Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
كما قال ◌َ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]،
[الضحى: ٧]، والمراد: وجدك غير
وقال لنبيّهِ وَله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى
عالم بما علّمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا
مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ
عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فالإنسان يولد مفطوراً على قبول الحقّ، فإن هداه الله
تعالى سبّب له من يُعَلِّمه الهدى، فصار مهديّاً بالفعل، بعد أن كان مهديّاً
بالقوة، وإن خذله الله قيّض له من يعلّمه ما يغيّر فطرته، كما قال ◌َّ: ((كل
مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه))(١).
وأما سؤال المؤمن من الله الهداية، فإن الهداية نوعان: هداية مجملة،
وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصّلة، وهي
هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانته على فعل ذلك، وهذا
يحتاج إليه كل مؤمن ليلاً ونهاراً، ولهذا أمر الله عباده أن يقرؤوا في كل ركعة
﴾ [الفاتحة: ٦]، وكان النبيّ وَلـ
٦
من صلاتهم قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
يقول في دعائه بالليل: ((اهدني لِمَا اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنك تهدي من
تشاء إلى صراط مستقيم))، ولهذا يُشَمَّت العاطس، فيقال له: ((يرحمك الله))،
فيقول: ((يَهديكم الله))، كما جاءت به السُّنَّة، وإن أنكره من أنكره من فقهاء
العراق ظنّاً منهم أن المسلم لا يحتاج أن يُدْعَى له بالهدى، وخالفهم جمهور
العلماء؛ اتّباعاً للسُّنَّة في ذلك، وقد أمر النبيّ وَّ عليّاً أن يسأل الله السَّدَاد،
والهدى، وعَلّم الحسن أن يقول في قنوت الوتر: ((اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت)).
وأما الاستغفار من الذنوب فهو طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه؛
لأنه يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر
بهما، والحثّ عليهما، وخرّج الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أنس ◌ُته عن
النبيّ وَ لّ قال: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)).
وخرّج البخاريّ من حديث أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((والله إني
لأستغفر الله، وأتوب إليه، كلَّ يوم مائة مرّة)).
(١) متّفقٌ عليه.

٥٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وخرّج من حديث الأغرّ المزنيّ، سمع النبيّ وَل يقول: ((يا أيها الناس
توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرّة))، وخرّجه النسائيّ، ولفظه:
(يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، واستغفروه، فإني أتوب إلى الله، وأستغفره كل
يوم مائة مرّة))، وخرّج الإمام أحمد، من حديث حذيفة، قال: كان في لساني
ذَرَبٌ على أهلي، لم أَعْدُه إلى غيره، فذكرت ذلك للنبيّ وَّه، فقال: ((أين أنت
من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة)) (١)، ومن حديث
أبي موسى، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((إني أستغفر الله مائة مرة، وأتوب إليه))(٢)،
وخرّج النسائيّ من حديث أبي موسى، قال: كنا جلوساً، فجاء النبيّ وَطِّ قال:
((ما أصبحت غداةً قط إلا استغفرت الله مائة مرّة))، وخرّج الإمام أحمد، وأبو
داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث ابن عمر قال: إن كنا لنعُدّ
لرسول الله ◌ّي في المجلس الواحد مائة مرة يقول: ((رب اغفر لي، وتب عليّ،
إنك أنت التواب الرحيم))(٣)، وخرّج النسائيّ من حديث أبي هريرة قال: لم أر
أحداً أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله وَلة (٤)، وخرّج
الإمام أحمد من حديث عائشة ﴿ثنا، عن النبيّ وَ﴿ أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ
اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا))(٥).
وقوله: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي،
فتنفعوني))؛ يعني: أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعاً ولا ضرّاً، فإن الله
تعالى في نفسه غنيّ حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه،
وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها، قال الله
تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:
١٧٦]، وقال: ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]،
(١) صححه ابن حبّان، والحاكم، وفي سنده عبيد الله بن أبي المغيرة، وهو مجهول،
كما في ((التقریب)).
(٢) إسناده حسن.
(٣) صححه ابن حبّان.
(٤) صححه ابن حبّان، وفيه الوليد بن مسلم، وهو مدلّس، وقد عنعنه.
(٥) في سنده علي بن زيد بن جُدعان، ضعيف.

٥٠٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
وكان النبيّ وَّه يقول في خطبته: ((ومن يعص الله ورسوله، فقد غَوَى، ولا يضرّ
إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئاً))، وقال الله رَى: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١]، وقال حاكياً عن
موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَّ إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدُّ
[إبراهيم: ٨]، وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال:
﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]؛ والمعنى:
أنه تعالى يحبّ من عباده أن يتقوه، ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه،
ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشدّ من فَرَح مَن ضلّت راحلته التي عليها طعامه
وشرابه بفلاة من الأرض، وطَلَبها حتى أعيى، وأَيِس منها، واستسلم للموت،
وأيس من الحياة، ثم غلبته عينه، فنام، واستيقظً، وهي قائمة عنده، وهذا
أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح، هذا كله مع غناه عن طاعات عباده،
وتوباتهم إليه، وإنه إنما يعود نَفْعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده،
وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودَفْع الضرّ عنهم، فهو يحب من عباده أن
يعرفوه، ويحبوه، ويخافوه، ويتقوه، ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا
أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية
عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذرّ لهذا الحديث: ((من عَلِم منكم أني ذو قدرة
على المغفرة، ثم استغفرني غفرت له، ولا أبالي)).
وفي ((الصحيح)) عن النبيّ ◌َلقر أن عبداً أذنب ذنباً، فقال: ((يا رب إني
فعلت ذنباً، فاغفر لي، فقال الله: عَلِم عبدي أن له ربّاً يغفر الذنوب، ويأخذ
بالذنب، قد غفرت لعبدي))، وفي حديث عليّ بن أبي طالب ظُه عن النبيّ وَل
أنه لمّا ركب دابته، حمد الله ثلاثاً، وكبّر ثلاثاً، وقال: ((سبحانك إني ظلمت
نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، وقال: إن ربك
لَيَعْجب من عبده، إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب
غيري))، خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وصححه، وفي ((الصحيح))، عن
النبيّ وَ ﴿ه قال: ((واللهِ لَلَّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها))، كان بعض أصحاب
ذي النون يطوف ينادي: آه أين قلبي؟ من وجد قلبي؟ فدخل يوماً بعض
السكك، فوجد صبيّاً يبكي، وأمه تضربه، ثم أخرجته من الدار، وأغلقت الباب

