Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٨)
قصاص المقابلة نحن مكلفون به أيضاً. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٥٨] (٢٥٨٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً،
حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه:
((إِنَّ اللهَ رَتْ يُمْلِي لِلظَّالِم، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُقْلِتْهُ))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا
[هود: ١٠٢]).
١٠٢
أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَالِيَّةُ إِنَّ أَخَذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةً) هو: بُريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى
الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ يخطئ قليلاً [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٢ - (أَبُوهُ) المراد به جدّه، وهو: أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ،
قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد
جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٣ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ
المشهور، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، و((أبو معاوية)) هو: محمد بن خازم
الضرير.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَذَلُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، فأبو
موسى ربه سكن الكوفة، كما سكن البصرة، وفيه رواية الابن عن جدّه، عن
أبيه، وأن صحابيّه ظُه من مشاهير الصحابة، ذو مناقب جمّة، أَمَّره عمر بن
الخطّاب، ثم عثمان ﴿ه، وهو أحد الحكمين بصِفِين، وقد أثنى عليه النبيّ وَليه
بحُسن صوته، فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وقير سمع صوت أبي موسى
فيه يقرأ من الليل، فوقف، فاستمع لقراءته، ثم قال وّل: ((لقد أوتي
الأشعريّ
هذا مزماراً من مزامير آل داود)»، وأخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) عن ابن
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٤٤/١٤.

٥٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أن أبا هريرة حدّثه أنه سمع
رسولُ الله ◌َ﴿ قراءةً أبي موسى الأشعريّ، قال: ((لقد أوتي هذا من مزامير
آل داود))، قال أبو سلمة: وكان عمر بن الخطاب رَظُه يقول لأبي موسى، وهو
جالس في المجلس: يا أبا موسى ذَكِّرنا ربنا، فيقرأ عنده أبو موسى، وهو
جالس في المجلس، ويتلاحن.
شرح الحديث:
(عن بُرَيْدِ) بن عبد الله (بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ)؛ أي: عن جدّه أبي بردة،
ففيه تجوّز بإطلاق الأب على الجدّ، وكذا وقع عند البخاريّ، قال في ((الفتح)):
قوله: ((عن أبيه)) كذا وقع لأبي ذرّ، ووقع لغيره: ((عن أبي بردة)) بدل ((عن
أبيه))، وهو أصوب؛ لأن بريداً هو ابن عبد الله بن أبي بردة، فأبو بُردة جدّه،
لا أبوه، لكن يجوز إطلاق الأب عليه مجازاً. انتهى(١).
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ اللهَ وَ يُمْلِي لِلظَّالِم) ولفظ البخاريّ: ((ليملي للظالم))
واللام فيه للتأكيد، و((يملي)) بضمّ حرف المضارعة، من الإملاء، وهو الإمهال
والتأخير، يقال: أمليت له في الأمر: أخّرت، وفي التنزيل: ﴿إِنََّا ثُعْلِى لَهُمْ
لِزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وأمليت للبعير في القيد: أرخيتُ له،
ووسّعتُ(٢).
وقال النوويّ: معنى ((يملي)): يُمْهِل، ويؤخِّر، ويطيل له في المدّة، وهو
مشتق من الْمُلْوَة، وهي المدّة، والزمان، بضم الميم، وكسرها، وفتحها.
(٣)
انتهى(٣).
ووقع في رواية الترمذيّ عن أبي كُريب، عن أبي معاوية: ((إن الله يُملي،
وربما قال: يُمْهِل))، ورواه عن إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن أبي أسامة،
عن بُرَيد قال: ((يملي))، ولم يشكّ.
(١) ((الفتح)) ٢٢٥/١٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/١٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٠.

٥٨٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٨)
(فَإِذَا أَخَذَهُ) ولفظ البخاريّ: ((حتى إذا أخذه))، (لَمْ يُفْلِتْهُ)))؛ أي: لم
يُطلقه، ولم ينفلت منه، قال أهل اللغة: أفلته: أطلقه، وانفلت: تخلّص منه،
قاله النوويّ(١).
وقال في ((الفتح)): ((لم يُفلته)) بضمّ أوله من الرباعيّ؛ أي: لم يُخَلِّصه؛
أي: إذا أهلكه لم يرفع عنه الهلاك، قال الحافظ: وهذا على تفسير الظلم
بالشرك على إطلاقه، وإن فُسِّر بما هو أعمّ، فيُحْمَل كل على ما يليق به،
وقيل: معنى لم يُفلته: لم يؤخره، وفيه نظرٌ؛ لأنه يَتبادر منه أن الظالم إذا
صُرف عن منصبه، وأُهين لا يعود إلى عزّه، والمشاهَد في بعضهم بخلاف
ذلك، فالأَولى حَمْله على ما قدّمته، والله أعلم. انتهى(٢).
(ثُمَّ قَرَأَ) النبيّ ◌َّ مصداق ذلك من كتاب الله رَك (﴿وَكَذَلِكَ﴾) الكاف
لتشبيه الأخذ المستقبل بالأخذ الماضي، (﴿أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾ أتى
باللفظ الماضي موضع المضارعة، على قراءة طلحة بن مُصَرّف ((أخذ)) بفتحتين
في الأول كالثاني مبالغةً في تحققه، وقوله: (﴿وَهِىَ ظَلِمَةُ﴾) جملة حاليّة من
((القرى))، (﴿إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾) قال إمام المفسّرين أبو جعفر الطبريّ تَخْتُ
في ((تفسيره)): يقول تعالى ذِكْرُهُ: وكما أخذتُ أيها الناس أهل هذه القرى التي
اقتصصت عليكم نبأ أهلها بما أخذتهم به من العذاب على خلافهم أمري،
وتكذيبهم رسلي، وجحودهم آياتي، فكذلك أخذي القرى وأهلها، وإذا أخَذْتهم
بعقابي، وهم ظَلَمة لأنفسهم بكفرهم بالله، وإشراكهم به غيره، وتكذيبهم رسله،
﴿إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ﴾ يقول: إن أخْذ ربكم بالعقاب مَن أَخَذه أليم، يقول: موجع
شديد الإيجاع، وهذا أمْر من الله تعالى، تحذير لهذه الأمة أن يسلكوا في
معصيته طريق من قبلهم من الأمم الفاجرة، فَيَحِلّ بهم ما حَلّ بهم من
(٣)
الْمَثُلات. انتهى(٣).
وقال أبو السعود تَُّ في «تفسيره)): ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثلُ ذلك الأخذِ
الذي مرّ بيانه، وهو رفع على الإبتداء، وخبره قوله: ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾ وقرئ: أَخَذَ
(١) (شرح النوويّ)) ١٣٧/١٦.
(٣) ((تفسير الطبريّ)) ١١٤/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٥/١٠.

