Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠) أدوية نتداوى بها، ورُقَّى نسترقي بها، وتُقاة نتقيها، هل تردّ من قَدَر الله شيئاً؟ فقال: ((هي من قدر الله)). وطائفة تظنّ أن التوكل إنما هو من مقامات الخاصّة المتقربين إلى الله بالنوافل، وكذلك قولهم في أعمال القلوب، وتوابعها؛ كالحبّ، والرجاء، والخوف، والشكر، ونحو ذلك، وهذا ضلال مبين، بل جميع هذه الأمور فروض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان، ومن تَرَكها بالكلية فهو إما كافر، وإما منافق، لكن الناس هم فيها كما هم في الأعمال الظاهرة، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، ونصوص الكتاب والسُّنَّة طافحة بذلك، وليس هؤلاء المعرضون عن هذه الأمور علماً وعملاً بأقلّ لوماً من التاركين لِمَا أُمروا به من أعمال ظاهرة، مع تلبّسهم ببعض هذه الأعمال، بل استحقاق الذم والعقاب يتوجه إلى من تَرَك المأمور من الأمور الباطنة والظاهرة، وإن كانت الأمور الباطنة مبتدأ الأمور الظاهرة، وأصولها، والأمور الظاهرة كمالها، وفروعها التي لا تتم إلا بها . وأما قوله: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً))، وفي رواية: ((وأنا أغفر الذنوب، ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم))، فالمغفرة العامّة لجميع الذنوب نوعان: أحدهما: المغفرة لمن تاب، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] - إلى قوله -: ﴿ثُمَّ لَا تُنُصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤]، فهذا السياق مع سبب نزول الآية يُبَيِّن أن المعنى: لا ييأس مذنب من مغفرة الله، ولو كانت ذنوبه ما كانت، فإن الله والج لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب، وقد دخل في هذا العموم الشرك وغيره من الذنوب، فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ اَلْهُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] - إلى قوله -: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الضََّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِ اٌلِيْنِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنتَ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] - إلى قوله -: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (فَ﴾ [المائدة: ٧٤]. ٥٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وهذا القول الجامع بالمغفرة لكل ذنب للتائب منه، كما دلّ عليه القرآن والحديث، هو الصواب عند جماهير أهل العلم، وإن كان من الناس من يستثني بعض الذنوب؛ كقول بعضهم: إن توبة الداعية إلى البدع لا تُقبل باطناً للحديث الإسرائيليّ الذي فيه: فكيف من أضللت؟، وهذا غلطً، فإن الله قد بَيَّن في كتابه، وسُنَّة رسوله وَّ﴿ أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَمْ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ [البروج: ١٠]، قال الحسن البصريّ: انظروا عَذَابُ جَهَنَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ إلى هذا الكرم، عذبوا أولياءه، وفَتَنُوهم، ثم هو يدعوهم إلى التوبة، وكذلك توبة القاتل، ونحوه، وحديث أبي سعيد المتّفق عليه في الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، يدلّ على قبول توبته، وليس في الكتاب والسُّنَّة ما ينافي ذلك، ولا نصوص الوعيد فيه، وفي غيره من الكبائر بمنافية لنصوص قبول التوبة، فليست آية الفرقان بمنسوخة بآية النساء؛ إذ لا منافاة بينهما، فإنه قد عُلِم يقيناً أن كل ذنب فيه وعيد، فإن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة؛ إذ نصوص التوبة مبيّنة لتلك النصوص؛ كالوعيد في الشرك، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، وغير ذلك من الذنوب، ومن قال من العلماء: توبته غير مقبولة فحقيقة قوله التي تلائم أصول الشريعة أن يراد بذلك: أن التوبة المجردّة تُسقط حقّ الله من العقاب، وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة، وهذا حقّ، ولا فرق في ذلك بين القاتل، وسائر الظالمين، فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حقّ المظلوم، لكن من تمام توبته أن يُعَوِّضه بمثل مظلمته، وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بدّ له من العِوَض في الآخرة، فينبغي للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات، حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يَبْقَ مفلساً، ومع هذا فإذا شاء الله أن يعوّض المظلوم من عنده فلا رادّ لفضله، كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ولهذا في حديث القصاص الذي ركب فيه جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس شهراً، حتى شافهه به، وقد رواه الإمام أحمد، وغيره، واستشهد به البخاريّ في ((صحيحه))، وهو من جنس حديث الترمذيّ صحاحه، أو حسانه، قال فيه: ((إذا كان يوم القيامة، فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد، يُسمعهم الداعي، ويَنفذُهم البصر، ثم يناديهم بصوت يسمعه ٥٤٣ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠) مَن بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملِك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حقّ حتى أقصّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند رجل من أهل النار حقّ حتى أقصّه منه))، فبيَّن في الحديث العدل والقصاص بين أهل الجنة وأهل النار. وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي سعيد: ((إن أهل الجنة إذا عَبَروا