Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٣٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ - حديث رقم (٦٦٢٨)
أخوّة الآدمية، فإنَّ الناس كلّهم بنو آدم، ودلّ على ذلك قوله وَله: ((فإنَّ الله
خلق آدم على صورته))؛ أي: على صورة وجه المضروب، فكأنّ اللاطم في
وجه أَحَد وَلَد آدم لَظَم وجه أبيه آدم، وعلى هذا فيحرم لَظْم الوجه من المسلم
والكافر، ولو أراد الأخوّة الدينية لَمَا كان للتعليل بخلق آدم على صورته معنى.
لا يقال: الكافر مأمور بقتله، وضَرْبه في أي عضو كان؛ إذ المقصود
إتلافه، والمبالغة في الانتقام منه، ولا شكّ في أن ضرب الوجه أبلغ في
الانتقام، والعقوبة، فلا يُمنَع، وإنما مقصود الحديث إكرام وجه المؤمن؛
لِحُرمته.
لأنَّا نقول: مسلّم أنّا مأمورون بقتل الكافر، والمبالغة في الانتقام منه،
لكن إذا تمكّا من اجتناب وجهه اجتنبناه؛ لشرفيّة هذا العضو، ولأن الشرع قد
نَزَّل هذا الوجه منزلة وجه أبينا، وقبيحٌ لطمُ الرجل وجهاً يُشبه وجه أبي
اللاطم، وليس كذلك سائر الأعضاء؛ لأنَّها كلّها تابعة للوجه. انتهى (١).
(فَلْيَجْتَنِبِ) وفي الرواية الآتية: ((فليتّق))، وهو بمعنى (يجتنب))، وقوله:
(الْوَجْهَ))) منصوب على المفعوليّة؛ أي: ضَرْب الوجه من كل مضروب معصوم
وجوباً؛ لأنه شينٌ، ومُثلة له؛ للطافته، وشَرَفه على جميع الأعضاء الظاهرة؛
لأنه الأصل في خلقة الإنسان، وغيره من الأعضاء خادم؛ لأنه الجامع للحواسّ
التي بها تحصل الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة، ولأنه أول الأعضاء
في الشخوص، والمقابلة، والتحدّث، والقصد، ولأنه مدخل الروح، ومخرجه،
ومقرّ الجمال والحُسن، وبه قوام الحيوان كلّه ناطقه وغير ناطقة، فلما كان بهذه
المثابة احترمه الشرع، وأمر بعدم التعرض له في عدّة أخبار، بضرب، أو
إهانة، أو تقبيح، أو تشويه، قاله المناويّ تَقْذُ(٢).
وقال في ((الفتح)): وقد أخرجه مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي
هريرة، بلفظ: ((فليتق)) بدل: ((فليجتنب))، وهي رواية أبي نعيم، وأخرجه مسلم
أيضاً من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا ضرب))، ومثله للنسائيّ
من طريق عجلان، ولأبي داود من طريق أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة،
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٩٧ - ٥٩٨.
(٢) ((فيض القدير)) ١/ ٣٩٧ . .

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وهو يفيد أن قوله: ((قاتل)) بمعنى قتل، وأن المفاعلة فيه ليست على ظاهرها،
ويَحْتَمِل أن تكون على ظاهرها؛ ليتناول ما يقع عند دفع الصائل مثلاً، فينهَى
دافعه عن القصد بالضرب إلى وجهه، ويدخل في النهي كل من ضرب في حدّ،
أو تعزير، أو تأديب، وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره، عند أبي داود
وغيره، في قصة التي زنت، فأمر النبيّ وَّه برجمها، وقال: ((ارمُوا، واتقوا
الوجه))، وإذا كان ذلك في حقّ من تعيَّن إهلاكه، فمَن دونه أولى.
قال النوويّ: قال العلماء: إنما نُهي عن ضرب الوجه؛ لأنه لطيف،
يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيُخشَى من ضربه أن تبطل،
أو تتشوه كلّها، أو بعضها، والشين فيها فاحش؛ لظهورها، وبروزها، بل لا
يسلم إذا ضربه غالباً من شين. انتهى.
قال الحافظ: والتعليل المذكور حسنٌّ، لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر،
فإنه أخرج الحديث المذكور من طريق أبي أيوب المراغيّ، عن أبي هريرة،
وزاد: ((فإن الله خلق آدم على صورته)).
واختلف في الضمير على من يعود، فالأكثر على أنه يعود على
المضروب؛ لِمَا تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك،
لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها .
وقال القرطبيّ: أعاد بعضهم الضمير على الله؛ متمسكاً بما ورد في بعض
طُرُقه: ((إن الله خلق آدم على صورة الرحمن)). قال: وكأن من رواه أورده
بالمعنى؛ متمسكاً بما توهّمه، فغَلِط في ذلك.