٥٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ربُّك، فمحل الكاف النصب على أنه مصدر مؤكد، ﴿إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾؛ أي:
أهلها، وإنما أسند إليها؛ للإشعار بسريان أثره إليها، حسبما ذكر، وقرئ: ((إذ
أخذ))، ﴿وَهِى ظَالِمَةٌ﴾ حال من القرى، وهي في الحقيقة لأهلها، لكنها لمّا
أُقيمت مقامهم في الأخذ أُجريت الحال عليها، وفائدتها الإشعار بأنهم إنما
أُخذوا بظلمهم؛ ليكون ذلك عبرة لكل ظالم، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ وجبعٌ
صَعْبٌ على المأخوذ، لا يرجى منه الخلاص، وفيه ما لا يخفى من التهديد،
والتحذير. انتهى(١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَّثُ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ
رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾؛ أي: كما أخذ هذه القرى التي كانت لنوح، وعاد،
وثمود، يأخذ جميع القرى الظالمة.
وقرأ عاصم الجحدريّ، وطلحة بن مُصَرِّف: ((وكذلك أَخَذَ رِبُّك إِذْ أَخَذَ
القرى))، وعن الجحدريّ أيضاً: ((وكذلك أَخْذُ ربك)) كالجماعة ((إِذْ أَخَذَ القرى)).
قال المهدويّ: من قرأ: ((وكذلك أخذ ربك إذ أخَذ)) فهو إخبار عما
جاءت به العادة في إهلاك من تقدم من الأمم، والمعنى: وكذلك أخْذ ربك من
أخَذه من الأمم المهلكة إذ أخَذَهم.
وقراءة الجماعة على أنه مصدر، والمعنى: كذلك أخْذ ربك من أراد
إهلاكه متى أخَذه، فـ((إذ)) لِمَا مضى؛ أي: حين أخذ القرى، و((إذا)) للمستقبل،
﴿وَهِى ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: وأهلها ظالمون، فحُذف المضاف مثل: ﴿وَسْئَلِ
القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: عقوبته لأهل الشرك موجعةٌ غليظةٌ.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
-
(١) ((تفسير أبي السعود)) ٢٤٠/٤.
(٢) ((تفسير القرطبيّ)) ٩/ ٩٥.

٥٨٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٨)
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٨/١٥] (٢٥٨٣)، و(البخاريّ) في ((التفسير))
(٤٦٨٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٠٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/
٣٦٥)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٦٧)، و(أحمد) في ((الزهد)) (٢٢/١)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٧/١٣)، و(البزار) في ((مسنده)) (١٦٢/٨)،
و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٣١٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٤/٦) و((شُعَب
الإيمان)) (٤٩/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تغليظ الظلم، وشدّة الوعيد فيه.
٢ - (ومنها): أن فيه تسليةً للمظلوم، ووعيداً للظالم، وأنه لا يغتر
بالإمهال، فإنه ليس بإهمال، وإنما هو إمهال مدّة قليلة.
٣ - (ومنها): ما قاله المناويّ كَُّهُ: فيه دليلٌ على أن من أقدم على
ظلم، فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة، وردّ الحقوق إلى أهلها،
إن كان الظلم للخلق؛ لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم، والعذاب الشديد، ولا
يظنّ أن هذه الآية حُكمها مختصّ بظالمي الأمم الماضية، بل هو عامّ في كلّ
ظالم، كما بيّنه الحديث(١).
٤ - (ومنها): ما قاله ابن رجب تَُّ: ظلم العباد شرّ مكتسب؛ لأن
الحقّ فيه لآدميّ مطبوع على الشحّ، فلا يترك من حقّه شيئاً، لا سيما مع شدّة
حاجته يوم القيامة، فإن الأمّ تفرح يومئذ إذا كان لها حقّ على ولدها لتأخذه
منه .
كان بعض أكابر التابعين قال لرجل: يا مفلس، فابتُلي القائل بالدَّين،
والحبس بعد أربعين سنة.
وضَرَب رجل أباه، وسَحَبه إلى مكان، فقال الذي رآه: إلى ها هنا رأيت
هذا المضروب قد ضرب أباه، وسحبه إليه.
وصادر بعض وزراء الخلفاء رجلاً، فأخذ منه ثلاثة آلاف دينار، فبعد مدّة
غضب الخليفة على الوزير، وطلب منه عشرة آلاف دينار، فجَزِع أهله من
(١) ((فيض القدير)) ٢٦٤/٢.

