Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
هي بالنسبة إليه تكون سرقة، وزنا، وصلاةً، وصوماً، والله تعالى خالقها
بمشيئته، وليست بالنسبة إليه كذلك؛ إذ هذه الأحكام هي للفاعل الذي قام به
هذا الفعل، كما أن الصفات هي صفات للموصوف الذي قامت به، لا للخالق
الذي خلقها، وجعلها صفات، والله تعالى خلق كل صانع وصُنعته، كما جاء
في الحديث، وهو خالق كل موصوف وصفته.
ثم صفات المخلوقات ليست صفات له؛ كالألوان، والطعوم، والروائح؛
لعدم قيام ذلك به، وكذلك حركات المخلوقات ليست حركات له، ولا أفعالاً
له بهذا الاعتبار؛ لكونها مفعولات، هو خلقها، وبهذا الفرق تزول شبهٌ كثيرة،
والأمر الذي كتبه على نفسه يستحق عليه الحمد والثناء، وهو مقدَّس عن تَرْك
هذا الذي لو تُرك لكان تَرْكه نقصاً، وكذلك الأمر الذي حرّمه على نفسه يستحق
الحمد والثناء على تركه، وهو مقدّس عن فعله الذي لو كان لأوجب نقصاً.
وهذا كله بَيِّنٌ - ولله الحمد - عند الذين أوتوا العلم والإيمان، وهو أيضاً
مستقرّ في قلوب عموم المؤمنين، ولكن القدرية شبّهوا على الناس بشبههم،
فقابلهم مَن قابلهم بنوع من الباطل؛ كالكلام الذي كان السلف والأئمة يذمونه،
وذلك أن المعتزلة قالوا: قد حصل الاتفاق على أن الله ليس بظالم، كما دلّ
عليه الكتاب والسُّنَّة، والظالم مَن فَعل الظلم، كما أن العادل من فعل العدل،
هذا هو المعروف عند الناس، من مسمى هذا الاسم سمعاً وعقلاً، قالوا: ولو
كان الله خالقاً لأفعال العباد التي هي الظلم لكان ظالماً، فعارضهم هؤلاء بأن
قالوا: ليس الظالم من فعل الظلم، بل الظالم من قام به الظلم، وقال بعضهم:
الظالم من اكتسب الظلم، وكان منهيّاً عنه، وقال بعضهم: الظالم من فعل
محرّماً عليه، أو ما نُهي عنه.
ومنهم من قال: من فعل الظلم لنفسه، وهؤلاء يَعْنون أن يكون الناهي له
والمحرِّم عليه غيره الذي يجب عليه طاعته، ولهذا كان تصوّر الظلم منه ممتنعاً
عندهم لذاته؛ كامتناع أن يكون فوقه آمر له وَنَاهٍ، ويمتنع عند الطائفتين أن يعود
إلى الربّ من أفعاله حُكم لنفسه، وهؤلاء لم يمكنهم أن ينازعوا أولئك في أن
العادل مَن فَعَل العدل، بل سلّموا ذلك لهم، وإن نازعهم بعض الناس منازعة
عناديّةً، والذي يكشف تلبيس المعتزلة أن يقال لهم: الظالم والعادل الذي يعرفه

٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الناس، وإن كان فاعلاً للظلم والعدل، فذلك يأثم به أيضاً، ولا يعرف الناس
من يسمى ظالِماً، ولم يقم به الفعل الذي به صار ظالِماً، بل لا يعرفون ظالماً
إلا من قام به الفعل الذي فَعَله، وبه صار ظالماً، وإن كان فِعْله متعلقاً بغيره،
وله مفعول منفصل عنه، لكن لا يعرفون الظالم إلا بأن يكون قد قام به ذلك،
فكونكم أخذتم في حدّ الظالم أنه من فعل الظلم، وعَنَّيْتم بذلك مَن فَعله في
غيره، فهذا تلبيس، وإفساد للشرع والعقل واللغة، كما فعلتم في مسمى المتكلم
حيث قلتم: هو من فعل الكلام، ولو في غيره، وجعلتم من أحدث كلاماً
منفصلاً عنه قائماً بغيره متكلماً، وإن لم يقم به هو كلام أصلاً، وهذا من أعظم
البهتان والقرمطة والسفسطة، ولهذا ألزمهم السلف أن يكون ما أحدثه من
الكلام في الجمادات، وكذلك أيضاً ما خلقه في الحيوانات، ولا يفرق حينئذ
بين نَطَقَ وأنطق، وإنما قالت الجلود: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، ولم
تقل: نطق الله بذلك، ولهذا قال من قال من السلف؛ كسليمان بن داود
الهاشميّ وغيره ما معناه: أنه على هذا يكون الكلام الذي خُلق في فرعون حتى
قال: أنا ربكم الأعلى؛ كالكلام الذي خُلق في الشجرة حتى قالت: إنني أنا الله
لا إله إلا أنا، فإما أن يكون فرعون محقّاً، أو تكون الشجرة كفرعون، وإلى
هذا المعنى ينحو الاتحادية من الجهمية، ويُنشدون:
وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نْثُرُهُ وَنِظَامُهُ
وهذا يستوعب أنواع الكفر، ولهذا كان من الأمر البيّن للخاصة والعامة
أن من قال: المتكلم لا يقوم به كلامٌ أصلاً، فإن حقيقة قوله: أنه ليس
بمتكلم؛ إذ ليس المتكلم إلا هذا، ولهذا كان أَوَّلُوهم يقولون: ليس بمتكلم،
ثم قالوا: هو متكلم بطريق المجاز، وذلك لِمَا استقرّ في الفِطَر أن المتكلم لا
بدّ أن يقوم به كلام، وإن كان مع ذلك فاعلاً له، كما يقوم بالإنسان كلامه،
وهو كاسب له، أما أن يجعل مجرد إحداث الكلام في غيره كلاماً له، فهذا هو
الباطل.
وهكذا القول في الظلم، فَهَبْ أن الظالم مَن فعل الظلم، فليس هو مَن
فَعَله في غيره، ولم يَقُم به فِعل أصلاً، بل لا بدّ أن يكون قد قام به فعلٌ، وإن
كان متعدياً إلى غيره، فهذا جوابٌ، ثم يقال لهم: الظلم فيه نسبة وإضافة، فهو

