Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٣)
والثاني: ظلم بينه وبين الناس، وإياه قصد بقوله: ﴿وَجَزَّوُاْ سِئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾
[الشورى: ٤٠] إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الآية [الشورى ٤٠].
والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وإياه قَصَد بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ.﴾
[فاطر: ٣٢]، وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ [النمل: ٤٤]، و﴿إِذ ◌َظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾
[النساء: ٦٤]، وغيرها من الآيات.
وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظُلم للنفس؛ فإن الإنسان في أول ما يَهُمّ
بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذاً الظالم أبداً مبتدئ في الظلم، ولهذا قال تعالى في
غير موضع: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]،
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُّوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وغير ذلك. انتهى كلام
الراغب تَخْذَتُهُ(١).
وقال المناويّ نَّثُهُ: الظلم هو مجاوزة الحدّ والتعدّي على الخلق، قال:
وذلك لأن الشرائع تطابقت على قبحه، واتفقت جميع الملل على رعاية حفظ
الأنفس، فالأنساب، فالأعراض، فالعقول، فالأموال.
والظلم يقع في هذه، أو في بعضها، وأعلاه الشرك: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات، ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ويدخل فيه ظلم الإنسان لنفسه بارتكاب المعاصي؛ إذ
العصاة ظُلّام أنفسهم، وأقبح أنواعه ظلم من ليس له ناصر إلا الله تعالى، قال
ابن عبد العزيز (٢): إياك إياك أن تظلم من لا ينتصر عليك إلا بالله، فإنه تعالى
إذا عَلِم التجاء عبده إليه بصدق واضطرار، انتصر له فوراً، ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَّةَ﴾ [النمل: ٦٢]. انتهى(٣).
(فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال القاضي عياض: قيل: هو على
ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه، لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً حين يسعى
نور المؤمنين بين أيديهم، وبأيمانهم، ويَحْتَمِل أن الظلمات هنا الشدائد، وبه
فسَّروا قوله تعالى: ﴿قُلّ مَن يُنَجِّيَكُم مِّن ◌ُتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]؛ أي:
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن الكريم)) ٨٧/٢١.
(٢) لم يتبيّن لي من هو؟ والله تعالى أعلم.
(٣) ((فيض القدير)) ١٣٤/١.

٥٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
شدائدهما، ويَحْتَمِل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الأرجح حَمْل الحديث على
ظاهره، كما استظهره القرطبيّ (٢)؛ لأن حَمْل النصوص على ظاهرها هو
الصواب، إلا لدليل يصرفها عن ظاهرها، ولا دليل هنا، فيكون الظلم ظلمات
على أصحابه يوم القيامة، ولا ينافي هذا إرادة الاحتمال الثاني معه، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
وقال المناويّ ما معناه: إن الظلم في الدنيا ظلمات على أصحابه،
بمعنى: أنه يورث ظلمة في القلب، فإذا أظلم القلب تاه، وتحيّر، وتجبّر،
فذهبت الهداية والبصيرة، فخَرِب القلب، فصار صاحبه في ظلمة يوم القيامة،
فالظلمة معنوية، لَمّا كان الظلم مفضياً بصاحبه إلى الضلال الذي هو ضدّ
الهدى، كان جديراً بالتشبيه بالظُلمة، كما في ضدّه من تشبيه الهداية بالنور،
وقيل: حسيّة، فيكون ظلمه ظلمات عليه، فلا يهتدي في القيامة بسببه، وغيره
من المؤمنین یسعی نوره بین یدیه.
قال الحرانيّ: والظلمة ما يطمس الباديات حسّاً أو معنى.
وقال الزمخشريّ: هي عدم النور، وانطماسه بالكلية، وقيل: عرض ينافي
النور، من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا؛ أي: ما مَنَعك، وشَغَلك؛ لأنها
تَسُدّ البصر، وتمنع الرؤية. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ: أفرد المبتدأ - يعني: قوله: ((فإن الظلم)) - وجَمَع الخبر
- يعني: قوله: ((الظلمات)) - دلالةً على إرادة الجنس، واختلاف أنواع الظلم
الذي هو سبب لأنواع الشدائد في القيامة، من الوقوف في العرصات،
والحساب، والمرور على الصراط، وأنواع العقاب في النار، ثم عَطَف الشحّ
الذي هو نوع من أنواع الظلم على الظلم؛ ليُشعر بأن الشحّ أعظم أنواعه؛ لأنه
من نتيجة حبّ الدنيا وشهواتها، ومن ثَمّ علّله بقوله: ((فإن الشحّ أهلك من كان
قبلكم))، ثم علّله بقوله: ((حملهم على أن سفكوا الدماء)) على سبيل
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٨/٧.
(٣) ((فيض القدير)) ١٣٤/١.
(٢) ((المفهم)) ٥٥٦/٦.

