Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(٣٠) - بَابُ فَضْلٍ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦٢٠)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وأنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة
وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب
أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة له أحد المكثرين السبعة، بل هو رأسهم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه ◌ُبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهْ قَالَ: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ)
بضم الصاد، وفتح الراء، وهو الذي يَصْرَع الناس، ويَكْثُر ذلك منه، قال
الباجيّ: ولم يُرِدْ نفي الشدّة عنه، فإنه يُعْلَم بالضرورة شدّته، وإنما أراد أنه
ليس بالنهاية في الشدّة، وأشدّ منه الذي يملك نفسه عند الغضب، أو أراد أنها
شدّة لها كبير منفعة، وإنما الشدّة التي يُنتفع بها شدة الذي يملك نفسه عند
الغضب، كقولهم: لا كريم إلا يوسف، لم يُرَد به نفي الكرم عن غيره، وإنما
أريدَ به إثبات مزيّة له في الكرم، وكذا لا سيف إلا ذو الْفَقَار، ولا شجاع إلا
عليّ. انتهى(١).
وقال الطيبيّ تَقْتُ: ((الصُّرَعة)): المبالغ في الصَّرْع الذي لا يُغْلَب، فَنَقَله
إلى الذي يملك نفسه عند الغضب؛ فإنه إذا مَلَكها كان قد قهر أقوى أعدائه،
وشرّ خُصومه، ولذلك قال: ((أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك))(٢)، وهذا
من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغويّ بضرب من التوسّع والمجاز، وهو
من فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت
عليه شهوة الغضب، فَقَهرها بحِلمه، وصَرَعها بثباته، كان كالصُّرَعَة الذي يصرع
الرجال، ولا يصرعونه. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): ((الصُّرَعة): الذي يَصْرَع الناس كثيراً بقوّته، والهاء
للمبالغة في الصفة، والصُّرْعة بسكون الراء بالعكس، وهو من يصرعه غيره
كثيراً، وكل ما جاء بهذا الوزن بالضم، وبالسكون، فهو كذلك، كهُمَزة،
(١) ((تنوير الحوالك)) ٢١٣/١.
(٢) موضوع، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ ٣٠٨/٣.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٤٣/١٠.

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وعنه
ولُمَزة، وحُفَظة، وخُدَعة، وضُحَكة، ووقع بيان ذلك في حديث ابن مسعود نضـ
عند مسلم، وأوله: ((ما تعدُّون الصُّرَعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال)).
قال ابن التين: ضبطناه بفتح الراء، وقرأه بعضهم بسكونها، وليس بشيء؛ لأنه
عكس المطلوب، قال: وضُبط أيضاً في بعض الكتب بفتح الصاد، وليس بشيء.
(إِنَّمَا الشَّدِيدُ) المعتبَر شرعاً، (الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ))) وفي رواية
أحمد من حديث رجل لم يسمه، شَهِد رسول الله وَلّهِ يقول: الصُّرَعة كلُّ الصُّرَعة -
كررها ثلاثاً - الذي يغضب، فيشتدّ غضبه، ويحمرّ وجهه، فَيَصْرَعِ غَضَبَهُ. انتهى(١).
وقال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: وأما قوله: ((الصرعة))؛ فإنه يعني: الكثير القوّة
الذي يَصْرَع كلَّ من صارعه، ومثله من قول العرب: هذا رجل نُوَمةٌ؛ يعني:
كثير النوم، وحُفَظة؛ يعني: كثير الحفظ، وقال ابن حبيب: الصُّرَعة بتثقيل
الكلمة بالحركات، معناه: الذي يصرع الناس، قال: والصُّرْعة بالتخفيف:
الرجل الضعيف النحيف الذي يَصْرَعه الناس، حتى لا يكاد يَثْبت، وكذلك
الضُّحَكَة بالتثقيل: الذي يَضْحَك بالناس، والضُّحْكَة بالتخفيف: الذي يَضْحك
منه الناس، وبالله التوفيق. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٢٠/٣٠ و٦٦٢١ و٦٦٢٢] (٢٦٠٩)، و(البخاريّ)
في ((الأدب)) (٦١١٤) وفي ((الأدب المفرد)) (٤٤٦/١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(١٠٥/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٣٩٤ و٣٩٥ و٣٩٦ و٣٩٧)، و(معمر بن راشد)
في ((جامعه)) (١٨٨/١١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٨٨/١١)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٩٠٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٦/٢ و٢٦٨ و٥١٧)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١٦/٥)، و(الربيع بن حبيب) في ((مسنده)) (٢٧٤/١)،
و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٢١٢)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين))
(١) ((الفتح)) ٥١٩/١٠.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٣٢٣/٦.

