Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٢٨) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ - حديث رقم (٦٦١٣)
(٢٨) - (بَابُ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ)
[٦٦١٣] (٢٦٠٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدً فَلَ قَالَ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ
الثَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ))، وَإِنَّ مُحَمَّداً وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ
صِدِّيقاً، وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّاباً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، وقيل غير ذلك، الْهَمْدانيّ
السَّبِيعيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، يدلّس، واختلط بأَخَرَةٍ [٣] (ت١٢٩) وقيل: قبل
ذلك، (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٣ - (أَبُو الأَخْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة - بفتح النون، وسكون
الضاد المعجمة - الْجُشَميّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] قُتِل في ولاية
الحجّاج على العراق (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الشهير ظُه، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَثُ، وله فيه شيخان، وهما من مشايخ
الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ إذ
هما من الطبقة الثالثة، وفيه عبد الله بن مسعود من جلّة أصحاب النبيّ وَّ، ذو
مناقب جمّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً فَلَ قَالَ: ((أَلَا) أداة
استفتاح وتنبيه، يُلقى بها للمخاطب، تنبيهاً له، وإزالةً لغفلته. (أَنَبِّئُكُمْ) بضمّ

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أوله، وتشديد الموحّدة، من التنبيء، ويَحْتَمِل أن يكون بتخفيف الموحّدة، من
الإنباء؛ أي: ألا أُخبركم (مَا الْعَضْهُ؟) ((ما)) استفهامية مبتدأ، خبرها ((العضه))،
وهو بفتح العين المهملة، وسكون الضاد المعجمة: البُهتان الذي يُخَيِّر، قال في
(الصحاح)): الْعَضْه: الرمي بالبهتان، وقال في ((القاموس)): عَضَهَ، كَمَنَعَ:
كَذَبَ، وجاء بالإفك والبهتان، وفلاناً: أبهته، وقال فيه ما لم يكن، وسَخِرَ،
ونَمّ. انتهى(١).
وعَنْوَنَ بـ((ألا))؛ تنبيهاً على فَخامة ما يُلقيه من الكلام، وإشارةً إلى أنه
يتعيّن معرفته، ويَقْبح الجهل به، والله تعالى أعلم.
(هِيَ الثَّمِيمَةُ) ثم فسّرها بقوله: (الْقَالَةُ)؛ أي: القول (بَيْنَ النَّاسِ)))؛ أي:
هي نَقْل أقوال الناس بينهم على وجه الإفساد، وهو من الكبائر، قال
الغزاليّ كَُّ: النميمة: كَشْف ما يُكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو
المنقول إليه، أو ثالثٌ، وسواء كان بقول، أو كتابة، أو رمز، أو إيماء، وسواء
كان عيباً، أو نقصاً على المنقول عنه، أو لا، بل حقيقةُ النميمة إفشاء السرّ،
وهَتْك السِّتر عما يُكره كشفه. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَُّ: ((النميمة)): هي نَقْل كلام الناس بعضهم إلى بعض،
على جهة الإفساد، وقوله: ((ما العضه؟)) هذه اللفظة رَووها على وجهين:
أحدهما: العِضَةُ بكسر العين، وفتح الضاد المعجمة، على وزن الْعِدَة،
والزِّنَةِ .
والثاني: الْعَضْه، بفتح العين، وإسكان الضاد، على وزن الْوَجْه، وهذا
الثاني هو الأشهر في روايات بلادنا، والأشهر في كتب الحديث، وكُتب
غريبه، والأول أشهر في كتب اللغة، ونقل القاضي أنه رواية أكثر شيوخهم،
وتقدير الحديث - والله أعلم -: ألا أنبئكم ما العضه الفاحشُ الغليظ التحريم؟
(٣)
انتھی(٣).
(١) ((فيض القدير)) ١١٤/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/١٦.
(٢) ((فيض القدير)) ١١٤/١.

٢٣
(٢٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الثَّمِيمَةِ - حديث رقم (٦٦١٣)
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((ألا أنبئكم ما العضه؟)) هكذا أذكر أني قرأته
بفتح العين، وإسكان الضاد، والهاء، وهذا عند الجيّانيّ، وهو مصدر عَضَهه
يَعْضَهه عَضْهاً: إذا رماه بكذب، وبهتان، وقد رواه أكثر الشيوخ: ((ما
الْعِضَةُ)) - بكسر العين، وفتح الضاد، والتاء المنقلبة في الوقف هاءً، وهي
أصوب -؛ لأنَّ العِضَة اسم، والنميمة اسم، فصحّ تفسير الاسم بالاسم،
والعَضْهُ مصدرٌ، ولا يَحْسُن تفسير المصدر بالاسم، فالرواية الثانية أَولى،
والذي يبيِّن لك أن الْعِضَةَ اسم ما قاله الكسائيّ، قال: العضه: الكذب،
والبهتان، وجَمْعها ◌ِضُون، مثل عِزَة وعِزين، وقد بيّنا أن الْعَضْهَ: المصدرُ،
فصحّ ما قلناه، وقد تقدَّم القول في حُكم ذي الوجهين، والنمّام، وقد فسَّر
النبيّ ◌َ﴿ العضه بالنميمة؛ لأنَّ النميمة لا تنفكّ عن الكذب، والبهتان غالباً.