وقد أنكر المازريّ، ومن تبعه صحة هذه الزيادة، ثم قال: وعلى تقدير
صحتها، فيُحْمَل على ما يليق بالباري تَعَالَ .
قال الحافظ: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في ((السُّنَّة))، والطبراني من
حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضاً من طريق
أبي يونس، عن أبي هريرة، بلفظٍ يُرُدّ التأويل الأول، قال: ((من قاتل فليجتنب
الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن))، فتعيّن إجراء ما في
ذلك على ما تقرر بين أهل السُّنَّة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أو
من تأويله على ما يليق بالرحمن جلّ جلاله.

٦٣
(٣٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ - حديث رقم (٦٦٢٨)
ه، رفعه: ((خلق الله آدم
وقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة
على صورته ... )) الحديث.
وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم عليهلها؛ أي: على صفته؛ أي:
خلقه موصوفاً بالعلم الذي فَضَل به الحيوان، وهذا مُحْتَمِلٌ.
وقد قال المازريّ: غَلِط ابن قتيبة، فأجرى هذا الحديث على ظاهره،
وقال: صورة لا کالصور. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الغلط على ابن قتيبة غلطٌ، فالصواب
معه، كما هو مذهب السلف: أحمد، وإسحاق، وغيرهما، فتفطّن، وبالله تعالى
التوفيق.
وقال حرب الكرمانيّ في ((كتاب السُّنَّة)): سمعت إسحاق بن راهويه
يقول: صحّ أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وقال إسحاق الكوسج:
سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح. وقال الطبرانيّ في ((كتاب السُّنَّة)):
حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال رجل لأبي: إن رجلاً قال:
خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هو قول
الجهمية. انتهى.
وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأحمد من طريق ابن عجلان،
عن سعيد، عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((لا تقولنّ: قبّح الله وجهك، ووَجْه من
أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته))، وهو ظاهر في عود الضمير على
المقول له ذلك، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضاً، من طريق أبي رافع،
عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا قاتل أحدكم، فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم
على صورة وجهه)).
ولم يتعرض النوويّ لحكم هذا النهي، وظاهره التحریم، ويؤيده حديث
سُويد بن مُقَرِّن الصحابيّ أنه رأى رجلاً لطم غلامه، فقال: أوَ ما علمت أن
الصورة محترمة. أخرجه مسلم وغيره. انتهى(١)، وسيأتي تمام البحث في
المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((الفتح)) ٣٩١/٦ - ٣٩٢، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٥٩).

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٦٦٢٨ و ٦٦٢٩ و٦٦٣٠ و ٦٦٣١ و٦٦٣٢
و ٦٦٣٣] (٢٦١٢)، و(البخاريّ) في ((العتق)) (٢٥٥٩)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٣٨٤/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥١/٢ و٣١٣ و٢٤٤ و٤٣٤
و٤٤٩ و٤٦٣ و٥١٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٢١)، (وابن خزيمة) في
((التوحيد)) (ص٣٦ و٣٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦٠٤ و ٥٦٠٥)،
و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٥/٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٢٢٨/١
و٢٢٩ و٢٣٠)، (و(الآجرّيّ) في ((الشريعة)) (ص٣١٤)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء
والصفات)) (ص٢٩٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٧٣)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في مرجع الضمير في قوله: ((على صورته)):
(اعلم): أنه اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
[القول الأول]: أن الضمير يعود على المضروب، وإلى هذا ذهب ابن
خزيمة كَّلُ في ((كتاب التوحيد))، حيث قال: توهّم بعض من لم يتحرَّ العلم أن
قوله: ((على صورته)) يريد صورة الرحمن عزّ ربنا وجلّ عن أن يكون هذا معنى
الخبر، بل معنى قوله: ((خلق آدم على صورته)) الهاء في هذا الموضع كناية عن
اسم المضروب والمشتوم، أراد ◌َ: أن الله خلق آدم على صورة هذا
المضروب، الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قَبّح وجهه،
فزجر ◌َ ﴿ أن يقول: ووجه من أشبه وجهك؛ لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه،
فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان
مقبِّحاً وجه آدم - صلوات الله عليه وسلامه - الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه
أبيهم، فتفهّموا رحمكم الله معنى الخبر، لا تَغْلَطوا، فتضلوا عن سواء السبيل،
وتحملوا على القول بالتشبيه الذي هو ضلال. انتهى (١).
(١) ((التوحيد لابن خزيمة)) ٨٤/١ - ٨٥.

٦٥
(٣٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ - حديث رقم (٦٦٢٨)
ومثله قال أبو حاتم بن حبان حيث قال - بعد تخريج هذا الحديث -:
يريد به صورة المضروب؛ لأن الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضَرَب
وجهاً خلق الله آدم على صورته(١).
قال الحافظ ابن حجر: واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على
أنه يعود على المضروب لِمَا تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد
التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها(٢).