الصراط، وُقِفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتصّ لبعضهم من بعض، فإذا هُذِّبوا، ونُقُوا أُذن لهم في دخول الجنة))، وقد قال ◌َ لمّا قال: ﴿وَلَا يَغْتَب تَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] والاغتياب من ظلم الأعراض، قال: ﴿أَيُحُتُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهِتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ [الحجرات: ١٢]، فقد نبّههم على التوبة من الاغتياب، وهو من الظلم. وفى الحديث الصحيح: ((من كان عنده لأخيه مظلمة في دم، أو مال، أو عِرض، فليأته، فليستحلّ منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار، إلا الحسنات والسيئات، فإن كان له حسنات، وإلا أخذ من سيئات صاحبه، فطرحت عليه، ثم يُلقَى في النار))، أو كما قال، وهذا فيما عَلِمه المظلوم من العوض(١)، فأما إذا اغتابه، أو قذفه، ولم يعلم بذلك، فقد قيل: من شرط توبته إعلامه، وقيل: لا يُشترط ذلك، وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد، لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات؛ كالدعاء له، والاستغفار، وعمل صالح يُهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقَذْفه، قال الحسن البصريّ: كفارة الغِيبة أن تستغفر لمن اغتبته. وأما الذنوب التي يُطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة، مثل قول أكثرهم: لا تُقبل توبة الزنديق، وهو المنافق، وقولهم: إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه تَسقط عنه حدود الله، وكذلك قول كثير منهم، أو أكثرهم في سائر الجرائم، كما هو أحد قولي الشافعيّ، وأصح الروايتين عن أحمد، وقولهم في (١) هكذا النسخة، ولعل الأولى إسقاط ((من العوض))، أو أنها مصحّفة من لفظ آخر، والله تعالى أعلم. ٥٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب هؤلاء: إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام لم تُقبل توبتهم، فهذا إنما يريدون به رَفْع العقوبة المشروعة عنهم؛ أي: لا تُقبل توبتهم بحيث يُخَلَّى بلا عقوبة، بل يعاقب، إما لأن توبته غير معلومة الصحة، بل يُظَنّ به الكذب فيها، وإما لأن رفع العقوبة بذلك يفضي إلى إنتهاك المحارم، وسدّ باب العقوبة على الجرائم، ولا يريدون بذلك أن من تاب من هؤلاء توبة صحيحة، فإن الله لا يقبل توبته في الباطن؛ إذ ليس هذا قول أحد من أئمة الفقهاء، بل هذه التوبة لا تُمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اُلُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ ١٧ إِنِّي تُبْتُ الْثَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ الآية [النساء: ١٧، ١٨]. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد وَلّ عن ذلك، فقالوا لي: كلّ من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، وأما من تاب عند معاينة الموت، فهذا كفرعون الذي قال أنا الله، فلما ﴿ ... أَدْرَكَهُ اُلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٩٠ ٩١ [يونس: ٩٠]، قال الله تعالى: ﴿وَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١]، وهذا استفهام إنكار بَيّن به أن هذه التوبة ليست هي التوبة المقبولة المأمور بها، فإن استفهام الإنكار، إما بمعنى النفي، إذا قابل الإخبار، وإما بمعنى الذمّ والنهي إذا قابل الإنشاء، وهذا من هذا. ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ فَمَّ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأَسَنَا﴾ الآية وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ، مُشْرِكِينَ [غافر: ٨٣ - ٨٥]، بَيّن أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع، وإن هذه سُنَّة الله التي قد خَلَتْ في عباده؛ كفرعون وغيره، وفي الحديث: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))، ورُوي: ((ما لم يعايِن)). وقد ثبت في ((الصحيحين)) أنه وَلّ عَرَض على عمه التوحيد في مرضه الذي مات فيه، وقد عاد یهودیّاً كان يخدمه، فعرض عليه الإسلام، فأسلم، فقال: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار))، ثم قال لأصحابه: ((آووا أخاكم)). ٥٤٥ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠) ومما يبيّن أن المغفرة العامّة في ((الزُّمَر)) هي للتائبين أنه قال في ((سورة النساء)): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] فقيّد المغفرة بما دون الشرك، وعلّقها على المشيئة، وهناك أطلق، وعمّم، فدلّ هذا التقييد والتعليق على أن هذا في حقّ غير التائب، ولهذا استدَلّ أهل السُّنَّة بهذه الآية على جواز المغفرة لأهل الكبائر في الجملة خلافاً لمن أوجب نفوذ الوعيد بهم من الخوارج والمعتزلة، وإن كان المخالفون لهم قد أسرف فريق منهم من المرجئة، حتى توقفوا في لحوق الوعيد بأحد من أهل القبلة، كما يُذكر عن غُلاتهم أنهم نفوه مطلقاً، ودين الله وَسَط بين الغالي فيه والجافي عنه، ونصوص الكتاب والسُّنَّة مع اتفاق سلف الأمة، وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذّب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان. النوع الثاني من المغفرة العامّة التي دل عليها قوله: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر لكم الذنوب جميعاً»: المغفرة بمعنى تخفيف العذاب، أو بمعنى تأخيره إلى أجل مسمى، وهذا عامّ مطلقاً، ولهذا شَفَع النبيّ وَّ في أبي طالب، مع موته على الشرك، فنُقل من غَمْرة من نار، حتى جُعل في ضَخْضَاح من نار، في قدميه نعلان من نار، يَغلي منهما دماغه - قال -: ((ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار))، وعلى هذا المعنى دلّ قوله ◌َالَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم ◌َا تَرَكَ عَلَيَّهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، ﴿وَمَآ [الشورى: ٣٠]. أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن گَثِيرٍ [فصل] وأما قوله ريك: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني))، فإنه هو بَيّن بذلك أنه ليس هو فيما يُحْسِن به إليهم من إجابة الدعوات، وغفران الزلات بالمستعيض بذلك منهم جَلْب منفعة، أو دَفْع مضرّة، كما هي عادة المخلوق الذي يعطي غيره نفعاً؛ ليكافئه عليه بنفع، أو يدفع عنه ضرراً؛ ليتقي بذلك ضرره، فقال: ((إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ٥٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ضرّي فتضروني))، فلست إذاً أخصكم بهداية المستهدي، وكفاية المستكفي المستطعم، والمستكسي بالذي أطلب أن تنفعوني، ولا أنا إذا غفرت خطاياكم بالليل والنهار أتقي بذلك أن تضروني، فإنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني؛ إذ هم عاجزون عن ذلك، بل ما يقدرون عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا بتقديره وتدبيره، فكيف بما لا يقدرون عليه، فكيف بالغنيّ الصمد الذي يمتنع عليه أن يستحقّ من غيره نفعاً أو ضرّاً، وهذا الكلام كما بَيَّن أن ما يفعله بهم من جلب المنافع، ودفع المضارّ، فإنهم لن يبلغوا أن يفعلوا به مثل ذلك، فكذلك يتضمن أن ما يأمرهم به من الطاعات، وما ينهاهم عنه من السيئات، فإنه لا يتضمن استجلاب نفعهم؛ كأمر السيّد لعبده، أو الوالد لولده، والأمير لرعيته، ونحو ذلك، ولا دَفْع مضرّتهم كنهي هؤلاء أو غيرهم لبعض الناس عن مضرّتهم، فإن المخلوقين يَبْلُغ بعضَهم نفعُ بعض، ومضرّة بعض، وكانوا في أمْرهم ونهيهم قد يكونون كذلك، والخالق ◌ُعَلَ مقدَّس عن ذلك، فبَيَّن تنزيهه عن لحوق نَفْعهم وضرّهم في إحسانه إليهم بما يكونون من أفعاله بهم، وأوامره لهم، قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلاً به عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. [فصل] ولهذا ذكر هذين الأصلين بعد هذا، فذكر أن بِرّهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ومعصيتهم، لا يزيد في مُلكه، ولا ينقص، وأن إعطاءه إياهم غايةَ ما يسألونه نسبته إلى ما عنده أدنى نسبة، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم، ممن يزداد مُلكه بطاعة الرعيّة، وينقص مُلكه بالمعصية، وإذا أعطى الناس ما يسألونه أنفد ما عنده، ولم يُغنهم، وهم في ذلك يبلغون مضرّته ومنفعته، وهو يفعل ما يفعله من إحسان، وعفو، وأمر، ونهيٍ لرجاء المنفعة، وخوف المضرّة، فقال: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من مُلكي ٥٤٧ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠) شيئاً))؛ إذ مُلكه هو قدرته على التصرف، فلا تزداد بطاعتهم، ولا تنقص بمعصيتهم، كما تزداد قدرة الملوك بكثرة المطيعين لهم، وتنقص بقلّة المطيعين لهم، فإن مُلكه متعلّق بنفسه، وهو خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء. والمُلك قد يراد به القدرة على التصرف والتدبير، ويراد به نفس التدبير والتصرف، ويراد به المملوك نفسه الذي هو محل التدبير، ويراد به ذلك كلّه، وبكل حال فليس بِرّ الأبرار، وفجور الفجّار موجباً لزيادة شيء من ذلك، ولا نقصه، بل هو بمشيئته وقدرته يخلق ما يشاء، فلو شاء أن يخلق مع فجور الفجار ما شاء لم يمنعه من ذلك مانع، كما يمنع الملوك فجور رعاياهم التي تعارض أوامرهم عما يختارونه من ذلك، ولو شاء أن لا يخلق مع برّ الأبرار شيئاً مما خَلَقه، لم يكن برّهم محوجاً له إلى ذلك، ولا مُعِيناً له، كما يحتاج الملوك، ويستعينون بكثرة الرعايا المطيعين. [فصل] ثم ذكر حالهم في النوعين، سؤال برّه وطاعة أمره اللَّذَين ذكرهما في الحديث، حيث ذَكَر الاستهداء، والاستطعام، والاستكساء، وذكَّرَ الغفران، والبرّ، والفجور، فقال: ((لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، كانوا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كلَّ إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر))، والْخِياط والْمَخيط: ما يُخاط به، إذ الفِعَال والْمِفعَل والْمِفعَال من صيغ الآلات التي يُفعل بها؛ كالْمِسْعَر، والْمِخلاب، والمنشار، فَبَيَّن أن جميع الخلائق إذا سألوا، وهم في مكان واحد، وزمان واحد، فأعطى كل إنسان منهم مسألته لم ينقصه ذلك مما عنده، إلا كما ينقص الخياط، وهي الإبرة إذا غُمس في البحر. وقوله: ((لم ينقص مما عندي)) فيه قولان: أحدهما: أنه يدلّ على أن عنده أموراً موجودة يعطيهم منها ما سألوه إياه، وعلى هذا، فيقال: لفظ النقص على حاله؛ لأن الإعطاء من الكثير، وإن كان قليلاً، فلا بدّ أن ينقصه شيئاً ما، ومن رواه: لم ينقص من ملكي، يَحْمِل ٥٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب على ما عنده، كما في هذا اللفظ، فإن قوله: ((مما عندي)) فيه تخصيص، ليس هو في قوله: ((من ملكي))، وقد يقال: الْمُعْطَى إما أن يكون أعياناً قائمةً بنفسها، أو صفات قائمة بغيرها، فأما الأعيان فقد تُنقل من محل إلى محلّ، فيظهر النقص في المحل الأول، وأما الصفات فلا تنقل من محلها، وإن وُجد نظيرها في محلّ آخر، كما يوجد نظير علم المعلِّم في قلب المتعلِّم من غير زوال علم المعلم، وكما يتكلم المتكلم بكلام المتكلم قبله، من غير انتقال كلام المتكلم الأول إلى الثاني، وعلى هذا فالصفات لا تُنقص مما عنده شيئاً، وهي من المسؤول؛ کالهدى. وقد يجاب عن هذا بأنه هو من الممكن في بعض الصفات أن لا يثبت مثلها في المحل الثاني حتى تزول عن الأول؛ كاللون الذي ينقص، وكالروائح التي تعبق بمكان، وتزول كما دعا النبيّ على حُمَّى المدينة أن تنقل إلى مَهْيَعة، وهي الجحفة، وهل مثل هذا الانتقال بانتقال عين العَرَض الأول، أو بوجود مثله من غير انتقال عينه؟ فيه للناس قولان، إذ منهم من يجوّز انتقال الأعراض، بل من يجوّز أن تُجعل الأعراض أعياناً، كما هو قول ضرار، والنجار، وأصحابهما؛ كبرغوث، وحفص الفرد، لكن إن قيل: هو بوجود مثله من غير انتقال عينه، فذلك يكون مع استحالة العَرَض الأول، وفنائه، فيُعدَم عن ذلك المحلّ، ويوجد مثله في المحلّ الثاني. والقول الثاني: أن لفظ النقص هنا كلفظ النقص في حديث موسى والخضر الذي في ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس، عن أَبَيّ بن كعب، عن النبيّ ◌َّةِ، وفيه أن الخضر قال لموسى لَمّا وقع عصفور على قارِب السفينة، فنقر في البحر، فقال: يا موسى ما نقص علمي وعِلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ومن المعلوم أن نفس علم الله القائم بنفسه، لا يزول منه شيء بتعلم العباد، وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله؛ كنسبة ما عَلِقٍ بمنقار العصفور إلى البحر. ومن هذا الباب كون العلم يُورَث؛ كقوله: ((العلماء ورثة الأنبياء))، ومنه قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [النمل: ١٦]، ومنه توريث الكتاب أيضاً؛ كقوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومثل هذه العبارة من ٥٤٩ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠) النقص ونحوه تُستعمل في هذا، وإن كان العلم الأول ثابتاً، كما قال سعيد بن المسيِّب لقتادة، وقد أقام عنده أسبوعاً سأله فيه مسائل عظيمة، حتى عَجِب مِنْ حِفظه، وقال: نزفتني يا أعمى، وإنزاف القَلْيْب ونحوه هو رَفْع ما فيه، بحيث لا يبقى فيه شيء، ومعلوم أن قتادة لو تعلّم جميع علم سعيد لم يزل عِلمه من قلبه، كما يزول الماء من القليب، لكن قد يقال: التعليم إنما يكون بالكلام، والكلام يحتاج إلى حركة وغيرها، مما يكون بالمحلّ، ويزول عنه، ولهذا يوصف بأنه يخرج من المتكلم، كما قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَدِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. ويقال: قد أخرج العالم هذا الحديث، ولم يُخرج هذا، فإذا كان تعليم العلم بالكلام المستلزم زوال بعض ما يقوم بالمحلّ، وهذا نزيف، وخروج، كان كلام سعيد بن المسيِّب على حقيقته، ومضمونه أنه في تلك السبع الليالي من كثرة ما أجابه، وكلّمه فارقه أمور قامت به، من حركات، وأصوات، بل ومن صفات قائمة بالنفس، كان ذلك نزيفاً، ومما يقوِّي هذا المعنى أن الإنسان، وإن كان عِلْمه في نفسه، فليس هو أمراً لازماً للنفس لزوم الألوان للمتلونات، بل قد يذهل الإنسان عنه، ويغفل، وقد ينساه، ثم يذكره، فهو شيء يحضر تارةً، ويغيب أخرى، وإذا تكلم به الإنسان وعلمه، فقد تَكِلّ النفس، وتعي حتى لا يقوى على استحضاره، إلا بعد مدّة، فتكون في تلك الحال خالية عن كمال تحققه، واستحضار الذي يكون به العالم عالماً بالفعل، وإن لم يكن نفس ما زال هو بعينه القائم في نفس السائل والمستمع، ومن قال هذا يقول: كون التعليم يُرَسِّخ العلم من وجه، لا ينافي ما ذكرناه، وإذا كان مثل هذا النقص والنزيف معقولاً في علم العباد، كان استعمال لفظ النقص في علم الله بناء على اللغة المعتادة في مثل ذلك، وإن كان هو سبحانه منزهاً عن اتصافه بضدّ العلم بوجه من الوجوه، أو عن زوال علمه عنه، لكن في قيام أفعال به، وحركات نزاع بين الناس من المسلمين، وغيرهم، وتحقيق الأمر أن المراد: ما أَخَذ علمي وعلمك من علم الله، وما نال علمي وعلمك من علم الله، وما أحاط علمي وعلمك من علم الله، كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلا كما نقص، أو أخذ، أو نال هذا ٥٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب العصفور من هذا البحر؛ أي: نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا، وإن كان المشبّه به جسماً ينتقل من محلّ إلى محلّ، ويزول عن المحلّ الأول، وليس المشبَّه كذلك، فإن هذا الفرق هو فرق ظاهر يعلمه المستمع من غير التباس، كما قال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر))، فشبّه الرؤية بالرؤية، وهي وإن كانت متعلقة بالمرئيّ في الرؤية المشبَّهة، والرؤية المشبّه بها، لكن قد عَلِم المستمعون أن المرئيّ ليس مثل المرئيّ، فكذلك هنا شبَّه النقص بالنقص، وإن كان كل من الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبّه به ليس مثل الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبّه به. ولهذا كل أحد يعلم أن المعلِّم لا يزول علمه بالتعليم، بل يشبّهونه بضوء السراج الذي يحدُث يقتبس منه كل أحد، ويأخذون ما شاؤوا من الشُّهُب، وهو باقٍ بحاله، وهذا تمثيل مطابق، فإن المستوقد من السراج يُحْدِث الله في فتیلته، أو وقوده ناراً من جنس تلك النار، وإن كان قد يقال: إنها تستحيل عن ذلك الهواء مع أن النار الأولى باقية، كذلك المتعلم يجعل في قلبه مثل علم المعلم، مع بقاء علم المعلم، ولهذا قال عليّ ظُه: العلم يزكو على العمل، أو قال: على التعليم، والمال ينقصه النفقة، وعلى هذا فيقال في حديث أبي ذرّ: إن قوله: ((مما عندي))، وقوله: ((من ملكي)) هو من هذا الباب، وحينئذ فله وجهان : أحدهما: أن يكون ما أعطاهم خارجاً عن مسمى