٤٣
(٣٠) - بَابُ فَضْلٍ مَنْ يَعْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦٢١)
(٢٥/٣ و١٨٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٥/١٠ و٢٤١) وفي ((الزهد))
(٣٧١) و((شُعب الإيمان)) (٣٠٥/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ
الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ))، قَالُوا: فَالشَّدِيدُ أَيُّمَ هُوَ
يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤذِّب الشاميّ،
نزيل بغداد، ثقة(١) [١٠] (ت٢٢٨) (م كد) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) برقم [١١٧٤].
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (١٩٤) (ع)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤].
٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر الزُّبيديّ، أبو الْهُذيل الحمصيّ
القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو ٧ أو ١٤٩) (خ م د
س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤].
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
وقوله: (فَالشَّدِيدُ أَيُّمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) ((أيّ)) اسم استفهام خبر مقدّم
وجوباً مرفوع بالضمة، و((م)) أصلها ((ما)) زائدة زيدت تعويضاً عما فات (أيّ)
من الإضافة، مبني بسكون على الألف المحذوفة؛ تشبيهاً لها بـ(ما)) الاستفهاميّة
التي دَخَل عليها جر الجرّ؛ لوقوعها بعد اسم الاستفهام، وقوله: ((هو)) مبتدأ
مؤخّر(٢)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية الزُّبيديّ عن الزهريّ هذه ساقها الطبرانيّ ◌َُّ في ((مسند
الشاميين))، فقال:
(١) هذا أَولى من قوله في ((التقريب)): ((صدوق)). راجع ترجمته في: ((تت)).
(٢) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) حفظه الله تعالى ٢٤/ ٤٢٧.

٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(١٧٣٠) - حدّثنا محمد بن الحسين الأنماطيّ، ثنا سالم بن قادم، ثنا
محمد بن حرب الأبرش، عن الزُّبَيديّ، عن الزهريّ، عن حُميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((ليس الشديد بالصُّرَعة))، قالوا: فمن
الشديد يا رسول الله؟ قال: ((الذي يملك نفسه عند الغضب)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ، أَخْبَرَنَا
أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل بابين.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن
الفضل بن بَهْرَام السَّمَرْقَنْديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب ((المسند))،
ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م « ت) تقدم في
((المقدمة)) ٢٩/٥.
٦ - (أَبُو الْيَمَانِ) الْحَكّم بن نافع الْبَهْرانيّ الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ
ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولةٌ [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
٧ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بِشْر
الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [v]
(ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
(١) ((مسند الشاميين)) ٢٥/٣.

٤٥
(٣٠) - بَابُ فَضْلٍ مَنْ يَعْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦٢٣)
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لمعمر بن راشد، وشُعيب بن
أبي حمزة.
[تنبيه]: أما رواية معمر عن الزهريّ، فقد ساقها عبد الرزّاق تَُّهُ في
(مصنفه))، فقال:
(٢٠٢٨٧) - أخبرنا(١) عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّيقول: ((ليس الشديد
بالصُرَعة))، قالوا: فمن الشديد يا رسول الله؟ قال: ((الذي يملك نفسه عند
(٢)
الغضب)). انتهى
وأما رواية شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، فقد ساقها الطبرانيّ تَخَُّ
في ((مسند الشاميين))، فقال:
(٣٠٦٥) - حدّثنا أبو زُرعة، ثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ،
أخبرني حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَلاقه
يقول: ((ليس الشديد بالصُّرَعة))، قالوا: وما الشديد يا رسول الله؟ قال: ((الذي
يملك نفسه عند الغضب)). انتهى(٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٣] (٢٦١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ
يَحْبَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ
ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ، فَجَعَلَ
أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً،
لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم))، فَقَالَ الرَّجُلُ:
وَهَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ؟ قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: فَقَالَ: وَهَلْ تَرَى، وَلَمْ يَذْكُرٍ
الرَّجُلَ).
(١) قائل ((أخبرنا)) هو: الراوي عن عبد الرزّاق، فتنبّه.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٨٨/١١.
(٣) ((مسند الشاميين)) ١٨٣/٤.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [٤] (ت١١٦)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ) - بضمّ المهملة، وفتح الراء - ابن الْجَوْن
الْخُزاعيّ، أبو مُطَرِّف الكوفيّ الصحابيّ، قُتِل بعين الوَرْدَة سنة خمس وستين
(ع) تقدم في ((الحيض)) ١٠/ ٧٤٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف كَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير يحيى بن
يحيى، فنيسابوريّ، وقد دخل الكوفة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) - بضمّ الصاد، وفتح الراء، بعدها دال مهملات -
وهو ابن الْجَوْن بن أبي الْجَوْن الْخُزاعي صحابيّ شهير، يقال: كان اسمه يسار
- بتحتانية، ومهملة - فَغَيَّرِه النبيّ وََّ، ويُكنَى أبا الْمُطَرِّف، وقُتل في سنة خمس
وستين، وله ثلاث وتسعون سنةً، قاله في ((الفتح))(١)
(قَالَ) سليمان رَّهِ: (اسْتَبَّ رَجُلَانٍ) قال الحافظ: لم أعرف أسماءهما،
ووقع في ((صفة إبليس)) من وجه آخر عن الأعمش، بهذا السند: ((كنت جالساً
مع النبيّ ◌َّ﴾، ورجلان يستبّان))(٢). (عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ، فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ، وبدأ
(أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ) بالفتحِ: جَمْع وَدَج بفتحتين، أو بفتح،
فكسر، قال الفيّوميّ كَُّ: الوَدَجُ بفتح الدال، والكسر لغةٌ: عِرْقُ الأخدع الذي
يَقطعه الذّابح، فلا يبقى معه حياة، ويقال: في الجسد عِرْقُ واحد، حيثما قُطع
مات صاحبه، وله في كلّ عضو اسم، فهو في العُنُق: الوَرَجُ، والوَرِيدُ أيضاً،
وفي الظهر: النِيَاطُ، وهو عِرْق ممتدٌ فيه، والأَبْهَرُ، وهو عِرْق مُستَبِطِنُ الصُّلْب،
(١) ((الفتح)) ٦٠٢/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٤٨).
(٢) ((الفتح)) ٦٠٢/١٣.