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ذلك، فقال: ما يأخذ مني أكثر من ثلاثة آلاف، كما كنت ظلمت، فلما أَدَّى
ثلاثة آلاف دينار وَقَّع الخليفة بالإفراج عنه، فسبحان من هو قائم على كل نفس
بما كسبت، إن ربك لبالمرصاد، حاكم العدل، لا يجور، وإنما يجازي
بالعدل، وميزان عدله لا يحابي أحداً، بل يتحرر فيه مثاقيل الذرّ، ومثاقيل
الخردل، وكما تدين تدان، قال بعضهم [من البسيط]:
عَوَاقِبُ الظّلْم تُخْشَى وَهْيَ تُنْتَظَرُ
فَجَانِبِ الظُلْمَ لَا تَسْلُكْ مَسَالِكَهُ
وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ مِنْ دَيَّانِهِمْ وَطَرُ (١)
وَكُلُّ نَفْسٍ سَتُجْزَى بِالَّذِي عَمَلَتْ
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ نَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾.
(١٦) - (بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٥٩] (٢٥٨٤) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،
حَدَّثْنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اقْتَلَ غُلَامَانٍ: غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِنَ
الأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ، أَوِ الْمُهَاجِرُونَ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَنَادَى الأَنْصَارِيّ: يَا
لَلأَنْصَارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ))، قَالُوا:
لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّ أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا، فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، قَالَ: ((فَلَا بَأْسَ،
وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً، إِنْ كَانَ ظَالِماً فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ
كَانَ مَظْلُوماً فَلْيَنْصُرْهُ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ،
أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن أربع
وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
(١) ((شرح حديث لبيك)) لابن رجب تخذه ١٠٧/١ - ١٠٨.

٥٨٧
(١٦) - بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً - حديث رقم (٦٥٥٩)
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) وكان مولده سنة مائة (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦٢/٦.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدرُس المكيّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله ﴿يَا، تقدّم في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّلُ، كلاحقه، وهو (٥٠١) من رباعيّات
الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله ظها أحد المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
ـهّ؛ أنه (قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانٍ: غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ)
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله .
هو جَهْجَاه بن مسعود، (وَغُلَامٌّ مِنَ الأَنْصَارِ) سِنان بن وَبَر الجهنيّ، (فَنَادَى
الْمُهَاجِرُ، أَوِ الْمُهَاجِرُونَ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَنَادَى الأَنْصَارِيّ: بَا لَلأَنْصَارِ) قال
النوويّ تَخْثُ: هكذا هو في معظم النُّسخ: ((يا ل)) بلام مفصولة في الموضعين، وفي
بعضها ((يا للمهاجرين، ويا للأنصار)) بوصلها، وفي بعضها: ((يا آل المهاجرين))
بهمزة، ثم لام مفصولة، واللام مفتوحة في الجميع، وهي لام الاستغاثة،
والصحيح بلام موصولة، ومعناه: أدعو المهاجرين، وأستغيث بهم. انتهى (١).
(فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء
هذا النداء، والاستفهام للإنكار، وأتبعه بقوله: (دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ))) خبر
لمحذوف؛ أي: هذه دعواهم، والجاهلية ما قبل الإسلام؛ والمعنى: أن
الانتصار، والاستنصار بقبيلة على قبيلة أخرى من سُنَّة الجاهليّة، فأما الإسلام
فقد جعل أهله كلّهم إخوة، فينبغي أن يستنصر بإخوانه، أو بالمسلمين.
وقال النوويّ تَخُّْ: وأما تسميته ◌َ و ذلك دعوى الجاهلية، فهو كراهة منه
لذلك، فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا،
ومتعلقاتها، وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات، والقبائل، فجاء الإسلام
(١) (شرح النوويّ)) ١٦/ ١٣٧.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
بإبطال ذلك، وفصل القضايا بالأحكام الشرعية، فإذا اعتدى إنسان على آخر
حَكَم القاضي بينهما، وألزمه مقتضى عدوانه، كما تقرر من قواعد الإسلام.
(١)
انتهى(١) .
وقال القرطبيّ تَخُّْ: دعوى الجاهلية: تَنادِيهِم عند الغضب، والاستنجاد:
يا آل فلان! يا بني فلان! وهي التي عَنَاها بَّه بقوله: ((دعوها فإنَّها منتنة))؛
أي: مستخبَثة، قبيحة؛ لأنَّها تثير التعصُّب على غير الحقّ، والتقاتل على
الباطل، ثم إنها تُجُرّ إلى النار، كما قال ◌َّهِ: ((من دعا بدعوى الجاهلية،
فليس منا، وليتبؤأ مقعده من النار))(٢). وقد أبدل الله تعالى من دعوى الجاهلية
دعوى المسلمين، فيُنادَى: يا للمسلمين! كما قال ◌َّ: «فادعوا بدعوى الله
الذي سماكم المسلمين))، وكما نادى عمر بن الخطاب رضيُله حين طُعن: يا لَله
للمسلمين! فاذا دعا بها المسلم وجبت إجابته، والكشف عن أمره على كل من
سمعه، فإن ظهر أنه مظلوم نُصِر بكل وجه ممكن شرعيّ؛ لأنه إنما دعا
المسلمين لينصروه على الحقّ، وإن كان ظالماً كُفّ عن الظلم بالملاطفة،
والرفق، فإن نَفَع ذلك، وإلا أُخذ على يده، وكُفّ عن ظلمه، فإنَّ الناس إذا
رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقاب من عنده، ثم
يدعونه فلا يستجاب لهم. انتهى.
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون: (لَا)؛ أي: ليست هذه دعوة جاهليّة،
(يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا)؛ أي: تضاربا، (فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ)
بسين مخففة، مهملة؛ أي: ضَرَب دُبُره، وعجيزته بيد، أو رِجْل، أو سيف،
وغيره، قاله النوويّ دَّتُهُ .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٣٧.
(٢) أخرج أحمد، والترمذيّ عن الحارث الأشعريّ قال: قال رسول الله وَلخير: ((آمركم
بخمس: بالجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وإنه من
خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن
دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثى جهنم، وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم))،
وقال الترمذيّ: حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم.
و((جثى جهنم)) بضم الجيم، والقصر؛ أي: جماعتها .