وقد رُدَّ هذا القول وأبطلوه:
قال ابن قتيبة في ((تأويل مختلف الحديث)) - في سرد أقوال الأئمة في
تأويل هذا الحديث - ومنها: أن المراد أن الله خلق آدم على صورة الوجه،
قال: وهذا لا فائدة فيه، والناس يعلمون أن الله تبارك وتعالى خلق آدم على
خَلْق ولده، وجهه على وجوههم، وزاد قوم في الحديث أنه عليه الصلاة
والسلام مرَّ برجل يضرب وجه رجل آخر، فقال: ((لا تضربه، فإن الله تعالى
خَلْق آدم عليه الصلاة والسلام على صورته))؛ أي: صورة المضروب، وفي هذا
القول من الخلل ما في الأول(٣).
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية تَخّثه: هذا - يعني الزيادة التي ذكرها ابن
قتيبة - شيء لا أصل له، ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث(٤).
وقال الطبراني في ((كتاب السُّنَّة)): حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:
قال رجل لأبي: إن رجلاً قال: خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل،
فقال: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الشيخ محمد الكرخي الشافعي أنه
قال في كتابه: ((الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاماً لذوي البدع
(١) ((صحيح ابن حبان)) - كما في الإحسان - ٤٢٠/١٢.
(٢) ((فتح الباري)) ١٨٣/٥.
(٣) ((تأويل مختلف الحديث)) ص٣١٩.
(٤) ((بيان تلبيس الجهمية)) ٤٢٤/٦.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
والفضول)) ما نصه: فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر
ذلك عن إمام معروف غير مجهول، نحو ما يُنسب إلى أبي بكر محمد بن
إسحاق بن خزيمة في تأويل الحديث: ((خلق آدم على صورته))، فإنه يفسر ذلك
بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أئمة الحديث، لِمَا رويناه عن
أحمد دَخَّتُهُ، ولم يتابعه أيضاً مَن بعده(١).
ثم قال شيخ الإسلام: قلت: فقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني فيما
جَمَعه من مناقب الإمام الملقّب بقوام السُّنَّة أبي القاسم إسماعيل بن محمد
التميمي صاحب كتاب ((الترغيب والترهيب))، قال: سمعته يقول: أخطأ
محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطعن عليه بذلك، بل لا
يؤخذ عنه فحسب، قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلَّ مِن إمام إلا وله
زلة، فإذا تُرك ذلك الإمام لأجل زلّته، تُرك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن
يُفعل(٢).
وقال الذهبيّ في ((سير أعلام النبلاء)) - في ترجمة محمد بن إسحاق بن
خزيمة -: وكتابه في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة،
فليُعْذَر مَن تأوّل بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل بل آمنوا
وكفّوا، وفوّضوا عِلم ذلك إلى الله تعالى ورسوله بَّي، ولو أن كل من أخطأ في
اجتهاده - مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدّعناه، لقلّ من
يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنّه وكرمه(٣).
وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية في ((بيان تلبيس الجهمية)) ثلاثة عشر
وجهاً لإبطال هذا القول:
* منها: أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير، فإن الله خلق آدم على
صورة بنيه كلهم، فتخصيص واحد لم يتقدم له ذِكر بأن الله خلق آدم على
(١) ((بيان تلبيس الجهمية)) ٤٠٤/٦ - ٤٠٦.
(٢) ((بيان تلبيس الجهميّة)) ٤٠٩/٦ - ٤١١.
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) ٣٧٤/١٤.

٦٧
(٣٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ - حديث رقم (٦٦٢٨)
صورته في غاية البعد، لا سيما وقوله: ((وإذا قاتل أحدكم .. وإذا ضرب
أحدكم)) عام في كل مضروب، والله خلق آدم على صُوَرهم جميعهم، فلا معنى
لإفراد الضمير، وكذلك قوله: ((لا يقولن أحدكم: قبّح الله وجهك ووجه من
أشبه وجهك)) عام في كل مخاطب، والله قد خلقهم كلهم على صورة آدم.
* ومنها: أن ذرية آدم خُلقوا على صورة آدم، لم يخلق آدم على
صُوَرهم، فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه: خلق الثاني المتأخر في الوجود
على صورة الأول المتقدم وجوده، لا يقال: إنه خلق الأول على صورة الثاني
المتأخر في الوجود، كما يقال: خلق الخلق على غير مثال أو نسيج هذا على
منوال هذا.
* ومنها: أنه إذا أُريدَ مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يَحْتَجْ إلى لفظ خلق
على كذا، فإنّ هذه العبارة إنما تُستعمل فيما فُطِرِ على مثال غيره، بل يقال: إن
وجهه يشبه وجه آدم، أو فإن صورته تُشْبه صورة آدم.