مُلكه، ومسمى ما عنده، كما أن علم الله لا يدخل فيه نَفْس علم موسى والخضر. والثاني: أن يقال: بل لفظ المُلك، وما عنده يتناول كلّ شيء، وما أعطاهم فهو جزء من مُلكه، ومما عنده، ولكن نِسبته إلى الجملة هذه النسبة الحقيرة . ومما يحقق هذا القول الثاني أن الترمذيّ رَوَى هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذرّ مرفوعاً، فيه: ((لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، ورطبكم ويابسكم، سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كمغرز إبرة، لو غمسها أحدكم في البحر، وذلك أني جواد، ماجد، واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما ٥٥١ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠) أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون)»، فذِكْرُهُ سبحانه أن عطاءه كلام، وعذابه كلام، يدلّ على أنه هو أراد بقوله: ((من ملكي))، و((مما عندي))؛ أي: من مقدوري، فيكون هذا في القدرة؛ كحديث الخضر في العلم، والله أعلم. ويؤيّد ذلك أن في اللفظ الآخر الذي في نسخة أبي مسهر: ((لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص البحر))، وهذا قد يقال فيه: إنه استثناء منقطع؛ أي: لم ينقص من ملكي شيئاً، لكن يكون حاله حال هذه النسبة، وقد يقال: بل هو تامّ، والمعنى على ما سبق. [فصل] ثم ختمه بتحقيق ما بيّنه فيه من عدله وإحسانه، فقال: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه))، فبيَّن أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم الصالحة إحساناً يستحقّ به الحمد؛ لأنه هو المنعم بالأمر بها، والإرشاد إليها، والإعانة عليها، ثم إحصائها، ثم توفية جزائها، فكل ذلك فَضْل منه وإحسان؛ إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدلٌ، وهو وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة، وكان حقّاً عليه نَصْر المؤمنين، كما تقدم بيانه، فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس بعضهم على بعض الذي يكون عدلاً لا فضلاً؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس أحسن إلى البعض، فاستحق المعاوضة، وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسَن إليه، ولهذا لم يكن المتعاوضان ليخصّ أحدهما بالتفضل على الآخر؛ لتكافؤهما، وهو قد بَيَّن في الحديث أن العباد لن يبلغوا ضرّه فيضرّوه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، فامتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حقّ، بل هو الذي أحقّ الحقّ على نفسه بكلماته، فهو المحسن بالإحسان وبإحقاقه، وكتابته على نفسه، فهو في كتابة الرحمة على نفسه، وإحقاقه نصر عباده المؤمنين، ونحو ذلك محسن إحساناً مع إحسان. فليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التي يتبيَّن بها فصل الخطاب في هذه المواضع التي عظم فيها الاضطراب، فمن بَيْنِ موجِبٍ على ربه بالمنع أن يكون ٥٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب محسناً متفضلاً، ومن بَيْنِ مسوٍّ بين عدله وإحسانه، وما تنزه عنه من الظلم والعدوان، وجاعل الجميع نوعاً واحداً، وكل ذلك حَيْدٌ عن سَنَن الصراط المستقيم، والله يقول الحقّ، وهو يهدي السبيل. وكما بَيّن أنه محسن في الحسنات، متمّ إحسانه بإحصائها، والجزاء عليها، بَيَّن أنه عادل في الجزاء على السيئات، فقال: ((ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه))، كما تقدم بيانه في مثل قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، وعلى هذا الأصل استقرّت الشريعة الموافقة لفطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاريّ، عن شداد بن أوس، عن النبيّ وَّ ول أنه قال: ((سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهُمَّ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك، ما استطعتُ، أعوذ بك من شرّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))، ففي قوله: ((أبوء لك بنعمتك عليّ)) اعتراف بنعمته عليه في الحسنات، وغيرهما، وقوله: ((وأبوء بذنبي)) اعتراف منه بأنه مذنبٌ ظالم لنفسه، وبهذا يصير العبد شكوراً لربه، مستغفراً لذنبه، فيستوجب مزيد الخير، وغفران الشرّ من الشكور الغفور الذي يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل. وهنا انقسم الناس ثلاثة أقسام في إضافة الحسنات والسيئات التي هي الطاعات والمعاصي إلى ربهم، وإلى نفوسهم، فشرّهم الذي إذا أساء أضاف ذلك إلى القَدَر، واعتذر بأن القدر سبق بذلك، وأنه لا خروج له على القدر، فرَكَّب الحجة على ربه في ظلمه لنفسه، وإن أحسن أضاف ذلك إلى نفسه، ونسي نعمة الله عليه في تيسيره لليسرى، وهذا ليس مذهب طائفة من بني آدم، ولكنه حال شرار الجاهلين الظالمين الذين لا حَفِظوا حدود الأمر والنهي، ولا شَهِدوا حقيقة القضاء والقدر، كما قال فيهم الشيخ أبو الفرج ابن الجوزيّ: أنت عند الطاعة قدريّ، وعند المعصية جَبْريّ أيُّ مذهب وافق هواك تمذهبت به. وخير الأقسام، وهو القسم المشروع، وهو الحقّ الذي جاءت به الشريعة، أنه إذا أحسن شُكر نعمة الله عليه، وحَمِده؛ إذ أنعم عليه بأن جعله محسناً، ولم يجعله مسيئاً، فإنه فقير محتاج في ذاته وصفاته، وجميع حركاته ٥٥٣ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠) وسكناته إلى ربه، ولا حول ولا قوة إلا به، فلو لم يَهْده لم يَهتد، كما قال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَنَ اَللَّهُ لَقَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِاَلَِ﴾ [الأعراف: ٤٣] وإذا