٥٨٩
(١٦) - بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً - حديث رقم (٦٥٥٩)
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: في ((الصحاح)): الكسع: أن تضرب دُبُر الإنسان
بيدك، أو بصدر قدمك، يقال: اتبع فلان أدبارهم يَكْسَعهم بالسيف، مثل:
يكسؤهم؛ أي: يطردهم، ومنه قول الشاعر [من الكامل]:
أَيَّام شَهْلَتِنَا مِنَ الشَّهْرِ
كُِعَ الشِّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْرٍ
ووردت الخيلُ یکسع بعضُها بعضاً. انتهىَ(١).
(قَالَ) وَ ((فَلَا بَأْسَ)؛ أي: فلا شدّة فيما وقع، وقال النوويّ تَظُّهُ:
وأما قوله ◌َ لّر في آخر هذه القصة: ((لا بأس)) فمعناه: لم يحصل من هذه القصة
بأس مما كنت خِفته، فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم، يوجب فتنةً،
وفساداً، وليس هو عائداً إلى رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية. انتهى(٢).
ثم أرشدهم النبيّ ◌َ﴿ إلى الطريق السويّ الذي يجب على المسلمين أن
يسلكوه، وهو ما أوضحه بقوله: (وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ) الشخص، فليس خاصّاً
بالرجل، بل المرأة كذلك، (أَخَاهُ) في الدِّين، أو النسب، حال كونه (ظَالِماً)
لغيره (أَوْ مَظْلُوماً) من غيره، ثم بيّن وجه نَصْره في الحالتين، فقال: (إِنْ كَانَ)
الأخ (ظَالِماً) لغيره (فَلْيَنْهَهُ)؛ أي: ليمنعه من الظلم، (فَإِنَّهُ)؛ أي: نهيه عن
الظلم (لَهُ نَصْرٌ) حيث نصره على نفسه الأمّارة بالسوء، وعدوّه الشيطان، (وَإِنْ
كَانَ) الأخ (مَظْلُوماً) من غيره (فَلْيَنْصُرْهُ)) بمنع ظالمه مِن ظُلمه.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((انصر أخاك ظالِماً أو مظلوماً)) هذا من
الكلام البليغ الوجيز الذي قلّ من ينسج على مِنْوَاله، أو يأتي بمثاله، و((أو)) فيه
للتنويع والتقسيم، وإنما سُمّي نهي الظالم نصراً؛ لأن النصر هو العون، ومنه
قولهم: أرض منصورة؛ أي: معانة بالمطر، ومَنْع الظالم من الظلم عَوْن له على
مصلحة نفسه، وعلى الرجوع إلى الحقّ، فكان أولى بأن يُسمَّى نصراً.
(٣)
انتھی
[تنبيه]: حديث: ((انصر أخاك ظالِماً، أو مظلوماً)) أخرجه البخاريّ في
(صحيحه)) من حديث أنس نظرتله، فقال: قال رسول الله وهل هى: ((انصر أخاك
(١) ((المفهم)) ٥٥٩/٦.
(٣) ((المفهم)) ٥٥٩/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٦.

٥٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ظالِماً، أو مظلوماً)) قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره
ظالماً؟ قال: ((تأخذ فوق یدیه)).
وفي رواية قال: قال رسول الله وَله: ((انصر أخاك ظالِماً، أو مظلوماً))،
فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالِماً،
كيف أنصره؟ قال: ((تَحْجُزه - أو - تمنعه من الظلم، فإن ذلك نَصْره)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((فقال: تأخذ فوق يديه)) كَنَى به عن كفّه عن
الظلم بالفعل، إن لم يكفّ بالقول، وعبّر بالفوقية إشارةً إلى الأخذ بالاستعلاء
والقوّة، وفي رواية معاذ، عن حميد، عند الإسماعيليّ: ((فقال: يكفّه عن
الظلم، فذاك نَصْره إياه))، ولمسلم في حديث جابر نحو الحديث، وفيه: ((إن
كان ظالماً فَلْيَنْهَه، فإنه له نَصْر)).
قال ابن بطال: النصر عند العرب: الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه
من الظلم، من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، قال
البيهقيّ: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه
لنفسه حسّاً ومعنى، فلو رأى إنساناً يريد أن يَجُبّ نفسه؛ لِظَنّه أن ذلك يزيل
مفسدة طَلَبه الزنا مثلاً مَنَعه من ذلك، وكان ذلك نصراً له، واتحد في هذه
الصورة الظالم والمظلوم.
وقال ابن الْمُنَيِّر: فيه إشارة إلى أن الترك كالفعل في باب الضمان، وتحته
فروع كثيرة.
[لطيفة]: ذكر المفضّل الضبيّ في كتابه ((الفاخر)) أن أول من قال: انصر
أخاك ظالماً أو مظلوماً: جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك
ظاهره، وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسّره النبيّ وَّ، وفي
ذلك يقول شاعرهم [من الطويل]:
إِذَا أَنَا لَمْ أَنْصُرْ أَخِي وَهْوَ ظَالِمٌ عَلَى الْقَوْمِ لَمْ أَنْصُرْ أَخِي حِينَ يُظْلَمُ (١)
والحديث متّفقٌ عليه، ويأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي - إن
شاء الله تعالى -.
(١) ((الفتح)) ٢٦٢/٦ - ٢٦٤، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٤٣).