* ومنها: أنه لو كانت علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه
آدم لنهى أيضاً عن الشتم والتقبيح وسائر الأعضاء، لا يقولن أحدكم: قطع الله
يدك ويد من أشبه يدك ... إلخ ما ذكره(١).
[القول الثاني]: أن الضمير يعود إلى آدم.
وهو مرويّ عن أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، ذكره القاضي أبو
الحسين في طبقات الحنابلة في ترجمة محمد بن علي الجرجاني، المعروف
بحمدان أنه قال: سألت أبا ثور عن قول النبيّ: ((إن الله خلق آدم على
صورته))، فقال: على صورة آدم(٢).
ونقله الإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة، كما في ((بيان التلبيس))
لشيخ الإسلام ابن تيمية.
وذكره البيهقيّ في ((الأسماء والصفات)) عن أبي سليمان الخطابيّ،
وأقرَّه(٣).
(١) بيان تلبيس الجهمية)) ٤٢٣/٦ - ٤٣٢.
(٢) (طبقات الحنابلة)) ٣٠٩/١.
(٣) ((الأسماء والصفات)) ٦١/٢ - ٦٢.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ونَسَبه ابن قتيبة إلى أهل الكلام، فقال: فقال قوم من أصحاب الكلام:
أراد: خلق آدم على صورة آدم، لم يزد على ذلك(١). وإليه ذهب العراقيّ في
((طرح التثريب))(٢).
وقد ردّ الأئمة هذا القول وأبطلوه وبدّعوا قائله:
فقد قال الإمام أحمد - لمّا ذُكر له قول أبي ثور المتقدم -: من قال:
إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأيُّ صورة كانت لآدم قبل أن
يخلقه؟(٣) .
وقال ابن قتيبة - بعد ذكره لهذا القول -: ولو كان المراد هذا، ما كان
في الكلام فائدة، ومن يشك في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته،
والسِّباع على صورها، والأنعام على صورها؟(٤).
وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية لفساد هذا القول تسعة أوجه في كتابه
((بيان تلبيس الجهميّة))، نقتصر على ذكر ثلاثة منها(٥)؛ لأنها كافية في إبطاله:
* أحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم
على صورة آدم، أو لا تقبحوا الوجه، ولا يقل أحدكم: قبّح الله وجهك ووجه
من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورة آدم، كان هذا من أفسد الكلام،
فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلاً، فإن كون آدم مخلوقاً على صورة
آدم، فأي تفسير فسَّر به فليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه، ولا
عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها، وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فرّق
الحديث المروي: ((إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه)) مفرداً، وروي قوله: ((إن الله
خلق آدم على صورته)) مفرداً، أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير
إلى آدم يمنع فيه، وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم
أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع فلا يناسب هذا الحكم.
* الوجه الثاني: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم، فلو كان
(١) ((تأويل مختلف الحديث)) ص٣١٨.
(٣) ((طبقات الحنابلة)) ٣٠٩/١.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٠٤/٨.
(٤) ((تأويل مختلف الحديث)) ص٣١٨.
(٥) هي التي اقتصر عليها صاحب رسالة ((حديث الصورة)).

٦٩
(٣٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ - حديث رقم (٦٦٢٨)
مانعاً من ضرب الوجه أو تقبيحه لوجب أن يكون مانعاً من ضرب سائر الوجوه
وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين، وتعليل الحكم
الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبيّ وَل و لا يصدر
إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته وحُسن
كلامه وبیانه.
* الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه، وهذا من أعظم
التناقض، وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يُخلق من نطفة وعَلَقة
ومضغة، وعلى أنه لم يتكوّن في مدة طويلة بواسطة العناصر، وبَنُوه قد خُلقوا
من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وخُلقوا في مدة عناصر الأرض ... ، فإن
كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خُلق على ذلك الوجه، وهذه
العلة منتفية في بَنِيه، فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بَنِيه وتقبيحها لانتفاء العلة
فيها، فإن آدم هو الذي خُلق على صورة دونهم، إذ هم لم يُخلقوا كما خُلق
لآدم على صورهم التي هم عليها، بل نُقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة (١).
[القول الثالث]: أن الضمير يعود على الله ريال .
وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول فيما أملاه على بعض أصحابه من أقوال
أهل السُّنّة والجماعة، قال القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة - في ترجمة
أبي جعفر محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي -: نقلت من خط أحمد
الشنجي بإسناده قال: سمعت محمد بن عوف يقول: أملى عليَّ أحمد بن حنبل
- فذكر جملة من المسائل التي أملاها عليه مما يعتقده أهل السُّنَّة والجماعة،
ومنها -: وأن آدم ◌َ و خلق على صورة الرحمن كما جاء الخبر عن
رسول الله وَال﴾(٢).
وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عن جمهور السلف.