٥٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
دونه، فجعل الصبيّ يلتفت يميناً وشمالاً، لا يدري أين يذهب؟ ولا أين يقصد؟
فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي، ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب، إذا
أغلقت بابك عني؟ ومن يدنيني إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني إذا غضبتٍ
عليّ؟ فرحمته أمه، فنظرت من خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على
خديه، متمعكاً في التراب، ففتحت الباب، وأخذته حتى وضعته في حجرها،
وجعلت تقبّله، وتقول: يا قرة عيني، ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على
نفسك، وأنت الذي تعرضت لِمَا حلّ بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني
مكروهاً، فتواجد الفتى، ثم صاح، وقال: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي.
وتفكروا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ
اَللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فإن فيه
إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجأون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة
ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لَّ مَلْجَاً مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ
تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النََّّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فرتّب توبته على
ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن العبد إذا خاف من مخلوق هرب منه،
وفرّ إلى غيره، وأما من خاف من الله فما له من ملجأ يلجأ إليه، ولا مهرب
يهرب إليه، إلا هو، فيهرب منه إليه، كما كان النبيّ ◌َ﴿ يقول في دعائه: ((لا
ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك))، وكان يقول: ((أعوذ برضاك من سخطك،
وبعفوك من عقوبتك، وبك منك))، قال الفضيل بن عياض كخّتُهُ: ما من ليلة
اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سِترها، إلا نادى الجليل جلّ جلاله: مَن
أعظم مني جوداً؟ والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في
مضاجعهم؛ كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم؛ كأنهم لم يذنبوا فيما بيني
وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء، من ذا الذي
دعاني، فلم أستجب إليه؟، أم من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من الذي أناخ
ببابي فنحّيته؟ أنا الفضل، ومني الفضل، أنا الجواد، ومني الجود، وأنا
الكريم، ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي
أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب؛

٥٠٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
كأنه لم يعصني، فأين إلى غيره يهرب الخلائق؟ وأين عن بابه يتنحّى العاصون؟
خرّجه أبو نعيم(١) .
ولبعضهم في المعنى قائلاً [من الطويل]:
وَأَنَّى لِعَبْدٍ عَنْ مَوَالِیهِ يَهْرُبُ
أَسَأْتُ وَلَمْ أُحْسِنْ وَجِئْتُكَ تَائِباً .
فَمَا أَحَدٌ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ أَخْيَبَ
يُؤَمِّلُ غُفْرَاناً فَإِنْ خَابَ ظَنُّهُ
فقوله بعد هذا: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا
على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو كانوا على
أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً)) هو إشارة إلى أن
مُلكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بَرَرَةً أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى
رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجنّ والإنس كلهم
عُصاةً فجرةً، قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغنيّ بذاته عمن
سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فمُلكه مُلك كاملٌ لا نقص
فيه بوجه من الوجوه، على أيّ وجه كان.
ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود أكمل من
إيجاده على غيره، وهو خير من وجوده على غيره، وما فيه من الشرّ فهو شرّ
إضافيّ نسبيّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شرّاً مطلقاً، بحيث
يكون عدمه خيراً من وجوده من كل وجه، بل وجوده خير من عدمه، وقال:
هذا معنى قوله: ((بيده الخير))، ومعنى قول النبيّ ◌َّ: ((والشرّ ليس إليك))؛
يعني: أن الشرّ المحض الذي عَدَمُه خير من وجوده ليس موجوداً في ملكك،
فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصّ قوماً من خَلْقه
بالفضل، وترك آخرين منهم في العدل؛ لِمَا له في ذلك من الحكمة البالغة.
وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما في الحديث من أن جميع الخلق لو كانوا
على صفة أكمل خَلْقه من البرّ والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئاً، ولا قَدْر
جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خَلْقه من الفجور لم ينقص ذلك من
(١) ((حلية الأولياء)) ٨/ ٩٢ - ٩٣.

٥٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ملكه شيئاً، فدلّ على أن ملكه كامل على أيّ وجه كان، لا يزداد، ولا يكمل
بالطاعة، ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثّر فيه شيئاً.
وفي هذا الكلام دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب،
فإذا برّ القلب، واتقى برّت الجوارح، وإذا فَجَر القلب فَجَرَت الجوارح، كما
قال النبيّ ◌َّلر: ((التقوى ههنا))، وأشار إلى صدره.
فقوله: ((لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد
واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا
كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر))، المراد بهذا ذِكْر كمال قدرته سبحانه،
وكمال ملكه، وأن ملكه، وخزائنه لا تنفذ، ولا تنقص بالعطاء، ولو أَعطى
الأولين والآخرين، من الجنّ والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي
ذلك حثّ الخلق على سؤاله، وإنزال حوائجهم به، وفي ((الصحيحين)) عن
أبي هريرة ◌ُه، عن النبيّ وَ﴿ قال: ((يَدُ الله ملأى، لا تغيضها نفقةٌ، سحّاءُ
الليلَ والنهارَ، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم
یغِضْ ما في یمینه)).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ◌َظبه، عن النبيّ وَّ قال: ((إذا دعا
أحدكم، فلا يقل: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم، ولْيُعَظِّم الرغبةَ،
فإن الله لا يتعاظمه شيء)).
وقال أبو سعيد الخدريّ: ((إذا دعوتم الله، فارفعوا في المسألة، فإن ما
عنده لا يُنفِده شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإن الله لا مستكره له)).
وفي بعض الآثار الإسرائيليّة: يقول الله رَ: أَيُؤَمَّل غيري للشدائد،
والشدائد بيدي، وأنا الحيّ القيوم، ويُرجَى غيري، ويُطرق بابه بالبكرات،
وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني، من ذا الذي أمّلني لنائبة،
فقطعت به؟ أو من ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت به؟ أو من ذا الذي طرق
بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني، أبخيل أنا
فيُبْخِلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة، والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع
المؤملين أن يؤمّلوني؟، لو جمعت أهل السموات والأرض، ثم أعطيت كل
واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبَلَّغت كل واحد أمَله، لم ينقص ذلك من