٥٩١
(١٦) - بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً - حديث رقم (٦٥٦٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ ابْنُ
عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَه فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ
الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: بَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ
الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: ((دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ))، فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
أُبَيِّ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا؟ وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ،
قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: ((دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ
مُحَمَّداً بَقْتُلُ أَصْحَابَهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّثُ، كسابقه، وهو (٥٠٢) من رباعيّات
الكتاب.
شرح الحديث:
عَن سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ؛ أنه (قَالَ: سَمِعَ عَمْرُو)؛ أي: ابن دينار، (جَابِرَ بْنَ
(يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي غَزَاةٍ) بفتح الغين المعجمة، اسم من
عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿
الغزو، وسَمَّى ابنُ إسحاق هذه الغزوة غزوة بني المصطلِق، وكذا وقع عند

٥٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان، قال: ((يرون أن هذه الغزاة
غزاة بني المصطلق))، وكذا في مرسل عروة، قاله في ((الفتح)) (١). (فَكَسَعَ رَجُلٌ
مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ) قال ابن التين: الْكَسْع أن تضرب بيدك على
دُبُر شيء، أو برجلك، وقال القرطبيّ: أن تضرب عَجُز إنسان بقدمك، وقيل:
الضرب بالسيف على المؤخَّر، وقال ابن القطاع: كَسَعَ القومَ: ضرب أدبارهم
بالسيف، وكَسَعَ الرجلَ: ضرب دُبُره بظهر قدمه، وكذا إذا تكلم، فأَثّر كلامه
بما ساءه، ونحوه في ((تهذيب الأزهريّ)).
ووقع عند الطبريّ من وجه آخر، عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلاً
من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار برجله، وذلك عند أهل اليمن شديد،
والرجل المهاجريّ هو جهجاه بن قيس، ويقال: ابن سعيد الغفاريّ، وكان مع
عمر بن الخطاب يقود له فرسه، والرجل الأنصاريّ هو سنان بن وَبَرَة الجهنيّ،
حليف الأنصار، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مرسلاً أن
الأنصاريّ كان حليفاً لهم من جُهينة، وأن المهاجريّ كان من غِفار، وسمّاهما
ابن إسحاق في ((المغازي)) عن شيوخه، وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق عُقيل
عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، وعمرو بن ثابت، أنهما أخبراه، أن
رسول الله ◌َيّ غزا غزوة المريسيع، وهي التي هَدَم فيها رسول الله،وَصَلّ مناة
الطاغية التي كانت بين قفا المشلِّل وبين البحر، فاقتتل رجلان، فاستعلى
المهاجريّ على الأنصاريّ، فقال حليف الأنصار: يا معشر الأنصار، فتداعوا
إلى أن حجز بينهم، فانكفأ كل منافق إلى عبد الله بن أُبَيّ، فقالوا: كنت تُرْجَى
وتَدْفَع، فصرت لا تضرّ، ولا تنفع، فقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن
الأعز منها الأذل، فذكر القصة بطولها، وهو مرسل جيّد، واتفقت هذه الطرق
على أن المهاجريّ واحد، ووقع في حديث أبي الزبير، عن جابر، عند مسلم:
((اقتتل غلامان من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجريّ: يا
للمهاجرين، ونادى الأنصاريّ: يا للأنصار، فخرج رسول الله وَ له، فقال: ((ما
هذا؟ أدعوى الجاهلية؟))، قالوا: لا، إن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر،
(١) ((الفتح)) ٧٠٨/١٠، كتاب ((التفسير)) (ح ٤٩٠٥).