٥٢٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
ظلم من الظالم، بمعنى أنه عدوان، وبَغْيٌ منه، وهو ظلم للمظلوم، بمعنى أنه
بغيٌّ، واعتداء عليه، وأما من لم يكن مُتَعَدَّى عليه به، ولا هو منه عدوان على
غيره، فهو في حقه ليس بظلم، لا منه، ولا له، والله سبحانه إذا خلق أفعال
العباد، فذلك من جنس خَلْقه لصفاتهم، فهم الموصوفون بذلك، فهو سبحانه
إذا جعل بعض الأشياء أسود، وبعضها أبيض، أو طويلاً، أو قصيراً، أو
متحركاً، أو ساكناً، أو عالِماً، أو جاهلاً، أو قادراً، أو عاجزاً، أو حيّاً، أو
ميتاً، أو مؤمناً، أو كافراً، أو سعيداً، أو شقيّاً، أو ظالماً، أو مظلوماً، كان
ذلك المخلوق هو الموصوف بأنه الأبيض، والأسود، والطويل، والقصير،
والحيّ، والميت، والظالم، والمظلوم، ونحو ذلك، والله سبحانه لا يوصف
بشيء من ذلك، وإنما إحداثه للفعل الذي هو ظُلم من شخص، وظلم لآخر
بمنزلة إحداثه الأكل، والشرب، الذي هو أكل من شخص، وأكل لآخَر، وليس
هو بذلك آكلاً، ولا مأكولاً .
ونظائر هذا كثيرة، وإن كان في خلق أفعال العباد لازِمها ومتعديها حِكَمٌ
بالغة، كما له حِكْمة بالغةٌ في خَلْق صفاتهم، وسائر المخلوقات، لكن ليس
هذا موضع تفصيل ذلك، وقد ظهر بهذين الوجهين تدليس القدريّة.
وأما تلك الحدود التي عورضوا بها، فهي دعاوٍ، ومخالفة أيضاً للمعلوم
من الشرع واللغة والعقل، أو مشتملة على نوع من الإجمال، فإن قول القائل:
الظالم من قام به الظلم، يقتضي أنه لا بدّ أن يقوم به، لكن يقال له: وإن لم
يكن فاعلاً له، آمراً له، لا بدّ أن يكون فاعلاً له مع ذلك، فإن أراد الأول كان
اقتصاره على تفسير الظالم بمن قام به الظلم كاقتصار أولئك على تفسير الظالم
في فِعل الظلم، والذي يعرفه الناس عامّهم وخاصّهم، أن الظالم فاعل للظلم،
وظلمه فعلٌ قائم به، وكل من الفريقين جَحَد بعض الحقّ.
وأما قولهم: من فعل محرّماً عليه، أو منهيّاً عنه ونحو ذلك، فالإطلاق
صحيح، لكن يقال: قد دل الكتاب والسُّنَّة على أن الله تعالى كَتَب على نفسه
الرحمة، وكان حقّاً عليه نَصْر المؤمنين، وكان حقّاً عليه أن يجزي المطيعين،
وأنه حرّم الظلم على نفسه، فهو سبحانه الذي حرَّم بنفسه على نفسه الظلم،
كما أنه هو الذي كتب بنفسه على نفسه الرحمة، لا يمكن أن يكون غيره محرّماً

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
عليه، أو موجباً عليه فضلاً عن أن يعلم ذلك بعقل أو غيره، وإذا كان كذلك
فهذا الظلم الذي حرّمه على نفسه، هو ظُلم بلا ريب، وهو أمر ممكن مقدور
عليه، وهو سبحانه يتركه مع قدرته عليه بمشيئته واختياره؛ لأنه عادل، ليس
بظالم، كما يترك عقوبة الأنبياء والمؤمنين، وكما يترك أن يُحَمِّل البريء ذنوب
المعتدين.
[فصل]
قوله: ((وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا)) ينبغي أن يُعْرَف أن هذا
الحديث شريف القَدْر، عظيم المنزلة، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: هو
أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولانيّ إذا حدّث به جثا على
ركبتيه، وراويه أبو ذرّ الذي ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجةً
منه، وهو من الأحاديث الإلهية التي رواها الرسول وَلّر عن ربه رَك، وأخبر
أنها من كلام الله تعالى، وإن لم تكن قرآناً، وقد جمع في هذا الباب زاهر
السحاميّ، وعبد الغنيّ المقدسيّ، وأبو عبدالله المقدسيّ، وغيرهما(١).
وهذا الحديث قد تضمَّن من قواعد الدين العظيمة في العلوم، والأعمال،
والأصول، والفروع، فإن تلك الجملة الأولى، وهي قوله: ((حَرَّمت الظلم على
نفسي)) تتضمَّن جُلّ مسائل الصفات والقَدَر، إذا أُعطيت حقّها من التفسير،
وإنما ذكرنا فيها ما لا بدّ من التنبيه عليه، من أوائل النكت الجامعة.
وأما هذه الجملة الثانية، وهي قوله: ((وجعلته بينكم محرّماً بينكم، فلا
تظالموا))، فإنها تجمع الدين كلّه، فإن ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكلّ
ما أمر به راجع إلى العدل.
ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ
لِيَقُوَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن
يَنْصُرُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ﴾ [الحديد: ٢٥]، فأخبر أنه أرسل الرسل، وأنزل الكتاب
والميزان؛ لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به يُنصر هذا
(١) هكذا النسخة، والظاهر: وغيرهم، والله تعالى أعلم.