قال ابن قتيبة تَخُّْهُ: والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست
بأعجب من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في
القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن
(١) ((بيان تلبيس الجهمية)) ٤٣٣/٦.
(٢) ((طبقات الحنابلة)) ٣١٣/١.

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حدّ (١).
وقد انتصر لهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((بيان تلبيس الجهميّة)).
وقد ذهب بعض أهل السُّنّة والجماعة إلى أن إضافة الصورة إلى الله من
باب التشريف والتكريم، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وكما يقال
في الكعبة: بيت الله، ونحو ذلك(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أقرب هذه الأقوال عندي، وأرجحها هو ما
ذهب إليه الكثيرون، وانتصر له شيخ الإسلام من إثبات الصورة لله تعالى بهذا
الحديث، على ما يليق بجلاله ◌َالَ، فلا داعي للتأويلات المتعسّفة، بل ما دلّ
عليه ظاهر النصّ هو المَحْمَل الصحيح، فتأمله بالإمعان، والإنصاف.
ومما يؤيّد ذلك؛ أن الصورة لله ◌َ ثابتة في النصوص الصحيحة
الأخرى، ومن أقواها وأبينها، ذلك ما أخرجه الشيخان(٣) عن أبي هريرة لحظ اته؛
أنّ ناساً قالوا لرسول الله وَله: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال قلين:
((هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟)) قالوا: لا يا رسول الله!، وفيه:
((يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتّبعه، فيتّبع من كان
يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد
الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى
في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله
منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في
صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتّبعونه ... ))
الحدیث.
فقد أثبت هذا الحديث الصحيح المتّفق عليه الصورة لله رحمك، فنثبتها كما
(١) ((تأويل مختلف الحديث)) ص٣١٨.
(٢) راجع: ((طرح التثريب)) ١٠٥/٨، وهو أحد الأجوبة التي أجاب بها الشيخ ابن
عثيمين عن الحديث، انظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) ١٠٩/١، قاله صاحب رسالة
((حديث الصورة)) ص١٧.
(٣) أخرجه البخاريّ (٦٥٧٣، ٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).

٧١
(٣٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ - حديث رقم (٦٦٢٩ - ٦٦٣٠)
أثبتها، وننزه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا
تعطيل، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاتِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريباً.
و((أبو الزناد)) عبد الله بن ذكوان ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد هذه ساقها الحُميديّ نَظُّهُ
في ((مسنده))، فقال:
(١١٢١) - حدّثنا (١) الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا ضرب أحدكم،
فليجتنب الوجه، فإن الله خَلَق آدم على صورته)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا شَيْئَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَذَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر،
قال أبو حاتم: اضطّرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦) وله بضع
وتسعون سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
(١) هذا من كلام الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.
(٢) ((مسند الحميديّ)) ٤٧٦/٢.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات، تقدّم أيضاً قريباً.
و«أبو هريرة
ذكر قبله .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَبَا أَيُوبَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ:
((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْهَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ الْعَنْبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يقال: وُلد أكمه، وهو رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (أَبُو أَيُّوبَ) الْمَرَاغيّ الأزديّ، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن
مالك، ثقةٌ [٣] مات بعد الثمانين (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة» ١٣٨٧/٣١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُبه ذُكر قبله.
وقوله: (فَلاَ يَلْطِمَنَّ الْوَجْهَ))) بفتح حرف المضارعة، وكسر الطاء، يقال:
لَطَمت المرأة وجهها لَظْماً، من باب ضرب: ضربَتْه بباطن كفّها، واللَّظمة
بالفتح: المرّة، قاله الفيوميّ كَّهُ(١).
والحديث سبق البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((المصباح المنير)) ٥٥٣/٢.

٧٣
(٣٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ - حديث رقم (٦٦٣٢ - ٦٦٣٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٢] (.) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا
الْمُثَنَّى (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ
الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ حَاتِم: عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَّمَ عَلَى صُورَتِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيَّ الْجَهْضَمِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ الجهضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩]
(ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
٣ - (الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ) الضُّبَعيّ، أبو سعيد البصريّ القَسّام القصير، ثقةٌ
[٦] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٦٩/٥٧.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ، رُبَّما وَهِمَ،
وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام مشهور [٩] (ت١٩٨) وهو ابن ثلاث وسبعين سنةً
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) تقدّم تحقيق البحث فيه قريباً، فلا
تغفل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا
هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَالِكِ الْمَرَاغِيِّ - وَهُوَ أَبُو أَيُّوبَ - عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو
سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ رُبَّما وَهِمَ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة) ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (الْمَرَاغِيَّ) بفتح الميم، وقيل: بكسرها، والأول أصحّ: نسبة إلى
قبيلة، قاله في ((اللباب))(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة
(٣٣) - (بَابُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٤] (٢٦١٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامِ، قَالَ: مَرَّ
بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسَ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزََّّتُ، فَقَالَ:
مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
((إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ) النخعيّ الكوفيّ القاضي، تقدّم قبل بابين.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ،
ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلَّس [٥] (ت٥ أو١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، تقدّم قريباً.