٥٦٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٣)
الاستئناف، فإن استحلال المحارم جامع لجميع أنواع الظلم، من الكفر،
والمعاصي، وعَظْفُهُ على سفك الدماء مِنْ عَظْف العامّ على الخاصّ عكس
الأول، وإنما كان الشحّ سبب سفك الدماء، واستحلال المحارم؛ لأن في بذل
الأموال، ومواساة الإخوان التحابَّ والتواصلَ، وفي الإمساك والشحّ التهاجرَ
والتقاطعَ، وذلك يؤدّي إلى التشاجر، والتغاور مِنْ سَفْك الدماء، واستباحة
المحارم. انتهى(١).
(وَاتَّقُوا الشُّحَّ) بالضمّ: البخل، وشحّ يشِحّ، من باب قتل، وفي لغة من
بابي ضرب، وتَعِبَ، فهو شحيحٌ، وقومٌ أشحّاء، وأشحّة، وتشاح القوم
بالتضعيف: إذا شَحّ بعضهم على بعض، قاله الفيّوميّ(٢).
وقال القرطبيّ: الشحّ: الحرص على تحصيل ما ليس عندك، والبخل:
الامتناع من إخراج ما حصل عندك. وقيل: إن الشحّ هو البخل مع حرص.
يقال منه: شَحِحتُ بالكسر أَشَحّ، أو شَحَحت بالفتح أَشُحّ، بالضم، ورجل
شحيح، وقوم شِحاحٌ، وأشحّاء. انتهى (٣).
وقال النوويّ: قال جماعة: الشحّ: أشدّ البخل، وأبلغ في المنع من
البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور، والشحّ
عامّ، وقيل: البخل في أفراد الأمور، والشحّ بالمال والمعروف، وقيل: الشحّ:
الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده. انتهى (٤).
(فَإِنَّ الشُّعَ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)؛ أي: من بني إسرائيل، وغيرهم،
(حَمَلَهُمْ)؛ أي: أغراهم الشحّ (عَلَى أَنْ سَفَكُوا)؛ أي: أراقوا (دِمَاءَهُمْ،
وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)) قال القرطبيّ تَّتُ: هذا هو الهلاك الذي حَمَل عليه
الشحّ؛ لأنَّهم لمّا فعلوا ذلك أتلفوا دنياهم وأخراهم، وهذا كما قال في
الحديث الآخر: ((إياكم والشحّ، فإنَّه أهلك من كان قبلكم، أمَرَهم بالبخل
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٢٥/٥ - ١٥٢٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٦/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٣٤/١٦.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٥٥٧.

٥٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
فَبَخِلوا، وأمَرَهم بالقطيعة فقَطَعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا))(١)؛ أي: حَمَلهم
(٢)
على ذلك. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض تَّتُهُ: يَحْتَمِل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر
عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم، ويَحْتَمِل أنه هلاك الآخرة، وهذا
الثاني أظهر، ويَحْتَمِل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة. انتهى(٣)، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
المصنّف رَّتُهُ .
هذا من أفراد
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٣/١٥] (٢٥٧٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (٤٨٣ و٤٨٤)، و(النسائيّ) في ((جزء الإملاء)) (٤٥/١)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٢٣/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٥٦/٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٣٤/١٠) و((شُعب الإيمان)) (٤٢٤/٧) وفي ((الأربعين الصغرى))
(١٦٩/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الظلم.
٢ - (ومنها): أن الظلم يكون ظلمات على صاحبه يوم القيامة.
٣ - (ومنها): بيان تحريم الشحّ، وهو أشدّ من البخل، وأبلغ في المنع
منه، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل غير ذلك، مما أسلفناه قريباً .
٤ - (ومنها): بيان اهتمام النبيّ وَله بأمر أمته، فيرشدها إلى ما فيه
صلاحها في الدنيا والآخرة، ويُحذّرها عما فيه هلاكها، فقد حذّرها في هذا
الحديث عن الشحّ؛ لأنه أهلك الأمم السابقة، وذلك لأنه سبب التهاجر،
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود (١٦٩٨).
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٥٥٧.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٤٨/٨.

٥٦٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٤)
والتقاطع، والتباغض، والتحاسد، وينشأ منها المقاتلة، وسفك الدماء،
واستحلال ما حرّم الله تعالى، فلا ينبغي للأمة المرحومة أمة محمد صل﴿ أن تتبّع
طريقهم، وتسلك مسلكهم، فتهلك مهلكهم، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٥٤] (٢٥٧٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَّنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ الظَّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوَّار المدائنيّ، أصله من خُرَاسان، يقال: كان اسمه
مروان، مولى بني فَزَارة، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو ٢٠٦)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ) - بكسر الجيم، بعدها معجمة مضمومة -
هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدير،
ثقةٌ فقيهٌ مُصَنِّف [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيّ مولى ابن عمر، تقدّم قريباً.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ◌ًّا، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه ابن عمر ﴿ها، وقد تقدّم القول فيه
قريباً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿هَا؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الظَّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)) وزاد أحمد في روايته من طريق محارب بن دثار، عن ابن عمر في
أوله: ((يا أيها الناس اتقوا الظلم))، وفي رواية: ((إياكم والظلم))، وأخرجه
البيهقيّ في ((الشعب)) وزاد فيه: ((قال محارب: أظلم الناس مَنْ ظَلَمَ لغيره)).
وقال ابن الجوزيّ تَخُّْ: الظلم يَشتمل على معصيتين: أَخْذ مال الغير