(١)
انتھی
.
وأما قوله: (وَإِنَّ مُحَمَّداً وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقاً،
وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّاباً))) فسيأتي شرحه في الباب التالي - إن شاء الله
تعالی ۔۔
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضيبه هذا من أفراد
المصنّف رَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦١٣/٢٨] (٢٦٠٦)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٤٣٠/١ و٤٣٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٤٥/٩)، و(ابن أبي الدنيا) في
(الصمت)) (١٥٤/١ و٢٥١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٦/١٠) و((شُعب
الإيمان)) (٤٩٣/٧)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٩٠.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٢٩) - (بَابُ قُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦١٤] (٢٦٠٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ الصِّدْقَ
يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الَّبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَبَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ
صِدِّيقاً(١)، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ
الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّاباً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبو وَائِل) شقيق بن سلمة الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله بباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم،
وهو مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه: زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، فبغداديّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، على قول من يقول: إن
منصوراً من صغار التابعين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((إِنَّ
الصِّدْقَ) - بكسر الصاد، وسكون الدال ـ: خلاف الكذب، قال الراغب
(١) وفي نسخة: ((حتى يُكتب عند الله صدِّيقاً)) في الموضعين.

٢٥
(٢٩) - بَابُ تُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ - حديث رقم (٦٦١٤)
الأصفهانيّ: الصدق والكذب أصلهما في القول، ماضياً كان أو مستقبلاً، وعداً
كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول
إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، وقد يكونان بالْعَرَض في غيره من
أنواع الكلام، كالاستفهام، والأمر، والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أَزَيْد في
الدار؟ فإن في ضمنه إخباراً بكونه جاهلاً بحال زيد، وكذا إذا قال: واسني في
ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه.
والصدق: مطابقة القول الضميرَ والْمُخْبَرَ عنه معاً، ومتى انخرم شَرْط من ذلك
لم يكن صدقاً، بل إما أن لا يوصف بالصدق، وإما أن يوصف تارة بالصدق،
وتارة بالكذب على نَظَرَين مختلفين، كقول الكافر من غير اعتقاد: محمد
رسول الله، فإن هذا يصحّ أن يقال: صِدقٌ لكون الْمُخْبَر عنه كذلك، ويصحّ أن
يقال: كَذِبٌ لمخالفة قوله ضميره، وبالوجه الثاني إكذابُ الله تعالى المنافقين
حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون: ١].
والصّدّيق من كَثُر منه الصدق. وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قطّ لتعوّده
الصدق. وقيل: لمن لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده الصدق. وقيل: بل لمن صَدَقَ
بقوله واعتقاده، وحَقَّقَ صِدْقه بفعله.
وقد يُستعمل الصدق والكذب في كل ما يَحِقُّ ويَحْصُل في الاعتقاد،
نحو: صَدَقَ ظَنِّي، ويُستعملان في أفعال الجوارح، فيقال: صَدَقَ في القتال إذا
وفّى حقّه، وفعلَ ما يجب كما يجبُ، وكَذَبَ في القتال إذا كان بخلاف ذلك،
قال الله وَل: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]؛ أي:
حقّقوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وقال رَّ: ﴿لِيَسَْلَ الصَّدِقِينَ عَن
صِدْقِهِمٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٨]؛ أي: يسأل من صَدَق بلسانه عن صِدْق فِعله تنبيهاً
أنه لا يكفي الاعتراف بالحقّ دون تحرّيه بالفعل، وقال رَّ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ
رَسُولَهُ الزُِّيَا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]: فهذا صِدق بالفعل، وهو التحقيق؛ أي:
حقَّقَ رؤيته، وعلى ذلك قوله رَى: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بٌِّ﴾ الآية
[الزمر: ٣٣]؛ أي: حقّق ما أورده قولاً بما تحرّاه فعلاً.
ويُعبّر عن كلّ فعل فاضل ظاهراً وباطناً بالصدق، فيُضاف إليه ذلك الفعل
[القمر: ٥٥]،
٥٥
الذي يوصف به، نحو قوله رَ: ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِیكٍ مُقْنَدِم

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وعلى هذا قوله دمك: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيْهِمْ﴾ الآية [يونس: ٢]،
وقوله رَبّت: ﴿أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠]،
وقوله وَّ: ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ (13)﴾ [الشعراء: ٨٤]، فإن ذلك
سؤال أن يجعله الله تعالى صالحاً، بحيث إذا أثنى عليه مَنْ بَعدَهُ لم يكن ذلك
الثناء كذباً، بل يكون كما قال الشاعر [من الطويل]:
فَأَنْتَ الَّذِي نُثْنِي وَفَوْقَ الَّذِي نُثْنِي
إِذَا نَحْنُ أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِصَالِحٍ
انتهى المقصود من كلام الراغب(١).