٥ - (هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٨٩/٣.

٧٥
(٣٣) - بَابُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقِّ - حديث رقم (٦٦٣٤)
قُصَيّ بن كلاب القرشيّ الأسديّ، وأمه زينب بنت العوّام أخت الزبير، كان هو
وأبوه من مُسلِمة الفتح، ذكره ابن سعد فيهم، قال: وكان رجلاً مَهِيباً.
رَوَى عن النبيّ ◌َّهِ، وروى عنه جُبير بن نُفير، وعروة بن الزبير، وقتادة السُّلَميّ.
قال الزهريّ: كان يأمر بالمعروف في رجال معه، وقال ابن وهب، عن
مالك: كان هشام كالسائح، ما يتخذ أهلاً، ولا ولداً، وقال مصعب الزبيريّ:
كان له فضل، ومات قبل أبيه، وقال أبو نعيم الأصبهانيّ: استُشهِد بأَجنادين.
وتعقّبه الحافظ، قائلاً: وهذا غَلَطٌ من أبي نعيم، فإن الذي قُتل بأجنادين
هشام بن العاص أخو عمرو، وأما هشام بن حكيم هذا فقد صحّ أنه كان
بحمص، وعياض بن غَنْم وَالٍ عليها، وذلك بعد أجنادين بمدّة طويلة، وأيضاً
فسماع عروة منه في ((الصحيح))، وعروة إنما وُلد بعد أجنادين، وفي
((الصحيحين)) عن عمر: ((سمعت هشام بن حكيم يقرأ ((سورة الفرقان)) على
حروف لم يُقرئنيها رسول الله وَلهو ... )) الحديث، وهو هذا. انتهى (١).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا
الحديث، وكرّره هنا ثلاث مرّات.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام بن
عروة، والباقيان كوفيّان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وأن
صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب السّة إلا هذا الحديث عن
مسلم، وأبي داود، والنسائيّ، راجع: ((تحفة الأشراف))(٢).
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيم بْنِ حِزَام) ◌َُّ (قَالَ) عروة: (مَرَّ) هشام بن
حكيم رُ (بِالشَّام) بهمزة، وَساكنة، ويَّجوز تخفيفها، والنسبة إليها شَأُميّ على
الأصل، ويجوز شام، بالمدّ من غير ياء، مثلُ يمنيّ، ويَمَانٍ، قاله الفيّوميّ(٣).
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٦٩/٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١.
(٢) ((تحفة الأشراف)) ٧٠/٩ - ٧١.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(عَلَى أَنَاسٍ) بضمّ الهمزة، قال الفيّوميّ ◌َُّ: قيل: وزنه فُعَالٌ، بِضَمّ الفَاءِ،
مُشْتَقُّ مِنَ الأُنس، لكن يجوزُ حذف الهمزة تخفيفاً، على غير قياس، فيبقى
النَّاسَ، وعنِ الكسائيّ أن الأُنَاسَ والنَّاسَ لُغَتانِ بِمِعَنْىّ واحد، وليس أحدهما
مشتقّاً من الآخر، وهو الوجهُ؛ لأنهما مادَّتَانِ مُخْتِلِفَتانِ في الاشْتِقَّاق، والحذف
تَغْيِيرٌ، وهو خِلاف الأَصْلِ. انتهى(١).
وفي الرواية التالية: ((قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أَنَاسٍ، مِنَ
الأَنْبَاطِ بِالشَّامِ)).
وقوله: (وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ) جملة في محلّ نصبٍ على الحال، وكذا
قوله: (وَصُبَّ) بضمّ الصاد المهملة، مبنيّاً للمفعول؛ أي: أُريق (عَلَى رُؤُوسِهِمُ
الزَّيْتُ) دُهن الزيتون، (فَقَالَ) هشام بن حِكِيم ◌ُ: (مَا هَذَا؟)؛ أي: أيُّ شيء
هذا الذي يُعذَّبونه هؤلاء؟ (قِيلَ) له: (يُعَذَّبُونَ) خبر لمحذوف؛ أي: هم يُعذّبون
(فِي الْخَرَاجِ)؛ أي: بسبب عدم دفعهم الخراج، فـ((في)) سببيّة، كما في قوله
تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]، (فَقَالَ)
هشام روايته: (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ((ألا))،
(إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في موضع الابتداء، كما قال في ((الخلاصة)):
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إنَّ)) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ) وَ (يُعَذِّبُ) يوم القيامة، وقوله:
(الَّذِينَ) في محلّ نصب على المفعوليّة لـ((يُعذّب)). (يُعَذِّبُونَ) وفي الرواية
التالية: ((يعذّبون الناس))، (فِي الدُّنْيَا))) قال القرطبيّ تَّقُ: يعني: إذا
عذبوهم ظالمين، إما في أصل التعذيب، فيعذبونهم في موضع لا يجوز فيه
التعذيب، أو بزيادة على المشروع في التعذيب، إما في المقدار، وإما في
الصفة، كما بيّناه في الحدود. انتهى(٢).