٤٧
(٣٠) - بَابُ فَضْلٍ مَنْ يَعْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦٢٣)
والقلبُ متصلٌ به، والوَتِينُ في البطن، والنَّسَا في الفخذ، والأَبْجَلُ في الرِّجل،
والأَكْحَلُ في اليد، والصَّافِنُ في السّاق، وقال في ((المجرّد)) أيضاً: الوريد عِرْقٌ
كبيرٌ يدور في البدن، وذَكَر معنى ما تقدَّم، لكنَّه خالف في بعضه، ثم قال:
والوَدَجَانِ: عِرْقان غَليظان، يكتنفان ثُغْرَة النّحر يميناً ويساراً، والجمع أَوْدَاجٌ،
مثل سَبَبٍ وأَسْبَابٍ، ووَدَجْتُ الدّابّةَ وَدْجاً، من باب وَعَدَ: قَطَعْتُ وَدَجَها،
ووَدَّجْتُهَا بالتّثقيلِ مبالغةٌ، وهو لها كالفصد للإنسان؛ لأنّه يقال: وَدَجْتُ المالَ:
إذا أصلحته، ووَدَجْتُ بين القوم: أصلحتُ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أسماء هذه العروق، فقلت:
قُطِعَ صَاحِبُهُ مَاتَ أَلَمَا
يُقَالُ فِي الْجَسَدِ عِرْقٌ حَيْثُمَا
لَهُ تَشَغُّبٌ بِأَعْضَاءِ الْجَسَدْ
فِي كُلِّ عُضْوٍ خُصَّ بِاسْمِ انْفَرَدْ
كَذَلِكَ الْوَدَجُ ذُو تَسْدِيدٍ
فَخُصَّ فِي الْعُنُقِ بِالْوَرِيدِ
اسْتَبْطَنَ الصُّلْبَ بَأَبْهَرٍ خُذِ
فِي الّهْرِ بِالنِّيَاطِ يُدْعَى وَالَّذِي
فِي الْبَطْنِ بِالْوَتِينِ صَارَ يُعْفَلُ
وَذَا بِهِ الْقَلْبُ غَدَا يَتَّصِلُ
رِجْلٍ وَبِالأَكْحَلِ فِي الْيَدِ يَفِي
وَبِالنَّسَا فِي الْفَخْذِ وَالأَبْجَلُ فِي
نَظْمِي لِمَنْ يَرْغَبُ مِنْ ذَوِي النُّهَى(٢)
فِي السَّاقِ بِالصَّافِنِ يُدْعَى وَانْتَهَى
وفي رواية البخاريّ: ((فاشتدّ غضبه، حتى انتفخ وجهه، وتغيّر))، وفي
حديث معاذ بن جبل ظُه عند أحمد، وأصحاب ((السنن)): ((حتى إنه ليُخَيَّل إليّ
أن أنفه ليتمزَّع من الغضب)).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً) فيه إطلاق الكلمة على الكلام؛
لأن ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) جملة، وهو إطلاق لغويّ، وهو الذي عناه
ابن مالك تَخْتُ في ((الخلاصة)) بقوله:
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمّ
(لَوْ قَالَهَا)؛ أي: الكلمة، (لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ)؛ أي: وَجَده من شدّة
الغضب، ثم بيّن الكلمة بقوله: (أَعُوذُ)؛ أي: أعتصم، وأتحصّن (بِاللهِ مِنَ
(١) ((المصباح المنير)) (٦٥٢/٢).
(٢) راجع: ((الفوائد السميّة)) ص٤٣ - ٤٤.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الشَّيْطَانِ الرَّجِيم))) وفي حديث معاذ رَظُه: ((إني لأعلم كلمة لو يقولها هذا
الغضبان، لذهبَ عنه الغضب، اللَّهُمَّ أني أعوذ بك من الشيطان الرجيم)). (فَقَالَ
الرَّجُلُ) بعدما كلّمه رجل بما قاله النبيّ وَّ، ففي الرواية التالية: ((فَقَامَ إِلَى
الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه آنِفاً؟
فذكر له))، وفي رواية أبي داود ما يُبيّن أن الرجل الذي قام إليه هو معاذ بن
جبل، ولفظه: ((قال: فجعل معاذ يأمره، فأبى، وضَحِك، وجعل يزداد غضباً))،
وفي رواية البخاريّ: ((فانطلق إليه الرجل، فأخبره بقول النبيّ وَله، وقال: تعوّذ
بالله من الشيطان))، قال في ((الفتح)): قوله: ((وقال: تعوّذ بالله))، وفي رواية:
((إن النبيّ وَّ قال: تعوذ بالله))، وهو بالمعنى، فإنه وسّ أرشده إلى ذلك، وليس
في الخبر أنه أمَرهم أن يأمروه بذلك، لكن استفادوا ذلك من طريق عموم الأمر
بالنصيحة للمسلمين. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ((وليس في الخبر أنه أمرهم إلخ)) هذا عجيب،
أليس قوله: ((إن النبيّ وَّر قال: تعوّذ بالله)) أمراً صريحاً، فتأمله بالإمعان، وبالله
تعالى التوفيق.
فقال الرجل لمّا أخبروه بذلك: (وَهَلْ تَرَى) بفتح، وضبطه في ((الفتح))
بضمها؛ أي: أتظنّ (بِي مِنْ جُنُونٍ؟) ((من)) زائدة.
وفي رواية البخاريّ: ((أمجنون أنا، اذهب))، وقوله: ((اذهب)) هو خطاب
من الرجل للرجل الذي أمَره بالتعوّذ؛ أي: امْضٍ في شغلك.
وأَخْلِق بهذا المأمور أن يكون كافراً، أو منافقاً، أو كان غلب عليه
الغضب، حتى أخرجه عن الاعتدال، بحيث زجر الناصح الذي دلّه على ما
يزيل عنه ما كان به من وَهَج الغضب بهذا الجواب السيئ.
وقيل: إنه كان من جُفاة الأعراب، وظنّ أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا
مَن به جنون، ولم يعلم أن الغضب نوع من شرّ الشيطان، ولهذا يخرج به عن
صورته، ويزيّن إفساد ما له كتقطيع ثوبه، وكَسْر آنيته، أو الإقدام على من
أغضبه، ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال.
(١) ((الفتح)) ٥٩٩/١٣.