(يَهْدِي) بفتح أوله، من الهداية، وهي الدلالة الموصلة إلى المطلوب،
هكذا وقع أول الحديث من رواية منصور، عن أبي وائل، ووقع في أوله من
رواية الأعمش، عن أبي وائل الآتية عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ:
((عليكم بالصدق، فإن الصدق))، وفيه: ((وإياكم والكذب، فإن الكذب إلخ»،
(إِلَى الْبِرِّ) بكسر الموحّدة، أصله التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع
للخيرات كلّها، ويُطلق على العمل الخالص الدائم(٢).
وقيل: هو العمل الصالح الخالص من كلّ مذموم. قال ابن العربيّ: إذا
تحرّى الصدق لم يعص الله؛ لأنه إن أراد أن يفعل شيئاً من المعاصي خاف أن
يقال: أفعلت كذا؟ فإن سكت لم يَأمن الريبة، وإن قال: لا كَذَب، وإن قال:
نعم فَسَق، وسقطت منزلته، وانتُهكت حرمته. انتهى (٣).
(وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ) قال ابن بطال: مصداقه في كتاب الله تعالى:
[الانفطار: ١٣]، (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) زاد في الرواية
﴿إِنَّ الْأَبْزَارَ لَفِى نَعِيمٍ (
الآتية: ((ويتحرّى الصدق)). قال القرطبيّ: معنى ((يتحرّى الصدق)): يقصد إليه،
ويتوخّاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب حتى يكون الصدق غالب حاله،
فيُكتب من جملة الصدّيقين، ويُثبتُ في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب،
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٤٧٨ - ٤٧٩.
(٢) ((الفتح)) ٥٢٤/١٠.
(٣) راجع: ((شرح السنديّ)) على ابن ماجه ٣٦/١.

٢٧
(٢٩) - بَابُ تُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ - حديث رقم (٦٦١٤)
وأصل الكَتْب: الضمّ والجمع، ومنه: كَتَبْتُ البغلةَ إذا جمعت بين شُفريها(١)
بحلقة. انتهى (٢).
(حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّقاً) وفي بعض النُّسخ: ((حتى يُكتب عند الله صدّيقاً)).
قال ابن بطال: المراد أنه يتكرر منه الصدق، حتى يستحقّ اسم المبالغة في
الصدق، (وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ) بالضمّ مصدر فَجَر يفجُر من باب
قَعَد، يقال: فَجَر العبد فُجُوراً: إذا فسق، وزنى، وفَجَر الحالف فُجوراً: إذا
كذب. قاله الفيّوميّ(٣).
وقال الراغب الأصفهانيّ تَخْتُهُ: أصل الفَجْر: الشقّ، فالفجور شَقّ سِتر
الديانة، ويُطلق على المَيْل إلى الفساد، وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو
اسم جامع للشرّ. انتهى بتصرّف (٤).
وقال السنديّ تَخْتُ: قيل: لعلّ الكذب بخاصيته يُفضي بالإنسان إلى
القبائح، والصدق بخلافه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالفجور هو نفس ذلك
الكذب، وكذلك البرّ نفس ذلك الصدق، والهداية إليه باعتبار المغايرة
الاعتباريّة في المفهوم والعنوان، كما يقال: العلم يؤدّي إلى الكمال، وإليه
يشير آخر الحديث. انتهى(٥).
(وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ)؛ أي: يوصل إليها، ومِصداق هذا في
﴾ [الانفطار: ١٤].
كتاب الله تعالى قوله ريك: ﴿وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِى ◌َِمٍ
(وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّاباً)) قال في ((الفتح)): المراد
بالكتابة: الحُكم عليه بذلك، وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك
في قلوب أهل الأرض، وقد ذكره مالك بلاغاً عن ابن مسعود، وزاد فيه زيادة
مفيدة، ولفظه: ((لا يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب، فيُنكت في قلبه نكتةٌ
سوداءُ، حتى يسوَدّ قلبه، فيُكتب عند الله من الكاذبين))(٦)، والله تعالى أعلم.
(١) أي: جانب فَرْجها، وهو بالضمّ جَمْعه أشفار، كقُفْل وأقفال.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٥٩٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٢.
(٤) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٦٢٦.
(٥) ((شرح السنديّ)) ٣٦/١.
(٦) ((الفتح)) ٦٦٩/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٩٤).