٥٠٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
ملكي عضو ذَرّة، كيف ينقص مُلك أنا قيّمه؟ فيا بؤساً للقانطين من رحمتي، ويا
بؤساً لمن عصاني، وتَوَثَّب على محارمي.
وقوله: ((ولم ينقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل
البحر)) لتحقيق أن ما عنده لا ينقص البتةَ، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَذُ وَمَا
عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، فإن البحر إذا غُمست فيه إبرة، ثم أُخرجت لم
ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فُرض أنه شرب منه عصفور مثلاً، فإنه
لا ينقص البحر البتةَ، ولهذا ضَرَب الخَضِر لموسىعَله هذا المثل في نسبة
عِلمهما إلى علم الله رَك، وهذا لأن البحر لا يزال تُمِدّه مياه الدنيا، وأنهارها
الجارية، فمهما أخذ منه لم ينقصه شيءٌ؛ لأنه يمده ما هو أزْيد مما أُخذ منه،
وهكذا طعام الجنة، وما فيها، فإنه لا ينقص، كما قال تعالى: ﴿وَفَكِهَذْ كَثِيرَةٍ
[الواقعة: ٣٢، ٣٣]، وقد جاء: ((أنه كلما نُزعت
٣٣
لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَتِ
(٣٢)
ثمرة عاد مكانها مثلها))، وروي: ((مثلاها))، فهي لا تنقص أبداً، ويشهد لذلك
قول النبيّ وَّ في خطبة الكسوف: ((ورأيت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو
أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا))، خرّجاه في ((الصحيحين)) من حديث ابن
عباس ◌ًا، وخرّجه الإمام أحمد من حديث جابر ظُبه، ولفظه: ((ولو أتيتكم
به لأَكَل منه مَن بين السماء والأرض، لا ينقصونه شيئاً)).
وهكذا لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة، يُستخلف، ويعود كما كان
حيّاً، لا ينقص منه شيءٌ، وقد روي هذا الحديث عن النبيّ وَّر من وجوه فيها
ضَعف، وقاله كعب، وروي أيضاً عن أبي أمامة الباهليّ من قوله، قال أبو
أمامة: وكذلك الشراب يشرب منه حتى ينتهي نَفَسه، ثم يعود مكانه، ورؤي
بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدّة في المنام، فقال: ما أكلت منذ فارقتكم
إلا بعض فرخ، أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد.
وقد بُيِّن في الحديث الذي خرّجه الترمذيّ وابن ماجه، السبب الذي لأجله لا
ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله: ((ذلك بأني جوادٌ واحدٌ ماجدٌ أفعل ما أريد، عطائي
كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت إنما أقول له كن فيكون))(١)،
(١) حديث أخرجه الترمذيّ مطوّلاً، وقال: حديث حسن.

٥٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ، كُنْ فَيَكُونُ
[يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ
[النحل: ٤٠].
(٨٢)
وفي ((مسند البزار)) بإسناد فيه نظر، من حديث أبي هريرة ظه، عن
النبيّ وَّ﴿ قال: ((خزائن الله الكلام، فإذا أراد الله شيئاً قال له: كن فكان))، فهو
سبحانه إذا أراد شيئاً من عطاء، أو عذاب، أو غير ذلك قال له: كن فيكون،
فكيف يُتصور أن ينقص هذا؟ وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئاً قال له: كن
فيكون، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ
[آل عمران: ٥٩].
٥٩
كُنْ فَيَكُونُ
وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله تعالى إلى موسى ظلَل *: يا موسى
لا تخافنّ غيري ما دام لي السلطان، وسلطاني دائم، لا ينقطع، يا موسى لا
تهتمنّ برزقي أبداً، ما دامت خزائني مملوءة، لا تفنى أبداً، يا موسى لا تأنس
بغيري، ما وجدتني أنيساً لك، متى طلبتني وجدتني، يا موسى لا تأمن مكري،
ما لم تَجُز الصراط إلى الجنة، وقال بعضهم [من البسيط]:
فَإِنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بِالدِّينِ
لَا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعِ
فَإِنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ
وَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ
وقوله: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها))؛
يعني: أنه سبحانه يُحصي أعمال عباده، ثم يُوَفّيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا
كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ (3﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقوله: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدَا﴾
[الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُخُضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن
سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأْ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ
جَمِيعًا فَيُنَبِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنْهُ اَللَّهُ وَنَسُوءٌ﴾ [المجادلة: ٦].
وقوله: ((ثم أوفّيكم إياها)) الظاهر أن المراد: توفيتها يوم القيامة، كما
قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ويَحْتَمِل
أن المراد: يوفّي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة، كما في قوله: ﴿مَنْ
يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقد روي عن النبيّ وَّول أنه فَسَّر ذلك بأن

