Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْرِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٧) (سَيِّئَاتِهِ) منصوب على المفعوليّة لـ((حَظّ))، (كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا))) قال الطيبيّ تَخْتُ: شبّه حال المريض، وإصابة المرض جسده، ثم محو السيئات عنه سريعاً بحالة الشجرة، وهبوب الرياح الخريفيّة، وتناثر الأوراق منها سريعاً، وتجرّدها عنها، فهو تشبيهٌ تمثيليّ؛ لانتزاع الأمور المتوهّمة في المشبّه من المشبَّه به، فوجه التشبيه الإزالة الكليّة على سبيل السرعة، لا الكمال والنقصان؛ لأن إزالة الذنوب عن الإنسان سبب كماله، وإزالة الأوراق عن (١). الشجرة سبب نقصانها. انتهى وفي رواية للبخاريّ: ((إلا كفّر الله بها سيّئاته، كما تحطّ الشجرة ورقها))، قال في ((الفتح)): معنى قوله: ((أذّى، شوكةٌ)) التنوين فيه للتقليل، لا للجنس؛ ليصحّ ترتّب فوقها ودونها في العِظَم، والحقارة عليه بالفاء، وهو يَحْتَمِل فوقها في العظم، ودونها في الحقارة، وعكسه. وقوله: ((كما تحُطّ)) بفتح أوله، وضم المهملة، وتشديد الطاء المهملة؛ أي: تُلقيه منتثراً. والحاصل أنه أثبت أن المرض إذا اشتدّ ضاعف الأجر، ثم زاد عليه بعد ذلك أن المضاعفة تنتهي إلى أن تحط السيئات كلها . أو المعنى قال: نَعَم شدّة المرض ترفع الدرجات، وتحط الخطيئات أيضاً، حتى لا يبقى منها شيء، ويشير إلى ذلك حديث سعد بن أبي وقّاص الذي تقدّم ذكره: ((حتى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة)). ومثله حديث أبي هريرة، عند أحمد، وابن أبي شيبة، بلفظ: ((لا يزال البلاء بالمؤمن، حتى يلقى الله، وليس عليه خطيئة، قال أبو هريرة: ما من وجع يصيبني أحب إليّ من الحمى، إنها تدخل في كل مَفْصِل من ابن آدم، وإن الله يعطي كل مفصل قسطه من الأجر))(٢). وفي رواية للبخاريّ أيضاً: ((ما من مسلم يصيبه أذى، إلا حاتّ الله عنه خطاياه، كما تحاتّ ورق الشجر))، وقوله: ((حات الله)) بفتح الحاء المهملة، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٣٩/٤. (٢) ((الفتح)) ١٩/١٣، كتاب ((المرضى)) رقم (٥٦٤٨). ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وبعد الألف تاء مثناة مشدّدة، وهو من باب المفاعلة، وأصله حاتت، فأدغمت التاء في التاء؛ أي: نثر الله عنه خطاياه، يقال: تحاتّ الشيءُ؛ أي: تناثر، قوله: ((كما تحات))؛ أي: كما يسقط ورق الشجر، وقال ابن الأثير: حاتت عنه ذنوبه؛ أي: تساقطت. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: هذا يدلّ على ما صدّقه بقوله: ((أجل ... إلخ))، يدلّ على أن في المرض زيادة الحسنات، وهذا يدلّ على أنه يحظّ الخطيئات. قلت: أجل تصديق لذلك الخبر، فصدقّه أوّلاً، ثم استأنف الكلام، وزاد عليه شيئاً آخر، وهو حظّ السيئات، فكأنه قال: نعم يزيد الدرجات، ويحطّ الخطيئات أيضاً. واختَلَف العلماء فيه، فقال أكثرهم: فيه رفع الدرجة، وحطّ الخطيئة، وقال بعضهم: إنه يكفّر الخطيئة فقط، ذكره في ((العمدة))(١). وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ: فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي) أشار به إلى اختلاف شيوخه، ففي رواية عثمان، وإسحاق: ((فمسسته بيدي))، وليس هذا في رواية زهير، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رظُّبه هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: ذكر الدار قطنيّ ◌َُّ في ((العلل)) الاختلاف في حديث ابن مسعود هذا، ونصّ ((العلل)): (٧٨٥) - وسئل عن حديث علقمة، عن عبد الله: ((دخلت على رسول الله وَّ﴾، وإنه ليوعك، فقلت: ما أشدّ حُمّاك؟ فقال: إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم، أما إنه ليس من عبد، ولا أمة، يَمْرَض مرضاً إلا حظّ الله بها خطاياه، كما تتحات عن الشجرة ورقها)). فقال: يرويه الأعمش، واختُلف عنه، فرواه النضر بن إسماعيل، عن (١) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٢١. ٤٤٣ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٧) الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، ورواه شَريك، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن الأسود وهمام، عن عبد الله، قال ذلك يزيد بن هارون، عن شريك، ورواه عمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله. ورواه أبو معاوية، وجرير، وعَبِيدة بن حُميد، وابن فضيل، وعيسى بن يونس، والثوريّ، وابن نُمير، ويعلى بن عُبيد، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله، وهو الصحيح. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذكره الدار قطنيّ ◌َخَّهُ أن رواية مسلم من طريق جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله ظُه، صحيحة؛ لاتفاق هؤلاء الحفّاظ الثمانية الذين ذكرهم آنفاً عليها، وما خالفها فهو ضعيف، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٣٧/١٤ و٦٥٣٨] (٢٥٧١)، و(البخاريّ) في ((المرضى)) (٥٦٤٧ و٥٦٤٨ و٥٦٦٠ و٥٦٦١ و٥٦٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨١/١ و٤٤١ و٤٥٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٠/٢)، و(هنّاد بن السريّ) في ((الزهد)) (٢٤١/١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٨١/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣١٦/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٣٧)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (٩٩/٩)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٢٨/٤)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٠٧/٢ و٢٠٨)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٢٥٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٢/٣) وفي ((شُعَب الإيمان)) (١٤١/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٣١ و١٤٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان رفعة قَدْر النبيّ وَ ﴿ عند الله تعالى، حيث ضاعف له الأجر بمرضه، قال القرطبيّ تَخْلّلهُ: ومضاعفة المرض على النبيّ وَّقو؛ ليضاعف له الأجر في الآخرة، وهو كما قال ◌َ﴿ في الحديث الآخر: ((أشدّ الناس بلاء (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ١٥٣/٥ - ١٥٤. ٤٤٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه))، وفي الحديث الآخر: ((نحن معاشر الأنبياء يشتدّ علينا البلاء، ويعظم لنا الأجر)). انتهى (١). ٢ - (ومنها): بيان أن البلاء بالنسبة للمؤمن نعمة من الله وَم ينبغي أن يشكره عليه، فلذا كان الأنبياء أشدّ الناس بلاء؛ لِمَا لهم به من الزلفى والقرب من ربهم . ٣ - (ومنها): أن الأمراض ونحوها ترفع الدرجات، كما تحطّ الخطيئات، فتجمع بين الاثنين، كما هو رأي الجمهور، وخالف في ذلك بعضهم، فجعلها للحّ فقط، والصواب الأول. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن الجوزيّ تَّلهُ: في الحديث دلالة على أن القويّ يَحْمِل ما حُمِّل، والضعيف يُرفَق به، إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلي هان عليه البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء، فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجة مَن يرى أن هذا تصرّف المالك في مُلكه، فيُسَلِّم، ولا يعترض، وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذذ به؛ لأنه عن اختياره نشأ، والله أعلم. انتهى(٢). ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّتُهُ: في هذه الأحاديث بشارةٌ عظيمةٌ للمسلمين، فإنه قلما ينفكّ الواحد منهم ساعةً من شيء من هذه الأمور، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض، والأسقام، ومصائب الدنيا، وهمومها، وإن قَلّت مشقتها، وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور، وزيادة الحسنات، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء، وحَكَى القاضي عياض عن بعضهم أنها تكفّر الخطايا فقط، ولا ترفع درجة، ولا تكتب حسنة، قال: ورُوي نحوه عن ابن مسعود رَظُه قال: الوجع لا يُكتب به أجر، لكن تُكَفّر به الخطايا فقط، واعتَمَد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا، ولم تبلغه الأحاديث التي ذكرها مسلم المصرِّحة برفع الدرجات، وكَتْب الحسنات. قال العلماء: والحكمة في كون الأنبياء أشدّ بلاءً، ثم الأمثل فالأمثل، أنهم مخصوصون بكمال الصبر، وصحة الاحتساب، ومعرفة أن ذلك نعمة (١) ((المفهم)) ٥٤٤/٦. (٢) ((كشف المشكل)) ٢٨٧/١. ٤٤٥ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُّهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٧) من الله تعالى؛ لِيُتِمّ لهم الخيرَ، ويُضاعِف لهم الأجر، ويُظهر صبرهم، ورضاهم. انتهى (١). ٦ - (ومنها): أن البخاريّ ترجم في ((صحيحه)) بقوله: ((باب أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وللنسفيّ: ((الأول، فالأول))، وجَمَعهما المستملي، والمراد بالأول: الأولية في الفضل، والأمثل أفعل من المثالة، والجمع أماثل، وهم الفضلاء، وصَدْر هذه الترجمة لفظ حديث، أخرجه الدارميّ، والنسائيّ في ((الكبرى))، وابن ماجه، وصححه الترمذيّ، وابن حبان، والحاكم، كلهم من طريق عاصم بن بَهْدلة، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، ((قال: قلت: يا رسول الله؛ أيُّ: الناس أشدّ بلاءَ؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه ... )) الحديث، وفيه: ((حتى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة))، أخرجه الحاكم من رواية العلاء بن المسيَّب، عن مصعب أيضاً، وأخرج له شاهداً من حديث أبي سعيد، ولفظه: ((قال: الأنبياء، قال: ثم من؟ قال: العلماء، قال: ثم من؟ قال: الصالحون ... )) الحديث، وليس فيه ما في آخر حديث سعد، ولعل الإشارة بلفظ ((الأول، فالأول)) إلى ما أخرجه النسائيّ، وصححه الحاكم، من حديث فاطمة بنت اليمان، أخت حذيفة: ((قالت: أتيت النبيّ وَّهِ في نساء نَعُوده، فإذا بسقاء يقطر عليه من شدّة الحمى، فقال: إن من أشدّ الناس بلاءً الأنبياءَ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). قال: ووجه دلالة حديث الباب على الترجمة(٢) من جهة قياس الأنبياء على نبينا محمد وَا، وإلحاق الأولياء بهم؛ لِقُرْبهم منهم، وإن كانت درجتهم منحطة عنهم، والسرّ فيه أن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر، كان بلاؤه أشدّ، ومِن ثم ضوعف حدّ الحرّ على العبد، وقيل لأمهات المؤمنين: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُّبِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٣) [الأحزاب: ٣٠]. انتهى . (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/١٦ - ١٢٩. (٣) ((الفتح)) ١٨/١٣ - ٢٠. (٢) يعني: الحديث أخرجه مسلم هنا. ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وقال المناويّ تَخْتُهُ: قوله: ((أشدّ الناس بلاءً الأنبياء))؛ أي: مِحْنةً، ويُطلق على المنحة، لكن المراد هنا بقرينة السياق: المحنة، فإن أصله الاختبار، لكن لمّا كان اختبار الله تعالى لعباده تارةً بالمحنة، وتارة بالمنحة، أُطلق عليهما . وقوله: ((الأنبياء)): المراد بهم ما يشمل الرسل، وذلك لتتضاعف أجورهم، وتتكامل فضائلهم، ويظهر للناس صبرهم ورضاهم، فيُقتدَى بهم، ولئلا يُفتتن الناس بدوام صحتهم، فيعبدوهم. وقوله: ((ثم الأمثل، فالأمثل))؛ أي: الأشرف، فالأشرف، والأعلى، فالأعلى؛ لأن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر، فبلاؤه أشدّ، ولهذا ضوعف حدّ الحرّ على العبد، فهم مُعَرَّضون للمحن، والمصائب، وضُروب المنغّصات والمتاعب، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥]. وقال بعضهم: جَعَل مقام المبتلى يلي مقام النبوة، ولم يفصل بين بلاء الأبدان، وبلاء الأعراض، فيشمل كل ما يتأذى به الإنسان. قال الطيبيّ: و(ثُمّ)) للتراخي في الرتبة، والفاء للتعاقب على سبيل التوالي تنزّلاً من الأعلى إلى الأسفل. وقوله: ((يُبتَلَى الرجل)) بيان للجملة الأُولى، والتعريف في ((الأمثل)) للجنس، وفي ((الرجل)) للاستغراق في الأجناس المتوالية، ((على حسب دينه))؛ أي: بقدر قوّة إيمانه، وشدّة إيقانه، وضَعْف ذلك، ((فإن كان في دينه صلباً))؛ أي: قويّاً، ((اشتد بلاؤه))؛ أي: عَظُم للغاية، ((وإن كان في دينه رِقّة))؛ أي: ضَعف، ولِيْن، ((ابتلي على قدر دينه))؛ أي: ببلاء هَيِّن لَيِّن، والبلاء في مقابلة النعمة، كما مرّ، ومن ثم قيل لأمهات المؤمنين: ﴿َنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبِيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب: ٣٠]، ((فما يبرح البلاء بالعبد))؛ أي: الإنسان، ((حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة)) كناية عن سلامته من الذنوب، وخلاصه منها؛ كأنه كان محبوساً، فأُطلق، وخُلِّي سبيله، فهو يمشي، وما عليه بأس، ومن ظن أن شدّة البلاء هوان بالعبد، فقد ذهب لبّه، وعَمِي قلبه، فقد ابتُلي من الأكابر ما لا يحصى. ٤٤٧ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٨) ألا ترى إلى ذبح نبيّ الله يحيى بن زكريا، وقَتْل الخلفاء الثلاثة، والحسين، وابن الزبير، وابن جبير، وقد ضُرِب أبو حنيفة، وحُبس، ومات بالسجن، وجُرِّد مالك، وضُرب بالسیاط، وجذبت يده، حتى انخلعت من كتفه، وضُرب أحمد، حتى أغمي عليه، وقُطّع من لحمه، وهو حيّ، وأُمر بصَلْب سفيان، فاختفى، ومات البويطيّ مسجوناً في قيوده، ونُفي البخاريّ من بلده، ومات ابن تيميّة في السجن، إلى غير ذلك مما يطول(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثْنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قَالَ: ((نَعَمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم - بمعجمتين - الضرير الكوفيّ، عَمِي وهو صغير، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، وقد رُمِي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت١٩٥) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نَزَل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: سنة إحدى وتسعين ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. (١) ((فيض القدير)) ٥١٨/١ - ٥١٩ بزيادة، وتغيير يسير. ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٦ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةً) - بفتح الغين المعجمة، وكسر النون، وتشديد التحتانية - الْخُزَاعِيّ، أبو زكريّا الكوفيّ، أصله من أصبهان، صدوقٌ، له أفراد، من كبار [٩]. رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وأبي حيان التيميّ، والثوريّ، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعليّ ابن المدينيّ، ويحيى بن معين، وسُريج بن يونس، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان شيخاً ثقة، له هيئة رجلاً صالِحاً، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ، حدّثني أبي، قال: قيل ليحيى بن عبد الملك: دواء عينيك تَرْك البكاء، قال: فما خيرهما إذاً، قال أبو داود: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الدار قطنيّ: ثقةٌ، وأبوه ثقةٌ، وقال ابن عديّ: بعض حديثه لا يتابَع عليه، وهو ممن يُكتب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الواقديّ: مات سنة ست، أو سبع وثمانين ومائة، وكان ثقةً صالحَ الحديث، وقال مطين: مات سنة ثمان وثمانين. أخرج له البخاريّ، وقَرَنه بغيره، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكرِوا في الباب وقبله، و((سفيان)) هو الثوريّ. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: أبو معاوية، وسفيان وعيسى بن يونس، ويحيى بن عبد الملك رووا هذا الحديث عن الأعمش، عن جرير بن عبد الحميد، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله بن مسعود څه. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها ابن أبي شيبة كَثِّتُهُ في (مصنّفه))، فقال: (١٠٨٠٠) - حدّثنا(١) أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا أبو معاوية، عن (١) هذا قول الراوي عن ابن أبي شيبة، فتنبّه. ٤٤٩ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُمِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ- حديث رقم (٦٥٣٨) الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله قال: دخلت على النبيّ وَّة، وهو يُوعَك، قال: فمسسته، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وَعْكاً شديداً؟، فقال: ((أَجَلْ، إني أُوعك كما يوعك رجلان منکم))، فقلت: لأن لك الأجر مرتين؟ فقال: ((نعم، والذي نفسي بيده، ما على الأرض مسلم، يصيبه أَذّى، فما سواه، إلا حَطّ الله به عنه خطاياه، كما تَحُطّ (١) . ( الشجرة ورقها)). انتهى" وقد ساقها النسائيّ في ((الكبرى)) بسند مسلم هنا، فقال: (٧٥٠٣) - أخبرنا محمد بن العلاء، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله قال: دخلت على رسول الله صل﴾، وهو يوعك، فمسسته، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وَعْكاً شديداً؟ فقال: ((إني أوعك كما يوعك رجلان منكم))، وفي الحديث: قلت: إن لك لأجرين؟ قال: ((نعم، والذي نفسي بيده، ما على الأرض مسلم، يصيبه أَذَّى، من مرض، فما سوى ذلك، إلا حَطّ الله عنه خطاياه، كما تحطّ الشجرة ورقها)). انتهى (٢). وأما رواية سفيان الثوريّ، عن الأعمش، فساقها البخاريّ تَظُّ في ((صحیحه))، فقال: (٥٣٣٧) - حدّثنا قَبِيصة، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله به قال: أتيت النبيّ وَّ في مرضه، فمسسته، وهو يوعك وَعْكاً شديداً، فقلت: إنك لتوعك وَعْكاً شديداً، وذلك أن لك أجرين؟ قال: ((أَجَلْ، وما من مسلم، يصيبه أَذِّى، إلا حاتت عنه خطاياه، كما تحاتّ ورق الشجر))، وفي لفظ: ((إلا حات الله عنه خطاياه، كما تحاتّ ورق الشجر)). انتهى(٣) . وأما رواية عيسى بن يونس، ويحيى بن عبد الملك كلاهما عن الأعمش، (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٤٠/٢. (٣) (صحيح البخاريّ)) ٢١٤٣/٥. (٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٥٧/٤. ٤٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب فساقها أبو نعيم في ((الحلية)) وذكر معهما جريراً(١)، فقال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة، ثنا أبو يعلى، ثنا عبد الغفار بن عبد الله، ثنا عليّ بن مُسهر (ح) وحدّثنا أبو أحمد محمد بن أحمد، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عيسى بن يونس، وجرير، ويحيى بن عبد الملك، قالوا: عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخلت على النبيّ ◌َّ﴿، وهو يوعك وَعْكاً شديداً، فمسسته، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكاً شديداً؟ قال: ((إني أوعك كما يوعك رجلان منكم))، قال: قلت: ذلك بأن لك أجرين؟ قال: ((وذاك بذاك ــ ثم قال -: ما من مسلم يصيبه أذّى، من شوك، فما سواه، إلا حَطّ الله عنه خطاياه، كما تَحُطّ الشجرة ورقها))، قال: لفظ أبي يعلى. انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٩] (٢٥٧٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ بِمِنَّى، وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَزَّ عَلَى طُنُبٍ (٢) فُسْطَاطٍ، فَكَادَتْ عُنُقُهُ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِم يُشَاُ شَوْكَةً(٣)، فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمِر بن عبد الله السلَمِيّ، أبو عَتّاب - بمثناة ثقيلة، ثم موحّدة - الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلّس [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، (١) أي: وذكر لهم أيضاً عليّ بن مسهر متابعاً. (٢) وفي نسخة: ((عن طنب)). (٣) وفي نسخة: ((بشوكة)). ٤٥١ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٩) ثقةٌ، فقيهٌ، إلا أنه يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) وهو ابن خمسين، أو نحوها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٣ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] مات سنة أربع، أو خمس وسبعين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف دخلتُهُ، وأنه مسلسل بالکوفیین، سوی شیخیه، وعائشة ﴿ا، كما تقدّم قريباً، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض على من يقول إن منصوراً تابعيّ صغير، وفيه عائشة ◌ّا، تقدّم القول فيها . شرح الحديث: (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النخعيّ؛ أنه (قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ) قال صاحب (التنبيه): لا أعرفهم، ولا الذي خرّ على الطنب. انتهى (١). (مِنْ قُرَيْشٍ)؛ أي: هؤلاء الشباب من قبيلة قريش، (عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ّا، وقوله: (وَهِيَ بِمِنَّى) جملة حاليّة، وكذا قوله: ((وهم يضحكون))، و((منى)) يجوز صرفه باعتبار المكان، وعدمه باعتبار البقعة، وهو من الأماكن التي سُمع فيها الوجهان، قال الحريريّ في «مُلحته)): إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ وَلَيْسَ مَصْرُوفاً مِنَ الْبِقَاعِ وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرٍ مِثْلُ حُنَيْنٍ وِمِنّى وَبَدْرٍ (وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ) عائشة ◌ِثُّ: (مَا يُضْحِكُكُمْ؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء يحملكم على الضحك؟ (قَالُوا: فُلَانٌ) تقدّم أنه لا يُعرف، (خَرَّ) من باب قَعَد؛ أي: سقط (عَلَى طُنُبٍ فُسْطَاطٍ) ووقع في بعض النسخ: ((عن طنب فسطاط))، و((الطنب)) بضمّ النون، وإسكانها: هو الحبل الذي يُشَدّ به الفُسطاط، وهو الخباء، ونحوه، ويقال: فُستاط، بالتاء بدل الطاء، وفُسّاط، (١) (تنبيه المعلم)) ص٤٢٩. ٤٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب بحذفها، مع تشديد السين، والفاء مضمومة، ومكسورة فيهنّ، فصارت ستّ ◌ٍ(١) . لغات، قاله النوويّ وقال الفيّوميّ رَّتُهُ: الظُّنُبُ بضمتين، وسكونُ الثاني لغةٌ: الحبل، تُشَدّ به الخيمة، ونحوها، والجمع أَظْنَابٌ، مثل عُنُق وأعناق، قال ابن السرّاج في موضعٍ من كتابه: ولا يُجمع على غير ذلك، وقال في موضع: قالوا: عُنُقٌ وأَعْنَاقُ، وطُنُبٌ وأَظْنَابٌ، فيمن جمع الظُّنُبَ، فأفهم خلافاً في جواز الجمع، وأنه يُستعمل بلفظ واحد للمفرد والجمع، وعليه قوله [من البسيط]: إِذَا أَرَادَ انْكِرَاساً فِيهِ عَنَّ لَهُ دُونَ الأُرُومَةِ مِنْ أَظْنَابِهَا ◌ُنُبُ فجَمَع بين اللغتين، فاستعمله مجموعاً ومفرداً، بنيّة الجمع. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ أيضاً: الِفُسْطَاطُ بضم الفاء، وكسرها: بيت من الشَّعْر، والجمع فَسَاطِيطُ، والِفُسْطَاطُ بالوجهين أيضاً: مدينة مصر قدِيْماً، وبعضهم يقول: كلُّ مدينة جامعة فُسِطْاَظٌ، ووزنه فُعلالٌ، وبابه الكسر، وشذّ من ذلك ألفاظ جاءت بوجهين: الِفُسطَاطُ، والقُسطاس، والِقُرْطَاسُ. انتهى(٣). (فَكَادَتْ عُنُقُهُ) بضمّتين، أو بضمّ، فسكون، قال الفيّوميّ: العُنُقُ: الرقبة، وهو مذكَّرٌ، والحجاز تؤنث، فيقال: هي العنق، والنون مضمومة للإتباع، في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أَعْنَاقٌ. انتهى (٤). (أَوْ عَيْنُهُ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، (أَنْ تَذْهَبَ) اقتران خبر ((كاد)) بـ((أن)) جائز، وإن كان الأغلب أن لا يقترن، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، قال في ((الخلاصة)): وَكَوْنُهُ بِدُونِ ((أَنْ)) بَعْدَ ((عَسَى)) نَزْرٌ وَ(كَادَ)) الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا (فَقَالَتْ) عائشة ◌ِّ: (لَا) ناهية، ولذا جُزم بها الفعل بعدها، (تَضْحَكُوا، فَإِنِّي) الفاء تعليليّة؛ أي: إنما نهيتكم عن الضحك؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلـ قَالَ: ((مَا مِنْ) تقدّم أن ((ما)) نافية، و((من)) زائدة، (مُسْلِم) مبتدأ، وقوله: (يُشَاُ) جملة في محلّ رفع صفة لـ(مسلم))، وقوله: (شَوْكَةً)ً قال المناويّ: أي (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/١٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٧٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٧٨/٢ - ٣٧٩. (٤) ((المصباح المنير)) ٤٣٢/٢. ٤٥٣ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزٍْ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٣٩) أَلَم جَرْح شوكة، قال القاضي: والشوكة هنا المرّة من شاكه، ولو أراد واحدة النبات لقال: يشاك بها، والدليل على أنها المرّة من المصدر جَعْلُها غايةً للمعاني. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المراد بالشوكة هنا النبات، يدلّ على ذلك ما وقع في بعض النسخ بلفظ: ((بشوكة))، والله تعالى أعلم. (فَمَا فَوْقَهَا) يَحْتَمل أن يكون المعنى: فما فوق الشوكة في العِظَم، وأن يكون فما فوقها في الدقّة، والحقارة، (إِلَّا كُتِبَتْ) بالبناء للمفعول، (لَهُ بِهَا)؛ أي: بسبب الشوكة، (دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ) بالبناء للمفعول أيضاً، (عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ))) وفي رواية: ((إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة))، وفي بعض النسخ: ((وحط عنه بها)) وفي رواية: ((إلا كتب الله له بها حسنة، أو حُطّت عنه بها خطيئة))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة وثّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤ / ٦٥٣٩ و٦٥٤٠ و٦٥٤١ و٦٥٤٢ و ٦٥٤٣ و٦٥٤٤ و٦٥٤٥] (٢٥٧٢)، و(البخاريّ) في ((المرضى)) (٥٦٤٠)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٦٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٣/٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٤١/٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٢/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩/٦ و٤٨ و٨٨ و١٦٧ و١٨٥ و٢٠٣ و٢٤٨ و٢٥٧ و٢٦١ و٢٧٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٠٦ و٢٩١٩ و٢٩٢٥)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (١٩/٢)، و(ابن الجعد) في (مسنده)) (١٣٧/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٣/٣ و٣٧٤) و((شُعَب الإيمان)) (١٥٦/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ((فيض القدير)) ٤٩٧/٥. ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ١ - (منها): بيان فضل المصيبة للمسلم حيث إنها تُكفّر بها خطاياه، وتُرفع بها درجاته، قال القرطبيّ تَخْذُ: ومقصود هذه الأحاديث أن الأمراض، والأحزان، وإن دقّت، والمصائب، وإن قلّت، أُجِر المؤمن على جميعها، وكُفِّرت عنه بذلك خطاياه، حتى يمشي على الأرض، وليست له خطيئة، كما جاء في الحديث الآخر، لكن هذا كله إذا صبر المصاب، واحتسب، وقال ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ [البقرة: ١٥٦]، فمن كان كذلك وصل إلى ما وعد الله تعالى به، ١٥٦ ورسوله وَلا من ذلك. انتهى(١). ٢ - (ومنها): أنه لا ينبغي الضحك من مسلم وقع منه مثل هذا، إلا أن يحصل غلبة، لا يمكن دَفْعه، وأما تعمّده فمذموم؛ لأن فيه شماتةً بالمسلم، وكسراً لقلبه، قاله النوويّ ◌َُّهُ(٢). ٣ - (ومنها): بيان أن هذا الفضل خاصّ بالمسلم، فليس للكافر فيه نصيب، بل هي بشرى عظيمة للمسلم؛ لأنه لا يخلو عن كونه متأذياً بمصائب طول حياته، ففي كلّ مصيبة حظّ لخطيئته، ورَفْع لدرجته، فما أعظم النِّعَم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضَّلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. ٤ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي هذا الحديث تعقُّب على الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام حيث قال: ظنّ بعض الجهلة أن المُصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا. ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقَدْر زائد، يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة. قال القرافيّ: المصائب كفّارات جزماً سواءٌ اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عَظُم التكفير، وإلا قلّ، كذا قال، والتحقيق أن المصيبة (١) ((المفهم)) ٥٤٦/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/١٦. ٤٥٥ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٠ -٦٥٤١) كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عُوِّض عن ذلك من الثواب بما يوازيه. وزعم القرافيّ أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب: جعل الله هذه المصيبة كفارةً لذنبك؛ لأن الشارع قد جعلها كفارةً، فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل، وهو إساءة أدب على الشارع، كذا قال، وتُعُقّب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع؛ كالصلاة على النبيّ ◌َّ، وسؤال الوسيلة له. وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يَرِد فيه شيءٌ، وأما ما وَرَدَ فهو مشروع؛ ليُتاب من امتثل الأمر فيه على ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذَكَر في ((الفتح)) كلام القرافيّ، ثم تعقّبه، ثم أجاب عن ذلك التعقّب، وفيه نظر لا يخفى، بل الصواب جواز الدعاء بما ذُكر؛ إذ لم يَرِدْ نصّ يَمْنع من ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ، فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَوْكَةٌ، فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا قَصَّ اللهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ)). ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بن الفرافصة العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير بن العوام الأسديّ المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دَلّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٥٠. ٣ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير المدنيّ الفقيه، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (إِلَّا قَصَّ اللهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في معظم النسخ: (قَصّ))، وفي بعضها: (نقص))، وكلاهما صحيح، متقارب المعنى . والحديث تقدّم البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وقد ذُكروا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة هذه ساقها النسائيّ في ((الكبرى)»، فقال: (٧٤٨٦) - حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ويّير: ((ما يصيب المؤمن من شوكة، فما فوقها، إلا قَصّ الله عنه بها خطيئته)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٣] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ (١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٥٣/٤. ٤٥٧ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنٍ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٣) رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ، إِلَّا كُفِّرَ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َُّ، وأنه مسلسل بالمدنيين غير أبي الطاهر، وابن وهب، ويونس، فمصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ثا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) وفي رواية البخاريّ: ((عن الزهريّ قال: أخبرني عروة بن الزبير)). (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِ قَالَ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ) أصل المصيبة: الرمية بالسهم، ثم استُعملت في كل نازلة، وقال الراغب: أصاب يُستعمل في الخير والشرّ، قال الله تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ الآية [التوبة: ٥٠]، قال: وقيل: الإصابة في الخير مأخوذة من الصَّوْب، وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة، من غير ضرر، وفي الشرّ مأخوذة من إصابة السهم، وقال الكرمانيّ(١): المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقاً، وفي العُرف ما نزل به من مكروه خاصّةً، وهو المراد هنا (٢). وقوله: (يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ) ولفظ البخاريّ: ((تصيب المسلم))، وفي رواية لأحمد: ((ما من وجع، أو مرض، يصيب المؤمن))، (إِلَّا كُفِّرَ بِهَا عَنْهُ) وفي رواية أحمد: ((إلا كان كفارة لذنبه))؛ أي: يكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية، ويكون ذلك سبباً لمغفرة ذنبه. (١) راجع: ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ١٧٥/٢٠ - ١٧٦. (٢) ((الفتح)) ١٣/ ٧. ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ووقع في الرواية السابقة من طريق الأسود، عن عائشة: ((إلا رفعه الله بها درجةً، وحَطّ عنه بها خطيئةً)) . وهذا يقتضي حصول الأمرين معاً، حصول الثواب، ورفع العقاب، وشاهِدُه ما أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من وجه آخر عن عائشة، بلفظ: ((ما ضُرب على مؤمن عِرْق قط، إلا حَطّ الله به عنه خطيئة، وكتب له حسنة، ورفع له درجة»، وسنده جیّد. وأما ما يأتي لمسلم من طريق عمرة عن عائشة رؤيتنا: ((إلا كتب الله له بها حسنة، أو حط عنه بها خطيئة)) كذا وقع فيه بلفظ ((أو))، فيَحْتَمِل أن يكون شكّاً من الراوي، ويَحْتَمِل التنويع، وهذا أوْجَه، ويكون المعنى: إلا كتب الله له بها حسنة، إن لم يكن عليه خطايا، أو حظّ عنه خطايا، إن كان له خطايا، وعلى هذا فمقتضى الأول أن من ليست عليه خطيئة يزاد في رَفْع درجته بقدر ذلك، والفضل واسع. [تنبيه]: وقع لهذا الحديث سببٌ أخرجه أحمد، وصححه أبو عوانة، والحاكم، من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدريّ، أن عائشة أخبرته: ((أن رسول الله وَ﴿ طَرَقه وَجَعٌ، فجعل يتقلب على فراشه، ويشتكي، فقالت له عائشة: لو صَنَع هذا بعضنا لوجدت عليه، فقال النبيّ وَّه: إن الصالحين يُشدَّد عليهم، وإنه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة، فما فوق ذلك، إلا حُطّت به عنه خطيئة، ورُفعت بها درجةٌ)). (حَتَّى الشَّوْكَةِ) جَوّزوا فيه الحركات الثلاث، فالجرّ بمعنى الغاية؛ أي: حتى ينتهي إلى الشوكة، أو عطفاً على لفظ ((مصيبة))، والنصب بتقدير عامل؛ أي: حتى وجدانِهِ الشوكةَ، والرفع عطفاً على الضمير في ((تصيب))، وقال القرطبيّ: قيَّده المحققون بالرفع، والنصب، فالرفع على الابتداء، ولا يجوز على المحلّ، كذا قال، ووَجّهه غيره بأنه يسوغ على تقدير أن ((من)) زائدة (١). (يُشَاكُهَا))) بضم أوله؛ أي: يشوكه غيره بها، وفيه وَصْل الفعل؛ لأن الأصل: يُشاكُ بها، وقال ابن التين: حقيقة هذا اللفظ؛ يعني: قوله: (يشاكها)) (١) ((الفتح)) ٧/١٣ - ٨. ٤٥٩ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٤) أن يُدخلها غيره، وتعقّبه الحافظ، قائلاً: ولا يلزم من كونه الحقيقة أن لا يراد ما هو أعمّ من ذلك، حتى يَدخل ما إذا دخلت هي بغير إدخال أحد. وقد وقع في رواية هشام بن عروة عند مسلم: ((لا يصيب المؤمن شوكةٌ)) فإضافة الفعل إليها هو الحقيقة، ويَحْتَمِل إرادة المعنى الأعمّ، وهي أن تدخل بغير فعل أحد، أو بفعل أحد، فمن لا يمنع الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز باللفظ الواحد يُجَوِّز مثل هذا. و(يشاكها)) ضُبِط بضم أوله، ووقع في نسخة الصغانيّ بفتحه، ونَسَبها بعض شراح ((المصابيح)) لـ((صحاح الجوهريّ))، لكن الجوهريّ إنما ضبطها لمعنى آخر، فقدّم لفظ ((يشاك)) بضم أوله، ثم قال: والشوكة حِدّة الناس، وحِدّة السلاح، وقد شاك الرجلُ يَشاك شوكاً: إذا ظهرت فيه شوكته، وقويت. (١) . انتھی والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله قبل ثلاثة أحاديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ، حَتَّى الشَّوْكَةِ، إِلَّا قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ))، لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيَتُهُمَا قَالَ عُرْوَةُ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) هو: يزيد بن عبد الله بن خُصيفة - بخاء معجمة، ثم صاد مهملة - ابن عبد الله بن يزيد الكنديّ المدنيّ، نُسب هنا لجدّه، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠٣/٣١. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. (١) ((الفتح)) ٨/١٣. ٤٦٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيِّبُ الْمُؤْمِنَ، حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَيْوَةُ) بن شُريح التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي الليثيّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْم) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجاريّ - بالنون،ً والجيم - المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يكنى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٠/ ٤٢٢. ٥ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سَعْد بن زرارة الأنصاريّة المدنية، أكثرت عن عائشة ﴿ها، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤١٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) ((أو)) يَحْتَمِل أن تكون للشكّ من الراوي، وأن تكون للتنويع، فلا تغفل. والحديث تقدّم البحث فيه مستوفّى قريباً، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٦] (٢٥٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمِ، وَلَا حَذٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهِمُّهُ، إِلَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ)).