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦١٤/٢٩ و٦٦١٥ و٦٦١٦ و٦٦١٧] (٢٦٠٧)،
و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠٩٤)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٨٩)،
و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩٧٢)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٤٦)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١١٦/١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥/
٢٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٣ و٢٧٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك))
(٢١٧/١)، و(هناد بن السريّ) في ((مسنده)) (٦٣١/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٣٨٨/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٢/٨) و((الكبير)) (٩٦/٩ و٩٧)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧١/٩ و٢٤٥)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٣/
١٣٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/١٠ و٢٤٣) و((شُعَب الإيمان)) (١٩٩/٤
و٢٠٠)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٣٩/٢)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب))
(٢٦٣/٢)، و(ابن أبي الدنيا) في ((الصمت)) (٢٣٤/١ و٢٥٨)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): التحذير عن الكذب، وأنه لا يجوز لا بجدّ، ولا بهزل. قال
القرطبيّ: وفيه حجة للطبريّ في تحريمه الكذب مطلقاً وعموماً، فلا يجوز
الرجل أن يَعِد صبيّه بشيء، ثم لا يفي به؛ لأنه من الكذب المحرّم، قال
القرطبيّ: وفيه ما يدلّ على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع
الصبيّ الصغير.
٢ - (ومنها): أن الكذب باب الفجور، وأن الفجور باب النار،
أعاذنا الله ◌ُلَ منها بمنّه وكرمه آمین.
٣ - (ومنها): أن الصدق باب البرّ، وأن البرّ باب الجنّة، جعلنا الله ◌ُعَلونَ
من أهلها آمين.
٤ - (ومنها): أن الصادق يستحقّ أن يوصف بالصدق والبرّ، والكاذب
يوصف بالكذب والفجور.

٢٩
(٢٩) - بَابُ تُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ - حديث رقم (٦٦١٤)
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُ، قال العلماء: في هذا الحديث حَتّ
على تحري الصدق، وهو قصدُهُ، والاعتناءُ به، وعلى التحذير من الكذب،
والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كَثُرَ منه، فَيُعرَف به.
قال الحافظ: والتقييد بالتحري وقع في رواية أبي الأحوص، عن منصور
عند مسلم، ولفظه: ((وإن العبد لَيَتَحَرَّى الصدق))، وكذا قال في الكذب، وعنده
أيضا في رواية الأعمش، عن شقيق، وهو أبو وائل، وأوله عنده: ((عليكم
بالصدق))، وفيه: ((وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق))، وقال فيه: ((وما
يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب ... ))، فذكره.
قال: وفي هذه الزيادة إشارة إلى أن من تَوَقَّى الكذب بالقصد الصحيح
إلى الصدق، صار له الصدق سَجِيّةً حتى يَستحقَّ الوصف به، وكذلك عكسه،
وليس المراد أن الحمد والذمّ فيهما يختص بمن يقصد إليهما فقط، وإن كان
الصادق في الأصل ممدوحاً، والكاذب مذموماً.
ثم قال النووي: واعلم أن الموجود في نُسخ البخاريّ ومسلم في بلادنا
وغيرها، أنه ليس في متن الحديث إلا ما ذكرناه، قاله القاضي عياض، وكذا
نَقَله الحميديّ، ونَقَل أبو مسعود عن كتاب مسلم في حديث ابن المثنى وابن
بشار زيادة، وهي: ((إن شر الرَّوَايا رَوَايا الكذب؛ لأن الكذب لا يصلح منه جِدَّ
ولا هزل، ولا يَعِدُ الرجل صبيّه، ثم يُخلِفه)).
فذكر أبو مسعود أن مسلماً رَوَى هذه الزيادة في كتابه، وذكرها أيضاً أبو
بكر الْبَرْقاني في هذا الحديث، قال الحميديّ: وليست عندنا في كتاب مسلم.
والرَّوَايا جَمْع رَوِيّة بالتشديد، وهو ما يَتَرَوَّى فيه الإنسان قبل قوله أو
فِعله، وقيل: هو جَمْع راوية؛ أي: للكذب، والهاء للمبالغة(١).
قال الحافظ: لم أر شيئاً من هذا في ((الأطراف)) لأبي مسعود، ولا في
(١) وقال القرطبيّ: الروايا: جمع راوية - يعني به حامل الكذب، وراويَهُ، والهاء فيه
للمبالغة - كعلامة، ونسّابة - أو يكون استعارةً، شبّه حامل الكتاب لحمله إياه
بالراوية الحاملة للماء. انتهى. ((المفهم)) ٦ / ٥٩٣.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي، فلعلهما ذكراه في غير هذين الكتابين.
(١)
انتھی(١).
٦ - (ومنها): أن العبد إذا تحرّى الكذب ولازَمه، كَتَبه الله ◌ُعَلَ من
الكذابين، وبغّضه إلى خَلْقه أجمعين، وكذلك الصادق إذا تحرّى الصدق
ولازَمه، كَتَبه الله تعالى من الصادقين، وحبَّبه إلى خلقه أجمعين، وهذا هو
معنى الحديث الآخر الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، من حديث أبي
هريرة نظريته عن النبي وَل﴿ قال: ((إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يحب
فلاناً فأَحِبّه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً
فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في أهل الأرض))، هذا لفظ
البخاريّ، ولفظ مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
هريرة نظاته قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل،
فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء،
فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له
القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً، دعا جبريل فيقول: إني أُبغض فلاناً
فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً
فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض))، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦١٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُوِ الأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِزَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ
لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقً، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ
يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّاباً)، قَالَ ابْنُ أَبِي
شَيْئَةَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ).