٥٠٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
المؤمنين يُجَازَون بسيئاتهم في الدنيا، وتُدَّخَر لهم حسناتهم في الآخرة، فيوفّون
أجورهم، وأما الكافر فإنه يُعَجَّل له في الدنيا ثواب حسناته، وتدّخر له سيئاته،
فيعاقب بها في الآخرة.
وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خير أو شرّ، فالشر يجازى به مثله
من غير زيادة، إلا أن يعفو الله عنه، والخير تضاعَف الحسنة عنه بعشر أمثالها،
إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، لا يعلم قَدْرها إلا الله، كما قال
تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وقوله: ((فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا
نفسه)) إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله تعالى على عبده من غير استحقاق
له، والشرّ كله من عند ابن آدم من اتّباع هوى نفسه، كما قال رم: ﴿مَا أَصَابَكَ
مِنْ حَسَنَةٍ فِيْنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
وقال عليّ ◌َظُه: لا يرجونّ عبد إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، فالله
سبحانه إذا أراد توفيق عبد، وهدايته أعانه، ووفّقه لطاعته، وكان ذلك فضلاً منه
ورحمة، وإذا أراد خذلان عبد وثَله إلى نفسه، وخَلَّى بينه وبينها، فأغواه
الشيطان؛ لغفلته عن ذِكر الله تعالى، واتّبع هواه، وكان أمْره فُرُطاً، وكان ذلك
عدلاً منه، فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتاب، وإرسال الرسول، فما
بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل، فقوله بعد هذا: ((فمن وجد
خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه)) إن كان المراد: مَن
وجد ذلك في الدنيا، فإنه يكون حينئذ مأموراً بالحمد لله على ما وجده من
جزاء الأعمال الصالحة الذي عُجِّل له في الدنيا، كما قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا
مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا
[النحل: ٩٧]، ويكون مأموراً بلوم نفسه على ما فعلت من
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
الذنوب التي وَجَد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ
[السجدة: ٢١]، فالمؤمن إذا أصابه
اُلْأَدْفَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
في الدنيا بلاء رجع إلى نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله تعالى
بالتوبة والاستغفار.
وفي ((المسند))، و((سنن أبي داود)) عن النبيّ وَّ ﴾ قال: ((إن المؤمن إذا

٥١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أصابه سقم، ثم عافاه الله منه، كان كفارةً لِمَا مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما
يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مَرِض، وعوفي كان كالبعير عَقَله أهله،
وأطلقوه، لا يدري لِمَ عقلوه؟، ولا لِمَ أطلقوه؟)) (١)، وقال سلمان الفارسيّ:
إن المسلم ليبتلى، فيكون كفارة لِمَا مضى، ومستعتباً فيما بقي، وإن الكافر
يبتلى، فمثله كمثل البعير أُطلق فلم يَدْر لِمَ أُطلق؟، وعُقل فلم يَدْر لِمَ عُقل؟.
وإن كان المراد: من وجد خيراً أو غيره في الآخرة، كان إخباراً منه بأن
الذين يجدون الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك، وأن من وجد غير ذلك
فلا يلومنّ إلا نفسه حين لا ينفعه اللوم، فيكون الكلام لَفْظه لَفْظ الأمر، ومعناه
الخبر؛ كقوله وَّل: ((من كذب عليّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار))، والمعنى:
أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار.
وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقهم من
فضله، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ تَّجْرِى مِن تَحْنِمُ الْأَنْهَرُّ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَمَنَا الَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى:
﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ
نَشَآءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَّ إِنَّ
الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا
٣٤
رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ
٣٥
يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ
[فاطر: ٣٤، ٣٥]، وأخبر عن أهل النار أنهم يلومون
أنفسهم، ويمقتونها أشدّ المقت، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ
إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَغْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنَ
دَعَوْتُكُمْ فَلَسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَ
اُلْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (®﴾ [غافر: ١٠].
وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حَذَراً من لوم
النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير.
وفي الترمذيّ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما من ميت يموت إلا نَدِم إن كان
(١) في سنده أبو منظور الشاميّ: مجهول، كما في ((التقريب)).

٥١١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
محسناً ندم على أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون استعتب)».
وقيل لمسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع من الاجتهاد، فقال: والله
لو أتاني آت، فأخبرني أن لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟
قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك في قول الله
[القيامة: ٢] إنما لاموا أنفسهم حين صاروا
٢
تعالى: ﴿وَلَ أُقِْمُ بِلنَّفْسِ الََّامَةِ
إلى جهنم، فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم
الأماني، ورُفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل امرئ منهم يلوم نفسه.
وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدنّ، ثم والله لأجتهدنّ، فإن
نجوت فبرحمة الله، وإلا لم أَلُمْ نفسي.
وكان زياد بن عياش يقول لابن المنكدر، ولصفوان بن سليم: الجَدّ
الجدّ، والحَذَر الحذر، فإن يكن الأمر على ما نرجو، كان ما عملتما فضلاً،
وإلا لم تلوما أنفسكما .
وكان مطرف بن عبد الله يقول: اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمر ما
نرجو من رحمة الله وعفوه، كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديداً كما نخاف
ونحذر، لم نقل: ﴿رَبَّآ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]
ج
نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب تَّتُ على هذا
الحديث الشريف(١)، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في ذِكر رسالة شيخ الإسلام ابن تيميّة تَظُّهُ في شرح
هذا الحديث، فقد شرحه شرحاً مطوّلاً، فأجاد، وأفاد، أحببت إيراده هنا؛ لأن
كتابي موضوع لاستيفاء المسائل حسب الاستطاعة، فلا أترك بحثاً مفيداً يتعلّق
به إلا وأوردته فيه، ثم إن إيراد النصّ أضمن، وأحسن، وأوفى بالمراد من
تغييره باختصار، أو نحوه، فهاك نصّ الرسالة:
[سئل شيخ الإسلام] عن معنى حديث أبي ذرّ ◌ُه عن رسول الله وَلا قه
فيما يروى عن الله تبارك وتعالى، أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على
نفسي، وجعلته بينكم محرّماً بينكم، فلا تظالموا ... )) إلى آخر الحديث.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) للحافظ ابن رجب تقدم ٣٣/٢ - ٥٥.

