Indexed OCR Text
Pages 701-720
٧٠١ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ ◌َ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩٧) والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٩٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((أَوْ جَلَدُهُ))، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هِيَ: ((جَلَّدْتُهُ)). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وقد ذُكر شيخه في الباب الماضي، وسفيان قبل بابين، وأبو الزناد في السند الماضي. وقوله: (قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هِيَ: ((جَلَدْتُهُ)))؛ يعني: أن ((جلدّه)) بتشديد الدال لغة أبي هريرة به، وأما لغة عامّة العرب، فهي جلدته بسكون الدال، بعدها تاء المتكلّم، قال في «النهاية»: «أو جلدُّهُ» هكذا رواه بإدغام التاء في الدال، وهي لُغَيّةٌ(١). وقال النوويّ تَخّْثُ: قوله: ((جلدّه))، قال: وهي لغة أبي هريرة، وإنما هي جلدته، معناه: أن لغة النبيّ رَّه، وهي المشهورة لعامّة العرب: ((جلدته)) بالتاء، ولغة أبي هريرة: جلدُّه بتشديد الدال، على إدغام المِثْلين، وهو جائز. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَظُّهُ: وجه لغة أبي هريرة رُّه في ((جلدّه)) أنه قلب التاء دالاً؛ لتقارُب مخرجيهما، ثم أدغم التاء في الدال، وهي على عكس اللغة المشهورة، فإنهم فيها قلبوا الدال تاء، ثم أدغموا التاء في التاء، وهو الأَولى. انتهى (٣). [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد هذه ساقها الحميديّ في ((مسنده))، فقال: (١٠٤١) - حدّثنا (٤) الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((اللَّهُمَّ إني مُتَّخِذٌ عندك (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٨٥/١. (٣) ((المفهم)) ٦ /٥٨٥ - ٥٨٦. (٤) هذا قول الراوي عن الحميديّ، فتنبّه. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/١٦. ٧٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب عهداً، لن تُخْفِره، أيّما رجل من المسلمين آذيته، جلدُّه، أو لعنته، فاجعلها له صلاةً، وزكاةً، دعاء له))، قال أبو الزناد: فهي لغة أبي هريرة، وإنما هي ((جلدته، لعنته)). انتهى ٠ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٩٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ الَّبِيِّ ◌َِّ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ) بن كوسجان - بمهملة، ثم جيم - المروزيّ، أبو داود السُّنْجيّ - بكسر السين المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم - ثقةٌ، صاحب حديث، رَحّالٌ، أَدِيب [١١] (ت٢٥٧) (م ت س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٧٤/١٤. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ - البصريّ - قاضي مكة، ثقةٌ إمامٌ حافظٌ [٩] (ت٢٢٤) ولَه ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٨/٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((أيوب)) هو: السَّخْتيانيّ. [تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ عن عبد الرحمن الأعرج هذه لم أجد من ساقها، فلْيُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ سَالِم مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُوَّلُ: ((اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدَاً لَنْ تُخْلِفَنِهِ(٢)، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ بَوْمَ الْقِيَامَةِ))). (١) ((مسند الحميديّ)) ٢/ ٤٥٠. (٢) وفي نسخة: ((لم تخلفنيه)). ٧٠٣ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّىُِّ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩٩) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قريباً. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود العشرين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإیمان)» ٢٥٠/٣٦. ٣ - (سَالِمٌ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ) هو: سالم بن عبد الله النَّصْريّ - بالنون - أبو عبد الله المدنيّ، يقال له: مولى النصريين، ومولى مالك بن أوس، ومولی دَوْس، ومولى الْمَهْريّ، ومولى شدّاد، والدوسيّ، وسالم سَبَلان - بفتح السين المهملة، والموحّدة - صدوقٌ [٣] (ت١١٠) (م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٢. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (مَوْلَى النَّصْرِبِّينَ) بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، بعدها راء: نسبة إلى قبيلة، وجَدّ، ومحلّة، قاله في (اللباب))(١). وقوله: (بَشَرٌ)؛ أي: من بني آدم، والبشر بفتحتين، واحده بشرة، مثلُ قصبة، وقَصَب، وأصله ظاهر الجلد، ثم أُطلق على الإنسان، واحده وجمعه، لكن العرب ثَنَّوْه، ولم يَجمعوه، وفي التنزيل: ﴿أَثْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ الآية [المؤمنون: ٤٧](٢) . وقوله: (يَغْضَبُ) من باب فَرِح یفرَحُ. وقوله: (كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ) قال النوويّ ◌َُّهُ: قد يقال: ظاهره أن السبّ ونحوه، كان بسبب الغضب، وجوابُهُ ما ذكره المازريّ قال: يَحْتَمِل أنه وَله أراد أن دعاءه، وسبّه، وجَلْده، كان مما يُخَيَّر فيه بين أمرين: أحدهما: هذا الذي فعله، والثاني: زَجْره بأمر آخر، فحمَله الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المخيَّر فيهما، وهو سبّه، أو لعنه، وجَلْده، ونحو ذلك، وليس ذلك خارجاً عن حكم الشرع، والله أعلم(٣) . وقوله: (لَنْ تُخْلِفَنِيه) وفي بعض النسخ: ((لم تُخلفنيه)). (١) ((اللباب فى تهذيب الأنساب)) ٣١١/٣. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٩/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/١٦. ٧٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنِ سَبَيْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وَهْب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدَاً لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنِ سَبَبْتُهُ(١)، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). (١) وفي نسخة: ((فأيما مؤمن آذيته، أو سببته)). ٧٠٥ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّّنَّهِ، أَوْ سَبُّ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٢) رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٧] (ت١٥٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَيْتُهُ) وفي بعض النسخ: ((فأيما مؤمن آذيته، أو سببته، أو جلدته)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠٢] (٢٦٠٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي ◌ََّ: أَُّّ عَبْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ، أَوْ شَتَمْتُهُ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً، وَأَجْراً))). رجال هذا الإسناد: سنة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان البغداديّ، أبو موسى الْحَمّال البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذي الأصلِ، ٧٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب نزل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره لَمّا قَدِم بغداد قبل موته [٩] مات ببغداد (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضَّلٌ، وكان يُدَلِّس، ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المكيّ، تقدّم قريباً. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ذُكر في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف رَُّهُ، وأنّ ابن جريج، وأبا الزبير، وإن كانا مدلّسين، فقد صرّحا بالإخبار، والسماع، وفيه جابر بن عبد الله ضرًّا أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. شرح الحديث: عن أبي الزُّبَيْرِ محمد بن مسلم المكيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ السَّلَميّ ◌َ﴾ه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)؛ أي: واحد منهم في البشرية، ومساوٍ لهم فيما ليس من الأمور الدينية، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَ﴾ [الكهف: ١١٠]، فقد ساوى البشرَ في البشرية، وامتاز عنهم بالخصوصية الإلهية التي هي تبليغ الأمور الدينية. وقال المناويّ: ((إنما أنا بشر))؛ أي: أنا مقصور على الموصوف بالبشرية بالنسبة إلى الظواهر، وهذا من باب الحصر المجازيّ؛ لأنه حصر خاصّ؛ أي: باعتبار عِلم البواطن، ويسمى عند علماء البيان قصرَ قلبٍ؛ لأنه أتى به ردّاً على من زَعَم أن الرسول بَّه يعلم الغيب، فيَطّلع على البواطن، فلا يخفى عليه شيء، فأشار إلى أن الوضع البشريّ يقتضي أن لا يُدرِك من الأمور إلا ظواهرها، فإنه خُلِق خَلْقاً لا يَسْلَم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء، فإذا تُرك على ما جُبل عليه، ولم يطرأ عليه تأييد بالوحي السماويّ طرأ عليه ما يطرأ ٧٠٧ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ ◌َ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٣). على سائر البشر، قاله المناويّ تَظّفُ(١). (وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي رَكَ)؛ يعني: سألته، فأعطاني، وقال في ((الزاهر)): معنى اشترطت عليه: جعلت بيني وبينه علامةً، ومنه قولهم: نحن في أشراط الفتنة؛ أي: في علاماتها. (أَيُّ عَبْدٍ) برفع ((أيُ)) على الابتداء، خبره ((أن يكون ... إلخ))، (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ«أيُّ عبدٍ))، وقوله: (سَبَبْتُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((عبدٍ))، (أَوْ شَتَمْتُهُ) ((أو)) هنا عاطفة للتنويع، لا للشكّ، (أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ)؛ أي: ما حصل مني من السبّ، أو الشتم، (لَهُ زَكَاةً)؛ أي: نماءً، وزيادةً في الخير، (وَأَجْراً))؛ أي: ثواباً عظيماً منه تعالى، وهذا من كمال شفقته وَّ على الخَلْق، واتساعه في معرفة الحقّ(٢)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ها هذا من أفراد المصنّف نَّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٠٢/٢٥ و٦٦٠٣] (٢٦٠٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٣/٣ و٣٨٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦١/٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِيهِ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). ء ء رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خَلَف السّلميّ، أبو عبد الله البغداديّ القَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٧) وله سبع وستون سنةً (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧٦/٩٠. (١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٢/ ٥٦٧. (٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٢ / ٥٦٧. ٧٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٣ - (أَبُو عَاصِم) الضحاك بن مَخْلد بن الضحاك بن مُسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريَّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (جَمِيعاً عَنِ ابْنِ جُرَيْج)؛ يعني: أن كلّاً من روح بن عبادة، وأبي عاصم روى هذا الحديث عن ابن جريج بسنده، ومتنه الماضي. [تنبيه]: لم أجد من ساق روايتَيْ روح، وأبي عاصم عن ابن جريج، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠٤] (٢٦٠٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ - قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمَّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ، وَهِيَ أُمّ أَنَسِ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْيَتِيمَةَ، فَقَالَ: ((أَنْتِ هِيَهْ؟ لَقَدْ كَبِرْتَ، لَا كَبِرَ سِتُكِ))، فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمّ سُلَيْمُ تَبْكِي، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ يَا بُنِيَّةُ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالأَّنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَداً - أَوْ قَالَتْ: قَرْنِي - فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةٌ، تَلُوثُ خِمَارَهَا، حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْم؟))، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: ((وَمَا ذَاكِ بَا أُمَّ سُلَيْم؟))، قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا، أَوْ لَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا (١)، قَالَ: فَضَحِّكَ رَسُولُ اللهِ وََّ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أُمَّ سُلَيْمِ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرُّ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي، بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلِ، أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُوراً، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وَقَالَ أَبُو مَعْنٍ: يُتَيِّمَةٌ، بِالتَّصْغِيرِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَدِيثِ). (١) وفي نسخة: ((ولا يكبر قرنها)) بالواو. ٧٠٩ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّّ ◌َهِ، أَوْ سَبُّ، أَوْ دَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٤). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل حدیثین. ٢ - (أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. ٣ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص الْجُرَشيّ اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٥. ٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، ثقة، وهو ضعيف في يحيى بن أبي كثير ضعيف؛ لاضطرابه فيه، ولم يكن له كتاب [٥] مات قُبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) هو: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ المدنيّ، أبو يحيى ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله وَليه خَدَمه عشر سنين، مات ◌َظ ◌ُبه سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى من المكثرين السبعة. آخره، وله فیه شیخان، قرن بینهما، وفیه أنس شرح الحديث: عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، أنه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، نُسب هنا لجدّه، قال: (حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) ◌َُّه (قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمَّ سُلَيْم) بنت مِلْحان بن خالد الأنصاريّة، والدة أنس الراوي عنها، اختُلف في اسمهًا، قيل: سهلة، أو رُميلة، أو رُميثة، أو مليكة، أو أنيثة، وهي الْغُميصاء، أو الرُّميصاء، اشتهرت بكنيتها، من الصحابيّات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان ◌ًا، تقدّمت ترجمتها في ((الحيض)) ٧١٦/٧، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لـ((كان))، واسمها، قوله: ٧١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (يَتِيمَةٌ) لم يُعرف اسمها، قاله صاحب ((التنبيه))(١)، واليتيمة: الصغيرة التي مات أبوها، قال الفيّوميّ كَُّهُ: يَتْمَ يَيْتَمُ، من بابَي تَعِب، وقَرُب يَتْماً، بضم الياء، وفتحها، لكن اليُتم في الناس من قِبَل الأب، فيقال: صغير يَتِيمٌ، والجمع أَيْتَامٌ، ويَتَامَى، وصغيرة يَتِيمَةٌ، وجَمْعها يَتَامَى، وفي غير الناس مِن قِبَل الأمّ، وأَيْتَمَت المرأة إيتَاماً، فهي مُوِتمٌ: صار أولادها يَتَامَى، فإنْ مات الأبوان، فالصغير: لَظِيمٌ، وإن ماتت أمه فقط، فهو عَجِيٌّ. انتهى (٢) . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت ما ذُكر بقولي: مَعْنَى الْيَتِيمِ فَاقِد الأَبِ إِذَا كَانَ مِنَ النَّاسِ وَأُمِّ غَيْرُ ذَا أَوْ أُمَّهُ الْعَجِيُّ فَافْهَمْ مَا وَرَدْ(٣) وَسَمِّهِ اللَّطِيمَ إِنْ ذَيْنٍ فَقَدْ وقوله: (وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ) ليس راجعاً لـ(يتيمة))، بل هو راجع لـ((أم سليم))؛ يعني: أن أم سليم هي أمَ أنس بن مالك الراوي عنها. (فَرَأَى رَسُولُ اللهِ اله الْيَتِيمَةَ)؛ أي: المذكورة؛ لأن القاعدة إذا أُعيدت النكرة معرفة، فهي عَيْن الأُولى؛ إلا لمانع، وقد ذكر السيوطيّ تَخْتُهُ في ((عقود الجمان)) القاعدة بقوله: إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانٍ (لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ)) أَبَدَا شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْئِلَهْ قال الجامع: قلت معقّباً على كلام السبكي: وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ (فَقَالَ) وَ لَمّا رآها كبيرة بعد فترة: ((أنْتِ) بالمدّ، وأصله: أأنت بهمزتين، الأُولى للاستفهام، والثانية همزة ((أنتِ))، وهو مبتدأ، خبره قوله: (هِيَهْ؟) بفتح الياء، وإسكان الهاء، وهي هاء السكت، قال في ((الخلاصة)): وَوَصْلَ ذِي الْهَاءِ أَجِزْ بِكُلِّ مَا حُرِّكَ تَخْرِيكَ بِنَاءٍ لَزِمَا (١) ((تنبيه المعلم)) ص ٤٣٢. (٣) راجع: ((الفوائد السميّة)) ص٤٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٧٩/٢. ٧١١ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَّهُ النَِّيُّ ◌َهِ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٤). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: الهاء في ((هيهْ)) للوقف، فإذا وَصَلْتَ حذفتها، وهذا الاستفهام على جهة التعجّب، وكأنه ﴿ كان قد رآها صغيرةً، ثم غابت عنه مدّةً، فرآها قد طالت، وعَبُلت(١)، فتعجّب من سُرعة ذلك، فقال لها ذلك القول متعجّباً، فوصل كلامَهُ بقوله: ((لا كبِر سنُّك)) على ما قلناه من إطلاق ذلك القول من غير إرادة معناه، وهذا واضحٌ هنا. ويَحْتَمِل أن يقال: إنما دعا عليها بأن لا يكبر سنّها كِبَراً تعود به إلى أرذل العمر، كما كان النبيّ ◌َ ل ﴿ يتعوّذ من أن يُردَّ إلى أرذل العمر، والمعنى الأول أظهر من مساق بقيّة الحديث في اعتذاره وّر عن ذلك. انتهى(٢). (لَقَدْ كَبِرْتٍ) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: کبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِراً، مثلُ مَسْجِدٍ، وكِبَراً، وزانُ عِنَبِ، فهو كبِيرٌ، وجَمْعه كِبَارٌ، والأنثى كَبِيرَةٌ، وفي التفضيل هو الأكبرُ، وجَمْعه الأَکَابِرُ، وهي الكُبْرِى، وجَمْعها كُبَرٌ، وكُبْرَيَاتٌ، وهذا أَكْبَرُ من زيد: إذا زادت سِنّه على سنّ زيد. انتهى (٣). (لَا كَبِرَ سِنُّك») هذا لفظه لفظ دعاء علیھا بأن لا یكبر سنّها، ولكن المراد به مجرّد تدعيم الكلام، على عادة العرب، كما أسلفنا تحقيقه. (فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمَّ سُلَيْم) ﴿ّ، حال كونها (تَبْكِي) من دعاء النبيّ وَّ عليها، (فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَاَ لَكِ)؛ أي؛ أيّ: شيء ثبت لك، حيث تبكين (يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ: دُعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ وَ﴿ِ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي) هذا هو ظنها الذي أداها إلى البكاء، (فَالآنَ)؛ أي: الوقت الحاضر؛ أي: ابتداء منه، (لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَداً) قال الفيّومِيّ ◌َخْلَتُهُ: الأَبَدُ: الدَّهْر، ويقال: الدَّهْر الطويل الذي ليس بمحدود، قال الرُّمَّانيُّ: فإذا قلت: لا أكَلِّمُهُ أبداً، فالأبَدُ من لَدُنْ تكَلَّمْت إلى آخر عمرك، وجَمْعه آبَادٌ، مثل سَبَبٍ وأسباب. انتهى (٤). (أَوْ قَالَتْ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي فيما ذكرت الجارية، هل قالت: ستّي، أو قالت: (قَرْنِي) قال القرطبيّ نَظّثُ: هو بفتح القاف، وتعني به السنّ، (١) أي: ضَخْمت. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢. (٢) ((المفهم)) ٥٨٦/٦. (٤) (المصباح المنير) ١/١. ٧١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وهو شكّ عَرَض لبعض الرواة، وأصله أن من ساوى آخر في سنّه كان قَرنُ رأسه محاذياً لقرنه، وقرن الرأس: جانبه الأعلى، وهذا يدلّ على أن إجابة دعوات رسول الله ◌َ﴿ كانت معلومة بالمشاهدة عند كبارهم وصغارهم؛ لكثرة ما كانوا يشاهدون من ذلك، ولعلمهم بمكانته بَ﴾. انتهى(١). وقال الأبيّ تَخْتُ: السنّ والقرن - بفتح القاف ـ واحد، يقال: سنّه، وقرنه مماثِلُه في العمر، فكأنه قال لها: لا طال عمرك؛ لأنه إذا طال عمرها طال عُمُر أصل قرنها. انتهى(٢). وقال النوويّ نَّثُهُ: قولها: ((قَرْني)) بفتح القاف، وهو نظيرها في العمر، قال القاضي: معناه: لا يطول عمرها؛ لأنه إذا طال عمرها طال عُمُر قرنها . وتعقّبه النووي، قائلاً: وهذا الذي قاله فيه نظرٌ؛ لأنه لا يلزم من طول عُمُر أحد القرنين طول عُمُر الآخر، فقد يكون سنّهما واحداً، ويموت أحدهما قبل الآخر. قال: وأما قوله وَّ ر لها: ((لا كبر سنك))، فلم يُرِد به حقيقة الدعاء، بل هو جارٍ على ما قدّمناه في ألفاظ هذا الباب. انتهى (٣). (فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْم) ◌َّها حال كونها (مُسْتَعْجِلَةً، تَلُوثُ خِمَارَهَا)؛ أي: تديره على رأسها، ومُنُقَّهَا، فذهبت (حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْم؟)))؛ أي: أيّ شيءٍ حَمَلك على أن جئت الآن؟ (فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ ◌ّعَلَى يَتِيمَتِي؟) بعدم كبر سنّها، (قَالَ) ◌ِّ: ((وَمَا ذَاكِ) بكسر الكاف (يَا أُمَّ سُلَيْم؟))، قَالَتْ: زَعَمَتْ)؛ أي: قالت اليتيمة (أَنَّك) بفتح الهمزة؛ لوقوعها مفعولاً به لـ((زعمت))، (دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِتُّهَا، أَوْ لَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا) وفي بعض النسخ: ((ولا يكبر)) بالواو، والأول أَولى. (قَالَ) أنس ◌َُّه (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ) تعجّباً من خوف أم سلمة ◌َّا من قبول دعائه ونَ﴿ على يتيمتها، (ثُمَّ قَالَ) بَّهِ: ((يَا أُمَّ سُلَيْم أَمَا) بفتح الهمزة، وهي للاستفهام، و((ما)) نافية؛ أي: ألست (تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي) الجارّ (١) ((المفهم)) ٥٨٦/٦. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/١٦ - ١٥٥. (٢) ((شرح الأبيّ)) ٤٥/٧. ٧١٣ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّنَلِ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٤). والمجرور خبر ((أنّ))؛ أي: كائن على ربّي، وقوله: (إِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي) بكسر همزة ((إنّ)) جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدّر، فكأنها قالت له: ما شرطك على ربك يا رسول الله؟، فقال: ((إني اشترطت ... إلخ))، ووقع في بعض النسخ: ((أما تعلمين أني اشترطت على ربي)) بحذف جملة ((شَرْطي على ربّي))، وعليه فهمزة ((أنّ)) مفتوحة؛ لسدّها مسدّ مفعولي ((تعلمين)). (فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ)؛ أي: إنما أنا مجبول بما جُبل به البشر من الأحوال المختلفة؛ كالرضى، والغضب، (فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي، بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلِ)؛ أي: ليس مستحقّاً لها، بأن كان ما صدر عنه مما أغضبني عليه لا يستحقّ تلك الدعوة، (أَنْ تَجْعَلَهَا)؛ أي: الدعوة، (لَهُ طَهُوراً) بفتح الطاء المهملة؛ أي: مطهّرة لذنوبه، وهو معنى الرواية الأخرى: ((كفّارةً»، (وَزَكَاةً)؛ أي: زيادة ونماء في الأجر، كما مرّ التعبير في الرواية الأخرى بالأجر، (وَقُرْبَةً)؛ أي: سبب قُرب، وقال القرطبيّ: القربة: ما يقرّب إلى الله تعالى، وإلى رضوانه. (يُقَرِّبُهُ) الله ◌َ (بِهَا)؛ أي: بسبب تلك الزكاة (مِنْهُ) تعالى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) خصَّه؛ لأنه محلّ استيفاء الأجور، قال الله وَك: ﴿وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيَمَةٌ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقوله: (وَقَالَ أَبُو مَعْنٍ)؛ يعني: شيخه الثاني، زيد بن يزيد، (يُتَيِّمَةٌ) بضمّ أوله، (بِالتَّصْغِيرِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَدِيثِ) بيّن به اختلاف شيخيه في ضبط هذه اللفظة: ((يتيمة))، فرواها زهير بصيغة التكبير، وخالفه أبو معن، فرواها بصيغة التصغير، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٠٤/٢٥] (٢٦٠٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ٧١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَله من الخُلُق الكريم، حيث كان يلاطف الصغار، ويؤانسهم، قال الله ◌ُعَلَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]. ٢ - (ومنها): بيان الحثّ على الرحمة، والشفقة على اليتامى، والحنوّ عليهم، فقد انزعجت أم سليم ها بسبب بكاء يتيمتها، حتى جاءت النبيّ ◌ِ واستثبتت الخبر منه، فأزال بها من القلق والانزعاج. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّر من كمال الشفقة على أمته، حيث شارط ربه على أن من دعا عليه من أمته ممن لا يستحقّ الدعاء عليه أن يجعل ذلك له صلاة، وزكاة، وقربة إليه نُعَلَ، وهو مصداق قوله : ﴿وَمَآ [الأنبياء: ١٠٧]، والله تعالى أعلم. ١٠٧ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠٥] (٢٦٠٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ، قَالَ: فَجَاءَ، فَحَطَأَنِي حَطْأَةَ، وَقَالَ: ((اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةً))، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: ((اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ))، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: ((لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ))، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قُلْتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَدَنِي قَفْدَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ) بن الأسود الْقَيْسيّ، أبو عبد الله البصريّ، أخو هُذْبة، وهو الكبير، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٠ أو ٢٠١) (م ت س) تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٦٣٣٠/٢٤. ٢ - (أَبُو حَمْزَةَ الْقَصَّابِ) عمران بن أبي عطاء الأسديّ مولاهم أبو حمزة - بالحاء المهملة، والزاي - القصّاب الواسطيّ، صدوقٌ، له أوهام [٤]. رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وأنس، ومحمد ابن الحنفيّة. ورَوى عنه يونس بن عبيد، وشعبة، والثوريّ، وهُشيم، وأبو عوانة، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأسٌ، صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال ٧١٥ (٢٥) - جَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيَُِّّ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٥). أبو زرعة: بصريّ لَيِّن، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس بالقويّ، وقال الأجريّ عن أبي داود: يقال له: عمران الحلاب، ليس بذاك، وهو ضعيف، وقال ابن خلفون عن ابن نمير أنه وثّقه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاريّ في ((جزء رفع اليدين))، والمصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﴿هَا، تقدّم قريباً. والباقون تقدمواً قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي حمزة، فواسطيّ، وفيه أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم المجموعون في قولي: ذَوُو الأُصُولِ السِّنَّةُ الْوُعَاءُ اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وعَمْرٌو السَّرِي أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا وفيه ابن عبّاس ظّ أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي أيضاً: فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍو عَادَلَهْ وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا ذَكَرَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلٍ عُمَرَا وَنَجْلَ مَسْعُودٍ فَرِيقٌ أَشْرَكَا فَبَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكًا سَبِيلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلاً تَنْتَفِعْ وَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَاتَّبِعْ وهو أيضاً أحد المكثرين السبعة المجموعين في قولي أيضاً: مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِيَ الأَبَرُّ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ وفيه («أبو حمزة))، قال النوويّ كَّلُهُ: أبو حمزة هذا بالحاء، والزاي، اسمه عمران بن أبي عطاء الأسديّ الواسطيّ القَصّاب، بَيّاع القصب، قالوا: ٧١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وليس له عن ابن عباس ها، عن النبيّ وَ ل غير هذا الحديث، وله عن ابن عباس من قوله أنه يكره مشاركة المسلم اليهوديّ، وكل ما في ((الصحيحين)) أبو جمرة عن ابن عباس فهو بالجيم، والراء، وهو نصر بن عمران الضُّبَعيّ، إلا هذا القصّاب، فله في مسلم هذا الحديث وحده، لا ذِكر له في البخاريّ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: إنما