أساء اعترف بذنبه، واستغفر ربه، وتاب منه، وكان كأبيه آدم الذي قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولم يكن كإبليس الذي قال: ﴿ِمَّ أَغْوَيِّئَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَّأُغْوِيَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨َ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، ولم يحتجّ بالقَدَر على ترك مأمور، ولا فِعل محظور، مع إيمانه بالقدر خيره وشرّه، وإن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء، ويُضِلّ من يشاء، ونحو ذلك. وهؤلاء هم الذين أطاعوا الله في قوله في الحديث الصحيح: ((فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه))، ولكن بَسَط ذلك، وتحقيق نسبة الذنب إلى النفس، مع العلم بأن الله خالق أفعال العباد فيه أسرار، ليس هذا موضعها، ومع هذا فقوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِهِ مِنْ عِندِكْ قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللّهِ فَلِ هَوَّلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴿٨َ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَيْنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَين نَّفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩] ليس المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي، كما يظنه كثير من الناس، حتى يحرّف بعضهم القرآن، ويقرأ: ﴿فَينِ نَّفْسِكٌ﴾ ومعلوم أن معنى هذه القراءة يناقض القراءة المتواترة، وحتى يُضمر بعضهم القول على وجه الإنكار له، وهو قول الله الحقّ، فيجعل قول الله الصدق الذي يحمد ويرضى قولاً للكفار، يكذّب به ويذُمّ، ويسخط بالإضمار الباطل الذي يدّعيه من غير أن يكون في السياق ما يدلّ عليه. ثم إن من جَهْل هؤلاء ظنّهم أن في هذه الآية حجةً للقدرية، واحتجاج بعض القدرية بها، وذلك أنه لا خلاف بين الناس في أن الطاعات والمعاصي سواء من جهة القَدَر، فمن قال: إن العبد هو الموجد لفعله دون الله، أو هو الخالق لفعله، وأن الله لم يخلق أفعال العباد، فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية، ومن أثبت خلق الأفعال، وأثبت الجبر، أو نفاه، أو أمسك عن نفيه وإثباته مطلقاً، وفصل المعنى، أو لم يفصله، فلا فرق عنده بين الطاعة ٥٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب والمعصية، فتبيّن أن إدخال هذه الآية في القَدَر في غاية الجهالة، وذلك أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها المسارّ والمضارّ، دون الطاعات والمعاصي، كما في قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَهُمْ بِالْخَسَنَتِ وَالسَّتِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وهو الشرّ والخير في قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيِّرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وكذلك قوله: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةٌ مِّنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَاً (® ثُمَّ بَذَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف: ٩٥ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابََّنَا الضَّرَّةُ وَالسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَهُم بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٩٤، ٩٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَعَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣١]. فهذه حال فرعون وملئه مع موسى ومن معه؛ كحال الكفار والمنافقين والظالمين مع محمد وَلّه وأصحابه إذا أصابهم نعمة وخير قالوا: لنا هذه، أو قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابهم عذاب وشرّ تطيّروا بالنبيّ وَّ والمؤمنين، وقالوا: هذه بذنوبهم، وإنما هي بذنوب أنفسهم، لا بذنوب المؤمنين، وهو سبحانه ذكر هذا في بيان حال الناكلين عن الجهاد الذين يلومون المؤمنين على الجهاد، فإذا أصابهم نَصْر ونحوه قالوا: هذا من عند الله، وإن أصابتهم محنة قالوا: هذه من عند هذا الذي جاءنا بالأمر والنهي والجهاد، قال الله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] - إلى قوله -: ﴿وَإِنَّ مِنْكُرْ لَمَنْ ◌َيَطَِّنَّ﴾ [النساء: ٧١] - إلى قوله -: ﴿أَلَمْ تَرَّ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُفُواْ أَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ﴾ [النساء: ٧٧] - إلى قوله تعالى -: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْثُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ تُشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ [النساء: ٧٨] - أي: هؤلاء المذمومين - ﴿يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: بسبب أمرك ونهيك، قال الله تعالى: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩] - أي: من نعمة - ﴿فَّنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَين ٥٥٥ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠) نَّفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٩]؛ أي: فبذنبك، كما قال: ﴿وَمَا أَضَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورىء: ٣٠]، وقال: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِّيهِمْ﴾ [الشورى: ٤٨]. وأما القسم الثالث في هذا الباب، فهم قوم لَبَسوا الحقّ بالباطل، وهم بين أهل الإيمان أهل الخير، وبين شرار الناس، وهم الخائضون في القدر