٥١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
فأجاب نَظُّهُ:
الحمد لله ربِّ العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما قوله تعالى: ((يا
عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي)) ففيه مسألتان كبيرتان، كل منهما ذات
شُعَب وفروع:
إحداهما: في الظلم الذي حرّمه الله على نفسه، ونفاه عن نفسه بقوله:
﴿وَمَا ظَلَمْتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]،
وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله: ﴿قُلِّ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ
خَيْرٌ لِمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، ونفى إرادته بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ
ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، ونفى خوف العباد له بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَّالِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِرٌُ فَلَا يَخَافُ نُظُلْمًا وَلَا هَضْمًا
﴾ [طه: ١١٢].
١١٢
فإن الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعاً صاروا فيه بين طرفين،
متباعدين، ووَسَط بينهما، وخيار الأمور أوساطها، وذلك بسبب البحث في
القَدَر، ومجامعته للشرع؛ إذ الخوض في ذلك بغير علم تامّ أوجب ضلال عامة
الأمم، ولهذا نهى النبيّ وَلّ أصحابه عن التنازع فيه.
فذهب المكذّبون بالقدر، القائلون بأن الله لم يخلق أفعال العباد، ولم يُرِد
أن يكون إلا ما أمر بأن يكون، وغُلاتهم المكذبون بتقدّم علم الله، وكتابه بما
سيكون من أفعال العباد، من المعتزلة وغيرهم إلى أن الظلم منه هو نظير الظلم
من الآدميين، بعضهم لبعض، وشبّهوه ومثّلوه في الأفعال بأفعال العباد، حتى
كانوا هم ممثّلة الأفعال، وضربوا لله الأمثال، ولم يجعلوا له المَثَل الأعلى، بل
أوجبوا عليه، وحرّموا ما رأوا أنه يجب على العباد، ويحرم بقياسه على العباد،
وإثبات الحكم في الأصل بالرأي، وقالوا عن هذا: إذا أمَر العبدَ، ولم يُعِنْه
بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة، كان ظالماً له، والتزموا أنه لا يقدر أن
يهدي ضالّاً، كما قالوا: إنه لا يقدر أن يُضلّ مهتدياً، وقالوا عن هذا: إذا أمر
اثنين بأمر واحد، وخصّ أحدهما بإعانته على فعل المأمور، كان ظالماً، إلى
أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تَرْکه لها
ظلماً .

٥١٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فِعله مقدَّراً ظُلم له، ولم يفرقوا بين
التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك، ومن لم يقم، وإن كان ذلك
الاستحقاق خَلَقه لحكمة أخرى عامّة، أو خاصة.
وهذا الموضع زلّت فيه أقدام، وضّت فيه أفهام، فعارض هؤلاء آخرون
من أهل الكلام المُثْبتين للقَدَر، فقالوا: ليس للظلم منه حقيقة يمكن وجودها،
بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها، فلا يجوز أن يكون مقدوراً، ولا أن يقال:
إنه هو تارك له باختياره، ومشيئته، وإنما هو من باب الجمع بين الضدين،
وجَعْل الجسم الواحد في مكانين، وقَلْب القديم مُحْدَثاً، والمحدَث قديماً، وإلا
فمهما قُدِّر في الذهن، وكان وجوده ممكناً، والله قادر عليه، فليس بظلم منه،
سواء فَعَله، أو لم يفعله.
وتلقى هذا القول عن هؤلاء طوائف من أهل الإثبات من الفقهاء، وأهل
الحديث، من أصحاب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم، ومن شرّاح
الحديث، ونحوهم، وفَسَّروا هذا الحديث بما ينبني على هذا القول، وربما
تعلقوا بظاهر من أقوال مأثورة، كما روينا عن إياس بن معاوية أنه قال: ما
ناظرت بعقلي كله أحداً إلا القَدَرية، قلت لهم: ما الظلم؟ قالوا: أن تأخذ ما
ليس لك، أو أن تتصرف فيما ليس لك، قلت: فلِلَّه كل شيء، وليس هذا من
إياس إلا ليبيّن أن التصرفات الواقعة هي في مُلكه، فلا يكون ظلماً بموجب
حدّهم، وهذا مما لا نزاع بين أهل الإثبات فيه، فإنهم متفقون مع أهل الإيمان
بالقَدَر على أن كل ما فَعَله الله فهو عدلٌ.
وفي حديث الكرب الذي رواه الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود،
قال: قال رسول الله وَله: ((ما أصاب عبداً قطّ هَمٍّ، ولا حزنٌ، فقال: اللَّهُمَّ
إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فِيّ حكمك، عَدْل فِيّ
قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو
علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن
ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حُزْني، وذهاب همّي وغمّي، إلا أذهب الله
همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحاً، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهنّ؟ قال: بلى،
ينبغي لمن سمعهنّ أن يتعلمهنّ)).