قيّد بـ((الصحيحين))؛ لأن شعبة يروي في غيرهما عن سبعة من الشيوخ كلّهم أبو حمزة، بالحاء، والزاي، إلا واحداً، وهو أبو جمرة الذي ذكره النوويّ، فإنه بالجيم، والراء، وإليه أشار السيوطيّ ◌َُّهُ في ((ألفيّة الأثر)) حيث قال: وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ وَهْوَ الَّذِي يُظْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّاء [تنبيه آخر]: هذا الذي ذكرته في هذا الإسناد: ((حدّثنا محمد بن المثنّى الْعَنَزِيّ، وابنُ بشّار ... إلخ)) هو الصواب الذي وقع في ((النسخة الهنديّة)) وهي من أحسن النسخ، وأتقنها غالباً، ووقع في معظم النسخ التي شرحها النوويّ، وغيره بلفظ: ((حدّثنا محمد بن المثنّى الْعَنزيّ، (ح) وحدّثنا ابن بشّار ... إلخ))، وهذا غلط؛ لأن عادة المصنّ نَّثُ في مثل هذا أن يعطف الشيخ الثاني على الأول دون أن يكتب (ح) ويكرّر لفظ ((حدّثنا))؛ لعدم الاختلاف في كيفيّة التحمّل، والأداء، فإن الظاهر أنه سمع من لفظهما مع غيره، فلذا قال: ((حدّثنا))، وأنهما سمعا أيضاً من لفظ شيخهما أميّة مع غيرهما، فلذا قالا جميعاً: ((حدّثنا أُميّة ... إلخ))، فالأولى والأخصر في مثل هذا عدم كتابة (ح)، وعدم تكرار لفظ ((حدّثنا»، وهو الذي جرت عليه عادته في هذا الكتاب، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة، والزاي: عمران بن أبي عطاء، وقوله: (الْقَصَّابِ) بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة: نسبة إلى ذبح الغنم وغيرها، وبَيْع لحمها، قاله في ((اللباب))(٢). (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ًِّا؛ أنه (قَالَ: كُنْتُ (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/١٦. (٢) ((اللباب فى تهذيب الأنساب)) ٣٩/٣. ٧١٧ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّّ ◌َِّ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٥). أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ) بكسر الصاد المهملة، وضمها: جَمْع صبيّ، (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ، فَتَوَارَيْتُ)؛ أي: اختفيت (خَلْفَ بَابٍ) قال القرطبيّ؛ أي: اختفيت بالباب، وكأنه استحيى من النبيّ وَِّ، وهَابَه. (قَالَ) ابن عبّاس: (فَجَاءَ) النبيّ ◌َّهِ (فَحَطَّأَنِي حَطْأَةَ) قال القرطبيّ تَخْذُ: فسّره أمية بن خالد بقَفَدني قَفْدَةً، وكلاهما يحتاج إلى تفسير، فأمَّا حَطَأني: فهو بالحاء المهملة، وبالهمزة على قول شَمِر، وهو المحكيّ في الصّحاح، وهكذا قيّده أهل الإتقان، والضبط، وهو أن تضرب بيدك مبسوطة في القفا، أو بين الكتفين، وجاء به الهرويّ غيرَ مهموز، في باب الحاء، والطاء، والواو، وقال ابن الأعرابيّ: الحطو: تحريك الشيء متزعزعاً . وأما القفد - بتقديم القاف على الفاء - فالمعروف عند اللغويين أنه المشي على صدور القدمين من قِبَل الأصابع، ولا تبلغ عَقِباه الأرض، يقال: رجل أقفد، وامرأة قفداء، هو الْقَفَد - بفتح القاف، والفاء -. قال القرطبيّ: ولم أجد ((قفدني)) بمعنى ((حطأني)) إلا في تفسير أمية هذا. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أنه لم يجد ((قفد)) بمعنى ((خطأ)) فيه نظر لا يخفى، فقد قال المرتضى في ((التاج)): قَفَدَه كضَرَبَه: صَفَع قَفَاه، وفي ((الأَفْعَال)) لابن القطّاع: ضَرَب رَأْسَه بِبَاطِنٍ كَفِّه. انتهى، فهذا قريب منه معنى الحطأة، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: وهذا الضرب من النبيّ وَل﴿ لابن عبّاس تأديب له، ولعله لأجل اختفائه منه؛ إذ كان حقّه أن يجيء إليه، ولا يفرّ منه. ويَحْتَمِل أن يكون هذا الضرب بعد أن أمَره أن يدعو له معاوية بنظ ◌ُه، فلم يؤكّد على معاوية الدعوة، وتراخى في ذلك، ألا ترى قوله في المرتين: هو يأكل، ولم يزد على ذلك، وكان حقّه في المرة الثانية أن لا يفارقه حتى يأتي يه، والله تعالى أعلم. انتهى(١). (وَقَالَ) وَِّ ((اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ))) بن أبي سفيان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿مّ المتوفّى في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين، تقدّمت (١) ((المفهم)) ٥٨٧/٦ - ٥٨٨. ٧١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ترجمته في ((الصلاة)) ٨/ ٨٥٨. (قَالَ) ابن عبّاس: (فَجِئْتُ) إلى معاوية لأدعوه له وَسِّ، فوجدته يأكل، فرجعت إليه وَّه (فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ)؛ يعني: أنه مشغول بالأكل عن المجيء. (قَالَ) ابن عبّاس: (ثُمَّ قَالَ) وَ (لِي: ((اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ))) تَظُه. (قَالَ) ابن عبّاس: (فَجِئْتُ) مرّة ثانية؛ لأدعوه له، فما زال يأكل، فرجعت إليه وَّهِ (فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ) وَِّ عند ذلك: ((لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ))) قال