٥٩٣
(١٦) - بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً - حديث رقم (٦٥٦٠)
فقال: ((لا بأس، ولينصرنّ الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً)) الحديث، ويمكن
تأويل هذه الرواية بأن قوله ((من المهاجرين)) بيان لأحد الغلامين، والتقدير:
اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فحذف لفظ غلام من
الأول، ويؤيده قوله في بقية الخبر: فقال المهاجري، فأفرده فتتوافق الروايات.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ساق في ((الفتح)) رواية مسلم بقوله:
((اقتتل غلامان من المهاجرين وغلام من الأنصار))، وهذا اللفظ لم أره في
النُّسخ التي بين يديّ، فكلها متّفقة على لفظ: ((اقتتل غلامان، غلام من
المهاجرين، وغلام من الأنصار))، وهذا واضح لا يحتاج إلى تقدير، ولا إلى
تأويل، ولعل الحافظ وقع في نسخته ما ذكره، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ) بفتح اللام، وهي للاستغاثة؛ أي:
أغيثوني، وكذا في قول الآخر: يا للمهاجرين، (وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا
لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَفِ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟)))؛ أي: ما شأنها؟
وهو في الحقيقة إنكار، ومَنْعٌ عن قول: يا لفلان، ونحوه (١). (قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: ((دَعُوهَا)؛ أي:
اتركوا هذه المقالة، وهي دعوى الجاهليّة، (فَإِنَّهَا)؛ أي: دعوة الجاهلية، وأبعدَ
من قال: المراد: الكسعة. (مُنْتِنَةٌ))) بضم الميم، وسكون النون، وكسر المثناة،
من النتن؛ أي: إنها كلمة قبيحة، خبيثة، وكذا ثبتت في بعض الروايات.
(فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ) المنافق (فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا) استفهام بتقدير
الأداة؛ أي: أَفعلوها؟؛ أي: الأثرة، أشركناهم فيما نحن فيه، فأرادوا
الاستبداد به علينا، وفي مرسل قتادة: ((فقال رجل منهم عظيم النفاق: ما مثَلنا
ومثَلهم إلا كما قال القائل: سَمِّنْ كلبك يأكلك))، وعند ابن إسحاق: ((فقال
عبد الله بن أُبَيّ: أقد فعلوها؟ نافرونا، وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثَلنا
وجلابيب قريش هذه، إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك))(٢).
(وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِيئَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) قال
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤١/١٩.
(٢) ((الفتح)) ٧٠٨/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٩٠٥).

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الطبريّ كَُّهُ: يقول تعالى ذِكرُهُ: يقول هؤلاء المنافقون الذين وَصَف صفتهم
قبلُ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ فيها، ويعني بالأعزّ:
الأشدّ والأقوى، قال الله جل ثناؤه: ولله العزة؛ يعني: الشدّة والقوّة،
ولرسوله، وللمؤمنين بالله، ولكنّ المنافقين لا يعلمون ذلك. انتهى(١).
(قَالَ عُمَرُ) بن الخطّابِ رَبِهِ: (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) في مرسل
قتادة: ((فقال عمر: مُرْ معاذاً أن يضرب عنقه))، وإنما قال ذلك؛ لأن معاذاً لم
يكن من قومه، (فَقَالَ) وَلِ: ((دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ) ((لا)) نافية، والفعل بعدها
مرفوع على الاستئناف، ويجوز أن تكون ناهية، والفعل مجزوم بها، إلا أنه
كُسر للالتقاء الساكنين. (أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)))؛ أي: أتباعه، وفي مرسل
قتادة: ((فقال: لا والله، لا يتحدث الناس))، زاد ابن إسحاق: ((فقال: مُرْ به
معاذ بن بشر بن وقش، فليقتله، فقال: لا، ولكن أَذِّن بالرحيل، فراح في ساعة
ما كان يرحل فيها، فلقيه أُسيد بن حُضير، فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال:
فأنت يا رسول الله الأعزّ، وهو الأذلّ، قال: وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ
ما كان من أمْر أبيه فأتى النبيّ وَّ، فقال: بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك
عنه، فإن كنت فاعلاً، فمُرْني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فقال: بل ترفق به،
وتُحْسِن صحبته، قال: فكان بعد ذلك إذا أحدث الحدَثَ كان قومه هم الذين
يُنكرون عليه، فقال النبيّ وَّ ر لعمر: كيف ترى؟))، ووقع في مرسل عكرمة،
عند الطبريّ: ((أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ قال للنبيّ ◌َّ: إن والدي
يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، قال: لا تقتل أباك))(٢).
وأخرج الطبريّ في ((تفسيره)) عن عكرمة، أن عبد الله بن عبد الله بن
أبيّ بن سلول، كان يقال له: حُباب، فسمّاه رسول الله وَل: عبد الله، فقال:
يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له
رسول الله وقال: ((لا تقتل أباك عبد الله))، ثم جاء أيضاً، فقال: يا رسول الله إن
والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسول الله وَعليه: ((لا تقتل
(١) ((تفسير الطبريّ)) ١١٢/٢٨.
(٢) ((الفتح)) ٧٠٨/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٩٠٥).

٥٩٥
(١٦) - بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً - حديث رقم (٦٥٦٠)
أباك))، فقال: يا رسول الله فتَوَضَّأُ حتى أسقيه من وضوئك، لعل قلبه أن يلين،
فتوضأ رسول الله ﴿ ﴿، فأعطاه، فذهب به إلى أبيه، فسقاه، ثم قال له: هل
تدري ما سقيتك؟ فقال له والده: نعم سقيتني بول أمك، فقال له ابنه: لا
والله، ولكن سقيتك وضوء رسول الله وَله، قال عكرمة: وكان عبد الله بن أبيّ
عظيم الشأن فيهم(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٩/١٦ و٦٥٦٠ و٦٥٦١] (٢٥٨٤)،
و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٥١٨) و((التفسير)) (٤٩٠٥ و٤٩٠٧)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣١٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٧١/٥ و٦/
١٤٣ و٢٤٣ و٤٩٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٦٨/٩)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (١٧٠٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٣٩)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٣٨/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٩٥٧ و١٩٥٩)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٥٩٩٠ و٦٥٤٨)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١١٢/٢٨ و١١٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢/٩) و((دلائل النبوّة)) (٥٣/٤ - ٥٤)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن عادات الجاهليّة وتقاليدها، قولاً، أو فعلاً،
فالإسلام جاء لإبعاد الناس عن ذلك، وهدايتهم إلى ما هو الصواب والحقّ
لهم.
٢ - (ومنها): أنه لا بأس بقول: يا لَفلان إذا لم يكن القصد إثارة الفتنة،
وإشعال نار العصبيّة، قال في ((الفتح)): ويستفاد من قوله: ((لا بأس)) جواز
القول المذكور بالقصد المذكور، والتفصيل المبَيَّن، لا على ما كانوا عليه في
(١) ((تفسير الطبريّ)) ١١٣/٢٨.