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
فقد بَيَّن أن كل قضائه في عبده عدلٌ، ولهذا يقال: كل نعمة منه فضلٌ،
وكل نقمة منه عدلٌ، ويقال: أطعتك بفضلك، والمنّة لك، وعصيتك بعلمك،
أو بِعَدْلك، والحجة لك، فأسالك بوجوب حجتك عليّ، وانقطاع حجتي إلا ما
غفرت لي.
وهذه المناظرة من إياس كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن الغيلان حين
قال له غيلان: نشدتك الله، أترى الله يحبّ أن يُعْصَى؟ فقال: نشدتك الله،
أترى الله يُعْصَى قسراً؛ يعني: قهراً، فكأنما ألقمه حجراً، فإن قوله: يحب أن
يُعْصَى لفظ فيه إجمال، وقد لا يتأتى في المناظرة تفسير المُجمَلات؛ خوفاً من
لَدَد الخصم، فيؤتى بالواضحات، فقال: أفتراه يُعْصَى قسراً؟ فإن هذا إلزام له
بالعجز الذي هو لازم للقدَرية، ولمن هو شرّ منهم من الدهريّة الفلاسفة،
وغيرهم.
وكذلك إياس رأى أن هذا الجواب المطابق لحدّهم خاصم لهم، ولم
يدخل معهم في التفصيل الذي يطول.
وبالجملة فقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ خُلِلْمًا
وَلَا هَضْمًا (١٦)﴾ [طه: ١١٢] قال أهل التفسير من السلف: لا يخاف أن يُظْلَم،
فَيَحْمِل عليه سيئات غيره، ولا يُهْضَم، فيُنقص من حسناته، ولا يجوز أن يكون
هذا الظلم هو شيء ممتنَع غير مقدور عليه، فيكون التقدير: لا يخاف ما هو
ممتنع لذاته، خارج عن الممكنات، والمقدورات، فإن مثل هذا إذا لم يكن
وجوده ممكناً، حتى يقولوا: إنه غير مقدور، ولو أراد؛ كخلق المِثْل له، فكيف
يُعقل وجوده فضلاً أن يُتصور خوفه، حتى يُنفَى خوفه؟ ثم أيّ فائدة في نفي
خوف هذا؟ وقد عُلم من سياق الكلام أن المقصود بيان أن هذا العامل
المحسن لا يُجزَى على إحسانه بالظلم والهضم، فعلم أن الظلم والهضم المنفيّ
يتعلق بالجزاء، كما ذكره أهل التفسير، وإن الله لا يجزيه إلا بعمله، ولهذا كان
الصواب الذي دلّت عليه النصوص أن الله لا يعذِّب في الآخرة إلا من أذنب،
﴾ [صّ: ٨٥]، فلو دخلها
٢٨٥
كما قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَيِعَكَ مِنْهُمْ أَثْمَعِينَ
أحد من غير أتباعه لم تمتلئ منهم، ولهذا ثبت في «الصحيحين)) في حديث:
تحاجّ الجنة والنار، من حديث أبي هريرة وأنس: أن النار لا تمتلئ ممن كان

٥١٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
أُلقي فيها حتى يَنْزَوِي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعد قولها: هل من
مزيد، وأما الجنة فيبقى فيها فضل عمن يدخلها من أهل الدنيا، فيُنشئ الله لها خلقاً
آخر، ولهذا كان الصواب الذي عليه الأئمة فيمن لم يُكَلَّف في الدنيا من أطفال
المشركين، ونحوهم، ما صحّ به الحديث، وهو أن الله أعلم بما كانوا عاملين،
فلا نحكم لكل منهم بالجنة، ولا لكل منهم بالنار، بل هم ينقسمون بحسب ما
يظهر من العلم إذا كُلُّفوا يوم القيامة في العرضات، كما جاءت بذلك الآثار.
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ
٤٦
بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ
﴾ [فصلت: ٤٦] يدلّ الكلام على أنه لا يظلم محسناً، فينقصه
من إحسانه، أو يجعله لغيره، ولا يظلم مسيئاً، فيجعل عليه سيئات غيره، بل
لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت، وهذا كقوله: ﴿أَمْ لَمّ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفٍ مُوسَى
وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَ ﴿ أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا
سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، فأخبر أنه ليس على أحد من وِزْر غيره شيء، وأنه لا
يستحقّ إلا ما سعاه، وكلا القولين حقّ على ظاهره، وإن ظنّ بعض الناس أن
تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ينافي الأول، فليس كذلك؛ إذ ذلك النائح يعذَّب
بِنَوْحه، لا يَحْمِل الميت وِزره، ولكن الميت يناله ألمٍّ مِن فِعل هذا، كما يتألم
الإنسان من أمور خارجة عن كسبه، وإن لم يكن جزاء الكسب والعذاب أعمّ
من العقاب، كما قال: ((السفر قطعة من العذاب)).
وكذلك ظنّ قوم أن انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحيّ ينافي قوله:
﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾﴾ فليس الأمر كذلك، فإن انتفاع الميت
بالعبادات البدنية من الحيّ بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالعبادات المالية، ومن
ادّعَى أن الآية تُخالف أحدهما دون الآخر، فقوله ظاهر الفساد، بل ذلك
بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالدعاء والاستغفار، والشفاعة، وقد بينًا في غير هذا
الموضع نحواً من ثلاثين دليلاً شرعياً يبيّن انتفاع الإنسان بسعي غيره؛ إذ الآية
إنما نفت استحقاق السعي ومُلكه، وليس كل ما لا يستحقه الإنسان، ولا يملكه
لا يجوز أن يُحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه، فهذا نوع، وهذا نوع،
وكذلك ليس كل ما لا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته منفعة، فإن هذا
كَذِب في الأمور الدينية، والدنيوية.

٥١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وهذه النصوص النافية للظلم تُثبت العدل في الجزاء، وأنه لا يُبخَس
عامل عمله، وكذلك قوله فيمن عاقبهم: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمَّ فَمَآ
أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، وقوله: ﴿وَمَا
[الزخرف: ٧٦] بَيَّن أن عقاب المجرمين
ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ
عدلاً(١) لذنوبهم، لا لأنّا ظلمناهم، فعاقبناهم بغير ذنب.
والحديث الذي في ((السنن)): ((لو عذّب الله أهل سماواته، وأهل أرضه
لعذّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم)»
يبيّن أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك، لا لكونه بغير ذنب، وهذا
يبيّن أن من الظلم المنفيّ عقوبة من لم يذنب، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِىّ
مِثْلَ دَأَبٍ قَوِّ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
ءَامَنَ يَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ اٌلْأَحْزَابِ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣)﴾ [غافر: ٣٠، ٣١] يبيّن أن هذا
العقاب لم يكن ظلماً لاستحقاقهم ذلك، وأن الله لا يريد الظلم، والأمر الذي
لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون
المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادراً عليها، فعلم أن الله قادر على ما
نزّه نفسه عنه من الظلم، وأنه لا يفعله، وبذلك يصحّ قوله: ((إني حرمت الظلم
على نفسي)) وأن التحريم هو المنع، وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع
لذاته، فلا يصلح أن يقال: حرّمت على نفسي، أو منعت نفسي من خَلْق مِثلي،
أو جعل المخلوقات خالقة، ونحو ذلك من المحالات، وأكثر ما يقال في
تأويل ذلك ما يكون معناه: إني أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدوراً، لا
يكون مني، وهذا المعنى مما يتيقن المؤمن أنه ليس مراد الربّ، وأنه يجب
تنزيه الله تعالى ورسوله وي عن إرادة مثل هذا المعنى الذي لا يليق الخطاب
بمثله؛ إذ هو مع كونه شِبْه التكرير، وإيضاح الواضح ليس فيه مدح، ولا ثناء،
ولا ما يستفيده المستمع، فعلم أن الذي حرّمه على نفسه هو أمر مقدور عليه،
لكنه لا يفعله؛ لأنه حرّمه على نفسه، وهو سبحانه منزّه عن فِعله، مقدَّس عنه.
يبيّن ذلك أن ما قاله الناس في حدود الظلم يتناول هذا دون ذلك؛ كقول
(١) هكذا النسخة بالنصب، والظاهر أنه ((عدلٌ)) بالرفع، فتأمله.

