Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (١٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَقْوِ، وَالتَّوَاضُعِ - حديث رقم (٦٥٦٩) يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغيَ أحدٌ على أحد))، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في محاللة الحقوق: قال أبو العبّاس القرطبيّ في ((المفهم)): اختَلَف العلماء في المحاللة من الحقوق، فقال سعيد بن المسيِّب: لا أحلِّل أحداً، وظاهره أنه كان لا يُجيز أن يعفو عن حقّ وجب له، ولا يُسقطه، ولم يفرّق بين الظالم، ولا غيره، وهذا هو الذي فَهِمه مالك عنه. وذهب غيره إلى أنه تجوز المحاللة من جميع الحقوق، وإسقاطها، وإليه ذهب محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد كان يُحلّل مَن ظلمه، ويكره لنفسه الخصوم. وفرّق آخرون بين الظالم، فلم يحللوه، وبين غيره، فحلّلوه، وإليه ذهب إبراهيم النخعيّ، وهو ظاهر قول مالك، وقد سئل، فقيل له: أرأيت الرجل يموت، ولك عليه دَين، ولا وفاء له به؟ قال: أفضل عندي أن أحلّله، وأما الرجل يظلم الرجل فلا أرى ذلك، قال الله رَّت: ﴿إِنَّ السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية [الشورى: ٤٢] فظاهر هذا: أن الظالم لا يجوز أن يُحلَّل، ولم يفرّق بين الحقوق، فيكون مذهبه كمذهب النخعيّ المتقدّم، غير أنه قد رُوي قول مالك هذا بلفظ آخر، فقال: أما الرجل يغتاب الرجل، وينتقصه، فلا أرى ذلك، ففَهِم بعضُ أصحابنا من هذا أن ترك المحاللة إنما مَنَعه في الأعراض خاصّة، وأما في سائر الحقوق فيجوز. وسبب هذا الخلاف، هل تلك الأدلة مُبْقاةٌ على ظواهرها من التعميم، أو هي مُخَصّصة، فيخرج منها الظالم؛ لأنَّ تحليله من المظالم يجرّؤه على الإكثار منها، وهو ممنوع بالإجماع، ثم ذلك عون له على الإثم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَلَاَ نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ الآية [المائدة: ٢]؟ وأما الفرق بين الأعراض وغيرها فمبالغة في سدّ ذريعة الأعراض ليَسَارتها، وتساهُل الناس في أمرها، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع عنها، فاذا عَلِم الذي يريد أن يغتاب مسلماً أن الغِيبة، وأعراض المسلمين لا يُعفَى عنها، ولا يُخرج منها، امتنع من الوقوع فيها. قال القرطبيّ كَّتُهُ: ويردّ على هذه التخصيصات سؤالات يطول الكلام بإيرادها، والانفصال عنها، والتمسك بالعموم هو الأصل المعلوم، لا سيما مع قوله ريلاير: ((أيعجز أحدكم ٦٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا أصبح يقول: اللَّهُمَّ إني تصدقت بعرضي على عبادك))(١)، ومع الأصل الكليّ في حقوق بني آدم من جواز تصرّفهم فيها بالإعطاء، والمنع، والأخذ والإسقاط، والله تعالى أعلم. [تفريع]: القائلون بجواز التحلّل، وإسقاط الحقوق، اختلفوا هل تُسقط عن الظالم مطالبة الآدميّ فقط، ولا تسقط عنه مطالبة الله رَجَن؟، أو يَسْقُط عنه الجميع؟ لأهل العلم فيه قولان. انتهى كلام أبي العبّاس القرطبيّ ◌َخَذُهُ(٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر ◌َّتُهُ في ((تفسيره)): اختَلَف العلماء في التحليل، فكان ابن المسيِّب لا يحلل أحداً من عرض، ولا مال، وكان سليمان بن يسار، ومحمد بن سيرين يحللان من العرض والمال، ورأى مالك التحليل من المال دون العرض، رَوَى ابن القاسم، وابن وهب عن مالك، وسئل عن قول سعيد بن المسيِّب: لا أُحلِّل أحداً، فقال: ذلك يختلف، فقلت له: يا أبا عبد الله، الرجل يُسلِف الرجلَ، فيهلك ولا وفاء له؟ قال: أرى أن يحلّله، وهو أفضل عندي، فإن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَبَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فقال: لا أرى ذلك، هو عندي مخالف للأول، يقول الله تعالى: ﴿إِنََّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، ويقول تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، فلا أرى أن يجعله مِن ظُلمه في حِلّ. قال ابن العربيّ: فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحلِّله بحال، قاله سعيد بن المسيِّب. الثاني: يحلله، قاله محمد بن سیرین. الثالث: إن كان مالاً حلّله، وإن كان ظلماً لم يُحلّله، وهو قول مالك. وجه الأول: ألا يحلل ما حرّم الله، فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني: أنه حقه، فله أن يُسقط كما يُسقط دمه، وعرضه. ووجه الثالث: الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غُلب على أداء (١) صححه الشيخ الألباني موقوفاً، وضعّفه مرفوعاً. (٢) ((المفهم)) ٦ / ٥٦٦ - ٥٦٩. ٦٢٣ (١٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَقْوِ، وَالتَّوَاضُعِ - حديث رقم (٦٥٦٩) حقك، فمن الرفق به أن تتحلله، وإن كان ظالماً فمن الحقّ ألا تتركه؛ لئلا تغترّ الظّلَمة، ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة. وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي الْيَسَر الطويل، وفيه: ((أنه قال لغريمه: اخرُجْ إليّ، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقال: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أُحَدِّثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدّثك، فأكذبك، وأن أعدك، فأُخلفك، وكنتَ صاحب رسول الله وَال ﴿، وكنتُ والله مُعْسِراً، قال: قلت: الله؟ قال: الله، قال: فأتى بصحيفته، فمحاها، فقال: إن وجدت قضاءً فاقضني، وإلا فأنت في حِلّ ... ))، وذكر الحديث. قال ابن العربي: وهذا في الحي الذي يُرجى له الأداء لسلامة الذمة، ورجاء التحلّل، فكيف بالميت الذي لا محاللة له، ولا ذمة معه؟. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح أن التحلّل جائز في الحقوق كلّها، مالِهَا، وعِرْضِها؛ - كما مال إليه القرطبيّ في كلامه السابق - لإطلاق النصوص في ذلك، مثلُ قوله تَخْذُ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ [النور: ٢٢]، فهذه الآيات قد عمّمت، ولم تخصّ حقّاً دون حقّ. وقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)): عن أبي هريرة تظ به، قال: قال رسول الله ◌َ: ((من كانت له مظلمة لأحد من عِرضه، أو شيء، فليتحلّله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقَدْر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحُمِل عليه)). فهذا الحديث أصرح النصوص في هذه المسألة؛ إذ نصَّ على العِرْض، ثم عمّم جميع الحقوق بقوله: ((أو شيء)). والحاصل أن التحلّل مشروع مطلقاً، فتبصَّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٤٢/١٦ - ٤٣. ٦٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (٢٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٠] (٢٥٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ))، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَقَدْ بَهَّهُ)). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور في الحديثين السابقين، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟))) بكسر الغين المعجمة، قيل: معناه: أتعلمون ما جواب هذا السؤال؟، والأظهر أن يقال: أتدرون ما الغيبة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]؟ قاله القاري(١). وقال القرطبيّ تَخُّ: كأن هذا السؤال صدر عنه وَّله بعد أن جرى ذِكر الغيبة، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾، ففسّر النبيّ ◌َُّ هذه الغِيبة المنهيّ عنها، ووَزْنها فِعْلةٌ، وهي مأخوذة من الغيبة، بفتح الغين مصدر غاب؛ لأنَّها ذِكر الرجل في حال غَيبته بما يكرهه لو سمعه، يقال من ذلك المعنى: اغتاب فلانٌ فلاناً يغتابه اغتياباً، واسم ذلك المعنى: الْغِيبة. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لديه رَّهِ: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) وِهـ ((ذِكْرُكَ)؛ أي: أن تذكر أيها المخاطب خطاباً عاماً بلفظ، أو كتابة، أو رمز، أو إشارة، أو محاكاة، (أَخَاَكَ) في الدِّين في غَيْبته (بِمَا يَكْرَهُ)))؛ أي: بالشيء (١) ((المرقاة)) ٥٧١/٨. ٦٢٥ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ - حديث رقم (٦٥٧٠) الذي يكرهه أخوك لو بلغه في دِينه، أو دنياه، أو خَلْقه، أو خُلُقه، أو أهله، أو خادمه، أو ماله، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسته، أو غير ذلك، مما يتعلق به، سواء ذَگره بلفظ، أو إشارة، أو رمز. (قِيلَ) لم يُعرف القائل؛ أي: قال بعض الصحابة: (أَفَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني يا رسول الله (إِنْ كَانَ) موجوداً (فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟)؛ أي: من المَنقصة، والمعنى: أيكون حينئذ ذِكره بها أيضاً غيبة؟ كما هو المتبادَر من عموم ذِكره بما يَكره، (قَالَ) وَِّ: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ)؛ أي: من العَيب، (فَقَدِ اغْتَبْتَهُ)؛ أي: لا معنى للغيبة إلا هذا، وهو أن تكون المنقصة موجودة فيه، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) ما قلته موجوداً (فِيهِ)؛ أي: في أخيك، (فَقَدْ بَهَنَّهُ)) بفتح الهاء المخففة، وتشديد التاء، على الخطاب؛ أي: قذفته بالباطل، وافتريت عليه، وهو أشدّ من الغيبة، يقال: بَهَتَه بَهْتاً، من باب نَفَعَ: قذفه بالباطل، وافترى عليه الكذب، والاسم: الْبُهتان، واسم الفاعل بَهُوتٌ، والجمع: بُهُتُّ، مثلُ رَسُول ورُسُل، والْبَهْتَة مثلُ البهتان، أفاده الفيّومِيّ ◌َُّهُ(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فقد بهتّه)) هو بتخفيف الهاء، وتشديد التاء؛ الإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل، وكذلك رَوَيْتُه، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب، يقال: بَهَتَّه بَهَتاً، وبَهْتاً، وبُهتاناً؛ أي: قال عليه ما لم يَقُل، وهو بهّات، والمقول مبهوت، ويقال: بَهِت الرجل - بالكسر - إذا دُهش، وتحيّر، وبَهُت - بالضم - مثله، وأفصح منها: بُهِت، كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرُّ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ لأنَّه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بَهِيت، قاله