٥٢٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
الحقّ، فالكتاب يهدي، والسيف ينصر، وكفى بربك هادياً ونصيراً.
ولهذا كان قِوَام الناس بأهل الكتاب، وأهل الحديد، كما قال من قال
من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء، وقالوا في
قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكٌ﴾ [النساء: ٥٩] أقوالاً تجمع
العلماء والأمراء، ولهذا نصّ الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه
الآية؛ إذ كلٌّ منهما تجب طاعته فيما يقوم به من طاعة الله، وكان نوّاب
رسول الله ◌َ﴿ في حياته؛ كعليّ، ومعاذ، وأبي موسى، وعَّاب بن أَسِيد،
وعثمان بن أبي العاص، وأمثالهم، يجمعون الصنفين، وكذلك خلفاؤه من
بعده؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ونوابهم.
ولهذا كانت السُّنَّة أن الذي يصلي بالناس صاحب الكتاب، والذي يقوم
بالجهاد صاحب الحديد، إلى أن تفرّق الأمر بعد ذلك، فإذا تفرّق صار كل من
قام بأمر الحرب من جهاد الكفار، وعقوبات الفجار، يجب أن يطاع فيما يأمر
به، من طاعة الله في ذلك، وكذلك من قام بجمع الأموال، وقَسْمها يجب أن
يطاع فيما يأمر به من طاعة الله في ذلك، وكذلك من قام بالكتاب بتبليغ
أخباره، وأوامره، وبيانها، يجب أن يصدّق، ويطاع فيما أخبر به من الصدق
في ذلك، وفيما يأمر به، من طاعة الله في ذلك.
والمقصود هنا أن المقصود بذلك كلّه هو أن يقوم الناس بالقسط، ولهذا
لمّا كان المشركون يُحَرِّمون أشياء، ما أنزل الله بها من سلطان، ويأمرون
بأشياء، ما أنزل الله بها من سلطان، أنزل الله في ((سورة الأنعام))،
و((الأعراف))، وغيرهما يذمّهم على ذلك، وذَكَر ما أمر به هو، وما حرّمه هو،
فقال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَتِي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اٌلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِلَّهِ مَا لَمْ يُنْزِلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا
[الأعراف: ٣٣].
لَا نَعْلَمُونَ
وهذه الآية تجمع أنواع المحرّمات، كما قد بيّناه في غير هذا الموضع،
وتلك الآية تجمع أنواع الواجبات، كما بيّناه أيضاً.
وقوله: ﴿أَمََّ رَبِّ بِلْقِسْطٍ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ

٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أمَر مع القسط بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له،
وهذا أصل الدين، وضدّه هو الذنب الذي لا يُغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهو الدِّين الذي أمر الله به جميع
الرسل، وأرسلهم به إلى جميع الأمم، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
(٥﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَسْثَلَّ مَنْ
إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةُ يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، وقال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [الشورى:
١٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِِّ بِمَا تَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ ﴾ وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتِكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ
[المؤمنون: ٥١، ٥٢].
٥٢
ولهذا ترجم البخاريّ في ((صحيحه)): ((باب ما جاء في أن دين الأنبياء
واحد))، وذكر الحديث الصحيح في ذلك، وهو الإسلام العامّ الذي اتفق عليه
جميع النبين، قال نوح علّ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]، وقال
تعالى في قصة إبراهيمٍ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
وَوَصَّى
١١٣
◌ِهَآ إِبَهِمُ بَنِيِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ
[البقرة: ١٣١، ١٣٢]، ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوِّمُ إِن كُنُمْ ءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَُّواْ إِن كُم
[يونس: ٨٤]، وقال تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِثُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَا
مُسْلِمِینَ
بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقال في قصة بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِ
ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا
التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُرٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ [المائدة: ٤٤].
وهذا التوحيد الذي هو أصل الدين، هو أعظم العدل، وضدّه، وهو
الشرك أعظم الظلم، كما أخرجاه في ((الصحيحين)) عن عبد الله بن مسعود قال:
لمّا أُنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقّ
ذلك على أصحاب النبيّ وَسه، وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال: ((ألم تسمعوا
إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم))، وفي ((الصحيحين)) عن ابن
مسعود قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله ندّاً،

٥٢٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
وهو خلقك)) قلت: ثم أيّ؟ قال: ((ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك))
قلت: ثم أيّ؟ قال: ((أن تزاني بحليلة جارك))، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَأَلَّذِينَ
لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨].
وقد جاء عن غير واحد من السلف، ورُوي مرفوعاً: ((الظلم ثلاثة
دواوين: فديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا
يعبأ الله به شيئاً، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئاً، فهو الشرك، فإن الله
لا يغفر أن يُشرَك به، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً، فهو ظلم العباد
بعضهم بعضاً، فإن الله لا بُدّ أن يُنصف المظلوم من الظالم، وأما الديوان الذي
لا يعبأ الله به شيئاً، فهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه))؛ أي: مغفرة هذا
الضرب ممكنة بدون رضا الخلق، فإن شاء عذّب هذا الظالم لنفسه، وإن شاء
غفر له.
وقد بسطنا الكلام في هذه الأبواب الشريفة، والأصول الجامعة في
القواعد، وبيَّنا أنواع الظلم، وبيَّنا كيف كان الشرك أعظم أنواع الظلم، ومسمى
الشرك جليله ودقيقه، فقد جاء في الحديث: ((الشرك في هذه الأمة أخفى من
دبيب النمل)).
ورُوي أن هذه الآية نزلت في أهل الرياء: ﴿فَتَن كَانَ يَرَّحُواْ لِقَّةَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وکان شداد بن أوس يقول:
يا بقايا العرب، يا بقايا العرب، إنما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية.
قال أبو داود السجستانيّ، صاحب ((السنن)) المشهورة: الخفية حبّ الرياسة،
وذلك أن حب الرياسة هو أصل البغي والظلم، كما أن الرياء هو من جنس
الشرك، أو مبدأ الشرك.
والشرك أعظم الفساد، كما أن التوحيد أعظم الصلاح، ولهذا قال
تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِقَةٌ مِنْهُمْ يُذَيِّحُ
[القصص: ٤] إلى أن ختم
أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِى نِسَآءَ هُمَّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
السورة بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَاءًا﴾.
[القصص: ٨٣]، وقال: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ فِ الْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ

٥٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
[الإسراء: ٤]، وقال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَّبْنَا عَلَى
مَرَّتَيْنٍ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًا كَبِيرًا ﴾
بَنِيّ إِسْرَهِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقالت
الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ اَلْدِمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان، وأصل الفساد: الشرك والكفر، كما
قال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
[البقرة: ١١، ١٢]، وذلك أن
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ
صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له، وبه المقصود الذي يراد منه، ولهذا
يقول الفقهاء: العقد الصحيح ما ترتَّب عليه أثره، وحصل به مقصوده، والفاسد
ما لم يترتب عليه أثره، ولم يحصل به مقصود، والصحيح المقابل للفاسد في
اصطلاحهم هو الصالح.
وكان يكثر في كلام السلف: هذا لا يصلح، أو يصلح، كما كَثُر في
كلام المتأخرين: يصحّ، ولا يصحّ، والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته،
وبدنه تَبَع لقلبه، كما قال النبيّ يَّر في الحديث الصحيح: ((ألا إن في الجسد
مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فَسَدَ لها سائر الجسد،
ألا وهي القلب))، وصلاح القلب في أن يحصل له وبه، المقصود الذي خُلق له
من معرفة الله تعالى ومحبته وتعظيمه، وفساده في ضدّ ذلك، فلا صلاح للقلوب
بدون ذلك قطّ .
والقلب له قوّتان: العلم، والقصد، كما أن للبدن: الحسّ، والحركة
الإرادية، فكما أنه متى خرجت قوى الحسّ والحركة عن الحال الفطريّ
الطبيعيّ فَسَدَت، فإذا خرج القلب عن الحال الفطرية التي يولد عليها كل
مولود، وهي أن يكون مقرّاً لربه، مريداً له، فيكون هو منتهى قصده، وإرادته،
وذلك هي العبادة؛ إذ العبادة كمالُ الحبّ بكمال الذلّ، فمتى لم تكن حركة
القلب، ووَجْهه، وإرادته لله تعالى، كان فاسداً، إما بأن يكون معرضاً عن الله،
وعن ذِكره، غافلاً عن ذلك، مع تكذيب، أو بدون تكذيب، أو بأن يكون له
ذِكر وشعور، ولكن قَصْده وإرادته غيره؛ لكون الذِّكر ضعيفاً، لم يجتذب القلب
إلى إرادة الله ومحبته وعبادته، وإلا فمتى قَوِي عِلم القلب وذِكره، أوجب قَصْده

٥٢٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
ذَلِكَ
وعِلمه، قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ (َ)
مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلِّ﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠] فأمر نبّه ◌َّهِ بأن يُعرض عمن كان معرضاً عن
ذِكر الله، ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا، وهذه حال من فسد قلبه،
ولم يذكر ربه، ولم يُنب إليه، فيريد وجهه، ويخلص له الدين، ثم قال: ﴿ذَلِكَ
مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِمَّ﴾، فأخبر أنهم لم يحصل لهم عِلم فوق ما يكون في الدنيا، فهي
أكبر همّهم، ومبلغ علمهم، وأما المؤمن فأكبر همه هو الله، وإليه انتهى علمه،
وذِكره، وهذا الآن(١) باب واسع عظيم قد تكلمنا عليه في مواضعه.
وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس، والإشراك أصل فسادهم، والقسط
مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل، وإرادة العلوّ مقرونة بالفساد؛ إذ هو
أصل الظلم، فهذا مع هذا، وهذا مع هذا كالملزوزين في قَرَنٍ، فالتوحيد، وما
يَتْبعه من الحسنات، هو صلاح وعدل، ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم
بالواجبات، وهو البِرّ، وهو العدل، والذنوب التي فيها تفريط، أو عدوان في
حقوق الله تعالى، وحقوق عباده هي فساد وظلم، ولهذا سمى قُطاع الطريق
مفسدين، وكانت عقوبتهم حقّاً لله تعالى؛ لاجتماع الوصفين، والذي يريد العلوّ
على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عالياً عليه بأولى من
كونه عالياً عليك، وكلاكما من جنس واحد، فالقسط والعدل أن يكونوا إخوةً
كما وصف الله المؤمنين بذلك.
والتوحيد، وإن كان أصل الصلاح، فهو أعظم العدل، ولهذا قال تعالى:
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ
بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اَللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا
[آل عمران: ٦٤] ولهذا كان تخصيصه بالذكر في مثل قوله: ﴿قُلْ أَمَىَ
مُسْلِمُونَ
رَبِّ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ [الأعراف:
٢٩] لا يمنع أن يكون داخلاً في القسط، كما أن ذكر العمل الصالح بعد الإيمان
لا يمنع أن يكون داخلاً في الإيمان، كما في قوله: ﴿وَمَلَبِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ
وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، و﴿مِنَ النَِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ﴾ [الأحزاب: ٧] هذا إذا قيل
(١) كذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من: هذا الباب، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٥٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
إن اسم الإيمان يتناوله، سواء قيل إنه في مثل هذا يكون داخلاً في الأول،
فيكون مذكوراً مرتين، أو قيل: بل عَطْفه عليه يقتضي أنه ليس داخلاً فيه هنا،
وإن كان داخلاً فيه منفرداً، كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين،
وأمثال ذلك، مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران، لكن المقصود أن كل خير
فهو داخل في القسط والعدل، وكل شرّ فهو داخل في الظلم.
ولهذا كان العدل أمراً واجباً في كل شيء، وعلى كل أحد، والظلم
محرّماً في كل شيء، ولكل أحد، فلا يحلّ ظلم أحد أصلاً، سواء كان
مسلماً، أو كافراً، أو كان ظالماً، بل الظلم إنما يباح، أو يجب فيه العدل عليه
أيضاً، قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٨] - أي: لا يحملنكم - ﴿شَنَكَانُ﴾ [المائدة: ٨] - أي: بُغض -
﴿قَوْمٍ﴾ - وهم الكفار - ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ﴾ - على عدم العدل - ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى
عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِّ﴾
[النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٌ﴾ [الشورى: ٤٠].
وقد دلّ على هذا قوله في الحديث: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على
نفسي، وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا))، فإن هذا خطاب لجميع العباد أن
لا يظلم أحدٌ أحداً، وأَمْرُ العالم في الشريعة مبنيّ على هذا، وهو العدل في
الدماء، والأموال، والأبضاع، والأنساب، والأعراض، ولهذا جاءت السُّنَّة
بالقصاص في ذلك، ومقابلة العادي بمثل فعله، لكن المماثلة قد يكون عِلمها،
أو عملها متعذّراً، أو متعسراً، ولهذا يكون الواجب ما يكون أقرب إليها
بحسب الإمكان، ويقال: هذا أمثل، وهذا أشبه، هذه الطريقة المثلى، لمّا كان
أمثل بما هو العدل والحقّ في نفس الأمر؛ إذ ذاك معجوز عنه، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَأَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [الأنعام:
١٥٢]، فذكر أنه لم يكلف نفساً إلا وُسْعها حين أمر بتوفية الكيل والميزان
بالقسط؛ لأن الكيل لا بدّ له أن يَفْضل أحد المكيلين على الآخر، ولو بحبة أو
حبات، وكذلك التفاضل في الميزان، قد يحصل بشيء يسير، لا يمكن
الاحتراز منه، فقال تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: ٤٢].

