Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرَّفْقِ - حديث رقم (٦٥٨٠) (٢٤٧٨ و٤٨٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٢/٦ و١٢٥ و١٧١)، و(البزّار) في («مسنده)) (١٩٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/١٠) و(«شعب الإيمان)) (٣٣٦/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)» (٣٤٩٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ شُرَيْح بْنِ هَانِيٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيراً، فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((عَلَيْكِ بِالرَّفْقِ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف بُندار، تقدّم قريباً. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بِغُندر، تقدّم أيضاً قريباً. ء والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيراً) - بفتح الموحّدة، وقد تُكْسَر -: مِثلُ الإنسان، يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبتُ بَعِيرِي، والجَمَلُ بمنزلة الرَّجُل، يختصّ بالذكر، والنَّاقَةُ بمنزلة المرأة، تختص بالأنثى، والبَكْرُ، والبَكْرَةُ، مثل الفتى والفتاة، والقَلُوصُ كالجارية، قاله الفيّوميّ(١). وقوله: (فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ)؛ أي: شدّة؛ يعني: أنه لا ينقاد لراکبه. [تنبيه]: أخرج أبو داود حديث عائشة ◌ّ هذا في ((سننه)) من طريق شريك، عن المقدام بن شُريح، عن أبيه قال: سألت عائشة عن البداوة؟ فقالت: كان رسول الله وَ﴿ يبدو إلى هذه التِّلاع، وإنه أراد البداوة مرّةً، فأرسل إليّ ناقةً مُحَرَّمّة من إبل الصدقة، فقال لي: ((يا عائشة ارفُقي، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نُزع من شيء قطّ إلا شانه))(٢). قوله: ((عن البداوة))؛ أي: الخروج إلى البدو، والمقام به، وفيه لغتان: (١) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٣. (٢) ((سنن أبي داود)) ٣/٣. ٦٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب كَسْر الباء، وفَتْحها، قاله الخطابي. ((يبدو))؛ أي: يخرج إلى البادية لحصول الخلوة وغيرها، ((إلى هذه التلاع)) بكسر التاء: مجاري الماء من أعلى الأرض إلى بطون الأودية، واحدتها تَلْعَة بفتح، فسكون، وقيل: هو من الأضداد، يقع على ما انحدر من الأرض، وما ارتفع منها. ((ناقة مُحَرَّمة)) بفتح الراء، من التحريم، قال الخطابيّ: الناقة المُحَرَّمة: التي لم تُركب، ولم تُذَلّل، فهي غير وطئة. ((ارفقي))؛ أي: لا تصعُبي على الناقة(١). وقوله: (فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ)؛ أي: تُزعجه، وتحرّكه، وفي رواية البيهقيّ: «فجعلت تضربه)). [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد تَظْلّثهُ في ((مسنده))، فقال: (٢٥٤٢٥) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، قال: سمعت المقدام بن شُريح بن هانئ، يحدّث عن أبيه، عن عائشة، قال: ركبت عائشة بعيراً، وكان منه صعوبة، فَجَعَلت ترَدِّده، فقال لها رسول الله بَّهِ: ((عليكِ بالرفق، فإنه لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه)). انتهى (٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾. (٢٤) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ، وَغَيْرِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨١] (٢٥٩٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَ﴾ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ، فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلَِّكَ (١) ((عون المعبود)) ٧/ ١١٢. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٧١/٦. ٦٦٣ (٢٤) - بَابُ الَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨١) رَسُولُ اللهِ إِ، فَقَالَ: ((خُذُوا مَا عَلَيْهَا، وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ))، قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ، مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. ٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عَمْرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، قال العجليّ: فيه نَصْبٌ يسير [٣] مات بالشام هارباً من القضاء سنة (١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٤ - (أَبُو الْمُهَلَّبِ) الْجَرْميّ البصريّ، عم أبي قِلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٩٦/١٩. ٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعِيّ، أبو نُجَيد - بنون، وجيم، مصغّراً - الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ًا، أسلم عام خيبر، وصَحِب، وكان فاضلاً، وقَضَى بالكوفة، مات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي الْمُهلّب، ورواية الأولين من رواية الأقران. ٦٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب شرح الحديث: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﴿ّ؛ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ نَِّ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف السَّفرة، ولا المرأة. انتهى(١). (وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ) هي الأنثى من الإبل، قال أبو عبيدة: ولا تُسمى ناقةً حتى تُجذِعَ، والجمع: أينُقٌ بالقلب المكانيّ، ونوقٌ، ونِياق(٢). (فَضَجِرَتْ) بفتح الضاد المعجمة، وكسر الجيم، يقال: ضَجِر منه، وبه؛ كفَرِحَ، وتضجّر: تبرّم، فهو ضَجِرٌ، قاله المجد كَُّ(٣). (فَلَعَنَتْهَا) وفي حديث أبي بَرْزة الأسلميّ الآتي: ((قال: بينما جارية على ناقة، عليها بعض متاع القوم، إذ بَصُرت بالنبيّ ◌َّهِ، وتضايق بهم الجبل، فقالت: حَلْ، اللَّهُمَّ العنها))، (فَسَمِعَ ذَلِكَ)؛ أي: لَعْن المرأة للناقة، (رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ) وَِّ ((خُذُوا مَا عَلَيْهَا) من المتاع، والمرأة، (وَدَعُوهَا)؛ أي: اتركوها تمشي بلا حَمْل شيء عليها، وفي الرواية التالية: ((فقال: خذوا ما عليها، وأعْرُوها))، وفي رواية أبي داود: ((ضعوا عنها))؛ أي: ضَعُوا رحالها، وأعروها؛ لئلا تُركَب، وزعم بعض أهل العلم أن النبيّ وَّ﴿ إنما أمَرَهم بذلك فيها؛ لأنه قد استُجيب لها الدعاء عليها باللعن، واستَدَلّ على ذلك بقوله: ((فإنها ملعونة))، وقد يَحْتَمِل أن يكون إنما فَعَل عقوبة لصاحبتها؛ لئلا تعود إلى مثل قولها. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه هذا الاحتمال الأخير هو الصواب؛ والأول لا دليل عليه، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال ابن الأثير كَُّ: قيل: إنما فَعَلَ ◌ّ ذلك؛ لأنه استجيب دعاؤها فيها، وقيل: فَعَله عقوبةً لصاحبتها؛ لئلا تعود إلى مثلها، ولِيَعْتَبِر بها غيرها، وأصل اللعن: الطردُ والإبعاد من الله، ومن الخَلْق: السبّ والدعاء. انتهى(٥). (فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ)))؛ أي: لكونها ملعونةً، فلا ينبغي الحمل، ولا الركوب (فَكَأَنّي أَرَاهَا الآنَ)؛ عليه، وهذا معاقبة لصاحبتها. (قَالَ عِمْرَانُ) بن حُصين رضّه (١) ((تنبيه المعلم)) ص٤٣١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ٧٧٠. (٥) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٥٥/٤. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٣١/٢. (٤) ((عون المعبود)) ١٦٥/٧. ٦٦٥ (٢٤) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨١) أي: أستحضر في الوقت الحاضر ما وقع في تلك الساعة من أنها أُخذ ما عليها، فكانت (تَمْشِي فِي النَّاسِ)؛ أي: بينهم، (مَا) نافية، (يَعْرِضُ) بفتح أوله، وكَسْر ثالثه، من باب ضرب؛ أي: ما يتعرّض (لَهَا أَحَدٌ) بالحمل، ولا بالركوب؛ لِعِلْمهم بأنه ◌َّ نهى عن ذلك، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﴿مّ هذا من أفراد المصنّف تَخْذَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٦٥٨١ و٦٥٨٢] (٢٥٩٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٦١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٩/٤ و٤٣١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٦٥/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٦/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٤٠ و٥٧٤١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٩/١٨ و١٩٠ و٢٠٠)، و(الرويانيّ) في («مسنده)) (١١٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٤/٥)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٨) ٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الزجر عن لعن شيء من الدوابّ وغيرها، وقد بيّن النبيّ ◌َ ﴿ علة المنع بأنه مخافة أن يوافق ساعة الإجابة، فيستجاب الدعاء، ﴿به الطويل الآتي فیتضرّر بذلك صاحبه، فقد أخرج مسلم من حديث جابر آواخر الكتاب، قال: سرنا مع رسول الله وَ طير في غزوة بطن بُواط، وهو يطلب الْمَجْديّ بن عمرو الْجُهنيّ، وكان الناضح يعقبه منا الخمسة، والستة، والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه، فركبه، ثم بعثه، فتَلَدّن عليه بعض التلَدُّن، فقال له: شَأُ لَعَنَك الله، فقال رسول الله وَلي: ((من هذا اللاعن بعيره؟)) قال: أنا يا رسول الله، قال: ((انزِلْ عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءٌ، فيستجيبَ لكم)). ٦٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٢ - (ومنها): أنه يُستفاد من الحديث جواز العقوبة في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك، قاله القرطبيّ تَظُّهُ(١). ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: إنما قال وَليل هذا لهذه المرأة زجراً لها، ولغيرها، وكان قد سَبَق نهيها، ونهيُ غيرها عن اللعن، فعوقبت بإرسال الناقة، والمراد: النهي عن مصاحبته لتلك الناقة في الطريق، وأما بيعها، وذَبْحها، وركوبها في غير مصاحبته بَّة، وغير ذلك من التصرفات التي كانت جائزة قبل هذا، فهي باقية على الجواز؛ لأن الشرع إنما ورد بالنهي عن المصاحبة، فبقي الباقي كما كان. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: حَمَل بعض الناس قوله وَّه: ((فإنها ملعونة)) على ظاهره، فقال: أطلع الله تعالى نبيّه وَلجر على أن هذه الناقة قد لَعَنها الله تعالى، وقد استُجيب لصاحبتها فيها، فإن أراد هذا القائل أن الله تعالى لعن هذه الناقة كما يلعن من استحقّ اللعنة من المكلّفين كان ذلك باطلاً؛ إذ الناقة ليست بمكلّفة، وأيضاً فإنَّ الناقة لم يصدُر منها ما يوجب لَعْنها، وإن أراد أن هذه اللعنة إنما هي عبارة عن إبعاد هذه الناقة عن مالكتها، وعن استخدامها إياها، فتلك اللعنة إنما ترجع لصاحبتها؛ إذ قد حيل بينها وبين مالها، ومُنعت الانتفاع بها، لا للناقة؛ لأنها قد استراحت من ثِقَل الحَمْل، وكَدّ السير. فإنْ قيل: فلعلَّ معنى لعنة الله الناقة: أن تُترك، وأن لا يتعرّض لها أحد. فالجواب: أن معنى تَرْك الناس لها إنما هو أنهم لم يؤووها إلى رحالهم، ولا استعملوها في حَمْل أثقالهم، فأمَّا أن يتركوها في غير مَرْعَى، ومن غير عَلَف حتى تَهْلِك، فليس في الحديث ما يدلّ عليه. ثم هو مخالف لقاعدة الشرع في الأمر بالرفق بالبهائم، والنهي عن تعذيبها، وإنما كان هذا منه وَّ تأديباً لصاحبتها، وعقوبةً لها فيما دَعَت عليها بما دَعَت به. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: وممن ذهب إلى أن سبب قوله وَله: ((وَدَعُوها، (١) ((المفهم)) ٥٨١/٦. (٣) ((المفهم)) ٦/ ٥٨٠ - ٥٨١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٧/١٦ - ١٤٨. ٦٦٧ (٢٤) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٢) فإنها ملعونة)) استجابة دعاء المرأة على تلك الناقة ابن حبّان في ((صحيحه))، فإنه قال: أمْر المصطفى وَله بتسييب الراحلة التي لُعنت أمْر أُضمر فيه سببه، وهو حقيقة استجابة الدعاء للّاعن، فمتى عُلم استجابة الدعاء من لا عنٍ مّا راحلةً له، أمرناه بتسييبها، ولا سبيل إلى علم هذا؛ لانقطاع الوحي، فلا يجوز استعمال هذا الفعل لأحد أبداً، ثم استدلّ على ذلك بحديث أبي برزة الأسلميّ ظُه المذكور هنا بعد هذا(١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن سبب أمْره ◌َّه بتسييب تلك الناقة هو تأديب صاحبتها، ومعاقبتها عليها، كما ذهب إليه النوويّ، والقرطبيّ، وغيرهما، وليس حديث أبي برزة ﴿به نصّاً فيما قاله ابن حبّان، فما قالوه أولى، وأقرب مما قاله، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيع، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، كِلَهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِإِسْنَادٍ إِسْمَاعِيلَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثٍ حَمَّادٍ: قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَاءَ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: فَقَالَ: ((خُذُوا مَا عَلَيْهَا، وَأَعْرُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو الرَّبِيع) سليمان بن داود الزهرانيّ العتكيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (الثَّقَفِيُّ) عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت١٩٤) عن نحوٍ من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧. (١) ((صحيح ابن حبان)) ١٣/ ٥٣. ٦٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب و((أيوب السختيانيّ)) ذُكر قبله. وقوله: (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا)؛ أي: إلى تلك الناقة، (نَاقَةً) منصوب على الحاليّة، (وَرْقَاءَ) قال النوويّ: بالمدّ؛ أي: يخالط بياضها سواد، والذَّكر أورق، وقيل: هي التي لونها كلون الرماد. انتهى (١). وقوله: (وَأَعْرُوهَا) - بقطع الهمزة، وبضمّ الراء - يقال: أعريته، وعَرَّيته إعراءً، وتعريةً، فتعرّى، والمراد هنا: خُذوا ما عليها من المتاع، ورَحْلها، وآلتها(٢). [تنبيه]: رواية حماد بن زيد عن أيوب السختيانيّ ساقها أبو داود تَُّ في ((سننه))، فقال : (٢٥٦١) - حدّثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الْمُهَلَّب، عن عمران بن حُصين، أن النبيّ ◌َّ كان في سفر، فسمع لعنةً، فقال: ((ما هذه؟)) قالوا: هذه فلانة لعنت راحلتها، فقال النبيّ ◌َّ: ((ضَعُوا عنها، فإنها ملعونة))، فوضعوا عنها، قال عمران: فكأني أنظر إليها ناقةً (٣) ورقاء. انتهى(٣). وأما رواية عبد الوهاب الثقفيّ عن أيوب، فقد ساقها البيهقيّ في ((الکبری))، فقال: (١٠١١٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا الربيع بن سليمان، أنا الشافعيّ، أنا عبد الوهاب الثقفيّ (ح) وأخبرنا أبو عبد الله، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الْمُهَلَّب، عن عمران بن حُصين، قال: بينما رسول الله وَّ في سفر، وامرأة من الأنصار على ناقة لها، فضَجِرت، فَلَعَنَتْها، فقال رسول الله وَله: (خُذُوا عنها، وعَرُّوها، فإنها ملعونة)). قال: فكان لا يأويها أحدٌ. قال: ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، قال في الحديث: ((ضَعُوا عنها، (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٦. (٣) ((سنن أبي داود)) ٢٦/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٦. ٦٦٩ (٢٤) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٣) فإنها ملعونة))، فوضعوا عنها، قال عمران: كأني أنظر إليها ناقةً ورقاء. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٣] (٢٥٩٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْع - حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَىَّ نَاقَةٍ، عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْمِ، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ وَِّ، وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَقَالَتْ: حَلْ، اللَّهُمَّ الْعَثَّهَا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َوْ: ((لَا تُصَاحِبُنَا نَاقَةٌ، عَلَيْهَا لَعْنَةٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (التَّيْمِيُّ) سليمان بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مَلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلّثة - ابن عَمرو النَّهْديّ - بفتح النون، وسكون الهاء - الكوفيّ، ثم البصريّ، مشهور بكنيته، مخضرم، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٢]، مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنةً، وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٥ - (أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ) نَضْلة - بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة - ابن عُبيد الصحابيّ الشهير، مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُرَاسان، ومات بها بعد سنة خمس وستين، على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة) ١٠٣٦/٣٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَثُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم. (١) (سنن البيهقي الکبری)) ٢٥٤/٥. ٦٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) نَضْلَة بن عُبيد (الأَسْلَمِيِّ) بفتح الهمزة: نسبة إلى أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قاله في ((اللباب))(١). (قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ) تقدّم غير مرّة أن ((بينما)) هي ((بين)) الظرفّة زيدت عليها ((ما))، (عَلَى نَاقَةٍ)؛ أي: راكبة عليها. (عَلَيْهَا)؛ أي: على تلك الناقة (بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْم)؛ أي: محمول عليها، (إِذْ) بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة هي الفجائيّة يُتلقّى بها جواب ((بينما))، وهو قوله: (بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ وََّ) بضمّ الصاد المهملة، وتُكسر، قال الفيّوميّ تَظْتُهُ: بصُرت بالشيء بالضمّ، والكسر لغةٌ بَصَراً، بفتحتين: علمتُ، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء، في اللغة الفصحى، وقد يتعدّى بنفسه. انتهى(٢). وقال المجد كَّلُ: وبَصُرَ به، ككَرُمَ، وفَرِحَ بَصَراً، وَبَصَارَةً، ويُكْسَرُ؛ ككِتَابةٍ: صار مُبْصِراً. انتهى(٣). (وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبَلُ)؛ أي: ضاق بهم الطريق في الجبل، (فَقَالَتْ: حَلْ) بفتح الحاء المهملة، وسكون اللام، كلمة تُزجر بها الإبل، يقال: حَلْ حَلْ بسكون اللام، ويقال أيضاً: حَلِ حَلٍ، بكسر اللام فيهما منوّنةً، وغير منوّنة، قاله القرطبيّ كَّفُ(٤). وقال النوويّ كَّتُهُ: ((حل)) كلمة زجر للإبل، واستحثاث، يقال: حل حل بإسكان اللام فيهما، قال القاضي: ويقال أيضاً: حلٍ حلٍ بكسر اللام فيهما، (٥) بالتنوين، وبغير تنوين. انتهى . (اللَّهُمَّ الْعَنْهَا)؛ أي: أبْعِدها من رحمتك. (قَالَ) أبو برزة ◌َُّبه: (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (لَا تُصَاحِبُنَا) الظاهر أن ((لا)) نافية، والفعل مرفوع، على الإخبار، والمراد به النهي، ويَحْتَمِل أن تكون ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم بها. (نَاقَةٌ، عَلَيْهَا لَعْنَةٌ)))؛ أي: عليها الدعاء باللعنة، وتقدّم أن الأظهر أن يكون هذا من (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٥٨/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٠/١. (٤) ((المفهم)) ٥٨١/٦. (٣) ((القاموس المحيط)) ص١١٠. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٦. ٦٧١ (٢٤) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٤) النبيّ ◌َّه على سبيل الزجر، والعقوبة للمرأة حيث اعتدت على ناقة تنتفع بها بالركوب والحمل، فَدَعَتْ عليها باللعنة، فعاقبها بعدم ركوبها، والحَمْل عليها، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: ظُه هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ المصنّف نَظَاتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٨٣/٢٤ و٦٥٨٤] (٢٥٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢١/٤ و٤٢٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٤٣)، و(ابن أبي الدنيا) في ((الصمت)) (٢٩١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٤/٥) و((شُعب الإيمان)) (٢٩٧/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (ح) وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - جَمِيعاً عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ: ((لَا ابْمُ اللهِ لَا تُصَاحِبُنَا رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ مِنَ اللهِ»، أَوْ كَمَا قَالَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصّنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطُّفَيل، ثقةٌ من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليَشْكُريّ، أبو قُدَامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٤ - (يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي. و((سليمان التيميّ)) ذُكر قبله. وقوله: (لَا ايْمُ اللهِ) ((لا)) نافية مؤكّدة بـ(لا)) الثانية، و((ايم الله)) فَسَم ٦٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب معترِض بينهما، وهو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: ايم الله قَسَمي، وهمزته همزة وصل لا يجوز فيها القطع عند الأكثرين، والأصل فيه: يمين الله، ثم جُمع اليمين على أيمُن، ولمّا كثر استعماله في كلامهم خفّفوه بحذف النون، فقالوا: ايم الله، وفيه لغات، قاله في ((العمدة))(١). وقال في ((الفتح)): ((وايم الله)) بكسر الهمزة، وبفتحها، والميم مضمومة، وحَكَى الأخفش كسرها، مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرف عند الزجاج، وهمزته همزة وَصْل عند الأكثر، وهمزة قَطْع عند الكوفيين، ومَن وافقهم؛ لأنه عندهم جَمْع يمين، وعند سيبويه ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجوا بجواز كسر همزته، وفتح ميمه، قال ابن مالك: فلو كان جمعاً لم تُحذف همزته، واحتج بقول عروة بن الزبير، لمّا أُصيب بولده ورجله: ليمنك، لئن ابتَلَيتَ، لقد عافيت، قال: فلو كان جمعاً لم يُتصرف فيه بحذف بعضه، قال: وفيه اثنتا عشرة لغة جمعتها في بيتين، وهما [من البسيط]: أَوْ قُلْ مُ أَوْ مَنُ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِّلَا هَمْزَ ايْمُ أَيْمُنُ فَاقْتَحِ اكْسِرْ أَوْ أَمُ قُلْ إِلَيْهِ فِي قَسَمِ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا وَأَيْمُنُ اخْتِمْ بِهِ وَاَللَّهِ كُلّ أَضِفْ قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فاته أَمُ، بفتحَ الهمزة، وهَيمُ بالهاء بدل الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلم الأندلسيّ في ((شرح المفصل)). وقال غيره: أصله يمين الله، ويُجمع: أيمناً، فيقال: وايمن الله، حكاه أبو عبيدة، وأنشد لزهير بن أبي سُلْمَى [من الوافر]: فَتُجْمَعُ أَيْمُنْ مِنَّا وَمِنْكُمْ بِمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ وقالوا عند القَسَم: وأيمن الله، ثم كَثُر، فحذفوا النون، كما حذفوها من لم يكن، فقالوا: لم يك، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أمُ الله، ثم حذفوا الألف، فاقتصروا على الميم، مفتوحةً، ومضمومةً، ومكسورةً، وقالوا أيضاً: مِنُ الله، بكسر الميم، وضمّها، وأجازوا في ((أيمن)) فتح الميم، وضمّها، وكذا في ((ايم))، ومنهم من وَصَل الأَلِف، وجعل الهمزة زائدة، أو مسهَّلة، وعلى هذا تبلغ لغاتها عشرين. (١) ((عمدة القاري)) ١٠٠/٥. ٦٧٣ (٢٤) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٤) وقال الجوهريّ: قالوا: ايم الله، وربما حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومةً، فقالوا: م الله، وربما كسروها؛ لأنها صارت حرفاً واحداً، فشبّهوها بالباء، قالوا: وألِفها ألِف وَصْل عند أكثر النحويين، ولم يجئ ألِف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل اللام للتأكيد، فيقال: لَيْمُن الله، قال الشاعر [من الطويل]: فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدْتُهُمْ نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللَّهِ مَا نَذْرِي وذهب ابن كيسان وابن درستويه إلى أن ألِفها ألِف قطع، وإنما خُفّفت همزتها، وطُرحت في الوصل؛ لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين عن الداوديّ قال: ايم الله معناه: اسم الله، أُبدل السين ياءً، وهو غلط فاحش؛ لأن السين لا تُبْدل ياء. وذهب المبرّد إلى أنها عِوَض من واو القَسَم، وأن