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الجاهلية، من نصرة من يكون من القبيلة مطلقاً، سواء كان ظالماً أو مظلوماً.
٣ - (ومنها): وجوب نصر المسلم في حالتيه، ظالِماً، أو مظلوماً، أما
مظلوماً فظاهر بأن يُدفع عنه الظلم، وأما ظالِماً، فبنهيه عن الظلم، والأخذ
على يديه.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه المنافقون من بذاءة اللسان، والجراءة
على النبيّ ◌َّ، وعلى أصحابه
٥ - (ومنها): ما كان النبيّ وَّل عليه من شدّة الحِلم والصبر على ما يناله
من أذيّة المنافقين.
٦ - (ومنها): أنه يستفاد من ترْك النبيّ وَّ﴿ قَتْل عبد الله بن أُبيّ، وإن كان
يستحقّ القتل؛ لئلا يتحدّث الناس أن محمداً وَلّ يقتل أصحابه أن للإمام أن
يترك بعض من يستحقّ القتل لمصلحةٍ مّا إذا كانت المصلحة راجحة.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((لا يتحدّث الناس ... إلخ)) فيه دليل على أن
المنافقين الذين عُلم نفاقهم في عهد رسول الله وَلّ كانوا مستحقين للقتل، لكن
امتنع النبيّ وَّ من ذلك؛ لئلا يكون قَتْلهم منفراً لغيرهم عن الدخول في
الإسلام؛ لأنَّ العرب كانوا أهل أَنَفَةٍ وكِبْر بحيث لو قَتَل النبيّ وَّ هؤلاء
المنافقين لنَفَر من بَعُد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل
أصحابه، ولَغَضِب من قَرُب من هؤلاء المنافقين، فتهيج الحروب، وتكثر
الفتن، ويُمْتَنَع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبيّ وَل
عنهم، ورَفَقَ بهم، وصبر على جفائهم، وأذاهم، وأحسن إليهم، حتى انشرح
صدر من أراد الله هدايته، فرَسَخ في قلبه الإيمان، وتبيّن له الحقّ اليقين،
وهَلَك عن بيّنة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين، ثم أقام النبيّ ◌َّل
مستصحباً لذلك إلى أن توفّاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه؛ لأنَّه ارتفع
مسمَّاه، واسمه، ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله وَلقر هو الزندقة
عندنا اليوم، ويظهر من مذهبه أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَِّن لَّمْ يَلَهِ
الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا﴾ [الأحزاب:
٦٠، ٦١]، وبقوله تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ الآية [التوبة: ٧٣]، فقد
سوَّى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقَتْلهم، فليكن جهاد

٥٩٧
(١٦) - بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً - حديث رقم (٦٥٦٠)
المنافقين كذلك، وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها، وقد ذهب غير واحد
من أئمتنا إلى أن المنافقين يُعفَى عنهم ما لم يُظهروا نفاقهم، فإن أظهروه قُتلوا،
وهذا أيضاً يخالف ما جرى في عهد النبيّ وَّ، فإنَّ منهم من أظهر نفاقه،
واشتهر عنه حتى عُرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يُقتلوا؛ لِمَا ذكرناه،
والله تعالى أعلم.
قال: وقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال: إن النبيّ ◌َ 98 لم
يقتل المنافقين؛ لأنَّه لم تقم بيّنة معتبرة بنفاقهم؛ إذ قد نُصّ فيه على المانع من
ذلك، وهو غير ما قالوه، وفيه ما يدلّ على أن أهون الشرّين يجوز العمل على
مقتضاه، إذا اندفع به الشرّ الأعظم، وفيه دليل على القول بصحة سدّ الذرائع،
وعلى تعليل نفي الأحكام في بعض الصور بمناسب لذلك النفي (١).
وقال الأبيّ كَظُّهُ(٢): في الحديث تَرْك تغيير المنكر إذا خاف أن يؤدّي
إلى مفسدة أشدّ، واختُلف هل بقي جواز قتل المنافقين، والإغضاء عنهم، أو
نُسخ بقوله تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾؟ ومال غير واحد من أئمتنا
- يعني: المالكيّة - وغيرهم إلى أنه إنما يجوز العفو عنهم ما لم يُظهروا نفاقهم،
فإن أظهروه قُتلوا، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿لَّبِن لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ﴾ الآية [الأحزاب:
٦٠]، وهو يدلّ على أن المنافقين في زمنه ﴿ كانوا يستحقّون القتل لولا المانع
المذكور، ولِمَا يُتّقى في قَتْلهم من غضب عشائرهم، فتثور الفتنة، ويُمْتَنَعُ من
الدخول في الدين، وهو خلاف المقصود، والحديث يردّ على من يقول: إنما
لم يقتلهم النبيّ وَّر؛ لأنه لم تقُم بيّنة على نفاقهم؛ لأنه نصّ في هذا الحديث
على المانع، وفيه القول بسدّ الذرائع، وارتكاب أخفّ الضررين، ومن قال من
الأئمّة: إنهم إذا أظهروا النفاق يُقتلون يُرَدّ عليه أنه في عهده بَّ منهم من أظهر
النفاق؛ كعبد الله بن أبيّ وأصحابه، قالوا: ﴿لَيْن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، واشتهر به، ومع ذلك لم يُقتل هو، ولا أصحابه، والله
تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦ / ٥٦١ - ٥٦٣.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٣٢/٧ - ٣٣.