القرطبيّ تَُّ: يَحْتَمِل أن يكون هذا من نوع: ((لا كبر سنّك)) كما قلناه، على تقدير أن يكون معاوية من الأكل في أمر كان معذوراً به، من شدّة الجوع، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك، وهذا المعنى تأوّل من أدخل هذا الحديث في مناقب معاوية رُه، فكأنه كَنَى به عن أنه دعا عليه بسبب أمْر كان معذوراً به، فحَصَل له من دعاء النبيّ وَّ ﴿ الكفّارة، والرحمة، والقربة إلى الله تعالى التي دعا بها النبيّ ◌َلقول، كما ذكرناه. ويَحْتَمِل أن يكون هذا الدعاء من النبيّ ◌َّ على حقيقته؛ تأديباً لمعاوية ربه على تثبّطه، وتأخّره عن إجابة دعوة النبيّ وََّ، وإجابةُ دعوته وَّل واجبة على الفور، بدليل حديث أبيّ رُه الذي أنكر عليه في ترك إجابته، وكان أُبَيّ في الصلاة. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُهُ(١) . وقال النوويّ كَّثُ: وقوله: ((حطأةً)) بفتح الحاء، وإسكان الطاء، بعدها همزة، وهو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين، وإنما فَعَل ◌َ ﴿ هذا بابن عباس ﴿مَا ملاطفةً، وتأنيساً، وأما دعاؤه على معاوية ظُبه أن لا يشبع حين تأخر ففيه الجوابان السابقان: أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد. والثاني: أنه عقوبة له لتأخره، وقد فَهِم مسلم تَّتُ من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقّاً للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية ربه؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاءً له. انتهى. وقوله: (قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى)؛ أي: محمد بن المثنّى شيخه الأول في هذا الحديث، (قُلْتُ لأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَقْدَةً) قال الأبيّ تَخْتُ: الحطأة (١) ((المفهم)) ٥٨٨/٦ - ٥٨٩. ٧١٩ (٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّّ: ﴿، أَوْ سَبَهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٠٥). قيل: لا تكون إلا بالضرب باليد مبسوطةً، وتفسير أميّة لها بالقفد قريبٌ منه؛ لأن القفد صفع القفا، وقيل: صفع الرأس. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿مّ هذا من أفراد المصنّف ◌َذَتُهُ. [تنبيه]: أخرج هذا الحديث العقيليّ في ((الضعفاء الكبير)) (٢٩٩/٣) في ترجمة أبي حمزة القصّاب، وقال: عن ابن عبّاس، لا يتابع على حديثه، ولا يُعرف إلا به. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أبو حمزة القصّاب روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، ووثقه جماعة، منهم ابن معين، وابن نمير، وابن حبّان، وقال أحمد: ليس به بأسٌ، صالح الحديث، وصححه حديث مسلم، حيث أخرجه هنا، فالحقّ أنه حسن الحديث، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٠٥/٢٥ و٦٦٠٦] (٢٦٠٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٠/١ و٢٩١ و٣٣٥ و٣٣٨)، و(الأصبهانيّ) في ((طبقات المحدّثين)) (٣٣/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز ترك الصبيان يلعبون بما ليس بحرام؛ لتنشط نفوسهم، وتتقوّى أعضاؤهم، وتشتد أرجلهم. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الاعتماد على الصبي فيما يُرسَل فيه، من دعاء إنسان، ونحوه، من حَمْل هدية، وطلب حاجة، وأشباه ذلك. ٣ - (ومنها): جواز إرسال صبيّ غيره ممن يُدِلّ عليه في مثل هذا، ولا يقال: هذا تصرف في منفعة الصبيّ؛ لأن هذا قَدْر يسير، وَرَدَ الشرع بالمسامحة به؛ للحاجة، واطّرَد به العُرف، وعَمَلُ المسلمين به. (١) ((شرح الأبيّ)) ٧/ ٤٧. ٧٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٤ - (ومنها): جواز تأديب الصغار بالضرب الخفيف، الذي يليق بهم، وبحسب ما يصدر عنهم، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠٦] (.) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَاخْتَبَأْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مَرْوَ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [4] (ت٢٠٤) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية النضر بن شُميل عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة - عفا الله عنه وعن والديه -: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الأربعين من ((شرح صحيح الإمام مسلم - المسمَّى - البحرَ المحيطَ الّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج))، وقت الضحى من يوم الخميس المبارك، وهو اليوم العشرون من شهر جمادى الأولى(١) (١٤٣٣/٥/٢٠ هـ الموافق ١٢ أبريل ٢٠١٢م). (١) قال الجامع عفا الله عنه: مدّة ما بينه وبين الجزء الذي قبله في الكتابة شهران، و(٢٥) يوماً، وهذا من فضل ربي، وله الحمد، والفضل، والمنّة، ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا الَهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].