٥١٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
بعضهم: الظلم وَضْع الشيء في غير موضعه؛ كقولهم: من أشبه أباه فما ظلم؛
أي: فما وَضَع الشَّبَه غير موضعه، ومعلوم أن الله سبحانه حَكمٌ عدلٌ لا يضع
الأشياء إلا مواضعها، ووضعها غير مواضعها ليس ممتنعاً لذاته، بل هو
ممكن، لكنه لا يفعله؛ لأنه لا يريده، بل يكرهه، ويُبغضه؛ إذ قد حرّمه على
نفسه .
وكذلك من قال: الظلم إضرار غير مستحقّ، فإن الله لا يعاقب أحداً بغير
حقّ، وكذلك من قال: هو نقص الحقّ، وذَكَر أن أصله النقص؛ كقوله : .
الْجََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: ٣
وأما من قال: هو التصرف في ملك الغير، فهذا ليس بمطّرد، ولا
منعكس، فقد يتصرف الإنسان في مُلك غيره بحقّ، ولا يكون ظالِماً، وقد
يتصرف في ملكه بغير حقّ، فيكون ظالماً، وظُلم العبد نفسه كثير في القرآن،
وكذلك من قال: فِعل المأمور خلاف ما أُمر به، ونحو ذلك، إن سُلِّم صحة
مثل هذا الكلام، فالله سبحانه قد كَتَب على نفسه الرحمة، وحَرَّم على نفسه
الظلم، فهو لا يفعل خلاف ما كَتَب، ولا يفعل ما حَرَّم.
وليس هذا الجواب موضع بسط هذه الأمور التي نبّهنا عليها فيه، وإنما
نشير إلى النَّكَت، وبهذا يتبيّن القول المتوسط، وهو أن الظلم الذي حرّمه الله
على نفسه، مثل أن يترك حسنات المحسن، فلا يَجزيه بها، ويعاقب البريء
على ما لم يفعل من السيئات، ويعاقب هذا بذنب غيره، أو يحكم بين الناس
بغير القسط، ونحو ذلك، من الأفعال التي ينزّه الربّ عنها؛ لِقِسْطه، وعَدْله،
وهو قادرٌ عليها، وإنما استحقَّ الحمد والثناء؛ لأنه ترك هذا الظلم، وهو قادر
عليه، وكما أن الله منزَّه عن صفات النقص والعيب، فهو أيضاً منزَّه عن أفعال
النقص والعيب.
وعلى قول الفريق الثاني ما ثَمّ فعلٌ يجب تنزيه الله عنه أصلاً، والكتاب،
والسُّنَّة، وإجماع سلف الأمة، وأئمتها يدلّ على خلاف ذلك، ولكن متكلمو
أهل الإثبات لمّا ناظروا متكلمة النفي، ألزموهم لوازم لم ينفصلوا عنها، إلا
بمقابلة الباطل بالباطل، وهذا مما عابه الأئمة، وذمّوه، كما عاب الأوزاعيُّ،
والزُّبَيديّ، والثوريُّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، مقابلة القَدَرية بالغلوّ في