وقال النوويّ نَّتُهُ: هذا محمول على التعذيب بغير حقّ، فلا يدخل فيه
التعذيب بحقّ، كالقصاص، والحَدود، والتعزير، ونحو ذلك(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦/١.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٦/ ١٦٧.
(٢) ((المفهم)) ٥٩٩/٦.

٧٧
(٣٣) - بَابُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٌّ - حديث رقم (٦٦٣٤)
وقال المناويّ تَخُّْ: المراد أن لهم مزيد مزيّة على غيرهم من عُصاة
المؤمنين الذين يعذبهم بذنوبهم، وقد يُدرك العفو من شاء الله رَك منهم، فلا
يُعَذَّب أصلاً، وذِكْرُ الدنيا مع أنه لا يكون إلا فيها تتميمٌ، أو للمقابلة.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث هشام بن حكيم ◌ً هذا من أفراد
المصنّف نَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٣٤/٣٣ و٦٦٣٥ و٦٦٣٦ و٦٦٣٧] (٢٦١٣)،
و(أبو داود) في ((الخراج)) (٣٠٤٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٦/٥)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٤٠٤/٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني))
(٤٢٥/١)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٠٦/٤)، و(ابن منده) في
((الفوائد)) (٥١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٥/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الوعيد الشديد لمن يعذّب الناس بغير موجب لذلك،
فإن الله تعالى يعذّبه في نار جهنّم، وهي أشدّ حرّاً.
٢ - (ومنها): أنه يَحْرُم تعذيب الذميّ بعدم دفعه الجزية، إذا كان عاجزاً،
وأما إذا كان قادراً، فامتنع عن أدائها ظلماً، فإنه يعاقَب بما يناسب حاله.
٣ - (ومنها): بيان أن العالِم يجب عليه إذا رأى ارتكاب ظلم ونحوه أن
يذكر ما عنده من العلم، حتى يرتدع الناس به، وينكفّوا عن الظلم.
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﴿ه من الصدع بالحقّ، من غير
خوف، ولا استكانة، فقد دخل هذا الصحابيّ هشام بن حكيم على أمير
فلسطين، وذكّره بحديث النبيّ وَّر، فتذكّر، فخلّى سبيل المعذّبين، وهكذا من
حقّ المسلم أن يصدع بالحقّ، ولو كان عند ظالم، فقد أخرج أبو داود،
(١) ((فيض القدير)) ٣٠٤/٢.

٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
اللّه .
قال: قال رسول الله
والترمذيّ، وابن ماجه عن أبي سعيد الخدريّ
((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر - أو - أمير جائر))، وهو حديث
صحيح.
وأخرج النسائيّ عن طارق بن شهاب، أن رجلاً سأل النبيّ وٍَّ، وقد
وضع رجله في الْغَرْز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حق عند سلطان جائر))،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
أَبِيهِ، قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ، مِنَ الأَنْبَاطِ بِالشَّامِ،
قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ هِشَامٌ:
أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي
الدُّنْيَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أبو كريب)) هو: محمد بن
العلاء، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أُسامة.
وقوله: (مِنَ الأَنْبَاطِ بِالشَّامِ) بفتح الهمزة: هم فلاحو العجم، قاله
النوويّ كَّلُ، وقال الفيّوميّ تَغْتُهُ:َ النَّبَطُ: جِيلٌ من الناس، كانوا ينزلون سَوَاد
العراق، ثم استُعمل في أخلاط الناس، وعوامّهم، والجمع: أَنْبَاطٌ، مثل سَبَبٍ
وأسباب، الواحد نُبَاطِيٌّ بزيادة ألف، والنونُ تُضَمّ، وتُفتح، قال الليث: ورجل
نَبَطِيٌّ، ومنعه ابن الأعرابيّ، واسْتَنْبَطْتُ الحكمَ: استخرجتُه بالاجتهاد، وأَنْبَطْتُهُ
إِنْبَاطاً مثله، وأصله من اسْتَنْبَطَ الحافرُ الماءَ، وأَنْبَطَهُ إِنْبَاطاً: إذا استخرجه
(١)
بعمله. انتھی(١).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ((الأنباط)): جمع نَبَط، وهم قوم ينزلون بالبطائح بين
العراقَيْن، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يَنبِطون الماء؛ أي: يحفرون عليه، حتى يخرج
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩٠/٢ - ٥٩١.