٤٩
(٣٠) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَهْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦٢٣)
وقد أخرج أبو داود من حديث عطيّة السعدي، رفعه: ((إن الغضب من
الشيطان ... )) الحديث.
وقوله: (قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ)؛ يعني: شيخه الثاني، (فَقَالَ)؛ أي: الرجل
الغضبان: (وَهَلْ تَرَى، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَ)؛ يعني: أنه قال: ((فقال: وهل ترى
بي من جنون))، وحَذَف لفظ ((الرجل))، وحاصل ما أشار إليه بيان اختلاف
شيخيه في هذا، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سليمان بن صُرَد ◌َ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٢٣/٣٠ و٦٦٢٤ و٦٦٢٥] (٢٦١٠)،
و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٨٢) و((الأدب)) (٦٠٤٨) وفي ((الأدب المفرد))
(١٥٥/١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٧٨١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/
١٠٤) و((عمل اليوم والليلة)) (٣٠٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/
٥٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٤/٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢/
٤٤١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٤٨٨ و٦٤٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٦٩٢)، و(هناد بن السريّ) في ((الزهد)) (٦٠٩/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الغضب في غير الله تعالى من نَزْغ الشيطان.
٢ - (ومنها): أنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ، فيقول: ((أعوذ بالله
من الشيطان الرجيم))، فإنه سبب لزواله، كما أخبر النبيّ وَلّ بذلك.
٣ - (ومنها): أن هذه الاستعاذة التي ذكرها النبيّ ◌َّ في هذا الحديث
هي إحدى طرق علاج الغضب، وقد روى أبو داود، وصححه ابن حبّان عن
أبي ذَرّ ◌َظ ◌ُبه قال: إن رسول الله وَ ل قال لنا: ((إذا غَضِب أحدكم، وهو قائم،
فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع))(١).
(١) حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ.

٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وأخرج أبو داود عن عطية قال: قال رسول الله وَّل: ((إن الغضب من
الشيطان، وإن الشيطان خُلق من النار، وإنما تُطفَأ النار بالماء، فإذا غضب
أحدكم فليتوضأ))(١) .
وأخرج ابن السنيّ عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال: كانت
عائشة ﴿ّا إذا غضبت عَرَكَ النبيّ وَّهِ بأنفها، ثم يقول: ((يا عُويش، قولي:
اللَّهُمَّ رب محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأَجِرْني من مُضلّات
الفتن))(٢).
وأخرج ابن ماجه عن ابن عمر ها قال: قال رسول الله وَله: ((ما من
جُرْعة أعظم أجراً عند الله، من جُرعةِ غيظِ، كظمها عبدٌ ابتغاءَ وجه الله)).
(٣)
انتھی(٣) .
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّثُ: وأما قول هذا الرجل الذي اشتد
غضبه: ((هل ترى بي من جنون؟)) فهو كلام من لم يفقه في دين الله تعالى، ولم
يتهذّب بأنوار الشريعة المكرّمة، وتوهّم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون، ولم
يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان، ولهذا يخرج به الإنسان عن اعتدال
حاله، ويتكلم بالباطل، ويفعل المذموم، وينوي الحقد، والبغض، وغير ذلك،
من القبائح المترتبة على الغضب، ولهذا قال النبيّ وَلّ الذي قال له: أوصني:
((لا تغضب))، فردّد مراراً، قال: ((لا تغضب))، فلم يزده في الوصية على ((لا
تغضب))، مع تكراره الطلب، وهذا دليل ظاهر في عِظَم مفسدة الغضب، وما
ينشأ منه.
ويَحْتَمِل أن هذا القائل: ((هل ترى بي من جنون؟)) كان من المنافقين، أو
من جُفاة الأعراب، والله أعلم(٤).
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَثّلُهُ: هذا الحديث يدلّ على أن الشيطان
(١) حديث ضعيف.
(٢) حديث ضعيف، رواه ابن السنّيّ في ((عمل اليوم والليلة)) ١/ ٤٠٤.
(٣) صححه الشيخ الألباني: لغيره، راجع: ((صحيح ابن ماجه)) ١٤٠١/٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٦٣.