٥٣١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
ولهذا كان القصاص مشروعاً إذا أمكن استيفاؤه من غير جَنَف؛
كالاقتصاص في الجروح التي تنتهي إلى عَظْم، وفي الأعضاء التي تنتهي إلى
مفصل، فإذا كان الجنف واقعاً في الاستيفاء عُدل إلى بَدَله، وهو الدية؛ لأنه
أشبه بالعدل من إتلاف زيادة في المقتصّ منه، وهذه حجة من رأى من الفقهاء
أنه لا قَوَد إلا بالسيف في العنق، قال: لأن القتل بغير السيف، وفي غير العنق
لا نعلم فيه المماثلة، بل قد يكون التحريق والتغريق والتوسيط، ونحو ذلك
أشدّ إيلاماً، لكن الذين قالوا: يُفعل به مثل ما فَعَل قولهم أقرب إلى العدل،
فإنه مع تحرّي التسوية بين الفعلين يكون العبد قد فَعل ما يقدر عليه من العدل،
وما حصل من تفاوت الألم خارج عن قدرته.
وأما إذا قَطع يديه، ورجليه، ثم وَسَطَه، فقوبل ذلك بضرب عنقه
بالسيف، أو رَضَّ رأسه بين حجرين، فضرب السيف، فهنا قد تيقنا عدم
المعادلة والمماثلة، وكنا قد فعلنا ما تيقّنا انتفاء المماثلة فيه، وأنه يتعذر معه
وجودها، بخلاف الأول، فإن المماثلة قد تقع؛ إذ التفاوت فيه غير متيقن.
وكذلك القصاص في الضربة، واللطمة، ونحو ذلك عَدَل عنه طائفة من
الفقهاء إلى التعزير؛ لعدم إمكان المماثلة فيه، والذي عليه الخلفاء الراشدون،
وغيرهم من الصحابة، وهو منصوص أحمد، ما جاءت به سُنَّة رسول الله وَله
من ثبوت القصاص به؛ لأن ذلك أقرب إلى العدل والمماثلة، فإنا إذا تحرينا أن
نفعل به من جنس فِعله، ونقرّب القَدْر مِن القَدْر، كان هذا أمثل من أن نأتي
بجنس من العقوبة تخالف عقوبته جنساً وقدْراً وصفةً.
وهذا النظر أيضاً في ضمان الحيوان، والعقار، ونحو ذلك بمثله تقريباً،
أو بالقيمة، كما نصّ أحمد على ذلك في مواضع ضمان الحيوان وغيره، ونصّ
عليه الشافعيّ فيمن خَرَّب حائط غيره أنه يبنيه كما كان، وبهذا قضى
سليمان عظّل في حكومة الحرث التي حكم فيها هو وأبوه، كما قد بُيِّن ذلك في
موضعه .
فجميع هذه الأبواب المقصود للشريعة فيها تحري العدل بحسب
الإمكان، وهو مقصود العلماء، لكن أفْهَمهم من قال بما هو أشبه بالعدل في
نفس الأمر، وإن كان كل منهم قد أُوتي علماً وحكماً؛ لأنه هو الذي أنزل الله

٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
به الكتب، وأرسل به الرسل، وضدّه الظلم، كما قال سبحانه: ((يا عبادي إني
حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا)).
ولمّا كان العدل لا بدّ أن يتقدمه علم؛ إذ من لا يعلم لا يدري ما
العدل؟ والإنسان ظالم جاهل، إلا من تاب الله عليه، فصار عالماً عادلاً، صار
الناس من القضاة وغيرهم ثلاثة أصناف: العالم الجائر، والجاهل الظالم،
فهذان من أهل النار، كما قال النبيّ وَلّى: ((القضاة ثلاثة: قاضيان في النار،
وقاضٍ في الجنة، رجل عَلِم الحقّ، وقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى
للناس على جهل، فهو في النار، ورجل عَلِم الحقّ، وقضى بخلافه، فهو في
النار))، فهذان القسمان كما قال: من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ،
ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ، فليتبوأ مقعده من النار.
وكلُّ من حكم بين اثنين فهو قاض، سواء كان صاحب حرب، أو متولي
ديوان، أو منتصباً للاحتساب بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى الذي
يحكم بين الصبيان في الخطوط، فإن الصحابة كانوا يعدّونه من الحكام، ولمّا
كان الحكام مأمورين بالعدل والعلم، وكان المفروض إنما هو بما يَبْلُغه جهد
الرجل، قال النبيّ وَل 9: ((إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد
فأخطأ فله أجر)).
[فصل]
فلما ذكر في أول الحديث ما أوجبه من العدل، وحرّمه من الظلم على
نفسه، وعلى عباده، ذَكَر بعد ذلك إحسانه إلى عباده، مع غناه عنهم، وفقرهم
إليه، وأنهم لا يقدرون على جلب منفعة لأنفسهم، ولا دفع مضرّة إلا أن يكون
هو الميسّر لذلك، وأمر العباد أن يسألوه ذلك، وأخبر أنهم لا يقدرون على
نفعه، ولا ضرّه، مع عِظَم ما يوصل إليهم من النعماء، ويدفع عنهم من البلاء،
وجلبُ المنفعة، ودفعُ المضرة إما أن يكون في الدين، أو في الدنيا، فصارت
أربعة أقسام: الهداية والمغفرة، وهما جلب المنفعة، ودفع المضرّة في الدين،
والطعام والكسوة، وهما جلب المنفعة، ودفع المضرّة في الدنيا، وإن شئت
قلت: الهداية والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو مَلِك البدن، وهو الأصل في