٧٩
(٣٣) - بَابُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٌّ - حديث رقم (٦٦٣٦)
على وجه الأرض، يقال: نبط الماءُ يَنْبُط وينبِط، من بابي قتل، وضرب: إذا
نبع، أنبط الحفّارُ الماءَ: إذا بلغ إليه، والاستنباط: استخراج العلوم، ويقال
للنبط: نَبِيط أيضاً، وكانوا إذ ذاك أهل ذمّة، ولذلك عُذّبوا بالشمس، وصُبّ
الزيت على رؤوسهم لأجل الجزية، وكأنهم امتنعوا من الجزية مع التمكّن،
فعوقبوا لذلك، فأمَّا مع تبيّن عجزهم، فلا تحل عقوبتهم بذلك، ولا بغيره؛
لأنَّ من عجز عن الجزية سقطت عنه. انتهى(١).
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى تمام شرحه، وبيان
مسائله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٣٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِبِعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةً (ح)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ
فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: قَالَ: وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، غُّلَى فِلَسْطِينَ، فَدَخَلَ
عَلَيْهِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَخُلُّوا).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، إلا وكيعاً، فذُكر قبل بابين،
و((جرير)) هو ابن عبد الحميد.
وقوله: (وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ) قال القرطبيّ كَلْقُ: كذا صحَّت
الرواية عند أكثر الشيوخ، وفي أكثر النُّسخ، وهو الصواب؛ لأنَّه عُمير بن
سَعْد بن عُمر القارئ الأنصاريّ، من بني عمرو بن عوف، يكنى أبوه أبا زيد،
وهو أحدُ من جَمَع القرآن الذي تقدَّم ذكره في حديث أنس، الذي قال فيه
أنس: أبو زيد أحد عمومتي، واختلف في اسم أبي زيد هذا، فقيل: سعد - كما
تقدم - وهو الأعرف، وقيل: سعيد، وكان عمر حظّه ولّى عُميراً حمص، وكان
يقال له: نَسيجُ وحده، ووقع في كتاب القاضي أبي علي الصدفيّ: عُمر بن
سعيد، قال أهل النقل: وهو وَهَمٌ، وأما عمرو بن سعيد فمعدود في الصحابة،
(١) «المفهم)) ٥٩٨/٦ - ٥٩٩.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وهو عمرو بن سعيد، ربيب الْجَلّاس بن سُويد المنافق(١)، ويتيمه، حكاه
القاضي أبو الفضل. انتهى (٢).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((وأميرهم يومئذ عمير بن سعد)) هكذا هو في
معظم النسخ عُمير - بالتصغير - ابن سَعْد - بإسكان العين، من غير ياء - وفي
بعضها عُمير بن سعيد، بكسر العين، وزيادة ياء، قال القاضي: الأول هو
الموجود لأكثر شيوخنا، وفي أكثر النُّسخ، وأكثر الروايات، وهو الصواب،
وهو عمير بن سعد بن عمير الأنصاريّ الأوسيّ، من بني عمرو بن عوف، ولّاه
عمر بن الخطاب رؤيته حمص، وكان يقال له: نسيج وحده، وأبو زيد
الأنصاريّ أحد الذين جمعوا القرآن، والله أعلم (٣).
وقال في ((تهذيب التهذيب)): عمير بن سعد الأنصاريّ الأوسيّ، روى عن
النبيّ ◌َّ، وعنه ابنه محمود، وأبو إدريس الخولانيّ، وحبيب بن عبيد،
وغيرهم.
قال مصعب الزبيريّ عن عبد الله بن محمد بن عُمارة: عُميرُ بن سعد بن
شَهِيد بن قيس بن النعمان بن عمرو بن أمية، له صحبة، وهو الذي رفع إلى
النبيّ ◌َ ﴿ كلام الْجَلّاس بن سُويد، وكان يتيماً في حِجره، ولم يشهد شيئاً من
المشاهد، وشَهِد فتوح الشام، واستعمله عمر على حمص، وكان من الزهاد،
هكذا قال ابن القداح.
وأما ابن سعد فقال: عُمير بن سعد بن عُبيد بن النعمان بن قيس بن
عمرو بن زيد بن أمية، كان أبوه ممن شَهِد بدراً، وأبوه سعد القاري أبو زيد،
واستُشهد بالقادسيّة، ولأبيه صحبة، وولّاه عمر على حمص، قال: ومات في
خلافة معاوية، كذا قال ابن سعد، وقيل: إنه وَهِمَ في ذلك تبعاً للواقديّ، وأن
الصواب ما قاله القدّاح، وقد فرّق بينهما غير واحد، وقال بعضهم: إن أبا زيد
الأنصاريّ لم يُعْقِب، وقال محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة،
عن عبد الرحمن بن عُمير بن سعد، قال لي ابن عمر: ما كان من الصحابة
(١) وهو الذي رفع كلام الجلاس إلى النبيّ وَّه. ((تت)).
(٢) ((المفهم)) ٥٩٩/٦ - ٦٠٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٦.