٥١
(٣٠) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَعْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦٢٤)
له تاثيرٌ في تهييج الغضب، وزيادته، حتى يحمله على البطش بالمغضوب عليه،
أو إتلافه، أو إتلاف نفسه، أو شرّ يفعله، يستحق به العقوبة في الدنيا
والآخرة، فإذا تعوّذ الغضبان بالله من الشيطان الرجيم، وصحّ قَصْده لذلك، فقد
التجأ إلى الله تعالى، وقَصَده، واستجار به، والله تعالى أكرم من أن يَخْذُل من
استجار به، ولَمّا جَهِل ذلك الرجل ذلك المعنى، وظن أن الذي يحتاج إلى
التعوّذ إنما هو المجنون، فقال: ((أمجنوناً تراني؟))، منكراً على من نبّهه على ما
يُصلحه، ورادّاً لِمَا ينفعه، وهذا من أقبح الجنون، والجنون فنونٌ، وكأن هذا
الرجل كان من جُفاة الأعراب الذين قلوبهم من الفقه والفهم خراب. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّفِ دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
سَمِعْتُ الأَعْمَشَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِّ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ،
قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ نَِّ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغْضَبُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، فَنَظَرَ
إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَِّ، فَقَالَ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ، أَعُوذُ بِالهِ مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ))، فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ آنِفاً؟ قَالَ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ، أَعُوذُ
بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم))، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونَاً تَرَانِي؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ، ثقةُ ثبتُ،
طُلِب للقضاء فامتنع [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (آنِفاً) بالمدّ، والقصر، قال المجد تَظُّ: آنفاً، كصاحب،
وكَتِفٍ، وقُرئ بهما؛ أي: مذ ساعة؛ أي: في أول وقت يَقْرُب منّا. انتهى(٢).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٩٤.
(٢) ((القاموس)) ص٦٥.

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ،
عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حَقْصُ بْنُ غِيَاثٍ) النخعيّ الكوفيّ القاضي، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية حفص بن غياث عن الأعمش ساقها البخاريّ ◌َُّهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٧٠١) - حدّثنا عُمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدثنا الأعمش، قال:
حدّثني عديّ بن ثابت، قال: سمعت سليمان بن صُرَد رجلاً من أصحاب
النبيّ وَّرِ قال: استَبّ رجلان عند النبيّ وََّ، فغَضِب أحدهما، فاشتدّ غضبه،
حتى انتفخ وجهه، وتغيَّر، فقال النبيّ وَِّ: (إني لأعلم كلمةً، لو قالها لذهب
عنه الذي يجد))، فانطلق إليه الرجل، فأخبره بقول النبيّ وَلقر، وقال: تعوَّذ بالله
من الشيطان، فقال: أترى بي بأساً؟ أمجنونٌ أنا؟ اذهب. انتهى(١).
﴿إِنّ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣١) - (بَابٌ خُلِقَ الإِنْسَانُ خَلْقاً لَا يَتَمَالَكُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٦] (٢٦١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَمَّا
صَوَّرَ اللهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ، تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ،
يَنْظُرُ مَا هُوَ؟ فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ، عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقاً لَا يَتَمَالَكُ))).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٤٨/٥.