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
بغير حقّ، ومبارزة الربّ بالمخالفة، والمعصيةُ فيه أشدّ من غيرها؛ لأنه لا يقع
غالباً إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة
القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي
حصل لهم بسبب التقوى، اكتنفت ظلماتُ الظلم الظالمَ حيث لا يُغني عنه ظلمه
شيئاً. انتهى(١).
وقال المهلَّب: الذي يدلّ عليه القرآن أنها ظلمات على البصر حتى لا
يهتدي سبيلاً، قال الله تعالى في المؤمنين: ﴿يَسْعَى نُوْرُهُمْ بَيْنَ أَيَدِيِهِمْ وَبِأَيْفَتِهِ﴾
[الحديد: ١٢]، وقال في المنافقين: ﴿أَنْظُرُونَا تَقْتَيِسْ مِن نُّوْرِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]،
فأثاب الله المؤمن بلزوم نور الإيمان لهم، ولذَّذهم بالنظر إليه، وقَوَّى به
أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم، ومَنَعهم لذّة النظر إليه.
وقال القزّاز: الظلم هنا الشرك؛ أي: هو عليهم ظلام وعَمّى، ومن هذا
زعم بعض اللغويين أن اشتقاق الظلم من الظلام؛ كأن فاعله في ظلام عن
الحقّ، والذي عليه الأكثرون أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ذكر هذا
كلّه في ((العمدة))(٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٤/١٥] (٢٥٧٩)، و(البخاريّ) في ((المظالم))
(٢٤٤٧)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (٢٠٣١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٥٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٩٢/٧)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٠٥/٢ و١٣٧ و١٥٦)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٩٧/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٣/٦ و١٣٤/١٠) و((شُعَب الإيمان)) (٤٦/٦)،
و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٩٥/١٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((كشف المشكل)) ٥٥٩/٢ - ٥٦٠.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٩٣/١٢.

٥٦٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٥)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٥٥] (٢٥٨٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم،
لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِّمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ، كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ
عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً،
سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (لَيْثُ) بن سعد، أبو الحارث الفهميّ المصريّ الإمام الشهير، تقدّم قريباً.
٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَغْذَثُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
شرح الحديث :
(عَنْ سَالِم) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿يَا؛ (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم) قال في ((الفتح)): هذه أخوّة
الإسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين يُطلق بينهما اسم الإخوة، ويشترك في ذلك
الحرّ والعبد، والبالغ والمميِّز. انتهى(١).
(لَا يَظْلِمُهُ)؛ أي: لا ينقصه حقّه، أو يمنعه إياه، وهو خبر بمعنى الأمر،
(وَلَا يُسْلِمُهُ) بضمّ أوله، من الإسلام؛ أي: لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما
يؤذيه، بل ينصره، ويدفع عنه، وهذا أخصّ من تَرْك الظلم، وقد يكون ذلك
واجباً، وقد يكون مندوباً، بحسب اختلاف الأحوال.
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤٨٢.

٥٦٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولا يسلمه)) بضم أوله، يقال: أسلم فلانٌ
فلاناً: إذا ألقاه إلى الهلكة، ولم يَحمِهِ من عدوّه، وهو عامّ في كل من أسلم
لغيره، لكن غَلَب في الإلقاء إلى الهلكة. انتهى(١).
(مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ)؛ أي: ساعياً في قضائها، (كَانَ اللهُ فِي
حَاجَتِهِ)؛ أي: قضاها الله تعالى له؛ إذ الجزاء من جنس العمل، (وَمَنْ فَرَّجَ)
بتخفيف الراء، وتشديدها، يقال: فَرَجَ الله الغمّ يَفْرِجه، من باب ضرب:
كشفه؛ كفرّجه بالتشديد، قاله المجد تَُّ(٢)، وقال الفيّوميّ تَظُّهُ: فَرَّجَ اللهُ
الغمّ بالتشديد: كشفه، والاسم: الفَرَجُ، بفتحتين، وفَرَجَهُ فرْجاً، من باب
ضرب لغةٌ، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من البسيط]:
يَا فَارِجَ الكَرْبِ مَسْدُولاً عَسَاكِرُهُ كَمَا يُفَرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الفَلَقُ(٣)
وأزال (عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً) بضمّ الكاف: اسم من الكرب، والجمع كُربٌ،
مثلُ غُرْفة وغُرَف (٤)، وَّقال في ((الفتح)): قوله: (كُربة))؛ أي: غُمّةً، والكَرْب:
هو الغمّ الذي يأخذ النَّفْس، (فَرَّجَ) بالتخفيف، والتشديد، كما مرّ آنفاً، (اللهُ عَنْهُ
بِهَا)؛ أي: بسبب تلك الكربة التي كشفها عن أخيه المسلم، (كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ
يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ولفظ البخاريّ: ((من كربات يوم القيامة))، قال في ((الفتح)):
الكُربات بضم الراء: جمع كُرْبة، ويجوز فتح راء كربات، وسكونها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يعني: أن راء ((كربات)) يجوز ضمّها؛ إتباعاً
للكاف، وفَتْحها؛ تخفيفاً، وسكونها كذلك، وإلى هذه القاعدة أشار ابن
مالك تَُّ في (الخلاصة)) حيث قال:
إِنْبَاعَ عَيْنِ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ
وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَائِي اسْماً أَنِلْ
مُخْتَتَماً بِالثَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا
إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّئاً بَدَا
خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلّاً قَدْ رَوَوْا
وَسَكِّنِ الثَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ
(وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً)؛ أي: رَأَه على قبيح، فلم يُظهره؛ أي: للناس، وليس
في هذا ما يقتضي تَرْك الإنكار عليه، فيما بينه وبينه، ويُحْمَلُ الأمر في جواز
(١) ((الفتح)) ٦/ ٢٦١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٦٦/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٩٨٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٥٢٩/٢.