الكسائيّ(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظّلهُ . (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٣/١. (٢) ((المفهم)» ٦/ ٥٧١. ٦٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٧٠/٢٠] (٢٥٨٩)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٧٤)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩٣٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٣٨٤ و٣٨٦)، و(الدارميّ) في («سننه)) (٢٩٧/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٥٨ و٥٧٥٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٧/١٠) وفي ((الأدب)) (١٥٤) و((شُعب الإيمان)) (٣٠٠/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تعريف الغيبة: قال في ((الفتح)): قد اختُلِف في حدّ الغيبة، فقال الراغب: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير مُحْوِج إلى ذِكر ذلك. وقال الغزاليّ: حدّ الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه. وقال ابن الأثير في ((النهاية)): الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء، وإن كان فيه. وقال النوويّ في ((الأذكار)) تبعاً للغزاليّ: ذِكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص، أو دِينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلْقه، أو خُلُقه، أو ماله، أو والده، أو ولده، أو زوجته، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عُبوسته، أو غير ذلك، مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ، أو بالإشارة والرمز. قال النوويّ: وممن يستعمل التعريض في ذلك كثيرٌ من الفقهاء في التصانيف، وغيرها؛ كقولهم: قال بعض من يَدَّعي العلم، أو بعض من يُنسب إلى الصلاح، أو نحو ذلك، مما يَفْهَم السامعُ المراد به، ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة، ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة . وتمسَّك من قال: إنها لا يُشترط فيها غَيْبَةُ الشخصِ بالحديث المشهور الذي أخرجه مسلم، وأصحاب ((السنن)) عن أبي هريرة تظ له، رفعه: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذِكْرُك أخاك بما يكرهه))، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان في أخيك ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهتّه))، وله شاهد مرسَل عن المطلب بن ٦٢٧ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْغِبَةِ - حديث رقم (٦٥٧٠) عبد الله عند مالك، فلم يقيد ذلك بغَيبة الشخص، فدلّ على أن لا فرق بين أن يقول ذلك في غَيبته، أو في حضوره، والأرجح اختصاصها بالغَيبة؛ مراعاةً لاشتقاقها، وبذلك جزم أهل اللغة. قال ابن التين: الغيبةُ: ذكر المرء بما يكرهه بظهر الغيب، وكذا قيّده الزمخشريّ، وأبو نصر القشيريّ، في ((التفسير)) وابن خميس في جزء له مفرد في الغيبة، والمنذريّ، وغير واحد من العلماء، من آخرهم الكرمانيّ قال: الغيبة أن تتكلم خلف الإنسان بما يكرهه لو سمعه، وكان صدقاً، قال: وحُكم الكناية، والإشارة مع النية كذلك، وكلام من أطلق منهم محمول على المقيّد (١) في ذلك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إن الغيبة لا يُشترط فيها غَيبة الشخص هو الأظهر عندي؛ لظاهر حديث الباب، وأما تقوّل الحافظ خلافه بقول أهل اللغة، فليس مما ينبغي؛ لأن ظاهر النص لا يُعارَض إلا بمثله، أو بالإجماع، ولا يوجد هنا لا هذا، ولا هذا، فيترجّح القول بالإطلاق، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الرابعة): في بيان حكم الغيبة: قال النوويّ كَّثُ: الغيبة من أقبح القبائح، وأكثرها انتشاراً في الناس، حتى لا يَسْلَم منها إلا القليل من الناس، وذِكرك أخاك بما يكرهه عامّ سواء كان في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلْقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو مشيه، وحركته، وبشاشته، وعبوسته، وطلاقته، أو غير ذلك، مما يتعلق به، سواءٌ ذكرته بلفظك، أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، ونحو ذلك، وضابطه أن كلَّ ما أفهمتَ به غيرك نقصان مسلم، فهو غيبة محرَّمة، ومن ذلك المحاكاة، بأن يمشي متعارجاً، أو مطأطئاً، أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً حكاية هيئة من ينقصه بذلك. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَظُّ: لا شك في أن الغيبة محرّمة، وكبيرة من الكبائر (١) ((الفتح)) ٦٠٦/١٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/١٦. ٦٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب بالكتاب والسُّنَّة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ الآية [الحجرات: ١٢]، وأما السُّنَّة فكثيرة مِن أنصّها: ما أخرجه أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَاليه: ((إن من أكبر الكبائر استطالةَ المرء في عرض رجل مسلم بغير حقّ))(١). وفي كتابه أيضاً من حديث أنس عنه رَظ ◌ُه قال: قال رسول الله وَليقول: ((لمّا عُرج بي مررت بقوم لهم أظفارُ نُحاس يَخْمِشون بها وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم)) (٢). قال في ((الفتح)): وأما حُكمها فقال النوويّ في (الأذكار)): الغيبة والنميمة محرّمتان بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك، وذكر في ((الروضة)) تبعاً للرافعيّ أنها من الصغائر، وتعقّبه جماعة، ونَقَل أبو عبد الله القرطبيّ في ((تفسيره)) الإجماع على أنها من الكبائر؛ لأن حدّ الكبيرة صادق عليها؛ لأنها مما ثبت الوعيد الشديد فيه، وقال الأذرعيّ: لم أر من صَرَّح بأنها من الصغائر إلا صاحب ((العدة))، والغزاليّ، وصرّح بعضهم بأنها من الكبائر، وإذا لم يثبت الإجماع فلا أقلّ من التفصيل، فمن اغتاب وليّاً لله، أو عالماً ليس كمن اغتاب مجهول الحالة مثلاً، وقد قالوا: ضابطُها ذِكر الشخص بما يكره، وهذا يختلف باختلاف ما يقال فيه، وقد يشتدّ تأذّيه بذلك، وأذى المسلم محرّم. وذَكر النوويّ من الأحاديث الدالة على تحريم الغيبة حديث أنس بنظُه، رفعه: ((لمّا عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يَخْمِشون بها وجوههم، وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم))، أخرجه أبو داود، وله شاهد عن ابن عباس عند أحمد، وحديث سعيد بن زيد، رفعه: ((إن من أربى الربا الاستطالةَ في عِرْض المسلم بغير حقّ))، أخرجه أبو داود. وله شاهد عند البزار، وابن أبي الدنيا، من حديث أبي هريرة، وعند أبي (١) حديث ضعيف، رواه أبو داود برقم (٤٨٧٧). (٢) حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (٤٨٧٨). ٦٢٩ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيَةِ - حديث رقم (٦٥٧٠) يعلى، من حديث عائشة، ومن حديث أبي هريرة، رفعه: ((من أكل لحم أخيه في الدنيا، قُرِّب له يوم القيامة، فيقال له: كله ميتاً كما أكلته حيّاً، فيأكله، ویگلَح(١)، ويصبح))، سنده حسن. وفي ((الأدب المفرد)) عن ابن مسعود، قال: ما التقم أحد لقمة شرّاً من اغتياب مؤمن، الحديث. وفيه أيضاً، وصححه ابن حبان، من حديث أبي هريرة، في قصة ماعز، ورَجْمه في الزنا، وأن رجلاً قال لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يَدَع نفسه حتى رُجم رجم الكلب، فقال لهما النبيّ وَلّ: («كُلَا من جيفة هذا الحمار - لحمار ميت - فما نِلتما من عِرض هذا الرجل أشدّ من أكْل هذه الجیفة)). وأخرج أحمد، والبخاريّ في ((الأدب المفرد)) بسند حسن، عن جابر قال: كنا مع النبيّ ◌َّ، فهاجت ريح منتنة، فقال النبيّ ◌َّ: ((هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)). وهذا الوعيد في هذه الأحاديث يدلّ على أن الغيبة من الكبائر، لكن تقييده في بعضها بغير حقّ قد يُخرج الغيبة بحقّ لِمَا تقرر أنها ذِكر المرء بما فیه، ذكره في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن القول الراجح أن الغيبة من كبائر الذنوب؛ لوضوح الأدلّة على ذلك، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): في ذكر ما يُستثنى من الغيبة: قال القرطبيّ كَّتُهُ: إذا تقررت حقيقة الغيبة، وأن أصلها على التحريم، فاعلم أنها قد تَخرج عن ذلك الأصل صُوَرٌ، فتجوز الغيبة في بعضها، وتجب في بعضها، ويُندب إليها في بعضها : فالأُولى: كغيبة الْمُعْلِن بالفسق، المعروف به، فيجوز ذكره بفسقه، لا بغيره، مما يكون مشهوراً به؛ لقوله وله: ((بئس أخو العشيرة)) كما يأتي، (١) أي: يتكشّر في عُوس. (٢) ((الفتح)) ٦٠٧/١٣ - ٦٠٨. ٦٣٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وقوله وَل: ((لا غيبة الفاسق))(١)، ولقوله وَالَ: «لَيُّ الواجد یُحِلّ عرضه، وعقوبته))(٢). والثاني: جرحُ شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته، وجرح المحدِّث الذي يُخاف أن يُعمل بحديثه، أو يُروَى عنه، وهذه أمور ضرورية في الدين معمول بها، مجمَع من السلف الصالح عليها، ونحو ذلك ذِكر عيب من استُنصِحتَ في مصاهرته، أو معاملته، فهذا يجب عليك الإعلام بما تعلم من هَنَاته عند الحاجة إلى ذلك على جهة الإخبار، كما قال النبيّ وَل ير: ((أما معاوية فصُعلوك، لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه))(٣). وقد يكون من هذين النوعين ما لا يجب، بل يُندب إليه؛ كفعل المحدِّثين حين يُعَرِّفون بالضعفاء؛ مخافةَ الاغترار بحديثهم، وكتحريز مَن لم يسأل مخافةً معاملة من حاله تُجھَل. وحيث حكمنا بوجوب النصّ على الغيبة، فإنما ذلك إذا لم نجد بُدّاً من التصريح والتنصيص، فأمَّا لو أغنى التعريض، والتلويح، لَحَرُم التنصيص، والتصريح، فإنَّ ذلك أمرٌ ضروريّ، والضرورة تُقدَّر بقدر الحاجة، والله تعالى أعلم. انتهى (٤). وقال النوويّ تَخْتُ: تباح الغيبة لغرض شرعيّ، وذلك لستة أسباب: أحدها: التظلُّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان، والقاضي، وغيرهما، ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان، أو فعل بي كذا. الثاني: الاستغاثة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك. الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو أبي، أو أخي، أو زوجي بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، ودَفْع ظلمه عني، ونحو ذلك، فهذا جائز؛ للحاجة، والأجود أن يقول فيه: رجل، أو زوج، أو (١) حديث مُنگر، بل قال بعضهم: باطل. (٢) حديث صحيح. (٤) ((المفهم)) ٦/ ٥٧٠ - ٥٧١. (٣) رواه مسلم. ٦٣١ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيَةِ - حديث رقم (٦٥٧٠) والد، أو ولد، كان من أمره كذا، ومع ذلك فالتعيين جائز؛ لحديث هند، وقولها: إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ. الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ، وذلك من وجوه: منها: جرح المجروحين من الرواة، والشهود، والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب؛ صوناً للشريعة. ومنها: الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته. ومنها: اذا رأيت من يشتري شيئاً مَعِيباً، أو عبداً سارقاً، أو زانياً، أو شارباً، أو نحو ذلك، تَذْكُره للمشتري، اذا لم يعلمه؛ نصيحةً، لا بقصد الإيذاء والإفساد. ومنها: إذا رأيت متفقهاً يتردد إلى فاسق، أو مبتدع، يأخذ عنه علماً، وخِفْت عليه ضرره، فعليك نصيحته ببيان حاله؛ قاصداً النصيحة. ومنها: أن يكون له ولايةٌ لا يقوم بها على وجهها؛ لعدم أهليته، أو لِفِسقه، فيذكره لمن له عليه ولاية؛ ليستدلّ به على حاله، فلا يغتر به، ويُلزم الاستقامة. الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه، أو بدعته؛ كالخمر، ومصادرة الناس، وجباية المكوس، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذِكره بما يُجاهر به، ولا يجوز بغيره، إلا بسبب آخر. السادس: التعريف، فإذا كان معروفاً بلقب؛ كالأعمش، والأعرج، والأزرق، والقصير، والأعمى، والأقطع، ونحوها، جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقّصاً، ولو أمكن التعريف بغيره، كان أولى، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه المواضع، فقلت: اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلْفَضِيلَهْ يَا طَالِباً فَائِدَةً جَلِيلَهْ مُحَرَّمٌ قَطْعاً بِنَصِّ يُثْلَى أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيّاً أَوْ لَا أُبِيحَ عَذَّهَا أُلُو التَّرْجِيحِ لَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيِحٍ وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمٍ فَذَكَرُوهَا سِنَّةً تَظَلَّمِ (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/١٦ - ١٤٣. ٦٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب بِمَا بِهِ جَاهَرَ لَا بِمَا امْتَنَعْ وَعِبْ مُجَاهِراً بِفِسْقٍ أَوْ بِدَعْ بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا(١) وَعَرْفَنْ بِلَقَبٍ مَنْ عُرِفَا تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى وَحَذِّرَنْ مِنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا تَكُنْ مُوَفَّقاً لِخَيْلِ الأَرَبِ وَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٢١) - (بَابُ بِشَارَةٍ مَنْ سَتَرَ اللهُ تَعَالَى عَيْبَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧١] (٢٥٩٠) - (حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَام الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْع - حَدَّثَنَا رَوْحُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَّنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِلـ قَالَ: (لاَّ يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَام الْعَيْشِيُّ) - بالياء، والشين المعجمة - أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشي، أبو معاوية البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (رَوْحُ) بن القاسم التميميّ العنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢. ٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. و((أَبُو هُرَيْرَةً ﴿ُته)) ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، (١) ((الأحنف))؛ هو: الأعرج، أو الذي يمشي على ظهر قدميه. ٦٣٣ (٢١) - بَابُ بِشَارَةٍ مَنْ سَتَرَ اللهُ تَعَلَى عَنْيَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ - حديث رقم (٦٥٧١) والثاني بالمدنيين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة نظراته، سبق القول فيه غير مرّة. شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ)؛ أنه (قَالَ: لَا) نافية، ولذا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رُفع الفعل بعدها، (يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا) بأن لم يفضحه بإظهار ذنبه بين الناس، (إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) قال القاضي عياض ◌َخْشُهُ: يَحْتَمِل وجھین: أحدهما: أن يستر معاصيه، وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف. والثاني: تَرْك محاسبته عليها، وتَرْك ذِكرها، قال: والأول أظهر؛ لِمَا جاء في الحديث الآخر: يقرّره بذنوبه، يقول: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله في الحديث الآخر إلى ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن صفوان بن مُحْرِز