٥٣
(٣١) - بَابٌ خُلِقَ الإِنْسَانُ خَلْقاً لَا يَتَمَالَك - حديث رقم (٦٦٢٦)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدِّب، ثقةٌ
ثبتٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
الناس في ثابت، وتغيّر حِفظه بأَخَرَةٍ، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٣ - (تَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة
بضع وعشرين ومائة، وله ستّ وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (أَنَسُ) بن مالك ◌ُه تقدّم قريباً.
وشیخه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وفيه أثبت الرواة في شيخه: حماد بن
سلمة في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس ◌ُبه، لزمه أربعين سنةً، وفيه
أنس ربه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً.
شرح الحديث:
وَُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((لَمَّا صَوَّرَ اللهُ) وفي رواية ابن
(عَنْ أَنَسِ)
حبّان: ((لما خلَق الله)) (آدَمَ)؛ أي: خلق طينه، و((آدم)) اسم سريانيّ، وهو عند
أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال، بوزن خاتام، وزنه فاعال، وامتنع صرفه
للعجمة والعَلَمية، وقال الثعلبيّ: التراب بالعبرانية آدام، فسمّي آدم به، وحُذفت
الألف الثانية، وقيل: هو عربيّ، جزم به الجوهريّ، والجواليقيّ، وقيل: هو
بوزن أفعل، من الأُدْمة، وقيل: من الأديم؛ لأنه خُلق من أديم الأرض، وهذا
عن ابن عباس، ووجّهوه بأنه يكون كأعين، ومُنع الصرف؛ للوزن والعلمية،
وقيل: هو من أَدَمت بين الشيئين: إذا خَلَطت بينهما؛ لأنه كان ماءً وطيناً،
فخُلطا جميعاً، قاله في ((الفتح)(١).
(١) ((الفتح)) ٣٦٤/٦.

٥٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(فِي الْجَنَّةِ) فيه أن آدم عليَّهُ خُلق في الجنّة، (تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ)
((ما)) هذه بمعنى المدّة، (فَجَعَلَ)؛ أي: فشَرَع من كمال تلبيسه، (إِبْلِيسُ) قال
الفيّوميّ: أعجميّ، ولهذا لا ينصرف؛ للعجمة والعلميّة، وقيل: عربيّ مشتقّ من
الإبلاس، وهو اليأس، ورُدّ بأنه لو كان عربيّاً لانصرف، كما ينصرف نظائره،
نحو إِجْفيل، وإِخريط. انتهى(١).
(يُطِيفُ بِهِ) بضمّ حرف المضارعة، قال أهل اللغة: طاف بالشيء يطوف
طَوْفاً وطَوَافاً، وأطاف يُطيف: إذا استدار حواليه(٢).
وقال المناويّ: ((يُطيف به))؛ أي: يستدير حوله، ينظر إليه من جميع
جهاته، وقوله: (يَنْظُرُ مَا هُوَ؟) استئناف بيانيّ، أو حال؛ أي: يتفكر في عاقبة
أمره، ويتأمل ماذا يظهر منه؟(٣). (فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ) الأجوف الذي له جوف،
قاله ابن الأثير، وقال النوويّ: الأجوف صاحب الجوف، وقيل: هو الذي
داخله خالٍ (٤). (عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقاً لَا يَتَمَالَكُ)))؛ أي: لا يتقوى بعضه
ببعض، ولا قوّة له، ولا ثبات، بل يكون متزلزل الأمر، متغيّر الحال، متعرضاً
للآفات، والتمالك: التماسك، وقيل: المعنى: لا يقدر على ضَبْط نفسه من
المنع عن الشهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه
عند الغضب، قاله القاري(٥).
وقال النوويّ: معنى ((لا يتمالك)): لا يملك نفسه، ويحبسها عن
الشهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند
الغضب، والمراد: جنس بني آدم عليّا؛ أي: لا كلّهم؛ لأن فيهم معصومين.
(٦)
.
انتھی
وقال القرطبيّ تَخْتُ: يعني: أن الله تعالى لمّا صوّر طينة آدم، وشكّلها
(١) ((المصباح المنير)) ٦٠/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٦٤.
(٣) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٢٨/١٦.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٦٤.
(٥) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٢٨/١٦ - ٣٢٩.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/١٦.