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/١٠ _ ٥٢٥.

٣١
(٢٩) - بَابُ تُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ - حديث رقم (٦٦١٦)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) - بكسر الراء الخفيفة - ابن مُصعب التميميّ، أبو
السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وله إحدى وتسعون سنةً (عخ م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٣ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿) بيّن به اختلاف
شيخيه، فقال هنّاد بن السريّ: ((قال رسول الله (وَلتر))، وخالف أبو بكر بن أبي
شيبة، فرواه بـ((عن))، فقال: ((عن النبيّ ◌َّ))، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦١٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
وَوَكِيعُ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ،
فَإِنَّ الصِّدْقَ بَهْدِي إِلَى الْبِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ،
وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ
يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ،
وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة
أبواب.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاحِ الرُّؤَاسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة، تقدّم
قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، إلخ) قال القرطبيّ تَظُّهُ: (يهدي)):
يُرشد ويوصل، والبرّ: العمل الصالح، أو الجنة كما قدّمناه. والفجور:
الأعمال السيّئة. و((عليكم)) من ألفاظ الإغراء المصرّحة بالإلزام، فحقٌّ على كل
مَن فَهِم عن الله تعالى أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال،
والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لَحِقَ بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفّار،
وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك كله بقوله عند ذكر أحوال الثلاثة التائبين(١)،
[التوبة: ١١٩]،
(١١٩)
فقال: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ
والقول في الكذب المحذّر عنه على الضدّ من القول في الصدق، وقد تقدَّم
القول في البرّ، والفجور، والهدى.
وقوله: (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ
صِدِيقاً) قال القرطبيّ كَخْذُهُ: ((يتحرى الصدق)): يقصد إليه، ويتوخّاه، ويجتنب
نقيضه الذي هو الكذب، حتى يكون الصدق غالب حاله، فيُكتب من جملة
الصدِّيقين، ويُثْبَت في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب، وأصل الكَتْب:
الضّ، والجمع، ومنه: كتبت البغلة: إذا جمعت بين شُفْرِيها بِحَلقة.
وقوله: ﴿كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢] جَمَعه، وثَبَّته،
و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلَنَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]؛ أي: حكم وأوجب، فكأنه
جمع ما حَكَم به في المحكوم عليه، وكتبتُ الكتاب: جمعت فيه المكتوب
وثبّتّه، وقد تقدَّم القول في الصّديق، وخرّج أبو مسعود الدمشقيّ حديث
عبد الله بن مسعود نظبه هذا، وزاد فيه: ((وإن شرّ الرَّوَايا روايا الكذب، وإن
(١) هم: كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أُميّة الواقفيّ، وكلهم من
الأنصار

٣٣
(٢٩) - بَابُ تُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ - حديث رقم (٦٦١٧)
الكذب لا يصلح فيه جِدّ، ولا هَزْل، ولا يَعِد الرجل صاحبه، فيُخلفه)»، وذكر
أبو مسعود: أن مسلماً خرّج هذه الزيادة.
قال القرطبيّ: ولم تقع لنا هذه الزيادة، ولا لأحد من أشياخنا فيما
علمناه، وقال أبو عبد الله الحميديّ: وليست عندنا.
والرَّوَايا: جمع راوية؛ يعني به: حامل الكذب، وراويه، والهاء فيه
للمبالغة، كعلّامة، ونسّابة، أو يكون استعارةً، شبّه حامل الكذب لِحَمْله إیاہ
بالراوية الحاملة للماء.
وفيه حجَّة للطبريّ في تحريمه الكذب مطلقاً وعموماً، وفيه ما يدلّ على
وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبيّ الصغير. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦١٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثٍ عِيسَى: (وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَيَتَحَرَّى
الْكَذِبَ))، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: ((حَتَّى يَكْتُبَهُ اللهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: منجاب - بكسر أوله، وسكون
ثانيه، ثم جيم، ثم موحّدة - ابن الحارث بن عبد الرحمن التميميّ، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسهر - بضم الميم، وسكون المهملة،
وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم
في (المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٩٢ - ٥٩٣.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
[تنبيه]: روايتا علي بن مسهر، وعيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش لم
أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٣٠) - (بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ
يَذْهَبُ الْغَضَبُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦١٨] (٢٦٠٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ
لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ
سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ
فِيكُمْ؟))، قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: ((لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ
الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئً»، قَالَ: ((فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟))، قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي
لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: ((لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن شَريك، أبو أسماء الكوفيّ
ثقةٌ عابد، إلا أنه يرسل ويدلّس [٥] (ت٩٢) وله أربعون سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٣ - (الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ) التيميّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] مات
بعد سنة سبعين (ع) تقدم في ((الأشربة)) ٦/ ٥١٦١.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخْتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير قتيبة،
فبغلانيّ، وفيه ثلاثة من التابعين الكوفيين، روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) تَظ ◌ُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: (مَا)

٣٥
(٣٠) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَعْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦١٨)
استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء (تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ) بفتح الراء، (فِيكُمْ؟)) قَالَ) ابن
مسعود (قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: ((لَيْسَ ذَاَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي
لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئاً)) قال القاضي عياض كَظُّهُ: أجابوه بمقتضى اللفظة في
اللغة، فأجابهم هو بمقتضاها في المعنى في الآخرة؛ لأن من لم يَعِشْ له وَلَد
يَأْسَف عليهم، فقال: بل يجب أن يسمى بذلك، ويأسف من لم يجدهم في
الآخرة؛ لِمَا فاته من أجر تقديمهم بين يديه، وأصيب بذلك، وهذا من تحويل
الكلام إلى معنى آخر، كقوله: في الصُّرَعة، والمحروب مَنْ حُرِب. انتهى(١).
وقال الأثير ◌َّتُهُ: الرَّقوب في اللغة: الرجل والمرأة ما لم يعش لهما
ولد؛ لأنه يَرِقُب موته، ويرصُده خوفاً عليه، فَتَقَله النبيّ وَ ﴿ إلى الذي لم يُقَدِّم
من الولد شيئاً؛ أي: يموت قبله؛ تعريفاً أن الأجر والثواب لمن قَدَّم شيئاً من
الولد، وأن الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أعظم، وإنّ فَقْدهم، وإنْ كان في
الدنيا عظيماً، فإنّ فَقْد الأجر والثواب على الصبر، والتسليم للقضاء في الآخرة
أعظم، وأن المسلم وَلَده في الحقيقة من قدَّمه، واحتسبه، ومن لم يُرزَق ذلك
فهو كالذي لا وَلَد له، ولم يقله وَ له إبطالاً لتفسيره اللغويّ، كما قال: إنما
المحروب من حُرب دينه، ليس على أن من أُخذ ماله غير محروب. انتهى (٢).
(قَالَ) بَ: ((فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ) بضمّ الصاد المهملة، وفتح الراء، من
يصرع الناس، ويطرحهم على الأرض؛ لشدّة بأسه، قال المجد تَخْذُ: الصَّرْعُ
ويُكسرُ: الطَّرْحُ على الأرْضِ، كالمَصْرَعِ، كمَقعدٍ، وهو مَوْضِعهُ أيضاً، وقد
صَرَعهُ، كمَنَعه، والصِّرْعَةُ بالكسر: للنَّوْعَ، ومنه المَثَلُ: سُوءُ الاسْتمساكِ خيرٌ
من حُسنِ الصِّرْعَةِ، ويُرْوَى بالفتح بمعنَىَ المَرَّةِ، وبالضم: من يَصْرَعهُ الناسُ
كثيراً، وكهُمَزةٍ: من يَصْرَعُهُم، كالصِّرِّيعِ، والصُّرَّاعةِ، كسِكِينٍ، ودُرَّاعَةٍ،
وكأميرٍ: المَصْروعُ، جَمْعه: صَرْعَى. انتهى (٣).
(فِيكُمْ؟))؛ أي: في معاشر الناس، (قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ)؛
أي: لا يُلقونه، ولا يطرحونه على الأرض؛ لشدّة بأسه. «(قَالَ: لَيْسَ) الصُّرَعة
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٩٨/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٩٥١.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٤٩/٢.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(بِذَلِكَ) لا يصرعه الناس، (وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)))؛ أي:
لا تغلبه نفسه، بل يكفّها، ويتغلّب عليها؛ لئلا ترتكب جريمة بسبب الغضب.
قال النوويّ كَّثُ: أما الرقوب فبفتح الراء، وتخفيف القاف، والصَّرَعة
بضم الصاد، وفتح الراء، وأصله في كلام العرب: الذي يَصْرَع الناس كثيراً،
وأصل الرَّقُوب في كلام العرب: الذي لا يعيش له وَلَد.
ومعنى الحديث: إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت
أولاده، وليس هو كذلك شرعاً، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته،
فيحتسبه، ويُكتب له ثواب مصيبته به، وثواب صَبْره عليه، ويكون له فَرَطاً،
وسَلَفاً، وكذلك تعتقدون أن الصُّرَعة الممدوح القويَّ الفاضل هو القويّ الذي
لا يَصْرَعه الرجال، بل يَصْرَعهم، وليس هو كذلك شرعاً، بل هو من يملك
نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قَلَّ من يقدر على التخلق
بخُلُقه، ومشاركته في فضيلته، بخلاف الأول. انتهى(١).