٥٦٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٥)
الشهادة عليه بذلك، على ما إذا أنكر عليه، ونصحه فلم يَنْتِهِ عن قبيح فعله، ثم
جاهَر به، كما أنه مأمور بأن يستتر إذا وقع منه شيء، فلو توجه إلى الحاكم،
وأقرّ لم يمتنع ذلك، والذي يظهر أن السَّتر محله في معصية قد انقضت،
والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها، فيجب الإنكار عليه، وإلا رفعه إلى
الحاكم، وليس من الغِيبة المحرّمة، بل من النصيحة الواجبة، وفيه إشارة إلى
تَرْك الغيبة؛ لأن من أظهر مساوئ أخيه لم يستره، قاله في ((الفتح))(١).
وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((ومن ستر مسلماً ... إلخ)) هذا حضّ على
سَتْر مَن سَتَر نفسه، ولم تَدْعُ الحاجة الدينية إلى كشفه، فأمَّا من اشتهر
بالمعاصي، ولم يبال بفعلها، ولم ينته عما نُهي عنه، فواجب رفعه للإمام،
وتنكيله، وإشهاره للأنام؛ ليرتدع بذلك أمثاله، وكذلك من تدعو الحاجة إلى
كَشْف حالهم من الشهود، والمجرَّحين، فيجب أن يُكشف منهم ما يقتضي
تجريحهم، ويحرم سترهم؛ مخافةً تغيير الشرع، وإبطال الحقوق. انتهى(٢).
(سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) وفي حديث أبي هريرة ظُه، عند الترمذيّ:
((ستره الله في الدنيا والآخرة))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر خّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٥/١٥] (٢٥٨٠)، و(البخاريّ) في ((المظالم))
(٢٤٤٢)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٩٣)، و(الترمذيّ) في ((الحدود))
(١٤٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩١/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه))
(٥٣٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٨٧/١٢)، و(القضاعيّ) في ((مسند
الشهاب)) (١٣٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٤/٦ و٣٣٠/٨) و((شُعب
الإيمان)) (١٠٤/٦ و١٠٥/٧ و٥٠٧)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٩٥/٢)،
(١) ((الفتح)) ٢٦٢/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٤٢).
(٢) ((المفهم)) ٥٥٨/٦.

٥٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥١٨ و٣٥٤٩)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ
دمشق)) (٢١٠/١٥ و١٤٣/٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحضّ للمسلم على مراعاة أخيه المسلم، والتعاون،
وحسن التعاشر، والأُلفة.
٢ - (ومنها): بيان شدّة عناية الإسلام في ربط المجتمع، وتأكيد تآخيهم،
ونَبْذ الخلافات، والفرقة وراء ظهورهم.
٣ - (ومنها): بيان أن الْمُجازات تقع في الآخرة من جنس الطاعات في
الدنيا .
٤ - (ومنها): بيان مشروعيّة السَّتر على المسلم، وتَرْك التسميع به،
والإشهار لذنوبه بين الناس، قال الكرمانيّ: الستر إنما هو في معصية وقعت،
وانقضت، أما فيما تَلَبّس به الشخص فيجب المبادرة بإنكارها، ومَنْعه منها،
وأما ما يتعلق بجرح الرواة والشهود، فلا يحلّ الستر عليهم، وليس هذا من
الغيبة المحرّمة، بل من النصيحة الواجبة (١).
٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن من حلف أن فلاناً أخوه، وأراد أُخُوّة
الإسلام لم يحنث، وقد ثبت ذلك عن النبيّ وَ ل﴿، فقد أخرج أبو داود في
(سننه)) عن سُويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله وَلقول، ومعنا وائل بن
حجر، فأخذه عدوّ له، فتحرّج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخُلِّي
سبيله، فأتينا رسول الله وَله، فأخبرته أن القوم تحرّجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه
أخي، قال: ((صَدَقت، المسلم أخو المسلم)) (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٥٦] (٢٥٨١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟))، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ،
(١) ((عمدة القاري)) ٢٨٩/١٢.
(٢) حديث صحيح، رواه أبو داود في ((سننه)) ٢٢٤/٣.

٥٧١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٦)
وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي (١) يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامِ،
وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَّ
هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى
مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِ حَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) - بضم الحاء المهملة، وسکون الجیم ۔ ابن إياس
السَّعْديّ المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ الْحُرقيّ المدنيّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غیر شیخیه،
فالأول بَغْلانيّ، والثاني مروزيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة .
ـه
تقدّم القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ) الخطاب
للصحابة الحاضرين أمامه وسلم؛ أي: أتعلمون؟ (مَا الْمُفْلِسُ؟))) قال الطيبيّ رَُّهُ:
كذا في ((صحيح مسلم))، و((جامع الترمذيّ))، و((كتاب الحميديّ))، و((جامع
الأصول))، و(شرح السُّنَّة)) - أي: بلفظ: ((ما المفلس؟)) - فعلى هذا السؤال عن
(١) وفي نسخة: ((يأتي)) بحذف ((من)).