المازنيّ قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر ﴿ها، آخِذُ بيده، إذ عَرَض رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله وَله يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كَنَفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربّ، حتى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعْطَى كتاب حسناته، وأما الكافر، والمنافق، فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف دخّلُهُ، وسيأتي مطوّلاً برقم (٢٦٩٩). (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٦١. ٦٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٧١/٢١] (٢٥٩٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٨/٢ و٤٠٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢١٧/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سعة فضل الله ◌ُعَلَ، وعظيم كرمه، حيث إنه يستر عباده علی ذنوبهم. ٢ - (ومنها): الحثّ على سَتْر الإنسان نفسه إذا وقع في معصية؛ لينال هذا الفضل العظيم. ٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه من لم يستر على نفسه لم يستره الله ربك؛ لأنه من المجاهرين، والمجاهرة بالمعاصي مبارَزة لله تعالى. أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((كلُّ أمتي مُعَافَى إلا المجاهرين، وإن من المجاهَرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح، وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عَمِلت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف سِتر الله عنه))، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثْنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْداً فِي الدُّنْيَا إِلَّ سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، وربما وَهِمَ، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير (٢٢٠) من كبار [١٠] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا قبله. ٦٣٥ (٢١) - بَابُ بِشَارَةٍ مَنْ سَتَرَ اللهُ تَعَلَى عَيْبَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ - حديث رقم (٦٥٧٢) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ)؛ أنه (قَالَ: (لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، (يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْداً)؛ أي: على عيوبه، ومعاصيه (فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ)؛ أي: سَتَر عيوبه، وذنوبه عن الملائكة، والإنس والجنّ، فلا يطّلع عليها أحد إلا الله ◌َلَ، فإنه يضع عليه كَنَّفه، ثم يقرّره ذنوبه، ثم يقول له: سترتها عنك في الدنيا، وأنا أغفرها اليوم. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: السَّتر المندوب إليه هنا المراد به السَّتر على ذوي الهيئات، ونحوهم، ممن ليس هو معروفاً بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك، فيستحبّ أن لا يستر عليه، بل تُرفع قضيته إلى وليّ الأمر، إن لم يُخَفْ من ذلك مفسدة؛ لأن السَّتر على هذا يُطمعه في الإيذاء والفساد، وانتهاك الحرمات، وجَسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في سَتْر معصية وقعت، وانقضت، أما معصية رآه عليها، وهو بَعْدُ متلبِّس بها، فتجب المبادرة بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قَدَر على ذلك، ولا يحلّ تأخيرها، فإن عجز لزمه رَفْعها إلى وليّ الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة، وأما جرح الرواة، والشهود، والأمناء على الصدقات، والأوقاف، والأيتام، ونحوهم، فيجب جَرْحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم، إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرّمة، بل من النصيحة الواجبة، وهذا مجمَع عليه، قال العلماء في القسم الأول الذي يُستر فيه: هذا الستر مندوب، فلو رَفَعه إلى السلطان ونحوه، لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلاف الأولى، وقد یکون في بعض صُوَره ما هو مكروه، والله تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تكلّم الكلام في السَّتر في شرح حديث ابن عمر ﴿ّ الماضي برقم [٦٥٥٥/١٥]، (٢٥٨٠)، وسيأتي أيضاً في شرح حديث أبي هريرة رظه في (كتاب الذكر والدعاء)) برقم (٢٦٩٩)(٢) - إن شاء الله تعالى -. (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٦. (٢) هذا الرقم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي نظّفُ. ٦٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف وَُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٧٢/٢١] (٢٥٩٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٨/٢ و٤٠٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٢٥/٤)، و(القضاعيّ) في (مسند الشهاب)) (٢/ ٧٢)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (١٠٥/٧)، و(ابن عبد البرّ) في ((التمهيد)) (١٣٠/٢٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٢٢) - (بَابُ مُدَارَاةٍ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٣] (٢٥٩١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَنْنِي عَائِشَةُ، أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ وَّةِ، فَقَالَ: ((اتْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ))، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ، قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَّةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ؛ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل خمسة أبواب. ٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٦ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٦٣٧ (٢٢) - بَابُ مُدَارَاةٍ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ - حديث رقم (٦٥٧٣) ٧ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير - بالتصغير - التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٨ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أبو عبد الله الفقيه المدنيّ، تقدّم قريباً. ٩ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين ◌ًّا، تقدّمت قريباً أيضاً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه خمسة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ الاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، وهو السماع منهم، ولذا قال: ((حدّثنا))، ثم فصّل بعدُ؛ لاختلافهم فيما ذُكر، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ينا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن) محمد (بْنِ الْمُنْكَدِرٍ)؛ أنه (سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) حال كونه (يَقُولُ: حَدَّثَتْنِ عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، (أَنَّ رَجُلاً) قال ابن بطال تَظُّ(١): هو عيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الْفَزاريّ، وكان يقال له: الأحمق المطاع، ورجا النبيّ وَّ بإقباله عليه تألّفه؛ لِيُسْلِم قومه؛ لأنه كان رئيسهم، وكذا فسَّره به عياض (٢)، ثم القرطبيّ(٣)، والنوويّ(٤) جازمين بذلك، ونقله ابن التين عن الداوديّ، لكن احتمالاً لا جزماً، وقد أخرجه عبد الغنيّ بن سعيد في ((المبهمات)) من طريق عبد الله بن عبد الحكم، عن مالك، أنه بلغه عن عائشة ها: ((استأذن عُيينة بن حِصن على النبيّ وَّر، فقال: بئس ابن العشيرة ... )) الحديث، وأخرجه ابن بشكوال في ((المبهمات)) من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير: ((أن عيينة استأذن ... ))، فذكره مرسلاً، وأخرج عبد الغنيّ أيضاً من طريق أبي عامر الخراز، عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة: ((قالت: جاء مخرمة بن نوفل، يستأذن، فلما سمع النبيّ وَل ﴿ صوته قال: بئس أخو العشيرة ... )) الحديث. (١) ((شرح البخاري)) لابن بطال ٩/ ٢٣٠. (٣) ((المفهم)) ٦/ ٥٧٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٦٢/٨. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٤٣/١٦. ٦٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب قال الحافظ: وهكذا وقع لنا في أواخر الجزء الأول من فوائد أبي إسحاق الهاشميّ، وأخرجه الخطيب، فيُحْمَل على التعدد. وقد حكى المنذريّ في ((مختصره)) القولين، فقال: هو عيينة، وقيل: مخرمة، وأما ابن الْمُلَقِّن فاقتصر على أنه مخرمة، وذكر أنه نقله من حاشية بخطّ الدمياطيّ، فقصر، لكنه حَكَى بعد ذلك عن ابن التين أنه جَوَّز أنه عيينة، قال: وصَرَّح به ابن بطال، ذكره في ((الفتح)) (١) . (اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ وََّ)؛ أي: بأن يدخل عليه، (فَقَالَ) وَِّ: ((اْذَنُوا لَهُ) بالدخول، (فَلَبِتْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ)) وفي رواية معمر التالية: (بئس أخو القوم، وابن العشيرة))، وفي رواية البخاريّ: ((بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة))، والمعنى واحد، قال عياض: المراد بالعشيرة الجماعة، أو القبيلة، وقال غيره: العشيرة: الأدنى إلى الرجل من أهله، وَهُمْ وَلَد أبيه وجدّه. وقال في ((العمدة))؛ أي: بئس هذا الرجل منها، وهو كقولك: يا أخا العرب لرجل منهم، وهذا الكلام من أعلام النبوة؛ لأنه ارتدّ بعده وَلّ، وجيء به أسيراً إلى أبي بكر ﴾﴾(٢). (فَلَمَّا دَخَلَ) الرجل (عَلَيْهِ) وَ (أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ) وفي رواية البخاريّ: ((فلما جلس تَطَلّق النبيّ وَّ في وجهه، وانبسط إليه))، و((تطلّق)) - بفتح الطاء المهملة، وتشديد اللام -؛ أي: أبدى له طلاقة وجهه، يقال: وَجْهُهُ طَلْق، وطَلِيق؛ أي: مسترسِل، منبسِط، غير عَبوس، ووقع في رواية ابن عامر: (بَشّ في وجهه))، ولأحمد من وجه آخر، عن عائشة: ((واستأذن آخر، فقال: نِعْم أخو العشيرة، فلما دخل لم يهشّ له، ولم ينبسط كما فعل بالآخر، فسألته ... ))، فذكر الحدیث. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِؤُهَا: (فَقُلْتُ) بعدما خرج الرجل من المجلس: (يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ)؛ تعني: قوله وَّر: ((ائذنوا له، فلبئس أخو العشيرة))، وفي رواية البخاريّ: ((فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا (١) ((الفتح)) ٥٧٩/١٣ - ٥٨٠، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٣٢). (٢) ((عمدة القاري)) ١١٧/٢٢. ٦٣٩ (٢٢) - بَابُ مُدَارَاةٍ مَنْ يُتَّقَى نُحْشُهُ - حديث رقم (٦٥٧٣) رسول الله، حين رأيت الرجل، قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه؟))، (ثُمَّ) لمّا دخل عليك (أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ)؛ أي: كلّمته بكلام ليّن لطيف، (قَالَ) ◌َ: ((يَا عَائِشَةُ) وفي رواية البخاريّ: ((فقال رسول الله ێُ: يا عائشة، متى عهدتني فحّاشاً))، وفي رواية: ((فاحشاً))، وقوله: (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ) استئناف كلام؛ كالتعليل لِتَرْكِهِ وَّر مواجهته بما ذَكَره في غيبته، قاله في ((الفتح)) (١). (مَنْزِلَةً) منصوب على التمييز، (عِنْدَ اللهِ) تعالى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَدَعَهُ) بفتحات، قال المازريّ(٢): ذكر بعض النحاة أن العرب أماتوا مصدر يَدَعَ، وماضيه، والنبيّ ◌َّ أفصح العرب، وقد نَطَق بالمصدر في قوله: ((لينتهينّ أقوام عن وَدْعِهم الجُمعات))، وبماضيه في هذا الحديث، وأجاب عياض(٣) بأن المراد بقولهم: أماتوه؛ أي: تركوا استعماله إلا نادراً، قال: ولفظ ((أماتوا)) يدلّ عليه، ويؤيد ذلك أنه لم يُنقل في الحديث إلا في هذين الحديثين، مع شكّ الراوي في حديث الباب، مع كثرة استعمال ((ترك))، ولم يقل أحد من النحاة: إنه لا يجوز. انتهى (٤). وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله: ((من وَدَعه، أو تركه الناس ... إلخ)) هذا شكٌّ من بعض الرواة في أيّ اللفظين قال النبيّ و9َّ، فإن كان الصحيح ((وَدَعَه))، فقد تكلّم النبيّ ◌َّ بالأصل المرفوض، كما قد تكلّم به الشاعر الذي هو أنس بن زُنیم في قوله [من الرمل]: سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقد حُكي عن بعض السلف أنه قرأ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣]، بتخفيف الدال، وقد صحّ عن النبيّ ◌َ﴾ أنه تكلّم بمصدر ذلك المرفوض، حيث قال: ((لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم))(٥)، وهذا كلّه يردّ على من قال من النحويين: إن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل، ومصدره، ولا يُتكلّم به استغناءً عن ذلك بتركه، فإن أراد به (١) ((الفتح)) ٦٠٩/١٣. (٣) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٦٣. (٢) ((المعلم)) ١٦٧/٣. (٤) ((الفتح)) ٥٧٩/١٣ - ٥٨٠. (٥) رواه مسلم. ٦٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب هذا القائل أنه لا يوجد في كلامهم، فقد كذّبه النقل الصحيح، وإن أراد أن ذلك يقع، ولكنه قليل، وشاذٌ في الاستعمال، فهو صحيح. انتهى (١). وقال الفيّوميّ تَخْتُ: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعاً: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم حُذفت الواو، ثم فُتح؛ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النّحاة أن العرب أماتت ماضي ((يَدَعُ))، ومصدره، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلة، ويزيد النَّحويُّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بالتّخفيف، وفي الحديث: ((لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ))؛ أي: عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى(٢). (أَوْ) للشكّ من الراوي، كما تقدّم عن القرطبيّ، (تَرَكَهُ النَّاسُ؛ اتَّقَاءَ فُحْشِهِ)))؛ أي: لأجل الاتّقاء عن فُحشه، ونصب ((اتّقاء)) على أنه مفعول لأجله؛ لاستكمال شروطه، التي ذكرها ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة)) حيث قال: يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـاجُدْ شُكْراً وَدِنْ)) وَقْتاً وَفَاعِلاً وَإِنْ شَرْطٌ فُقِدْ وَهْوَ بِمَا يَعْمَلُ فِيهِ مُتَّحِدْ مَعَ الشُّرُوطِ كَـالِزُهْدِ ذَا قَنِعْ)) فَاجْرُرْهُ بِالْحَرْفِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعْ و((الفُحش)) بضمّ، فسكون: القبيح، وهو بمعنى الرواية الأخرى: ((اتّقاء شرّه)، قال الفيّومِيّ ◌َخْذَفُ: فَحُشَ الشيءُ فُحْشاً، مثلُ قَبُح قُبْحا، وزناً ومعنَى، وفي لغة من باب قَتَل، وهو فَاحِشٌ، وكلّ شيء جاوز الحدّ، فهو فَاحِشٌ، ومنه غَبْنٌ فَاحِشٌ: إذا جاوزت الزيادة ما يُعتاد مثله، وأَفْحَشَ الرجلُ: أتى بِالفُحْشِ، وهو القول السّئ، وجاء بِالفَحْشَاءِ مثله، ورماه بِالفَاحِشَةِ، وجَمْعها فَوَاحِشُ، وأفحش بالألف أيضاً: بَخِلَ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ١٩] قيل: معناه إلا أن يَزْنِين، فَيُخْرَجن للحدّ، وقيل: إلا أن يرتكبن الفاحشة بالخروج بغير إذن. انتهى (٣) . (١) ((المفهم)) ٦/ ٥٧٣ - ٥٧٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٦٣/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٥٣/٢.