٥٥
(٣١) - بَابٌ خُلِقَ الإِنْسَانُ خَلْقاً لَا يَتَمَالَكُ - حديث رقم (٦٦٢٦)
بشكله على ما سبق في علمه، فلما رآها إبليس أطاف بها؛ أي: دار حولها،
وجعل ينظر في كيفيتها وأمرها، فلما رآها ذات جوف وقع له أنها مفتقرة إلى ما
يسدّ جوفها، وأنها لا تتمالك عن تحصيل ما تحتاج إليه من أغراضها،
وشهواتها، فكان الأمر على ما وقع. انتهى(١) .
وقال المناويّ: قوله: ((فلما رآه أجوف))؛ أي: صاحب جوف، والأجوف
هو الذي داخله خالٍ، ((عَرَف أنه خَلْق)؛ أي: مخلوق ((لا يتمالك))؛ أي: لا
يملك دفع الوسوسة عنه، أو لا يتقوی بعضه ببعض، ولا يكون له قوّة وثبات،
بل يكون متزلزل الأمر، متغير الحال، مضطرب القال، مُعَرَّضاً للآفات،
والتمالك: التماسك، أو لا يتماسك عن ما يسدّ جوفه، ويجعل فيه أنواع
الشهوات الداعية إلى العقوبات، فكان الأمر كما ظنه.
قال التوربشتيّ: هذا الحديث مُشْكِل جدّاً، فقد ثبت بالكتاب والسُّنَّة أن
آدم من أجزاء الأرض، وأُدخل الجنة، وهو بشر حيّ، ويؤيّده المفهوم من نصّ
الكتاب: ﴿وَقُلْنَا يَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
وقال البيضاويّ: الأخبار متظاهرة على أن الله تعالى خلق آدم من تراب،
قبضه من وجه الأرض، وخَمَّره حتى صار طیناً، ثم تركه حتى صار صلصالاً ،
وكان مُلْقَّى بين مكة والطائف، ببطن نعمان(٢)، ولكن لا ينافي تصويره في
الجنة؛ لجواز أن تكون طينته لمّا خُمِّرت في الأرض، وتُركت فيها مضت عليها
الأطوار، واستعدّت لقبول الصورة الإنسانية، حُملت إلى الجنة، فصُوِّرت،
ونفخ فيها الروح، وقوله تعالى: ﴿يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥،
الأعراف: ١٩] لا دلالة فيه أصلاً على أنه أُدخلها بعد نفخ الروح؛ إذ المراد
بالسكون الاستقرار، والتمكن، والأمر به لا يجب كونه قبل الحصول في
الجنة، كيف وقد تظافرت الروايات على أن حواء خُلقت من آدم في الجنّة،
وهو أحد المأمورين به، ولعل آدم لعلّها لمّا كانت مادّته التي هي البدن من
(١) «المفهم)) ٦ /٥٩٦ - ٥٩٧.
(٢) قال الجامع عفا الله عنه: هذا يحتاج إلى دليل صحيح، فليُنظر ما هو؟ والله تعالى
أعلم.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
العالم السفليّ، وصورته التي تميز بها عن سائر الحيوان، وضاهى بها الملائكة
من العالم العلويّ، أضاف الرسول وس* تكوّن مادته إلى الأرض؛ لأنها نشأت
منها، وأضاف حصول صورته إلى الجنة؛ لأنها منها. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٢٦/٣١ و٦٦٢٧] (٢٦١١)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٢٠٢٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٢/٣ و٢٢٩ و٢٤٠ و٢٥٤)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٦٣)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١/
٤٠٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٧/١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١/
٢٧)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص٣٨٦)، و(الأصبهانيّ) في
((العظمة)) (١٥٥٨/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): هذا الحديث يدلّ على كيفيّة آدملعل*، وكذلك وردت به
أحاديث :
فمنها: ما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، والبزار، وصححه ابن حبان، من
طريق سعيد المقبريّ وغيره، عن أبي هريرة رضيبه مرفوعاً: ((إن الله خلق آدم من
تراب، فجعله طيناً، ثم تركه، حتى إذا كان حَمَأ مسنوناً، خَلَقه، وصوَّره، ثم
تركه، حتى إذا كان صلصالاً كالفخار، كان إبليس يمرّ به، فيقول: لقد خُلقت
لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه، وكان أول ما جرى فيه الروح بصره،
وخياشيمه، فعطس، فقال: الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك ... )) الحديث.
ومنها: حديث أبي موسى ربه مرفوعاً: ((إن الله خلق آدم من قبضة،
(١) ((فيض القدير)) ٢٩٧/٥.

٥٧
(٣١) - بَابٌ خُلِقَ الإِنْسَانُ خَلْقاً لَا يَتَمَالَكُ - حديث رقم (٦٦٢٦)
قَبَضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْر الأرض ... )) الحديث،
أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وصححه ابن حبان.
٢ - (ومنها): بيان أن الجنّة مخلوقة موجودة، وأن الله تعالى خلق آدم عليهل*
فيها .
٣ - (ومنها): بيان عداوة إبليس لآدم وذريته من أول ما خُلق، ثم استمرّ
إلى الآن، وسيستمرّ إلى قيام الساعة.
٤ - (ومنها): أن إبليس استدلّ بتمكّنه من إغواء آدم ظلَّا بكونه أجوف؛
ـه قضاء شهوة بطنه، وبه يحصل له فتور وغفلة، فيكون ذلك
لأنه يحتاج إلى
مدخلاً له.
٥ - (ومنها): أن هذه الجنّة التي خُلق فيها آدم لعلّها هي جنّة الخلد،
قال أبو عبد الله القرطبيّ تَكْتُهُ في ((تفسيره)): ولا التفات لِمَا ذهبت إليه
المعتزلة، والقَدَرية، من أنه لم يكن في جنة الخلد، وإنما كان في جنة بأرض
عدن، واستدلّوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لَمَا وصل إليه إبليس،
فإن الله يقول: ﴿لَا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِيرٌ﴾ [الطور: ٢٣]، وقال: ﴿لَّا يَسَّمَعُونَ فِيَهَا
[النبأ: ٣٥]، وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَاْ وَلَا تَأْثِيمًا (٣٥) إِلَّا قِيلًا
لَغْوَا وَلَا كِذَّبًا
[الواقعة: ٢٥، ٢٦].
سَلَمًا سَلَمًا
وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].
وأيضاً فإن جنة الخلد هي دار القدس، قُدِّست عن الخطايا والمعاصي
تطهيراً لها، وقد لغا فيها إبليس، وكذب، وأخرج منها آدم، وحواء
بمعصیتهما .
قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله، أن يطلب
شجرة الخلد، وهو في دار الخلد، والمُلك الذي لا يبلى؟.
فالجواب: أن الله تعالى عَرَّف الجنة بالألف واللام، ومن قال: أسأل الله
الجنة، لم يُفهم منه في تعارف الخَلْق إلا طلب جنة الخلد، ولا يستحيل في
العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم، وقد لقي موسى آدم الشاهد فقال له موسى:
أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها
جنة الخلد المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لردّ على موسى،