٥٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وَصْف المفلس، لا عن حقيقته، ومن ثَمّ أجاب وَ ﴿ بوصفه بقوله: ((شتم))،
و((أكل))، و((قذف))، وفي ((مشارق الأنوار))، وبعض نُسخ ((المصابيح)): ((من
المفلس؟))، وهذا السؤال سؤال إرشاد، لا استعلام، ولذلك قال: ((إن المفلس
كذا وكذا ... )). انتهى كلام الطيبيّ تَظّهُ(١).
وتعقّبه القاري قائلاً: قلت: الظاهر أن المراد بقوله: ((ما المفلس؟»: من
، وفي كلامه وَ﴾ أيضاً من
المفلس؟ بدليل ما بعده في جواب الصحابة
التعبير بـ((مَنْ)). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل تعقّب القاري أن ((ما)) هنا بمعنى التي
هي للعاقل؛ لأنها تُستعمل للعاقل، كما قوله تعالى: ﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ
النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]، والله أعلم.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((أتدرون ما المفلس؟)) كذا صحت الرواية
بـ((ما))، فقد وقعت هنا على من يعقل، وأصلها لِمَا لا يعقل، والمفلس: اسم
فاعل من أفلس: إذا صار مفلساً؛ أي: افتتر، وكأنه صارت دراهمه فلوساً،
كما يقال: أجبن الرجل: إذا صار أصحابه جبناء، وأقطف: إذا صارت دابته
قَطُوفاً - أي: بطيئةً -. انتهى(٣).
وقال النوويّ كَخُّْهُ: معناه: أن هذا حقيقة المفلس، وأما من ليس له
مال، ومن قلّ ماله، فالناس يسمّونه مفلساً، وليس هو حقيقة المفلس؛ لأن هذا
أمر يزول، وينقطع بموته، وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته،
وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث، فهو الهالك الهلاكَ التامّ،
والْمُعْدِم الإعدام المقطوع، فتؤخذ حسناته لغرمائه، فإذا فَرَغت حسناته أُخذ من
سيئاتهم، فوُضع عليه، ثم أُلقي في النار، فتمَّت خسارته، وهلاكه، وإفلاسه.
قال المازريّ: زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارِضٌ لقوله تعالى:
﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا الاعتراض غَلَطٌ منه، وجهالة بَيِّنة؛
لأنه إنما عوقب بفعله، ووزره، وظُلمه، فتوجهت عليه حقوقٌ لغرمائه، فدُفعت
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٥٥/١٠.
(٢) ((المرقاة شرح المشكاة)) ٨/ ٨٥٠.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٥٦٣.

٥٧٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٦)
إليهم من حسناته، فلمّا فرغت، وبقيت بقية قوبلت على حسب ما اقتضته
حكمة الله تعالى في خَلْقه، وعَدْله في عباده، فأُخذ قَدْرها من سيئات خصومه،
فوُضع عليه، فعوقب به في النار، فحقيقة العقوبة إنما هي بسبب ظلمه، ولم
يعاقَب بغير جناية، وظُلم منه، وهذا كله مذهب أهل السُّنَّة، والله أعلم.
(١)
انتهى(١).
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الذين وُجّه إليهم السؤال: (الْمُفْلِسُ فِينَا) معاشر
بني آدم، (مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ) له؛ أي: مما يحصل به التمتّع، من
الأقمشة، والعَقار، والمواشي، ونحو ذلك، أجابوه بما هو معروف لديهم
بحسب عُرْف أهل الدنيا، كما يدلّ عليه قولهم: ((فينا))، وكان الأَولى بهم فعل
ما كانوا عليه في غالب الأحوال في مثل هذا السؤال، وهو قولهم: الله ورسوله
أعلم؛ لأن ما أجابوا به كان واضحاً لا يخفى عليه وسلّ ر، (فَ)لما أجابوه بهذا
(قَالَ) وَيِّ مبيّناً لهم ما هو الجواب الصحيح المطلوب منهم أن يعلموه: ((إِنَّ
الْمُفْلِسَ) بكسر ((إنّ)) لوقوعها محكيّة بـ((قال))؛ أي: إن المفلس الحقيقيّ، وهو
المفلس في الآخرة، (مِنْ أُمَّتِي)؛ أي: أمة الإجابة، ولو كان غنيّاً في الدنيا
بالدرهم والمتاع، (مَنْ يَأْتِي(٢) يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ) الباء للمصاحبة؛ أي:
مصاحباً لصلاة (وَصِيَام، وَزَكَاةٍ)؛ أي: مقبولات؛ لأن غير المقبول لا اعتبار
به، (وَيَأْتِي) حال كونه أَقَدْ شَتَمَ هَذَا) الشخص، (وَقَذَفَ هَذَا)؛ أي: رماه بالزنا
ونحوه، (وَأَكَلَ) بالباطلِ (مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ)؛ أي: أراق (دَمَ هَذَا) بغير حقّ،
(وَضَرَبَ هَذَا) بغير استحقاق، أو بالزيادة على ما يستحقّه، والمراد: أنه جمع
بين تلك العبادات، وهذه السيّئات، ويَحْتَمِل أن تكون الواو بمعنى ((أو))، لكن
لفظ المفلس يلائم كثرة المعاصي الموجبة لإفلاسه، قاله القاري كَذَتهُ(٣).
(فَيُعْطَى) بالبناء للمفعول، (هَذَا) المظلوم (مِنْ حَسَنَاتِهِ)؛ أي: بعض حسنات
الظالم، (وَهَذَا)؛ أي: ويُعطى هذا المظلوم الآخَر (مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ)
بكسر النون، من باب تَعِب، (حَسَنَاتُهُ)؛ أي: حسنات الظالم، من الصلاة،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٦ - ١٣٦.
(٣) ((المرقاة شرح المشكاة)) ٨٥٠/٨.
(٢) وفي نسخة: ((يأتي)) بحذف ((من)).