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: الرَّقُوب: فَعُول، وهو الكثير المراقبة، كضروب،
وقتول، لكنه صار في عُرْف استعمالهم عبارة عن المرأة التي لا يعيش لها ولدٌ،
كما قال عبيد بن الأبرص:
بَاتَتْ عَلَى إِرَمِ عَذُوباً كَأَنَّهَا شَيْخَةٌ رَقُوبُ
قلت (٢): هذا نقلُ أهل اللغة، ولم يذكروا أن الرّقوب يقال على من لا يولد
له، مع أنه قد كان معروفاً عند الصحابة ؤه، ولذلك أجابوا به رسول الله وَالقتل،
والقياس يقتضيه؛ لأنَّ الذي لا يولَد له يكثر ارتقابه للولد، وانتظاره له، ويَطمع
فيه إذا كان ممن يرتجى ذلك، كما يقال على المرأة التي ترقُّب موت زوجها:
رقُوب، وللناقة التي ترقُّب الحوض، فتنفر منه، ولا تقربه: رَقُوب.
قلت(٣): ويَحْتَمِل أن يُحمل قولهم في الرقُوب: إنه الذي لا يولد له بعد
فَقْد أولاده؛ لوصوله من الكِبَر إلى حال لا يولد له، فتجتمع عليه مصيبة الفقد،
ومصيبة اليأس، وهذا هو الأَلْيق بمساق الحديث، ألا ترى قوله: ((ليس ذلك
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٢/١٦.
(٣) القائل هو القرطبيّ.
(٢) القائل هو القرطبيّ.

٣٧
(٣٠) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَعْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦١٨)
الرقُوب، ولكنه الرجل الذي لا يقدِّم من ولده شيئاً))؛ أي: هو أحقّ باسم
الرقُوب من ذلك؛ لأنَّ هذا الذي أصيب بفَقْد أولاده في الدنيا ينجبر في الآخرة
بما يُعوَّض على ذلك من الثواب، وأما من لم يمت له ولدٌ، فيفقد في الآخرة
ثواب فَقْد الولد، فهو أحقّ باسم الرّقُوب من الأول، وقد صدر هذا الأسلوب
من النبيّ ◌َف كثيراً، كقوله: (ليس المسكين بالطوّاف عليكم))، و((ليس الشديد
بالصُّرَعة))، و(ليس الواصل بالمكافئ))، ومثله كثير، ولم يُردْ بهذا السلبِ سلب
الأصل، لكن سلب الأَولى، والأحقّ.
و ((الصُّرَعَةُ)) بفتح الراء: هو الذي يَصْرَع الناس كثيراً، وبالسكون: هو
الذي يَصْرَعه الناس، وكذلك: هُزَأَةٌ، وهُزْأَةٌ، وسُخَرَةٌ، وسُخْرَةٌ. انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظه هذا من أفراد
المصنّف تَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦١٨/٣٠ و٦٦١٩] (٢٦٠٨)، و(أبو داود) في
((الأدب)» (٤٧٧٩)، و(معمر بن راشد) في ((الجامع)) (١٤٠/١١)، و(عبد الرزاق)
في ((مصنّفه)) (١٤٠/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٢/١)، و(البخاريّ) في
(الأدب المفرد)) (٦٦/١)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٩٦/٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٩٥٠)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٢٦٠/٢)، و(أبو نعيم) في
((الحلية)) (١٢٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٨/٤) و((شُعب الإيمان)) (٦/
٣٠٦ و١٣٦/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة عناية النبيّ ◌َ﴿ في تعليم أمته ما يحذرونه، مما
يؤدي إلى اعتداء بعضهم على بعض، وذلك في حالة الغضب، فبيّن لهم أن
(١) ((المفهم)) ٦ / ٥٩٤ - ٥٩٥.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أقوى الناس وأشدّهم هو الذي يملك نفسه عند الغضب، فلا تجري على
مقتضى غضبها، بل يكفّها، ويردّ جماحها، فتقف عند ما حدّ الشرع لها .
٢ - (ومنها): بيان فضل موت الأولاد، والصبر عليهم، قال النوويّ:
ويتضمن الدلالة لمذهب من يقول بتفضيل التزوج، وهو مذهب أبي حنيفة،
وبعض أصحابنا، وسبقت المسألة في ((النكاح))(١).
٣ - (ومنها): بيان فضل كظم الغيظ، وإمساك النفس عند الغضب عن
الانتصار، والمخاصمة، والمنازعة.
٤ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخَّثُ: وفي هذا الحديث من الفقه
فضل الحلم، وفيه دليل على أن الحلم كتمان الغيظ، وأن العاقل من ملك نفسه
عند الغضب؛ لأن العقل في اللغة ضَبْط الشيء، وحَبْسه، ومنه قيل: عقال
الناقة، ومعناه في الشريعة مِلْكُ النفس، وصرفها عن شهواتها الْمُرْدِية لها،
وحَبْسها عما حَرَّم الله عليها، قال: وقد جعل رسول الله وَ ◌ّ للذي يملك نفسه
ويغلبها، من القوّة ما ليس للذي يغلب غيره، وفيه دليل على أن مجاهدة النفس
أصعب مراماً، وأفضل من مجاهدة العدوّ(٢).