معنى قوله: ((وايم الله)): والله لأفعلنّ، ونُقل عن ابن عباس أن يمين الله من أسماء الله، ومنه قول امرئ القيس : فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً وَلَوْ قَطْعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي(١) [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان عن سليمان التيميّ ساقها الإمام أحمد كَّثُ في ((مسنده))، مقروناً بيزيد بن هارون، فقال: (١٩٨٠٥) - حدّثنا يحيى بن سعيد عن التيميّ ويزيد، قال: أنا التيميّ، عن أبي عثمان، عن أبي برزة - قال يزيد -: الأسلميّ، قال: كانت راحلةٌ، أو ناقةٌ، أو بعيرٌ، عليها متاع لقوم، فأخذوا بين جبلين، وعليها جارية، فتضايق بهم الطريق، فأبصرت النبيّ وَّهِ، فجعلت تقول: حَلْ حَلْ اللَّهُمَّ العنها، أو العنه، فقال النبيّ وَله: ((لا تصحبني ناقة، أو راحلة، أو بعير، عليها، أو عليه لعنةٌ من الله تبارك وتعالى)). انتهى(٢). وأما رواية المعتمر عن أبيه سليمان التيميّ، فلم أجد من ساقها، فلْيُنظَر، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٢٥٨/١٥ - ٢٥٩. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٢٣/٤. ٦٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٥] (٢٥٩٧) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَغَّانً)). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) تقدّم قريباً. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو أيوب المدنيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا قبل باب، وقبل ثلاثة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)؛ رَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ) - بفتح الصاد المهملة، وتشديد الدال المهملة - فَعِيل، من صيغ المبالغة، والتكثير، وهو الكثير الصدق، والتصديق، كما قد تقرّر في صفة أبي بكر ظُه. (أَنْ يَكُونَ لَغَاناً) - بفح اللام، وتشديد العين المهملة - فَعّال من صيغ المبالغة والتكثير أيضاً، وهو الكثير اللّعن، وقد تقدَّم أن أصل اللعن: الطرد والإبعاد، وهو في الشرع: البُعد عن رحمة الله تعالى وثوابه إلى نار الله وعقابه، وأن لعن المؤمن كبيرة من الكبائر، إذ قد قال ◌َ له: (لعن المؤمن كقتله))، متّفقٌ عليه. ومعنى هذا الحديث: أن من كان صادقاً في أقواله، وأفعاله، مصدِّقاً بمعنى اللعنة الشرعية، لم تكن كثرة اللعن من خُلُقه؛ لأنه إذا لَعَن من لا يستحق اللعنة الشرعية، فقد دعا عليه بأن يُبْعَد من رحمة الله، وجنّته، ويدخل في ناره، وسَخَطه، والإكثار من هذا يناقض أوصاف الصّدّيقين، فإنَّ من أعظم صفاتهم الشفقة، والرحمة للحيوان مطلقاً، وخصوصاً بني آدم، وخصوصاً المؤمن، فإنَّ المؤمنين كالجسد الواحد، وكالبنيان؛ كما تقدَّم، فكيف يليق أن يُدْعَى عليهم باللعنة التي معناها الهلاك، والخلود في نار الآخرة، فمن كَثُر منه اللعن، فقد سُلِب منصب الصدّيقيّة، ومن سُلِبه فقد سُلب منصب الشفاعة، والشهادة الأخرويّة، كما قال ◌َله: ((لا يكون اللغّانون شفعاء، ولا شُهداء يوم القيامة)) . ٦٧٥ (٢٤) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٥) وإنما خصّ اللعّان بالذكر، ولم يقل: اللاعن؛ لأن الصدّيق قد يلعن من أمر الشرع بلَعْنه، وقد يقع منه اللعن فَلْتَةً، ونُدْرةً، ثم يتراجع، وذلك لا يخرجه عن الصدّيقيّة. ولا يفهم مِن نِسبتنا الصدّيقيّة لغير أبي بكر الصدّيق ◌ُه مساواة غيره له في صدّيقيّته، فإنَّ ذلك باطل بما قد عُلِم أن أبا بكر ظه أفضل الناس بعد رسول الله ﴿ على ما تقدَّم، لكن المؤمنون الذين ليسوا بلعّانين لهم حظّ من تلك الصدّيقيّة، ثم هم متفاوتون فيها على حسب ما قُسِم لهم منها(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عليه هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٨٥/٢٤ و٦٥٨٦] (٢٥٩٧)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)» (٣١٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣٧/٢ و٣٦٥)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٥٢/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/١٠) و((شُعب الإيمان)) (٢٩٣/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائدة: ١ - (منها): بيان التحذير عن كثرة اللعن، وأنه ينافي صفة الإيمان، ولذا جاء في حديث الترمذي من حديث ابن عمر ظ﴿ها بلفظ: ((لا ينبغي للمؤمن أن يكون لَعّاناً))، وفي لفظ: ((لا يكون المؤمن لَعَاناً))، قال الترمذيّ: حديث حسن، وفي حديث ابن مسعود ظُبه مرفوعاً عند الترمذيّ أيضاً، وصححه ابن حبّان: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا البذيء ولا الفاحش)). ٢ - (ومنها): بيان أن مرتبة الصدّيقين أرفع مراتب المؤمنين، حيث إنهم متّصفون بالرحمة، والشفقة على عباد الله، فلا يكونون لعّانين، ولا طعّانين، أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد))(٢)، والبيهقيّ في ((شُعب الإيمان))(٣) عن (١) راجع: ((المفهم)) ٥٧٩/٦ - ٥٨٠. (٣) ((شعب الإيمان)) ٢٩٤/٤. (٢) ((الأدب المفرد)) ١١٨/١. ٦٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب عائشة هنا، أن أبا بكر لعن بعض رقيقه، فقال النبيّ وَلهو: ((يا أبا بكر اللقانون، والصدّيقون، كلّا ورب الكعبة))، مرتين، أو ثلاثاً، فأعتق أبو بكر يومئذ بعض رقيقه، ثم جاء النبيّ وَّر، فقال: لا أعود. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: فيه الزجر عن اللعن، وأن من تخلَّق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة؛ لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم، والتعاون على البرّ والتقوى، وجعلهم كالبنيان، يَشُدّ بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يُحِب لاخيه ما يحبّ لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة، وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى، فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يَوَدّه المسلم للكافر، ويدعو عليه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: ((لعنُ المؤمن كقتله))؛ لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة، ورحمةِ الله تعالى، وقيل: معنى لعن المؤمن كقتله في الإثم، وهذا أظهر. انتهى(١). ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْلُ أيضاً: إنما قال النبيّ وَلّ: ((لا ينبغي الصدّيق أن يكون لعّاناً))، و((لا يكون اللعانون شفعاء)) بصيغة التكثير، ولم يقل: لاعناً، ولا اللاعنون؛ لأن هذا الذمّ في الحديث إنما هو لمن كَثُر منه اللعن، لا لمرّة ونحوها، ولأنه يخرج منه أيضاً اللعن المباح، وهو الذي ورد الشرع به، وهو: لعنة الله على الظالمين، لَعَن الله اليهود والنصارى، لعن الله الواصلة، والواشمة، وشارب الخمر، وآكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، والمصوِّرين، ومن انتمى إلى غير أبيه، وتولّى غير مواليه، وغَيَّر منار الأرض، وغيرهم مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة. انتهى، والله تعالى أعلم (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رََّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٦] ( ... ) - (حَدَّثَنِيهِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٦ - ١٤٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٦ - ١٤٩. ٦٧٧ (٢٤) - بَابُ الَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٧) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطوانيّ - بفتح القاف، والطاء - أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧. و((العلاء)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٧] (٢٥٩٨) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، بَعَثَ إِلَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنَ اللَّيْلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ، فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَعَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ أُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَكُونُ اللَّغَانُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحدثَانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ - بالضم - أبو عُمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ، ربما وَهِم [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦١/٨٧. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٤ - (أُمُّ الدَّرْدَاءِ) زوج أبي الدرداء، اسمها هُجيمة، وقيل: جُهيمة الأوصابيّة الدمشقيّة، وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خَيْرة، ولا رواية لها ٦٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب في الكتب السّة، والصغرى ثقةٌ، فقيهةٌ [٣] ماتت سنة إحدى وثمانين (ع) ((الصيام)) ٢٦٣٠/١٩. تقدمت في ٥ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، مختلف في اسم أبيه، وأما هو فمشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقبٌ، الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحُدٌ، وكان عابداً، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٨/٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف نَّثُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعية، والمرأة عن زوجها، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ، وهو ممن اشتهر هو وزوجته بالكنية. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ المدنيّ؛ (أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص الأُمويّ، أبو الوليد المدنيّ، ثم الدمشقيّ، كان طالب عِلم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها، فتغيّر حاله، مُلِّك ثلاث عشرة سنةً استقلالاً، وقبلها منازِعاً لابن الزبير، تسع سنين، ومات سنة ست وثمانين في شوال، وقد جاوز الستين، وليست له رواية في الكتب الستة، وأخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)). (بَعَثَ)؛ أي: أرسل (إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ)، هجيمة، أو جهيمة الوصّابيّة، زوج أبي الدرداء، (بِأَنَّجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ) - بفتح الهمزة، وبعدها نون، ثم جيم - وهو جمع نَجَد - بفتح النون، والجيم - وهو متاع البيت الذي يُزَيِّنه، من فُرُش ونَمارق، وسُتور، وقاله الجوهريّ بإسكان الجيم، قال: وجَمْعه نُجُود، حكاه عن أبي عبيد، فهما لغتان، ووقع في رواية ابن ماهان: ((بخادم)) بالخاء المعجمة، والمشهور الأول، قاله النوويّ(١). (فَلَمَّا أَنْ) زائدة، (كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلة من الليالي، فـ((ذات)) مقحمة، (قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ) بن مروان (مِنَ اللَّيْلِ) ((من)) بمعنى ((في))، أو هي تبعيضيّة، (فَدَعَا خَادِمَهُ) لم يُعرف الخادم، (فَكَّأَنَّهُ أَبْطَأَ)؛ أي: تأخّر مجيئه (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١٦ - ١٥٠. ٦٧٩ (٢٤) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٧) (عَلَيْهِ، فَلَعَنَهُ)؛ أي: دعا عليه بأن يكون ملعوناً؛ أي: مطروداً من رحمة الله تعالى، (فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ أي: دخل عبد الملك في الصباح، (قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة، (لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ)؛ أي: وقت دعائك إياه، (فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) عويمر بن زيد بن قيس رَُّه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لا) نافية، (يَكُونُ اللَّغَانُونَ)؛ أي: المكثرون من اللعن (شُفَعَاءَ) معناه: لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، (وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) فيه ثلاثة أقوال: أصحّها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رُسُلهم إليهم الرسالات. والثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا؛ أي: لا تُقبل شهادتهم بفسقهم. والثالث: لا يُرزقون الشهادة، وهي القتل في سبيل الله تعالى، كذا قال (١) النوويّ(١). وقال الحاكم الترمذيّ في ((نوادره): لا يكون اللعانون شهداء؛ لِمَا عندهم من الإِحْنة، والعداوة، والْجَور، ولا يكونون شفعاء؛ لأن قلوبهم خالية من الرحمة. انتهى(٢). وقال البغويّ في ((شرح السُّنَّة)): معناه: لا يكونون في الجملة التي تُستشهد يوم القيامة على الأمم التي كذّبت أنبياءها اللّه*؛ لأن من فضيلة هذه الأمة أنهم يشهدون للأنبياء * بالتبليغ إذا كذّبهم قومهم. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء به هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٨٧/٢٤ و٦٥٨٨ و٦٥٨٩] (٢٥٩٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١١٧/١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١٦. (٢) ((نوادر الأصول في أحاديث الرسول)) ٣٦٤/١. (٣) ((شرح السُّنَّة)) ١٣٥/١٣. ٦٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (٤٩٠٧)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٤١٢/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/ ٤٤٨)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٩٩/١)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (١/ ٥٧٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦/١٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١١١/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٥٩/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٥٦)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٩٤/٤٧ و١٦٤/٧٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٨٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثٍ حَقْصٍ بْنِ مَيْسَرَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨. ٢ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول التيميّ، أبو عمر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٦/ ١٣٥٠. والباقون ذُكروا في الباب والبابين الماضيين. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ) الضمير لمعتمر بن سليمان، وعبد الرزّاق. [تنبيه]: رواية معمر عن زيد بن أسلم ساقها الإمام أحمد تَخْتُ في («مسنده))، فقال : (٢٧٥٦٩) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: كان عبد الملك بن مروان يُرسل إلى أم الدرداء، فتبيت عند نسائه، ويسألها عن النبيّ ◌َّ، قال: فقام ليلة، فدعا خادمةً، فأبطأت عليه، فلَعَنها، فقالت: لا تلعن؛ فإن أبا الدرداء حدّثني أنه سمع رسول الله وَلتر يقول: ((إن اللعانين