٥٣٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
الأعمال الإرادية، والطعام والكسوة يتعلقان بالبدن، الطعام لجلب منفعته،
واللباس لدفع مضرته.
وفَتَحَ الأمر بالهداية، فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين،
فكل أعمال الناس تابعة لهدى الله رَك إياهم، كما قال سبحانه: ﴿سَبِحٍ أَسْمَ رَيِّكَ
(٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقال موسى:
وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى (
اُلْأَعْلَى ® الَّذِىِ خَقَ فَسَوََّ لَـ
﴿َرَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ
[البلد: ١٠]، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
النَّجْدَیْنِ
[الإنسان: ٣].
ولهذا قيل: الهدى أربعة أقسام:
أحدها: الهداية إلى مصالح الدنيا، فهذا مشترك بين الحيوان الناطق،
والأعجم، وبين المؤمن والكافر.
والثاني: الهدى بمعنى دعاء الخلق إلى ما ينفعهم، وأمْرهم بذلك، وهو
نَصْب الأدلة، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فهذا أيضاً يشترك فيه جميع
المكلفين، سواء آمنوا، أو كفروا، كما قال تعالى: ﴿وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ
اَلْعَمَ عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَاٍ﴾
[الرعد: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فهذا
مع قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] يبيّن أن الهدى الذي أثبته
هو البيان، والدعاء، والأمر، والنهي، والتعليم، وما يتبع ذلك، ليس هو
الهدى الذي نفاه، وهو القسم الثالث الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
والقسم الثالث: الهدى الذي هو جَعْلُ الهدى في القلوب، وهو الذي
يسميه بعضهم بالإلهام، والإرشاد، وبعضهم يقول: هو خلق القدرة على
الإيمان؛ كالتوفيق عندهم، ونحو ذلك، وهو بناء على أن الاستطاعة لا تكون
إلا مع الفعل، فمن قال ذلك من أهل الإثبات جعل التوفيق والهدى ونحو ذلك
خَلْق القدرة على الطاعة، وأما من قال: إنهما استطاعتان:
إحداهما: قبل الفعل، وهي الاستطاعة المشروطة في التكليف، كما قال
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال
النبيّ ◌َّ لعمران بن حصين: ((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم

٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
تستطع، فعلى جَنْب))، وهذه الاستطاعة يقترن بها الفعل تارةً، والترك أخرى،
وهي الاستطاعة التي لم تَعرف القدرية غيرها، كما أن أولئك المخالفين لهم
من أهل الإثبات لم يعرفوا إلا المقارنة، وأما الذي عليه المحققون من أئمة
الفقه والحديث والكلام وغيرهم، فإثبات النوعين جميعاً، كما قد بسطناه في
غير هذا الموضع، فإن الأدلة الشرعية والعقلية تُثبت النوعين جميعاً.
والثانية: المقارنة للفعل، وهي الموجبة له، وهي المنفية عمن لم يفعل
في مثل قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وفي
قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وهذا الهدى الذي يكثر ذكره في
[الفاتحة: ٦]، وقوله:
٦
القرآن في مثل قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
﴿فَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ
ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قوله: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ
فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وأمثال ذلك.
وهذا هو الذي تنكر القدرية أن يكون الله هو الفاعل له، ويزعمون أن
العبد هو الذي يهدي نفسه، وهذا الحديث وأمثاله حجة عليهم، حيث قال: ((يا
عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم)) فأمَرِ العباد بأن يسألوه
الهداية، كما أمرهم بذلك في ((أم الكتاب)) في قوله: ﴿أَهْدِنَاَ اَلْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
[الفاتحة: ٦] وعند القدرية أن الله لا يقدر من الهدى إلا على ما فعله من
إرسال الرسل، ونَصْب الأدلة، وإزاحة العلة، ولا مزية عندهم للمؤمن على
الكافر في هداية الله تعالى، ولا نعمة له على المؤمن أعظم من نعمته على
الكافر في باب الهدى.
وقد بَيَّن الاختصاص في هذه بعد عموم الدعوة في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى
[يونس: ٢٥].
دَارِ السَّلَئِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِ ®
فقد جمع الحديث تنزيهه عن الظلم الذي يُجَوِّزه عليه بعض المثبتة، وبيان
أنه هو الذي يهدي عباده ردّاً على القدرية، فأخبر هناك بعدله الذي يذكره بعض
المثبتة، وأخبر هنا بإحسانه وقدرته الذي تنكره القدرية، وإن كان كل منهما
قصده تعظيماً لا يعرف ما اشتمل عليه قوله.
والقسم الرابع: الهدى في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ

٥٣٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَدُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ
وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبٍ مِنَ الْقَوْلِ
أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِرُ ﴾
وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ ﴾ [الحج: ٢٣، ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَتِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ
[يونس: ٩]، فقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَتِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، كقوله: ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَاتَّعَنْهُمْ ذُرِيَّهُم بِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَمَآ أَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الطور:
٢١] على أحد القولين في الآية، وهذا الهدى ثواب الاهتداء في الدنيا، كما أن
ضلال الآخرة جزاء ضلال الدنيا، وكما أن قَصْد الشرّ في الدنيا جزاؤه الهدى
إلى طريق النار، كما قال تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
[الصافات: ٢٢، ٢٣]، وقال: ﴿وَمَن كَانَ
٢٣
مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ الْجَمِ
فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
[الإسراء: ٧٢]، وقال:
V
﴾ [طه: ١٢٣]،
١٢٢
... فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَّى فَمَنِ آَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
وقال: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَمُمْ أَوْلِيَّةَ مِن دُونٌِ وَتَحْشُرُهُمْ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمَّا﴾ الآية [الإسراء: ٩٧]، فأخبر أن الضالين
في الدنيا يُحشرون يوم القيامة عُمياً وبُكماً وصُمّاً، فإن الجزاء أبداً من جنس
العمل، كما قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض
يرحمكم من في السماء))، وقال: ((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله
له به طريقاً إلى الجنة، ومن يسَّر على مُعْسِر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة،
ومن ستر مسلماً سَتَره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد
في عون أخيه))، وقال: ((من سئل عن علم يعلمه، فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة
بلجام من نار))، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ﴾
[النور: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
١٤٩
عَفُوّا قَدِيرًا
[النساء: ١٤٩]، وأمثال هذا كثير في الكتاب والسُّنَّة.
ولهذا أيضاً يُجْزَى الرجلُ في الدنيا على ما فَعَله من خير الهدى بما يفتح
عليه من هدى آخر، ولهذا قيل: من عَمِل بما عَلِم ورّثه الله علم ما لم يعلم، وقد
قال: ﴿وَلَوْ أَنَهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا﴾ - إلى قوله ◌َِّالَ:
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ -٦٨]، وقال: ﴿ ... قَدْ جَآءُكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ﴾ [المائدة: ١٥،
◌ُبِیدُ
١٦]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،
وَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]، وقال: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ
يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، فسّروه بالنصر والنجاة؛ كقوله: ﴿يَوْمَ
اُلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقد قيل: نور يفرّق به بين الحقّ والباطل، ومثله
وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق:
قوله: ﴿ .. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَهَا (@)
٢، ٣]، وَعَد المتقين بالمخارج من الضيق، وبرزق المنافع.
ومن هذا الباب قوله: ﴿وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَنْهُمْ تَقْوَنَّهُمْ
[محمد: ١٧]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى﴾ [الكهف: ١٣]،
ومنه قوله: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِّنًا
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُنِمَ
[الفتح: ١ - ٣].
نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا ﴿﴿ وَيَصُرَكَ اَللّهُ نَصْرًا عَزِيزًا.
وبإزاء ذلك أن الضلال والمعاصي تكون بسبب الذنوب المتقدّمة، كما
قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُأُ بَل
لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا
قُلُوبَهُمْ فَسِيَةٌ﴾ [المائدة: ١٣]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ - إلى
قوله -: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] - إلى قوله -: ﴿يَعْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]،
وهذا باب واسع.
ولهذا قال من قال من السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنةَ بعدها، وإن
من عقوبة السيئة السيئةَ بعدها.
وقد شاع في لسان العامة أن قوله: ﴿وَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:
٢٨٢] من الباب الأول، حيث يستدلّون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله،
وأكثر الفضلاء يطعنون في هذه الدلالة؛ لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول رَبْط
الجزاء بالشرط، فلم يقل: واتقوا الله يعلمكم، ولا قال: فيعلمكم، وإنما أتى
بواو العطف، وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثاني، وقد يقال:
العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم، كما يقال: زرني وأزورك، وسلّم
علينا ونسلّم عليك، ونحو ذلك مما يقتضيه اقتران الفعلين، والتعاوض من
الطرفين، كما لو قال لسيده: أعتقني ولك عليّ ألف، أو قالت المرأة لزوجها :

٥٣٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
طلقني ولك ألف، أو اخلعني ولك ألف، فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف، أو
على ألف.
وكذلك أيضاً لو قال: أنت حرّ، وعليك ألف، أو أنتِ طالق، وعليك
ألف، فإنه كقوله: على ألف، أو بألف عند جمهور الفقهاء، والفرق بينهما قول
شاذّ، ويقول أحد المتعاوضين للآخر: أعطيك هذا، وآخذ هذا، ونحو ذلك من
العبارات، فيقول الآخر: نعم، وإن لم يكن أحدهما هو السبب للآخر دون
العكس، فقوله: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ قد يكون من هذا الباب، فكلٌّ من
تعليم الربّ، وتقوى العبد يقارب الآخر، ويلازمه، ويقتضيه، فمتى علّمه الله
العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتّقاه زاده من العلم، وهَلُمّ
جَرّا .
[فصل]
وأما قوله: ((يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني
أطعمكم، وكلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسُكم)) فيقتضي أصلين
عظیمین.
أحدهما: وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة؛
كالطعام، ودفع المضرّة؛ كاللباس، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة
قدرةً مطلقةً، وإنما القدرة التي تحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب
ذلك، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال:
﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا وَأَرْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]
فالمأمور به هو المقدور للعباد، وكذلك قوله: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَةٍ
[0﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]، وقوله: ﴿وَأَطْعِمُواْ
يَتِمَا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَكْ
الْقَائِعَ وَالْمُعْتَزَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآَيِسَ الْفَقِيرَ﴾
[الحج: ٢٨]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنِفِقُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ
ءَمَنُوَأْ أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ بَيْشَاءُ اللَّهُ أَلْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] فَذَمّ من يترك المأمور به اكتفاءً
بما يجري به القدر.
ومن هنا يُعرف أن السبب المأمور به، أو المباح لا ينافي وجوب التوكل

٥٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
على الله في وجوب السبب، بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب؛
إذ ليس في المخلوقات ما هو وحده سبب تامّ لحصول المطلوب، ولهذا لا
يجب أن تقترن الحوداث بما قد يُجعل سبباً إلا بمشيئة الله تعالى، فإنه ما
شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فمن ظنّ الاستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله عليه من
التوكل، وأخلّ بواجب التوحيد، ولهذا يُخذل أمثال هؤلاء إذا اعتمدوا على
الأسباب، فمن رجا نصراً أو رزقاً من غير الله خذله الله، كما قال عليّ
لا يرجون عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، وقد قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ
لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُّمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
﴾ [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُهُ إِلَّا هُوَّ
٢
وَإِنْ يُرِدَّكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآَذَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ.﴾ [يونس: ١٠٧]،
وقال: ﴿ ... قُلْ أَفَّعَيْتُم ◌َّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ
ضُرِّةٍ أَوْ أَرَدَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوَكَّلُ
[الزمر: ٣٨].
١٣٨
الْمُتَوَكِّلُونَ
وهذا كما أن من أخذ يدخل في التوكل تاركاً لِمَا أُمر به من الأسباب،
فهو أيضاً جاهل ظالم عاصٍ لله بترك ما أَمره، فإنّ فعلَ المأمور به عبادةٌ لله،
وقد قال تعالى: ﴿فَأُعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
(@)﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقال شعيب،عَلَّارُ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ﴾، وقال: ﴿وَمَا أُخَْلَفْتُ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ، إِلَى اللَّهِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِى عَلَيْهِ
[الشورى: ١٠]، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةُ فِىّ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُِبُ
إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَ ؤْ مِنْكُمْ وَمَِّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدًا
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآَءُ أَبَدًا حَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَّ
لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ زَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
[الممتحنة: ٤]، فليس مَن فَعَل شيئاً أُمر به، وتَرَك ما أُمر به من التوكل بأعظم
ذنباً ممن فَعَل ما تُرك به توكلاً، وتَرَكْ فِعلَ ما أمر به من السبب؛ إذ
كلاهما مُخِلّ ببعض ما وجب عليه، وهما مع اشتراكهما في جنس الذنب،