٥١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الإثبات، وأَمروا بالاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، وكما عابوا أيضاً على من قابل
الجهمية نفاة الصفات بالغلوّ في الإثبات، حتى دخل في تمثيل الخالق
بالمخلوق، وقد بسطنا الكلام في هذا وهذا، وذكرنا كلام السلف، والأئمة في
هذا في غير هذا الموضع.
ولو قال قائل: هذا مبنيّ على مسألة تحسين العقل وتقبيحه، فمن قال:
العقل يُعْلَم به حُسن الأفعال وقُبحها، فإنه ينزّه الربّ عن بعض الأفعال، ومن
قال: لا يُعلم ذلك إلا بالسمع، فإنه يجوز جميع الأفعال عليه؛ لعدم النهي في
حقه .
قيل له: ليس بناء هذه على تلك بلازم، وبتقدير لزومها، ففي تلك تفصيل
وتحقيق، قد بسطناه في موضعه، وذلك إنّا فرضنا أنّا نعلم بالعقل حُسن بعض
الأفعال وقُبحها، لكن العقل لا يقول: إن الخالق كالمخلوق، حتى يكون ما
جعله حَسَناً لهذا، أو قبيحاً له، جَعَله حسناً للآخر، أو قبيحاً له، كما يفعل
مِثل ذلك القَدَرية؛ لِمَا بين الربّ والعبد من الفروق الكثيرة، وإنْ فرضنا أن
حسن الأفعال وقبحها لا يُعلم إلا بالشرع، فالشرع قد دلّ على أن الله قد نَزَّه
نفسه عن أفعال وأحكام، فلا يجوز أن يفعلها تارةً بخبره مثنياً على نفسه، بأنه
لا يفعلها، وتارة بخبره أنه حرّمها على نفسه.
وهذا يبيِّن المسألة الثانية، فنقول:
الناس لهم في أفعال الله باعتبار ما يصلح منه، ويجوز، وما لا يجوز
منه، ثلاثة أقوال: طرفان، ووسط.
فالطرف الواحد: طَرَف القدرية، وهم الذين حجروا عليه أن يفعل إلا ما
ظنّوا بعقلهم أنه الجائز له، حتى وضعوا له شريعة التعديل والتجويز، فأوجبوا
عليه بعقلهم أموراً كثيرة، وحرّموا عليه بعقلهم أموراً كثيرة، لا بمعنى أن العقل
آمر له ونَاهٍ، فإن هذا لا يقوله عاقل، بل بمعنى أن تلك الأفعال مما عُلم
بالعقل وجوبها وتحريمها، ولكن أدخلوا في ذلك المنكرات ما بنوه (١) على
بدعتهم في التكذيب بالقدر، وتوابع ذلك.
(١) كذا النسخة، ولعلّ الأولى: مما بنوه ... إلخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٥١٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
والطرف الثاني: طرف الغُلاة في الرد عليهم، وهم الذين قالوا: لا ينزه
الربّ عن فِعل من الأفعال، ولا نعلم وجه امتناع الفعل منه، إلا من جهة
خبره، أنه لا يفعله، المطابق لعلمه، بأنه لا يفعله، وهؤلاء منعوا حقيقة ما
أخبر به من أنه كَتَب على نفسه الرحمة، وحرّم على نفسه الظلم، قال الله
تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَ
نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ◌َظُه، عن
النبيّ وَّ قال: ((إن الله لمّا قضى الخلق، كتب على نفسه كتاباً، فهو موضوع
عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي))، ولم يعلم هؤلاء أن الخبر
المجرد المطابق للعلم، لا يبيّن وَجْه فِعله وتركه؛ إذ العلم يطابق المعلوم،
فعِلمه بأنه يفعل هذا، وأنه لا يفعل هذا، ليس فيه تعرّض؛ لأنه كتب هذا
على نفسه، وحرّم هذا على نفسه، كما لو أخبر عن كائن مَن كان أنه يفعل
كذا، ولا يفعل كذا، لم يكن في هذا بيان لكونه محموداً ممدوحاً على فِعل
هذا، وترْك هذا، ولا في ذلك ما يبيّن قيام المقتضي لهذا، والمانع من هذا،
فإن الخبر المحض كاشف عن المخبَر عنه، ليس فيه بيان ما يدعو إلى
چ
الفعل، ولا إلى الترك، بخلاف قوله: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:
١٢]، وحرّم على نفسه الظلم، فإن التحريم مانع من الفعل، وكتابته على نفسه
داعية إلى الفعل، وهذا بَيِّن واضح؛ إذ ليس المراد بذلك مجرد كتابته أنه
يفعل، وهو كتابة التقدير، كما قد ثبت في ((الصحيح)): ((أنه قدَّر مقادير
الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه
على الماء))، فإنه قال: ﴿كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ولو أريد كتابة التقدير
لكان قد كتب على نفسه الغضب، كما كتب على نفسه الرحمة؛ إذ كان
المراد مجرّد الخبر عما سيكون، ولكان قد حرّم على نفسه كل ما لم يفعله
من الإحسان، كما حرّم الظلم.
وكما أن الفرق ثابت في حقنا بَيْنَ قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ الْقَتْلّ﴾
[البقرة: ١٧٨]، وبيْن قوله: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِىِ الزُّبُرِ (@)﴾ [القمر: ٥٢]،
وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ فِ اْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله: («فيُبعث إليه الملَك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال

٥٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
له: اكتب رزقه، وأجَله، وعمله، وشقيٍّ، أو سعيد))، فهكذا الفرق أيضاً ثابت
في حقّ الله تعالی.
ونظير ما ذكره من كتابته على نفسه كما تقدم، قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا
عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقول النبيّ وَّر في الحديث الصحيح: ((يا
معاذ أتدري ما حقّ الله على عباده؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((حقّه
عليهم أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقّ العباد على الله، إذا
فعلوا ذلك؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((حقهم عليه ألا يعذبهم))، ومنه
قوله في غير حديث: كان حقّاً على الله أن يفعل به كذا، فهذا الحقّ الذي عليه
هو أَحَقَّه على نفسه بقوله.
ونظير تحريمه على نفسه، وإيجابه على نفسه، ما أخبر به من قَسَمه
ليفعلنّ، وكلمته السابقة؛ كقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّيِّكَ﴾ [يونس:
١٩]، وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنََّ﴾ [الأعراف: ١٨]، و﴿لَتُهُلِكَنَّ الَّلِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]،
﴿قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ
الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦]، ونحو ذلك من صيغ القَسَم المتضمنة معنى
الإيجاب، والمعنى، بخلاف القَسَم المتضمن للخبر المحض، ولهذا قال
الفقهاء: اليمين إما أن توجب حقّاً، أو منعاً، أو تصديقاً، أو تكذيباً، وإذا كان
معقولاً في الإنسان أنه يكون آمراً مأموراً؛ كقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾
[يوسف: ٥٣]، وقوله: ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمُوَ
[النازعات: ٤٠] مع أن العبد له آمر وناهٍ فوقه، والربّ الذي ليس فوقه أحد لَأَنْ
يُتصوّر أن يكون هو الآمر الكاتب على نفسه الرحمة، والناهي المحرِّم على
نفسه الظلم أولى وأحرى، وكتابته على نفسه ذلك تستلزم إرادته لذلك، ومحبته
له، ورضاه بذلك، وتحريمه الظلم على نفسه، يستلزم بغضه لذلك، وكراهته له
وإرادته، ومحبّتُهُ للفعل توجب وقوعه منه، وبغضه له، وكراهته لأن يفعله يمنع
وقوعه منه، فأما ما يحبه، ويبغضه من أفعال عباده، فذلك نوع آخر، ففَرْق بين
فعله هو، وبين ما هو مفعول مخلوق له، وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه،
وإن كان بالنسبة إلى فاعله الذي هو الإنسان هو ظلم، كما أن أفعال الإنسان