بالباطل، فقوم يرون أنهم هم الذين يَهدون أنفسهم، ويُضلّونها، ويوجبون لها فعل الطاعة، وفعل المعصية، بغير إعانة منه تعالى، وتوفيق للطاعة، ولا خذلان منه في المعصية، وقوم لا يثبتون لأنفسهم فعلاً، ولا قدرةً، ولا أمراً. ثم من هؤلاء من ينحلّ عن الأمر والنهي، فيكون أكفر الخلق، وهم في احتجاجهم بالقدَر متناقضون؛ إذ لا بدّ من فعل يحبونه، وفعل يبغضونه، ولا بدّ لهم، ولكل أحد من دَفْع الضرر الحاصل بأفعال المعتدين، فإذا جعلوا الحسنات والسيئات سواسية، لم يمكنهم أن يذمّوا أحداً، ولا يدفعوا ظالماً، ولا يقابلوا مسيئاً، وأن يبيحوا للناس من أنفسهم كل ما يشتهيه مُشْتَهٍ(١)، ونحو ذلك من الأمور التي لا يعيش عليها بنو آدم؛ إذ هم مضطرون إلى شرع فيه أمر ونهي أعظم من اضطرارهم إلى الأكل واللباس. وهذا باب واسع لشرحه موضع غير هذا، وإنما نبهنا على ما في الحديث من الكلمات الجامعة، والقواعد النافعة، بنُكَتِ مختصرة تنبّه الفاضل على ما في الحقائق من الجوامع والفوارق التي تفصل بين الحقّ والباطل في هذه المضائق، بحسب ما احتملته أوراق السائل، والله ينفعنا، وسائر إخواننا المؤمنين بما عَلِمناه، ويعلّمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، وأستغفر الله العظيم لي ولجميع إخواننا المؤمنين. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وسلم تسليماً. انتهت رسالة شيخ الإسلام ابن تيميّة تَظْلَثُ وهي رسالة ممتعة جدّاً، نافعة لكلّ من تأمَّلها، وعمل بما فيها، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى سواء (١) هكذا العبارة، وتحتاج إلى تأمل؟؟؟، والله تعالى أعلم. ٥٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب الطريق، ((اللَّهُمَّ رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لِمَا اختُلِف فيه من الحقّ، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٥١] ( .. ) - (حَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثاً). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤. ٢ - (أَبُو مُسْهِرٍ) عبد الأعلى بن مُسهر الغَسّانيّ الدمشقيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت٢١٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((البيوع)) ٣٩٤٢/١٩. و(سعيد بن عبد العزيز)) ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: رواية أبي مسهر عن سعيد بن عبد العزيز هذه ساقها البيهقيّ تَخُّْ في ((الكبرى))، فقال: (١١٢٨٣) - حدّثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ إملاءً، أنبأ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصريّ بمكة في المسجد الحرام سنة أربعين وثلاثمائة، حدّثنا العباس بن عبد الله الترقفيّ، ثنا أبو مُسهر عبد الأعلى بن مسهر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ ◌َظُبه، عن رسول الله وَّ، عن الله وَمَ: ((أنه قال: إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا، يا عبادي إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار، وأنا الذي أغفر الذنوب، ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمت، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، لم يزد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم ٥٥٧ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥١) وآخركم، وإنسكم وجنكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فسألوني، ثم أعطيت كل إنسان منهم ما سأل، لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص البحر يُغمس فيه المخيط غمسةً واحدةً، يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحفظها عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)). انتھی(١). وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ)؛ يعني: تلميذ مسلم، إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوريّ المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨هـ)، تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦. وقائل: ((قال)) هو تلميذ أبي إسحاق، أبو أحمد الجلوديّ؛ لأنه المشهور بالرواية عنه، ويَحتمل أن يكون غيره، أو هو من كلام أبي إسحاق نفسه، والله تعالى أعلم. (حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَحْيَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ). قال الجامع عفا الله عنه: إنما ألحق أبو إسحاق هذا بعد إسناد مسلم؛ إشارةً إلى علوّ إسناده على إسناد مسلم؛ لأنه وصل إلى أبي مسهر بواسطة واحدة، وهم شيوخه الثلاثة: الحسن، والحسين ابنا بشر، ومحمد بن يحيى الذهليّ، ثلاثتهم عن أبي مسهر، بينما كان وصوله إليه عن طريق مسلم بواسطتين، مسلم، وشيخه أبي بكر بن إسحاق. والحاصل أن أبا إسحاق علا في هذا الحديث بدرجة على إسناد مسلم، فلذلك ألحق في هذا الكتاب، والله تعالى أعلم. أما الحسن بن بشر، فهو السلميّ قاضي نيسابور، صدوقٌ، لم يصحّ أن مسلماً رَوَى عنه، وإنما روى عنه أبو إسحاق بن سفيان الراوي عن مسلم مواضع علا فيها إسناده في ((الوصايا))، و((الإمارة))، وغيرهما [١١] (ت٢٤٤)، تقدّم في ((الطلاق)) ٣٦٧٩/٣. وأما الحسين بن بشر أخوه، فلم أجد ترجمته، والله تعالى أعلم. (١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٦/ ٩٣. ٥٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وأما محمد بن يحيى، فهو ابن محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذّهليّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ [١١] (ت٢٥٨) على الصحيح، وله ست وثمانون سنةً (خ ٤) لم يرو عنه مسلم في ((الصحيح))، وإنما روى عنه تلميذه أبو إسحاق، وتقدّم في ((المقدّمة)) ٧٣/٦. [تنبيه]: كون محمد بن يحيى هنا هو الذهليَّ هو الذي يترجّح عندي، وقد ذكر بعض الشرّاح (١) أنه محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، ولي فيه نظر؛ لأمرین: أحدهما: أنه متقدّم الوفاة، مات سنة (٢٣٣)، والظاهر أنه لم يلقه أبو إسحاق . والثاني: أن صاحبَي ((التهذيبين)) لم يذكرا أبا إسحاق فيمن روى عن محمد بن يحيى القطّان، وإنما ذكراه فيمن روى عن محمد بن يحيى الذهليّ، وهو الظاهر؛ لأن الذهليّ متأخّر الوفاة، كما أسلفناه آنفاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٥٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّمٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارََ وَتَعَالَى: ((إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ، وَعَلَى عِبَادِي، فَلَا تَظَالَمُوا))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي إِدْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتُّ مِنْ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة رُبّما وَهِم [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، تقدّم قريباً. (١) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٣٤٨/٢٤. ٥٥٩ (١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٣) والباقون ذُكروا في هذا الباب، والبابين قبله، و((أَبُو قِلَابَةً)) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ، و((أبو أسماء الرحبيّ)) هو: عمرو بن مرثد الدمشقيّ. [تنبيه]: رواية أبي أسماء الرَّحَبيّ، عن أبي ذرّ ◌َظُه ساقها الإمام أحمد تَخُّْ في ((مسنده))، فقال: (٢١٤٥٨) - حدّثنا عبد الرحمن، وعبد الصمد، المعنى قالا: ثنا همّام، عن قتادة، قال عبد الصمد: ثنا قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، وقال عبد الصمد: الرَّحَبيّ، عن أبي ذرّ، عن النبيّ وَِّ، فيما يروي عن ربه رأيك: ((إني حرّمت على نفسي الظلم، وعلى عبادي، ألا فلا تَظَالموا، كلّ بني آدم يخطئ بالليل والنهار، ثم يستغفرني، فأغفر له، ولا أبالي، وقال: يا بني آدم كلكم كان ضالّاً، إلا من هَدَيتُ، وكلكم كان عارياً، إلا من كسوت، وكلكم كان جائعاً، إلا من أطعمتُ، وكلكم كان ظماناً، إلا من سقيت، فاستهدوني أهدكم، واستكسوني أَكسكم، واستطعموني أُطعمكم، واستسقوني أُسقكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وجنّكم وإنسكم، وصغيركم وكبيركم، وذَكَركم وأنثاكم - قال عبد الصمد -: وعَبِيّكم (١)، وبَيِّنكم، على قلب أتقاكم رجلاً واحداً لم تزيدوا في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وجنّكم وإنسكم، وصغيركم وكبيركم، وذَكَركم وأنثاكم، على قلب أكفركم رجلاً، لم تنقصوا من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص رأس المخيط من البحر)). انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٥٣] (٢٥٧٨) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِي: ابْنَ قَيْسٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((اتَّقُوا الظَّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَّاتٌ بَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلّوا مَحَارِمَهُمْ»). (١) قال السنديّ: ضُبط بفتح العين، وكسرها، وتشديد الياء، وهو العاجز عن الكلام، و((البيّن)) بفتح، وتشديد الياء: الفصيح القادر على الكلام. انتهى. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦٠/٥. ٥٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الحارثيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) القرشيّ الفرّاء، أبو سليمان المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَم) المدنيّ، ثقةٌ مشهورٌ [٤] (خ م د س ق) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٢٢/٢٣. ٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخُّْ، وهو (٥٠٠) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بصريّاً إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّة، وفيه جابر بن عبد الله ظًا أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رِّ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((اتَّقُوا الظُّلْمَ)؛ أي: اجعلوا بينكم وبينه وقاية تمنعكم من الوقوع فيه. قال الراغب الأصفهانيّ تََّثُ: الظلم عند أهل اللغة، وكثير من العلماء: وَضْع الشيء في غير موضعه المختصّ به؛ إما بنقصان، أو بزيادة؛ وإما بعدول عن وقته، أو مكانه، ومن هذا يقال: ظلمت السِّقَاءَ: إذا تناولته في غير وقته، ويسمى ذلك اللَّبَن: الظَّلِيم، وظلمت الأرضَ: حفرتها، ولم تكن موضعاً للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المظلومة، والتراب الذي يخرج منها: ظَليم. والظلم يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة الدائرة، ويقال فيما يكثر، وفيما يقلّ من التجاوز، ولهذا يُستعمل في الذنب الكبير، وفي الذنب الصغير، ولذلك قيل لآدم في تعدّيه: ظالم، وفي إبليس: ظالم، وإن كان بين الظلمين بَوْن بعيد، قال بعض الحكماء: الظلم ثلاثة: الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وإياه قصد بقوله: ﴿أَلَا لَغْنَهُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، ﴿وَالَِّمِينَ أَعَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. [الإنسان: ٣١]، في آي كثيرة.