٥٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
والصيام، والزكاة، (قَبْلَ أَنْ يُقْضَى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (مَا
عَلَيْهِ)؛ أي: قبل أن يؤدّى الذي استقرّ عليه من المظالم، (أُخِذَ) بالبناء للمفعول
أيضاً، (مِنْ خَطَايَاهُمْ)؛ أي: من سيّئات المظلومين، (فَطُرِحَتْ) بالبناء
للمفعول؛ أي: رُميت، وأُلقيت تلك الخطايا (عَلَيْهِ)؛ أي: على الظالم الذي
فنيت حسناته قبل قضاء ما عليه، (ثُمَّ طُرِحَ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: رُمي،
وألقي ذلك الظالم (فِي النَّارِ))) بسبب ما طُرح عليه من سيئات المظلومين.
وقال القرطبيّ دَّثُهُ: قوله: ((المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة
وصيام وزكاة)) الحديث؛ أي: هذا أحقّ بِسْم المفلس؛ إذ تؤخذ منه أعماله
التي تَعِب في تصحيحها بشروطها، حتى قُبلت منه، فلما كان وقت فَقْره إليها
أخذت منه، ثم طرح في النار، فلا إفلاس أعظم من هذا، ولا أخسر صفقةً
ممن هذه حاله، ففيه ما يدلّ على وجوب السعي في التخلي من حقوق الناس
في الدنيا بكل ممكن، والاجتهاد في ذلك، فإنْ لم يجد إلى ذلك سبيلاً
فالإكثار من الأعمال الصالحة، فلعله بعد أَخْذ ما عليه تبقى له بقيّة راجحةٌ،
والمرجوّ من كرم الكريم لمن صحّت في الأداء نيّته، وعَجز عن ذلك قُدْرته أن
يُرضي الله عنه خصومه، فيغفر للمطالب والمطلوب، ويوصلهم إلى أفضل
محبوب، وقد تقدَّم ذِكر من قال: إن الصوم لا يؤخذ مما عليه من الحقوق،
وبيّنّا ما يَرُدّ عليه، وبماذا ينفصل عنه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لمن صحّت نيّته ... إلخ)) قد ثبت عن
النبيّ ◌َّ في هذا ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن
النبيّ وَ لّ قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أَذَّى الله عنه، ومن أخذ
يريد إتلافها أتلفه الله)). انتهى (٢).
والحاصل أن من أخذ أموال الناس بنيّة صالحة، من أدائها إليهم إذا
طلبوها منه، ثم لم يستطع على أدائها لهم، فإن الله تعالى يؤدّيها عنه بنيّته
الصالحة، وذلك بأن يعوّض الله ◌ُعَلَ أصحاب الحقوق من الجنة ما يرضون
عنه، ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].
(١) ((المفهم)) ٦ / ٥٦٣ - ٥٦٤.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٨٤١/٢.

٥٧٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٦)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٦/١٥] (٢٥٨١)، و(الترمذيّ) في ((صفة
القيامة)) (٢٤١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٣/٢ و٣٣٤ و٣٧١ و٣٧٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤١١ و٧٣٥٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١١/
٣٨٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٣/٦) و((شُعَب الإيمان)) (٣٠٣/١)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٦٤)، و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد)) (٢٣/٤)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة حقوق الناس، فمن اعتدى عليها، فسوف يُجازى
أصعب المجازاة، وذلك بأن تؤخذ حسناته، فتعطى أصحاب الحقوق، فإن
وَقَّت فبها، وإلا أُخذت خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار، فيا
خسارة من هذه حاله، وهذا مآله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
٢ - (ومنها): ما قيل: إن هذا الحديث لا تعارض بينه وبين قوله تعالى:
﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٌ﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأنه إنما يعاقَب بسبب فِعله،
وظُلمه، ولم يعاقَب بغير جناية منه، بل بجنايته، فقوبلت الحسنات بالسيئات
على ما اقتضاه عَدْل الله تعالى في عباده(١).
٣ - (ومنها): أنه قد تعلق بعض الذاهبين إلى صحة الإبراء من المجهول
بهذا الحديث، وقال ابن بطال: بل فيه حجة لاشتراط التعيين؛ لأن قوله:
((مظلمةٌ)) يقتضي كونها معلومة القَدْر، وقال ابن المنيِّر: إنما وقع في الخبر
حيث يقتصّ المظلوم من الظالم، حتى يأخذ منه بقَدْر حقه، وهذا متفق عليه،
إنما الخلاف فيما لو أسقط المظلوم حقه في الدنيا، هل يشترط معرفة قَدْره؟
والحديث مطلقٌ. انتهى(٢).
٤ - (ومنها): ما قاله البيهقيّ نَظّثهُ: احتج بهذا الحديث من قال بإحباط
(١) ((فيض القدير)) ٢٦/٤.
(٢) ((فيض القدير)) ٢٦/٤.