٥٩٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ
الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَّى النَّبِيِّ نَّهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ))، قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِراً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت [١١]
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريباً .
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و((عبد الرزّاق)) هو: ابن
همّام الصنعانيّ.
وقوله: (فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ)؛ أي: طلب الرجل الأنصاريّ المضروب أن يُقيده،
و((القوَد)) بفتحتين: القصاص.
وقوله: ((دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ))) الظاهر أن الضمير راجع إلى مسألة القود،
وقال الأبيّ: راجع إلى دعوى الجاهليّة، قال: ولا يعارض قوله في الطريق
الأول: ((فلا بأس))؛ لأنه يجاب بأن معنى ((لا بأس))؛ أي: مما يُخاف أن يقع
من فتنة، أو فساد، والدعوى لم تزل منكرةً، أو أن قوله: ((منتنة)) راجعاً إلى
القود. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((دعوها، فإنها منتنة))؛ أي: دعوى الجاهلية،
وأبعدَ من قال: المراد: الكَسْعة، ومُنتنة بضمّ الميم، وسكون النون، وكسر
المثناة، من النتن؛ أي: إنها كلمة قبيحة، خبيثةٌ، وكذا ثبتت في بعض
الروايات. انتهى (٢).
(١) (شرح الأبيّ)) ٧/ ٣٢.
(٢) ((الفتح)) ٧٠٩/١٠.

٥٩٩
(١٦) - بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِماً، أَوْ مَظْلُوماً - حديث رقم (٦٥٦١)
وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: نَتُنَ الشّيءُ بالضّمِ نُونَةً، ونَتَانَةً، فهو نَتِينٌ، مثلُ
قَرِيب، ونَتَنَ نَتْناً، من باب ضَرَب، ونَتِنَ يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌّ، من باب تَعِبَ، وأَنْتَنَ
إِنْتَاناً، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمّ التاء إتباعاً
للميم قليلٌ. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ) هو إسحاق شيخه الثاني، (فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو،
قَالَ: سَمِعْتُ جَابِراً) بيّن به أن إسحاق بن منصور قال في روايته: ((عمرو)) هو
ابن دينار، فعمرو مبتدأ، خبره قوله: ((قال: سمعت جابراً))؛ يعني: أنه صرّح
بسماع عمرو من جابر، وأما إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع فعنعنا،
وقالا: عن عمرو، عن جابر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية معمر، عن عمرو بن دينار ساقها عبد الرزّاق في ((مصنّفه))
مقروناً بابن عيينة، فقال:
(١٨٠٤١) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، وابن عيينة، عن
عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله والده
في غَزَاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريّ: یا
للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله وَلقول، فقال:
((ما بال دعوى الجاهلية))، فأخبروه بالذي كان، فقال النبيّ بَّ: (دَعُوها، فإنها
منتنة))، قال: وكان المهاجرون لَمّا قَدِم رسول اللهِ وَّر المدينة أقلّ من الأنصار،
ثم إن المهاجرين كَثُروا بعدُ، فسمع بذلك عبد الله بن أَبَيّ، قال: ((قد فعلوها؟
والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ)). انتهى(٢).
قال في ((الفتح)): قوله: (ثم إن المهاجرين كَثُروا بعدُ)) هذا مما يؤيِّد تقدّم
القصة، ويوضح وَهْمَ من قال: إنها كانت بتبوك؛ لأن المهاجرين حينئذ كانوا
كثيراً جدّاً، وقد انضافت إليهم مُسْلِمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا حينئذ أكثر
من الأنصار، والله أعلم. انتهى(٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾.
(١) (المصباح المنير)) ٢/ ٥٩٢.
(٣) ((الفتح)) ٧٠٩/١٠.
(٢) ((مصنَّف عبد الرزاق)) ٤٦٨/٩.

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(١٧) - (بَابُ تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعَاطُفُهِمْ، وَتَعَاضُدِهِمْ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٢] (٢٥٨٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو
كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ
بَعْضُهُ بَعْضاً))).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١ - (أَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي
موسى الأشعريّ، الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
[تنبيه]: كون أبي عامر الأشعري هو عبد الله بن برّاد هو الصواب، وهو
الذي نصّ عليه الحافظ المزّيّ في ((الأطراف))(١)، وقد كتب بعض الشّرّاح(٢)
هنا، ترجمة عبد الملك بن عمرو القيسيّ العقديّ، وهو غلط؛ لأمور:
أحدها: أن عبد الملك لا يروي عنه مسلم إلا بواسطة؛ لأنه مات سنة
(٢٠٤ هـ) قبل ولادة مسلم بسنتين على الصحيح في ميلاده.
والثاني: أنه لا يقال لعبد الملك: أبو عامر الأشعريّ، وإنما يقال له:
أبو عامر العقديّ، وقد نصّ مسلم هنا بأنه أبو عامر الأشعريّ.
والثالث: أن الحافظ أبا الحجّاج المزّيّ كَُّ نصّ في ((تحفته)) بأنه
عبد الله بن برّاد، راجع: ((تحفة الأشراف)) (٤٣٧/٦).
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، بسكون
الواو، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٦/ ٤٣٧.
(٢) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٣٦٣/٢٤ - ٣٦٤.