَ، قال الطيبيّ: هذا شرط يُعَقَّب به الكلام تتميماً ومبالغةً، وقال أبو حيان: هذه الواو لعطف حال على حال محذوفة، بتضمنها السابق، تقديره: لا تحقرن من المعروف شيئاً على كل حال، كائناً ما كان، ولو أن تلقى أخاك(٢). (بِوَجْهٍ) بالتنوين، (طَلْقٍ))؛ يعني: تلقاه بوجه منبسط، متهلّل، قال النوويّ تَظُّهُ: رُوي: (طلق)) على ثلاثة أوجه: إسكان اللام، وكسرها، وطَلِيق بزيادة ياء، ومعناه: سهل، منبسط، وفيه الحثّ على فَضْل المعروف، وما تيسَّر منه، وإن قلّ، حتى طلاقة الوجه عند اللقاء. انتهى (٣). وقال عياض ◌َخّْفُ: قوله: ((بوجه طلق))؛ أي: منبسط، غير متجَهِّم، ولا منقبض، يقال منه: وجه طَلَق، وطَلِقٌ، وطَلِيق، ورجل طلق الوجه، وطليقه، وقد طَلُق وجهه بالضم، ومثله طلق اليدين: إذا كان سخيّاً، ومصدره طلاقة. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َقَّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٦٧/٤٣] (٢٦٢٦)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٣٣)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣٦٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٣٩)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٤٥٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦١/٥ و١٤٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٠٨/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥١٣ و٥١٤ و٥٢٣)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٥٧/٧)، و(البيهقيّ) في (١) ((غريب الحديث للخطابيّ)) ١٥٦/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧٧. (٢) ((فيض القدير)) ١/ ١٢١. (٤) ((مشارق الأنوار)) ٣١٩/١. ١٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ((الكبرى)) (٨٨/٣) و((شُعب الإيمان)) (٢٥٢/٣ و٢٥١/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٦٨٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحض على إتيان المعروف، وفَضْله، وما تيسّر منه ولو قليلاً، حتى طلاقة الوجه عند اللقاء. ٢ - (ومنها): النهي عن التهاون بالمعروف، وإن قلّ. ٣ - (ومنها): الحثّ على طلاقة الوجه، وبشاشته، فينبغي للمسلم أن يكون طلق الوجه غير عبوس، ولا منقبض، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٨] (٢٦٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: ((اشْفَعُوا، فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ مَا أَحَبَّ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) أبو الحسن الكوفيّ تقدّم قريباً. ٣ - (حَفْصُ بْنُ غِيَّاتٍ) النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، تقدّم أيضاً قريباً . ٤ - (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو بُردة الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى، اسمه عامر، وقيل: الحارث الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ظُبه، تقدّم أيضاً قريباً . ١٥٥ (٤٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ - حديث رقم (٦٦٦٨) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأبو موسى ظُه ممن سكن الكوفة والبصرة، وفيه رواية الراوي عن ت، ذو مناقب جمّة. جدّه عن أبيه، وأنه صحابيّ من مشاهير الصحابة شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ) الصحابة الكرام حقّ، (فَقَالَ: ((اشْفَعُوا) أمْر بالشفاعة، وهي الطلب، والسؤال بوسيلة، أو ذِمَام، (فَلْتُؤْجَرُوا)؛ أي: يُثبكم الله على الشفاعة، وإن لم تُقبل، والكلام فيما لا حدّ فيه من حدود الله تعالى؛ لورود النهي عن الشفاعة في الحدود(١). وفي رواية البخاريّ: ((أنه كان إذا أتاه السائل، أو صاحب الحاجة قال: ((اشفعوا، فلتؤجروا، ولْيَقْضِ اللهُ على لسان رسوله ما شاء)). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((تؤجروا)) كذا وقع هذا اللفظ: ((تؤجروا))، بغير فاء، ولا لام، وهو مجزوم على جواب الأمر المضمّن معنى الشرط، ومعناه واضح، لا إشكال فيه، وقد رُوي: ((فلتؤجروا)» بفاء، ولام، وهكذا وجدته في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة؛ لأنَّها لام كَيْ، وتكون الفاء زائدة، كما زيدت في قوله وَلاته: ((قوموا فلأصلّ لكم)) (٢)، في بعض رواياته، وقد تقدم قول من قال: إن الفاء قد تأتي زائدة، ويكون معنى الحديث: اشفعوا لكي تؤجروا، ويَحْتَمِل أن يقال: إنها لام الأمر، ويكون المأمور به التعرّض للأجر بالاستشفاع، فكأنه قال: استشفعوا، وتعرّضوا بذلك للأجر، وعلى هذا فيجوز كسر هذه اللام، على أصل لام الأمر، ويجوز تخفيفها بالسكون؛ لأجل حركة الحرف الذي (٣) . قبلها. انتهى (١) ((فيض القدير)) ٥٢٥/١. (٣) ((المفهم)) ٦٣٢/٦. (٢) متّفقٌ عليه . ١٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب قال الحافظ تَّثُ: ووقع في رواية أبي داود: ((اشفعوا لتؤجروا))، وهو يقوّي أن اللام للتعليل. وجوّز الكرمانيّ أن تكون الفاء سببيّةً، واللام بالكسر، وهي لام ((كي»، قال: وجاز اجتماعهما لأنهما لأمر واحد. ويَحْتَمِل أن تكون جزائيّةً جواباً للأمر. ويَحْتَمِل أن تكون زائدةً على رأيٍ، أو عاطفةً على ((اشفعوا))، واللام لام الأمر، أو على مقدّر؛ أي: اشفعوا لتؤجروا، فلتؤجروا، أو لفظ: ((اشفعوا تؤجروا)) في تقدير: إن تشفعوا تؤجروا، والشرط يتضمّن السببيّة، فإذا أُتي باللام وقع التصريح بذلك. وقال الطيبيّ كَّتُهُ: الفاء واللام زائدتان للتأكيد؛ لأنه لو قيل: اشفعوا تؤجروا صحّ؛ أي: إذا عَرَضَ المحتاجُ حاجته عليّ، فاشفعوا له إليّ، فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر، سواء قَبِلتُ شفاعتكم، أم لا، ويُجرِي الله تعالى على لسان نبيّهِ رَله ما شاء؛ أي: من مُوجَبَات قضاء الحاجة، أو عدمها؛ أي: إنْ قضيتُها، أو لم أقضها، فهو بتقدير الله تعالى وقضائه. انتهى(١). (وَلْيَقْضِ اللهُ)؛ أي: يُظهر الله تعالى (عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ) وَّهِ بوحي أو إلهام (مَا أَحَبَّ)))؛ أي: ما قدّره في عِلمه أنه سيكون، من إعطاء، وحرمان، أو يُجري الله على لسانه وَ ل* ما شاء من مُوجَبات قضاء الحاجة، أو عدمها. والمعنى: أنه إذا عَرَض صاحب حاجة حاجته عليّ، فاشفعوا له، يحصل لكم أجر الشفاعة؛ أي: ثوابها، وإن لم تُقبَل، فإن قُضيت حاجة من شفعتم له فبتقدير الله تعالى، وإن لم تُقضَ فبتقدير الله تعالى أيضاً. يعني: أن المطلوب منكم حصول الشفاعة، حتى يحصل لكم الأجر، وأما قضاء الحاجة، وعدم قضائها فموكول إلى الله تعالى . وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((وليقض الله على لسان نبيه وَ ﴿ ما أحبّ)) هكذا صحت الرواية هنا، ((وليقض)) باللام، وجزم الفعل بها، ولا يصحّ أن تكون لام كَيْ كذلك، ولا يصحّ أيضاً أن تكون لام الأمر؛ لأنَّ الله تعالى لا يؤمَر، وكأن هذه الصيغة وقعت موقع الخبر، كما قد جاء في بعض نُسخ (١) ((الفتح)) ٥٧٤/١٣ - ٥٧٥، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٢٧). ١٥٧ (٤٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ - حديث رقم (٦٦٦٨) مسلم: ((ويقضي الله)) على الخبر بالفعل المضارع، ومعناه واضح، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ت ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٦٨/٤٤] (٢٦٢٧)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٣٢) وفي ((الأدب)) (٦٠٢٧ و٦٠٢٨) وفي ((التوحيد)) (٧٤٧٦)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٣١ و٥١٣٢)، و(الترمذيّ) في ((العلم)) (٢٦٧٢)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٥٥٦) وفي (الكبرى)) (٢٣٣٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٠٨٧ و١٩١٦٣ و١٩٢٠٧)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٣٤٠/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٠/١٣)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٥٧/٨ و١٥٩)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢٩٩/١ و٣١٣)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٣٦٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٧/٨) و((شُعَب الإيمان)) (١٠٣/٦ و١٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الشفاعة لذوي الحاجة في كشف كُربهم، ومعونة الضعفاء عند الأمراء، أو الكبراء؛ إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس، أو لا يتمكّن لو دخل عليه، في توضيح مراده له؛ ليعرف حاله على وجهه، وإلا فقد كان ◌َ﴿ لا يحتجب، ولا يُحجب عن ذوي الحاجات. وقال النوويّ كَُّ في ((الأذكار)): تُستحبّ الشفاعة إلى ولاة الأمر، وغيرهم من ذي الحقوق، ما لم تكن في حدّ، أو في أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظر طفل، أو مجنون، أو وَقْف في ترك بعض حقّ من في ولايته، فهذه شفاعة محرّمة. انتهى(١). وقال في ((شرحه)) لهذا الكتاب: فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج (١) ((فيض القدير)) ٥٢٥/١. ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب المباحة، سواء كانت الشفاعة إلى سلطان، ووالٍ، ونحوهما، أو إلى أحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كفّ ظلم، أو إسقاط تعزيرٍ، أو في تخليص عطاء لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود فحرامٌ، وكذا الشفاعة في تتميم باطلٍ، أو إبطال حقّ، ونحو ذلك، فهي حرامٌ. انتهى (١). ٢ - (ومنها): الحضّ على الخير بالفعل، وبالتسبب إليه بكلّ وجه حتى يحصل الأجر بذلك. ٣ - (ومنها): أن هذا من مكارم أخلاقه وَّة؛ لِيَصِلوا جناح السائل، وطالب الحاجة، وهو تخلّق بأخلاقه تعالى، حيث يقول لنبيه وقال: ((اشفع، تُشَفَّع))، وإذا أَمَر بالشفاعة عنده مع استغنائه عنها؛ لأن عنده شافعاً من نفسه، وباعثاً من وجوده، فالشفاعة عند غيره ممن يحتاج إلى تحريك داعية للخير أَولى، ففيه حثّ على الشفاعة، ودلالة على عِظَم ثوابها، والأمر للندب، وربما يَعْرِض له ما يُصَيِّر الشفاعة واجبة. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْتُ: أن هذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج، والرغبات للسلطان، وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صَدْر الحديث ومساقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب؛ لأنَّها من باب صنائع المعروف، وكشف الكُرَب، ومعونة الضيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى السلطان، وذوي الأمر، ولذلك كان النبيّ وَّ يقول - مع تواضعه وقُربه من الصغير والكبير؛ إذ كان لا يحتجب، ولا يحجب ـ: ((أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها))(٢). وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةُ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين فيما لا (١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧٧ - ١٧٨. (٢) رواه الطبرانيّ، من حديث أبي الدرداء ◌ُه بلفظ: ((أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، فمن أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة))، وهو حديث ضعيف، راجع: ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألبانيّ تَخْفُ ص٩، و((السلسلة الضعيفة)) له ٤ / ٩٧. ١٥٩ (٤٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَةٍ قُرَنَاءِ السَّوْءِ - حديث رقم (٦٦٦٩) حدّ فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه، والعفو عنه إذا رأى ذلك كله، كما له العفو عن ذلك ابتداءً، وهذا فيمن كانت منه الزلّة والفلتة، وفي أهل الستر والعفاف، وأما المصرّون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا تَرْك السلطان عقوبتهم؛ لیزدجروا عن ذلك، ولِيَرْتدع غيرهم بما يُفعل بهم، وقد جاء الوعيد بالشفاعة في الحدود. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((وقد جاء الوعيد إلخ)) أشار به إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود وغيرهما بإسناد صحيح عن ابن عمر ﴿يا مرفوعاً: ((من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله، فقد ضادّ الله في أمره، ومن مات وعليه دَين فليس ثَمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل، وهو يعلم لم يزل في سَخَط الله حتى يَنْزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حُبسَ في ردغة الخَبَال، حتى يأتي بالمخرج مما قال))، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةِ قُرَنَاءِ السَّوْءِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٦٩] (٢٦٢٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ (٢) السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِبحاً خَبِيئَةً)). (١) ((المفهم)) ٦/ ٦٣٢ - ٦٣٣. (٢) وفي نسخة: ((وجليس السوء)). ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريباً. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَّثُ، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل، وفيه محمد بن العلاء أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم المجموعون في قولي : ذَوُو الأُصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاءُ تَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَةْ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ نَصْرٌ وْيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه. شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس ( ((إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ) على وزن فَعِيل: هو الذي يجالِسُ الرجل، يقال: جالسته، فهو جَلِيسي، وجِلْسي - بكسر، فسكون _(١)؛ أي: المُجالِس (الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ) وفي بعض النسخ: ((وجليس السوء)) بالإضافة، من إضافة الموصوف إلى صفته، و((السّوء)) بفتح السين، وضمّها. قال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((إنما مثل جليس الصالح، وجليس السوء)) كذا وقع في بعض النُّسخ، وهو من باب إضافة الشيء إلى صفته، ووقع في بعضها: ((الجليس الصالح، والجليس السوء))، وهو الأفصح، والأحسن، ثم (١) ((عمدة القاري)) ١٧/ ٣٦٧.