٥٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
السيئة الحسنة، ووجهه عندي - والله تعالى أعلم - أنه يعطى خصماؤه من أجر
حسناته ما يوازي عقوبة سيئاته، فإن فنيت حسناته؛ أي: أجر حسناته الذي قوبل
بعقوبة سيئاته، أُخذ من خطاياهم، فطُرحت عليه، وطُرح في النار، كي يُعذّب بها
إن لم يُغفر له، حتى إذا انتهت عقوبة تلك الخطايا رُدّ إلى الجنة بما كُتب له من
الخلود، ولا يعطى خصماؤه ما زاد من الأجر على ما قابل عقوبة سيئاته؛ لأن
ذلك فضل من الله تعالى يَخُصّ به من وافى يوم القيامة مؤمناً، والله تعالى أعلم (١).
وقال القاريّ كَّتُهُ: وهذا من ضرورة قضية العدل الثابت له تعالى بالنقل
والعقل، فإن الظالم إذا أكثر من الحسنات، وثقلت موازينه منها، وغلبت على
سيئاته، فإن أدخل الجنة يبقى حق المظلوم ضائعاً، وإن أدخل النار ينافي قوله
[المؤمنون: ١٠٢]، وسيأتي أن
تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
حقوق العباد مما لا يتركه الله تعالى، فلا بدّ من أحد الأمرين: إما أخْذ الحسنات،
وإما وَضْع السيئات، حتى يتحقق خفة ميزان عمله، فيدخل النار، فيعذّب بقدر
استحقاقه، ثم يخرج، ويدخل الجنة بسبب الحسنات الباقية، إن كانت هناك، وإلا
[الكهف: ٣٠]، وهذا من
فببركة الإيمان، ف﴿ ... إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
البراهين الواضحة المؤيّدة بالشواهد والأدلة اللائحة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٥٧] (٢٥٨٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّلِ قَالَ: ((لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ
الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ ثقة عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله
سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
(١) ((شُعَب الإيمان)) ٦٨/١.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤/ ٤٤١.

٥٧٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٧)
والباقون ذُكروا في الحديث الماضي، ولطائف الإسناد ذُكر هناك.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَتُؤَدُّنَّ) اللام فيه هي
الموّئة للقسم؛ أي: والله لتؤدنّ، بفتح الدال المشدّدة، مبنيّاً للمفعول، وقيل:
بضمّها مبنيّاً للفاعل، فقوله: (الْحُقُوقُ) بالرفع على الأول على أنه نائب
الفاعل، وبالنصب على الثاني على أنه مفعول به.
وقال التوربشتيّ هو على بناء المجهول، و((الحقوق)) مرفوع، هذه هي
الرواية المعتدّ بها، ويزعم بعضهم ضم الدال، ونَصْب ((الحقوق))، والفعل مسند
إلى الجماعة الذين خوطبوا به، والصحيح ما قدمناه. انتهى.
وتعقّبه الطيبيّ، فقال: إن كان الردّ لأجل الرواية فلا مقال، وإن كان
بحسب الدراية، فإن باب التغليب واسع، فيكون قد غَلّب العقلاء على غيرهم،
وجَعَل قوله: ((حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) غاية بحسب التغليب،
كما في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَّا يَذْرَؤُكُمْ
فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، فالضمير في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ راجع إلى الأناسي والأنعام على
تغليب المخاطبين العقلاء على الغيب والأنعام. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: (لتؤدّنّ الحقوق ... إلخ)) هذا جواب قَسَم
محذوف؛ كأنه قال: والله لتؤدن، والحقوق: جَمْع حقّ، وهو ما يَحِقّ على
الإنسان أن يؤدّيه، وهو يعمّ حقوق الأبدان، والأموال، والأعراض، وصغير
ذلك، وكبيره، كما قال تعالى: ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا
أَحْصَنِهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وكما قال: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيَّنَا
بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. انتهى (٢).
وقوله: (إِلَى أَهْلِهَا) متعلّق بـ«تؤدنّ))، وكذا قوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى
يُقَادَ)؛ أي: يقتصّ (لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ) بفتح الجيم، وسكون اللام، بعدها حاء
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٤٣/١٤، و((الكاشف عن حقائق السنن))
٣٢٥٥/١٠.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٥٦٤.

٥٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مهملة: هي التي لا قرون لها، وفي رواية: ((الجمّاء)) بالجيم، ثم الميم
المشدّدة، والمعنى واحد. (مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) التي لها قَرْن، قال ابن الملك؛
أي: لو نطحت شاة قرناء شاة جلحاء في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة يؤخذ
القرن من القرناء، ويعطى الجلحاء حتى تقتص لنفسها من الشاة القرناء.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال: ((يؤخذ القرن ... إلخ))، أخْذ القرن
من القرناء، وإعطاؤه للجلحاء لا يدلّ عليه سياق الحديث، فيحتاج إلى دليل،
فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: [فإن قيل]: الشاة غير مكلفة، فكيف يقتص منها؟.
[قلنا]: إن الله تعالى فعّال لِمَا يريد، ولا يُسأل عما يفعل، والغرض منه
إعلام العباد بأن الحقوق لا تضيع، بل يُقتص حق المظلوم من الظالم. انتهى.
قال القاري: وهو وجه حسنٌ، وتوجيه مستحسنٌ، إلا أن التعبير عن
الحكمة بالغرض وقع في غير موضعه، وجملة الأمر أن القضية دالّة بطريق
المبالغة على كمال العدالة بين كافّة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات
الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف، والقوي
(١)
والضعيف. انتهى
وقال القرطبيّ: وقد حُكي: أن أبا هريرة رَُّبِهِ حَمَل هذا الحديث على
ظاهره، فقال: يؤتى بالبهائم، فيقال لها: كوني تراباً، وذلك بعدما يقاد للجمّاء
من القرناء، وحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً .
وقد قيل في معنى الحديث: إن المقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر
الحساب والقصاص، والإغياء فيه حتى يُفهم منه أنه لا بُدّ لكل أحد منه، وأنه
لا محيص له عنه، ويتأكّد هذا بما جاء في هذا الحديث عن بعض رواته من
الزيادة، فقال: ((حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لِمَ ركب على
الحجر؟ وعلى العود لِمَ خَدَش العود؟))، فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل
المفيد للإغياء والتهويل؛ لأنَّ الجمادات لا يُعقل خطابها، ولا ثوابها، ولا
عقابها، ولم يَصِر إليه أحد من العقلاء، ومُتَخيِّله من جملة المعتوهين الأغبياء،
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤/ ٤٤٤.