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
فلما سكت آدم على ما قرره موسى صحّ أن الدار التي أخرجهم الله رَبَّك منها
بخلاف الدار التي أخرجوا إليها .
وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها
فيها يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها، وقد
يخرج منها من قضي عليه بالفناء.
وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة
ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس، ثم انتزعت منه بعد المعصية،
وقد دخلها النبيّ وَّ ليلة الإسراء، ثم خرج منها، وأخبر بما فيها، وأنها هي
جنة الخلد حقّاً .
وأما قولهم: إن الجنة دار القدس، وقد طهَّرها الله تعالى من الخطايا
فجهلٌ منهم، وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة،
وهي الشام، وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدّسها، وقد شوهد فيها
المعاصي والكفر والكذب، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي، وكذلك
دار القدس .
قال أبو الحسن بن بطال: وقد حَكَى بعض المشايخ أن أهل السُّنَّة
مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أُهبط منها آدم علَّلها، فلا معنى لقول من
خالفهم .
وقولهم: كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو
في دار الخلد؟، فيُعْكَس عليهم، ويقال: كيف يجوز على آدم، وهو في كمال
عقله، أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء؟ هذا ما لا يجوز على من له أدنى
مسكة من عقل، فكيف بآدم الذي هو من أرجح الخلق عقلاً. انتهى(١).
٦ - (ومنها): ما قاله ابن جرير الطبريّ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا
يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية قال: وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة
قول من قال: إن إبليس أُخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم،
وأسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض، ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول:
(١) (تفسير القرطبيّ)) ٣٠٢/١ - ٣٠٣.

٥٩
(٣١) - بَابٌ خُلِقَ الإِنْسَانُ خَلْقاً لَا يَتَمَالَك - حديث رقم (٦٦٢٧)
﴿وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيٌَّ﴾ [البقرة: ٣٥، ٣٦].
٣٥
فَتَكُونَا مِنَ الَّلِمِينَ
فقد تبيَّن أن إبليس إنما أزلهما عن طاعة الله بعد أن لُعن، وأَظهر التكبر؛
لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد أن نُفخ فيه الروح، وحينئذ كان امتناع إبليس
من السجود له، وعند الامتناع من ذلك حلت عليه اللعنة. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع العبديّ، البصريّ،
مشهور بكنيته، صدوقٌ من صُّغار [١٠] مات بعد الأربعين ومائتين (م ت س)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
و((حمّاد)) بن سلمة ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية بهز بن أسد عن حمّاد بن سلمة هذه ساقها الرويانيّ تَّلهُ
في («مسنده)»، فقال:
(١٣٧٩) - نا أبو عبد الله، نا بهزٌ، نا حماد، عن ثابت، عن أنس، عن
رسول الله وَ﴾ قال: ((لَمّا خَلَق الله آدم، صَوَّره، ثم تركه في الجنة، ما شاء أن
يتركه، فجعل إبليس يُطيف به، فلما رآه أجوف، عَرَف أنه خلق لا يتمالك)).
(٢)
انتھی
.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾.
(١) ((تفسير الطبريّ)) ٢٢٩/١.
(٢) ((مسند الرويانيّ)) ٣٨٩/٢.

٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٣٢) - (بَابُ التَّهْي عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٨] (٢٦١٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ
- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ - عَنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبي البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون كلهم تقدّموا قبل خمسة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن
كان بصريّاً، إلا أن أصله من المدينة، وقد سكنها مدّة، وأنه من أصحّ أسانيد
أبي هريرة ظُه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظُه، وقد سبق
القول فيه غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا قَاتَلَ) وفي
الرواية الآتية: ((إذا ضرب)) (أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) وفي رواية: ((خادمه))، وفي لفظ:
((عبده))، وذِكر الخادم في بعض الروايات، والعبد في بعضها، ليس للتخصيص،
وإنما خَصّ؛ لأن سبب ذِكره أن إنساناً ضرب خادمه، وآخر عبده على وجهه،
فالسبب خاصّ، والحكم عامّ، فشمل الحكم إذا ضرب حدّاً، أو تعزيراً لله، أو
لآدمي، وكذا الوليّ، والسيد، والزوج(١).
وقال القرطبيّ ◌َخْلُهُ: معنى ((قاتل)): ضرب، وقد جاء كذلك في بعض
رواياته، وقد قلنا: إن أصل المقاتلة المدافعة، ويعني بالأخوة هنا - والله أعلم -
(١) ((فيض القدير)) ٣٩٧/١.