٥٣٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
فقد يكون هذا أَلْوَم، وقد يكون الآخر، مع أن التوكل في الحقيقة من جملة
الأسباب.
وقد رَوَى أبو داود في ((سننه) أن النبيّ وَّ قضى بين رجلين، فقال
المقضيّ عليه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبيّ وَّه: ((إن الله يلوم على
العجز، ولكن عليك بالكيِّس، فإن غلبك أمر فقل: حسبي الله، ونعم الوكيل)).
وفي (صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ◌ُه، عن النبيّ وَ ر أنه قال:
((المؤمن القويّ خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلِّ خير،
احرِصْ على ما ينفعك، واستعن الله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل:
لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله، وما شاء فَعَل، فإن (لَوْ))
تفتح عمل الشيطان))، ففي قوله {وَلير: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله،
ولا تعجز)) أمْر بالتسبب المأمور به، وهو الحرص على المنافع، وأمْر مع ذلك
بالتوكل، وهو الاستعانة بالله، فمن اكتفى بأحدهما، فقد عصى أحد الأمرين،
ونَهَى عن العجز الذي هو ضدّ الكَيْس، كما قال في الحديث الآخر: ((إن الله
يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس)).
وكما في الحديث الشاميِّ: ((الكَيِّس من دان نفسه، وعَمِل لِمَا بعد
الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله))، فالعاجز في الحديث
مقابل الكيِّس، ومن قال: العاجز هو مقابل البرِّ فقد حَرّف الحديث، ولم يفهم
معناه، ومنه الحديث: ((كلُّ شيءٍ بقَدَر، حتى العجز والكَيْس)).
ومن ذلك ما رَوَى البخاريّ في ((صحيحه)) عن ابن عباس قال: كان أهل
اليمن يحجُّون، ولا يتزوَّدون، يقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِموا سألوا
الناس، فقال الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، فمن
فعل ما أُمر به من التزود، فاستعان به على طاعة الله، وأحسنَ منه إلى من
يكون محتاجاً، كان مطيعاً لله في هذين الأمرين، بخلاف من ترك ذلك ملتفتاً
إلى أزواد الحجيج، كَلّاً على الناس، وإن كان مع هذا قلبه غير ملتفت إلى
معيّن، فهو ملتفت إلى الجملة، لكن إن كان المتزوّد غير قائم بما يجب عليه
من التوكل على الله، ومواساة المحتاج، فقد يكون في تَرْكه لِمَا أُمر به من
جنس هذا التارك للتزوّد المأمور به.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وفي هذه النصوص بيان غَلَط طوائف: طائفة تُضَعِّف أمْر السبب المأمور
به، فتعدّه نقصاً، أو قدحاً في التوحيد والتوكل، وأن تَرْكه من كمال التوكل
والتوحيد، وهم في ذلك ملبوس عليهم، وقد يقترن بالغلط اتباع الهوى في
إخلاد النفس إلى البطالة، ولهذا تجد عامة هذا الضرب التاركين لِمَا أُمروا به من
الأسباب، يتعلقون بأسباب دون ذلك، فإما إن يُعَلِّقوا قلوبهم بالخلق رغبةً
ورهبةً، وإما أن يتركوا لأجل ما تَبَثَّلُوا له من الغلوّ في التوكل واجبات، أو
مستحبات، أنفع لهم من ذلك؛ كمن يصرف همّته في توكله إلى شفاء مرضه بلا
دواء، أو نيل رزقه بلا سعي، فقد يحصل ذلك، لكن كان مباشرة الدواء
الخفيف، والسعي اليسير، وصَرْف تلك الهمة، والتوجه في عمل صالح أنفع له،
بل قد يكون أوجب عليه مِن تبتّله لهذا الأمر اليسير الذي قَدْره درهم أو نحوه.
وفوق هؤلاء من يجعل التوكل والدعاء أيضاً نقصاً، وانقطاعاً عن
الخاصّة، ظنّاً أن ملاحظة ما فُرغ منه في القَدَر هو حال الخاصّة.
وقد قال في هذا الحديث: ((كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني
أطعمكم))، وقال: ((فاستكسوني أكسكم))، وفي الطبرانيّ أو غيره، عن النبيّ وَّل
قال: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلّها، حتى شِسْع نعله، إذا انقطع، فإنه إن لم
ييسره لم يتيسر))، وهذا قد يلزمه أن يجعل أيضاً استهداء الله، وعَمَله بطاعته من
ذلك.
وقولهم يوجب دَفْع المأمور به مطلقاً، بل دَفْع المخلوق والمأمور، وإنما
غَلِطوا من حيث ظنّوا أن سبق التقدير يمنع أن يكون بالسبب المأمور به؛ كمن
يتزندق، فيترك الأعمال الواجبة بناءً على أن القَدَر قد سبق بأهل السعادة،
وأهل الشقاوة، ولم يعلم أن القَدَر سَبَق بالأمور على ما هي عليه، فمن قدّره الله
من أهل السعادة، كان مما قدّره الله تيسيره لعمل أهل السعادة، ومن قدّره من
أهل الشقاوة، كان مما قدَّره أنه يُيسره لعمل أهل الشقاء، كما قد أجاب
النبيّ وَّ عن هذا السؤال في حديث عليّ بن أبي طالب، وعمران بن حصين،
وسراقة بن جُعشم، وغيرهم
ومنه حديث الترمذيّ: حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن الزهريّ،
عن أبي خِزامة، عن أبيه، قال: سألت النبيّ وَّه، فقلت: يا رسول الله، أرأيت