٥٧٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٧)
ونظير هذا التمثيل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية [الرعد:
٣١]، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية [الحشر: ٢١] فتدبّر وجه
التنظير، والله بحقائق الأمور عليم خبير. انتهى كلام القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على من تأمل القول الثاني الذي ذكره
القرطبيّ من أن معنى الحديث التمثيل، وليس حقيقة، كونه غير صحيح، وتقرير
القرطبيّ له، وتأييده بأثر لا يُعرف من أخرجه، وحال إسناده (٢) شيء عجيب،
وكذا قوله: إن الجمادات لا يُعقل خطابها، كيف يقول هذا من يقرأ قوله
تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (@.
) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٤، ٥]،
وغير ذلك من الآيات؟ وأعجب من ذلك قوله: ومُتَخيِّله من جملة المعتوهين
الأغبياء، كيف يكون من يعتقد ما أخبر الله به معتوهاً غبيّاً؟ بل الأمر بالعكس،
فالمعتوه من يستبعد وقوع ما أخبر الله تعالى بوقوعه، وسيأتي ذِكر ما قاله
النوويّ كَّلُ في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
والحاصل أن الصحيح في معنى الحديث أنه على ظاهره، كما عزاه
القرطبيّ إلى أبي هريرة ته، وأن القصاص بين البهائم سيقع، فنصدّق بذلك،
ونؤمن به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٧/١٥] (٢٥٨٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (١٨٣)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٤٢٠)، و(أحمد) في («مسنده))
(٢٣٥/٢ و٣٠١ و٣٢٣ و٣٧٢ و٤١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٦٣)،
(١) ((المفهم)) ٦ / ٥٦٤.
(٢) قال الجامع عفا الله عنه: ثم وجدت الخطيب البغداديّ أخرجه في كتابه ((الرحلة
في طلب العلم)) وفي سنده عمر بن صبح بن عمران التميمي الخراسانيّ أحد
الكذّابين، كذّبه إسحاق بن راهويه، وكذّبه الأزديّ أيضاً، وقال الدارقطنيّ:
متروك، راجع: (تهذيب التهذيب))، فهذا حال الحديث، فلتتبصّر.

٥٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٩٥/١١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة))
(٦/ ١١٨٢)، و(تمّام) في ((فوائده)) (٣٣٨/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦/
٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة الحقوق، فقد أوجب الله ◌ُعَلَ فيها القصاص، حتى
بين البهائم، فكيف بالعقلاء المكلّفين؟ فالواجب على العاقل المبادرة بالتخلّص
من الحقوق قبل ذلك اليوم، ولبعضهم شعراً [من الكامل]:
مَا كَسَبَتْ يَدَاكَ الْيَوْمَ بِالْقِسْطَاسِ
فَخَفِ الْقَضَاءَ غَدَأَ إِذَا وَافَيْتَ
نَارٌ وَحَاكِمُهُمْ شَدِيدُ الْبَاسِ
أَعْضَاؤُهُمْ فِيهِ الشُّهُودُ وَسِجْنُهُمْ
أَوْ مُهْطِعٌ أَوْ مُقْنِعٌ لِلرَّاسِ
فِي مَوْقِفْ مَا فِيهِ إِلَّا شَاخِصٌ
فَغَداً تُؤَدِّيهَا مَعَ الإِفْلَاسِ(١)
إِنْ تُمْطِلِ الْيَوْمَ الْحُقُوقَ مَعَ الْغِنَى
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات البعث والنشور في الآخرة، وأن الخلائق
كلهم يُحشرون، عقلاؤهم، وغير عقلائهم.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْلُهُ: هذا تصريح بحشر البهائم يوم
القيامة، وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد
الأطفال، والمجانين، ومن لم تبلغه دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن،
[التكوير: ٥]، واذا ورد لفظ
والسُّنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (@)
الشرع، ولم يَمنع من إجرائه على ظاهره عقلٌ، ولا شرعٌ، وجب حَمْله على
ظاهره .
قال العلماء: وليس من شَرْط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة،
والعقاب، والثواب، وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص
التكليف؛ إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة. انتهى كلام النوويّ(٢).
وتعقّبه القاري في قوله: ((قصاص مقابلة))، فقال: فيه نظر لا يخفى؛ لأن
(١) ((شرح حديث لبيك)) للحافظ ابن رجب تظلته ١٠٦/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/١٦ - ١٣٧.