ومما قيل فيمن يملك نفسه عند الغضب، ما قاله ابن عبد البرّ تَخَّتُهُ :
وروينا عن محمد بن جُحادة قال: كان الشعبي من أولع الناس بهذا البيت [من
الرمل] :
لَيْسَ(٣) الأَحْلَامُ فِي حِينِ الرِّضَا إِنَّمَا الأَحْلَامُ فِي حَالِ الْغَضَبْ
وقال غيره [من البسيط]:
لَا يُعْرَفُ الْحِلْمُ إِلَّ سَاعَةَ الْغَضَبِ
وقال أبو العتاهية [من الطويل]:
لِأَعْلَمَ مَا فِي النَّاسِ وَالْقَلْبُ يَنْقَلِبْ
أُقَلِّبُ طَرْفِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ
وَأَنْ يُجْمِلَ الْإِنْسَانُ مَا عَاشَ فِي الطَّلَبْ
فَلَمْ أَرَ كَنْزاً كَالْقُنُوعِ لِأَهْلِهِ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٢/١٦ - ٠١٦٣
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٣٢٢/٦ - ٣٢٣.
(٣) لعلّ الصواب: ((ليست الأحلام))، فليُحرّر.

٣٩
(٣٠) - بَابُ فَضْلِ مَنْ يَعْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ - حديث رقم (٦٦١٩)
وَلَمْ أَرَ عَقْلاً ثَمَّ إِلَّ عَلَى أَدَبْ
وَلَمْ أَرَ فَضْلاً صَحَّ إلَّا عَلَى النُّقَى
عَدُوّاً يَفْعَلُ أَعْدَى مِنَ الْغَضَبْ(١)
وَلَمْ أَرَ فِي الْأَعْدَاءِ حِينَ خَبَرْتُهُمْ
٥ - (ومنها): ما نقله صاحب ((التكملة)) عن الغزاليّ أنه قد أطال في بيان
حقيقة الغضب، وأقسامه، وذمّ ما يُذمّ منها، وعلاج ذلك، وحاصله: أن
الغضب غريزة أودعها الله تعالى في قلب كلّ ذي روح، يغلي بها دم قلبه،
وينتشر في العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن، فلذلك ينصبّ إلى الوجه، ويحمرّ
الوجه والعين، وإنما خلق الله هذه الغريزة؛ ليدافع بها الإنسان عن نفسه،
وماله، وعِرْضه، فكلما استعمل الإنسان هذه الغريزة في أفعال مشروعة،
كالجهاد، والدفاع عن نفسه، وأهله، كان حسناً، وكلما استعملها في أفعال
غير مشروعة، وصدر منه في ثوران الغضب ما لا يجوز فعله، كان قبيحاً، ومَن
مَلَكَ نفسه في حالة ثوران الغضب، فأمسك نفسه عن العمل بمقتضاه، فهو
القويّ الذي مدحه رسول الله ◌َ ر في هذا الحديث، فمجرّد الغضب الذي يثور
في قلب الإنسان بدون اختياره لا مؤاخذة عليه، ولكنّه إنما يؤاخذ بما يصدر
منه في هذه الحالة، من أفعال غير مشروعة، فيحتاج إلى رياضة، ومجاهدة.
انتهى (٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦١٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها الإمام أحمد تَخْثُ في
((مسنده))، فقال:
(١) ((الاستذكار)) ٢٨٧/٨.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٤٢٣/٥ - ٤٢٤.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٣٦٢٦) - حدّثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن
الحارث بن سُويد، عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَلجر: ((أيكم مال وارثه
أحبّ إليه من ماله؟)) قال: قالوا: يا رسول الله ما منّا أحد إلا ماله أحب إليه
من مال وارثه، قال: ((اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من
ماله، مَا لَكَ مِن مَالِك إلا ما قَدَّمت، ومال وارثك ما أخرت)). قال: وقال
رسول الله وَّله: ((ما تَعُدُّون فيكم الصُّرَعة؟)) قال: قلنا الذي لا يصرعه الرجال،
قال: قال: ((لا ولكن الصُّرَعة الذي يملك نفسه عند الغضب)). قال: وقال
رسول الله وَج: ((ما تَعُدُّون فيكم الرقوب؟)) قال: قلنا: الذي لا ولد له، قال:
((لا، ولكن الرقوب الذي لم يُقَدِّم مِنْ وَلَده شيئاً)). انتهى(١).
وأما رواية عيسى بن يونس عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٢٠] (٢٦٠٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا
كِلَاهُمَا: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ
نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) الباهلي مولاهم، أبو يحيى البصري، ثقة من
كبار [١٠] تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٣ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَؤُه تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١/ ٣٨٢.