Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٦٠) - بَابُ فَضْلِ فَارِسَ - حديث رقم (٦٤٧٧) (قَالَ) أبو هريرة: (فَوَضَعَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ) الفارسيّ، وفي رواية العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة: ((يده على فخذ سلمان))، (ثُمَّ قَالَ: ((لَوْ كَانَ الإِيمَانُ) وفي الرواية السابقة: ((لَوْ كَانَ الدِّينُ)) (عِنْدَ الثُّرَبًّا) بضمّ الثاء، تصغير ثَرْوى، اسم لنجم معروف؛ سُمّي به لكثرة كواكبه، مع ضيق المحلّ(١). (لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاء)))؛ أي: الفرس بقرينة سلمان الفارسيّ، وقال الكرمانيّ: أي: الفرس؛ يعني: العجم، وفيه نَظَر لا يخفى، ثم إنهم اختلفوا في: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ﴾، فقيل: هم التابعون، وقيل: هم العجم، وقيل: أبناؤهم، وقيل: كل من كان بعد الصحابة، وقال أبو روق: جميع من أسلم إلى يوم القيامة، وقال القرطبيّ: أحسن ما قيل فيهم: أنهم أبناء فارس، بدليل هذا الحديث: ((لناله رجال من هؤلاء))، وقد ظهر ذلك بالعيان، فإنهم ظهر فيهم الدين، وكثر فيهم العلماء، وكان وجودهم كذلك دليلاً من أدلة صدقه وَلقر، قاله في ((العمدة))(٢). وفي الرواية السابقة: ((لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ - أَوْ قَالَ: مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ))، وفي رواية البخاريّ: ((لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء)). قال في (الفتح)): هذا الشك من سليمان بن بلال، بدليل الرواية التي أوردها بعده من غير شك مقتصراً على قوله: ((رجال من هؤلاء))، وهي عند مسلم، والنسائيّ كذلك، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن وهب عن سليمان بلفظ: (لناله رجال من هؤلاء)) أيضاً بغير شك. انتهى(٣). وقد أطنب أبو نعيم في أول ((تاريخ أصبهان)) في تخريج طرق هذا الحديث، أعني حديث: (لو كان الدين عند الثريا))، ووقع في بعض طرقه عند أحمد بلفظ: ((لو كان العلم عند الثريا))، وفي بعض طرقه عند أبي نعيم، عن أبي هريرة أن ذلك كان عند نزول قوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَّكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك صدر عند نزول كل من الآيتين. وقد تقدّم مسلم الحديث مجرداً عن السبب من رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، رفعه: ((لو كان الدين عند الثريا لذهب رجال من أبناء فارس، (١) ((القاموس المحيط)) ص١٧٣. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٣٥/١٩. (٣) ((الفتح)) ٦٩٨/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٩٧). ٢٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة . حتى يتناولوه))، وأخرجه أبو نعيم من طريق سليمان التيميّ، حدّثني شيخ من أهل الشام، عن أبي هريرة نحوه، وزاد في آخره: ((برِقّة قلوبهم))، وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن التيميّ، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسيّ بالزيادة، ومن طريق أخرى من هذا الوجه، فزاد فيه: (يتّبعون سنتي، ويُكثرون الصلاة عليّ))، قال القرطبيّ: وقع ما قاله وَ لّر عياناً، فإنه وُجد منهم من اشتهر ذِكره من حفاظ الآثار، والعناية بها ما لم يشاركهم فيه كثير من أحد غيرهم(١). وقال في ((معجم البلدان)): العرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا: فارس، فمعنى الحديث: أهل خراسان؛ لأنك إن طلبت مصداق الحديث في فارس لم تجده لا أولاً ولا آخراً، وتجد هذه الصفات نفسها في أهل خراسان، دخلوا في الإسلام رغبةً، ومنهم: العلماء، والنبلاء، والمحدِّثون، والمتعبِّدون، وإذا حررت المحدِّثين من كل بلد وجدت نصفهم من خراسان، وجُلّ رواة الرجال منها، وأما أهل فارس فَكَنَارٍ خَمَدت لم يبق لهم بقية بذِكر، ولا شَرَف. (٢) انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: الأَولى حَمْل الحديث على أهل فارس، ولا يتعارض مع ما وُجد من أهل خراسان، فإنهما قطران متقاربان، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٧٦/٦٠ و٦٤٧٧] (٢٥٤٦)، و(البخاريّ) في ((تفسير سورة الجمعة)) (٤٨٩٧ و٤٨٩٨)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣١٠) و((المناقب)) (٣٩٣٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٥/٥ و٤٩٠/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٧/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٧/٢)، و(ابن (١) ((الفتح)) ٦٩٨/١٠ - ٦٩٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٩٧). (٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٢٢/٥. ٢٠٣ (٦٠) - بَابُ فَضْلِ فَارِسَ - حديث رقم (٦٤٧٧) حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٢٣ و٧٣٠٨ و٧٣٠٩)، و(أبو نعيم) في ((تاريخ أصبهان)) (٢/١)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٦٦/٢٦ - ٦٧)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٣٣٤/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل فارس، وأن لهم اليد الطولى في نشر الدين، والعلم، وذلك في زمن الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، ولا عبرة بما حصل في الأزمان المتأخّرة من انحرافهم، وتشيّعهم. وقال صاحب ((التكملة)): فيه فضيلة ظاهرة لأهل فارس، وأن رجالاً منهم يجدّون في طلب العلم والدين، وقد ذكر بعض العلماء أن مصداق هذا الحديث الإمام أبو حنيفة، وذكر بعضهم أن مصداقه الإمام البخاريّ، والظاهر أن هناك جماعة كبيرة من الفقهاء والمحدّثين أصلهم من فارس، وكلّهم يجوز أن يكون مصداقاً لهذه البشارة النبويّة، ومنهم الإمام أبو حنيفة، والإمام البخاريّ - رحمهما الله تعالى - انتهى(١). ٢ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ وَله حيث أخبر بما سيقع، فوقع طِبْق ما أخبر به ال90. ٣ - (ومنها): بيان قوّة هذا الدين، وأنه مستغنٍ عن العرب، فإن الله ◌ُعَلَ لَمّا ضَعُف قيامهم به قيّض له العجم، فقاموا به حقّ القيام، وهذا مصداق قوله رَك: ﴿يَهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنَّكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ بَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمِ نُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَّةَ لَآيِرٍ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلَ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. بل مما امتاز به على غيره من الأديان أن الله يؤيّده بمن ليس من أهله، كما قال ◌َ: ((وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))، رواه البخاريّ، (١) (تكملة فتح الملهم)) ٣٢٣/٥. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال: قال مضيعة وأخرج النسائيّ في ((الكبرى)) بإسناد صحيح، عن أنس رسول الله ◌َله: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خَلَاق لهم)). فما أعظم هذا الدين، أعزّ الله أركانه، وثبّت قواعده، وأرسى بنيانه، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٦١) - (بَابُ قَوْلِ النَِّيِّ وَِّ: ((النَّاسُ كَإِلٍ مِائَةٍ، لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً))) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٧٨] (٢٥٤٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَاً عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِلٍ مِائَةٍ، لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ عُمَرٍ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿هَا، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبل حديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وأنه معدود من أصحّ أسانيد ابن عمر رضًِّا، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر ظًا أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً . شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌ِّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ كَاِلٍ مِائَةٍ، لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً))) راحلة؛ أي: مرحولة، وهي من النجيبة ٢٠٥ (٦١) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ ◌َِّهِ: ((النَّاسُ كَإِلٍ مِائَةٍ، لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةٌ)) - حديث رقم (٦٤٧٨) المختارة، ويقال: هي الإبل المركوب المدَّرب الحسن الفعال القويّ على الحمل والسفر، يُطلق على الذكر والأنثى، والتاء فيه للمبالغة، وخصها ابن قتيبة بالنُّوق، ونُوزِع، قال الزمخشريّ: يريد: أن المرضيّ المنتخب في عزّة وجوده كالنجيبة التي لا توجد في كثير من الإبل، وقال القاضي: معناه: لا تكاد تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، وطيئةً، سهلة الانقياد، فكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة، فيعاون صاحبه، ويُلين له جانبه، وقال الراغب: الإبل في تعارفهم اسم لمائة بعير، فمائة إبل عشرة آلاف بعير، فالمراد: أنك ترى واحداً كعشرة آلاف، وترى عشرة آلاف دون واحد، كما قيل: وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوتاً لَدَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدٍ وقال بعضهم: خَصّ ضرب المَثَل بالراحلة؛ لأن أهل الكمال جعلهم الحقّ تعالى حاملين عن أتباعهم المشاقّ، مذللة لهم الصعب في جميع الآفاق؛ لغلبة الحُوّ عليهم والإشفاق. انتهى (١). وقال ابن قتيبة: الراحلة: النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في إبل عُرِفت، قال: ومعنى الحديث: أن الناس متساوون، ليس لأحد منهم فَضْل في النَّسب، بل هم أشباه، كالإبل المائة، وقال الأزهريّ: الراحلة عند العرب: الجمل النجيب، والناقة النجيبة، قال: والهاء فيها للمبالغة، كما يقال رجل فهامةٌ، ونسابةٌ، قال: والمعنى الذي ذكره ابن قتيبة غلطٌ، بل معنى الحديث: أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها، والرغبة في الآخرة قليل جدّاً، كقلة الراحلة في الإبل. قال النوويّ: كلام الأزهري هذا أجود من كلام ابن قتيبة، وأجود منهما قول آخرين: إن معناه: المرضيّ الأحوال من الناس الكامل الأوصاف، الحَسَن المنظر، القويّ على الأحمال، والأسفار، سُمّيت راحلة؛ لأنها تُرحل؛ أي: يُجعل عليها الرَّحْل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشة راضية: أي: مرضيّة، ونظائره. انتهى (٢). (١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٢/ ٥٦٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٠١. ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وفي رواية البخاريّ: ((إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)) . وقال في ((الفتح)): في رواية مسلم من طريق معمر، عن الزهريّ: ((تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة))، فعلى أن الرواية بغير ألف ولام، وبغير ((لا تكاد)) فالمعنى: لا تجد في مائة إبل راحلةً تصلح للركوب؛ لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئاً سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة، بأن يعاون رفيقه، ويلين جانبه، والرواية بإثبات ((لا تكاد)) أَولى؛ لِمَا فيها من زيادة المعنى، ومطابقة الواقع، وإن كان معنى الأول يرجع إلى ذلك، ويُحْمَل النفي المطلق على المبالغة، وعلی أن النادر لا حُكم له. وقال الخطابيّ: العرب تقول للمائة من الإبل: إبل، يقولون: لفلان إبل: أي: مائة بعير، ولفلان إيلان: أي: مائتان. قال الحافظ: فعلى هذا فالرواية التي بغير ألف ولام يكون قوله: ((مائة)) تفسيراً لقوله: ((إيل))؛ لأن قوله: ((كإبل))؛ أي: كمائة بعير، ولمّا كان مجرد لفظ إبل ليس مشهور الاستعمال في المائة ذَكَر المائة توضيحاً، ورفعاً للإلباس، وأما على رواية البخاريّ فاللام للجنس. وقال الراغب: الإبل اسم مائة بعير، فقوله: ((كالإبل المائة)) المراد به عشرة آلاف؛ لأن التقدير كمائة المائة. انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر على تسليم قوله لا يلزم ما قال: إن المراد عشرة آلاف، بل المائة الثانية للتأكيد. قال الخطابيّ: تأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما: أن الناس في أحكام الدين سواءٌ، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة، وهي التي تُرحل لتُرْكَب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة؛ أي: كلها حَمُولة تصلح للحمل، ولا تصلح للرحل، والركوب عليها . والثاني: أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل، فعددهم قليل ٢٠٧ (٦١) - بَابُ قَوْلِ النَِّّ ◌َّهِ: ((النَّاسُ كَإِلٍ مِائَةٍ، لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)) - حديث رقم (٦٤٧٨) جدّاً، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. وأورد البيهقيّ هذا الحديث في ((كتاب القضاء)) في تسوية القاضي بين الخصمين أخذاً بالتأويل الأول، ونقل عن ابن قتيبة: أن الراحلة هي النجيبة المختارة من الإبل للركوب، فإذا كانت في إبل عُرفت، ومعنى الحديث: أن الناس في النسب كالإبل المائة التي لا راحلة فيها، فهي مستوية. وقال الأزهريّ: الراحلة عند العرب الذَّكَر النجيب، والأنثى النجيبة، والهاء في الراحلة للمبالغة، قال: وقول ابن قتيبة غلطً، والمعنى: أن الزاهد في الدنيا، الكامل فيه، الراغب في الآخرة، قليل كقلة الراحلة في الإبل، قال النوويّ: هذا أجود، وأجود منهما قول آخرين: إن المرضيّ الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف قليل. وقال القرطبيّ: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس، والحمالات عنهم، ويكشف كَرْبهم، عزيز الوجود، كالراحلة في الإبل الكثيرة. وقال ابن بطال: معنى الحديث: أن الناس كثير، والمرضيّ منهم قليل، وإلى هذا المعنى أومأ البخاريّ بإدخاله في ((باب رفع الأمانة))؛ لأن من كانت هذه صفته، فالاختيار عدم معاشرته. وأشار ابن بطال إلى أن المراد بالناس في الحديث: من يأتي بعد القرون الثلاثة: الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، حيث يصيرون يخونون، ولا يؤتمنون. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر شـ ! هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٧٨/٦١] (٢٥٤٧)، و(البخاريّ) في (١) ((الفتح)) ٦٦٢/١٤ - ٦٦٣، كتاب ((الرقائق)) رقم (٦٤٩٨). ٢٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ((الرقاق)) (٦٤٩٨)، و(الترمذيّ) في ((الأمثال)) (٢٨٧٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٩٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧/٢ و٤٤ و٧٠ و٨٨ و١٠٩ و١٢١ و١٢٢ و١٣٩)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (١٨٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٩/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٦٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٠٠/٢ و٢٠١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٣٨/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٢٤٠ و١٤١٠٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٩٧ و٦١٣٩)، و(أبو الشيخ) في ((الأمثال)) (١٣٣ و١٣٤)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٩٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٩٥)، والله تعالى أعلم. ٢٠٩ ٤٧ - كِتَابُ الْبِرِّ وَالصَّلَةِ وَالآدَابِ ٤٧ - (كِتَابُ الْبِرّ وَالصَّلَةِ وَالآدَابِ) قال الجامع عفا الله عنه: أما ((البِرّ)) فهو بكسر الباء، وتشديد الراء: الإحسان، وهو في حقّ الأبوين والأقْرَبِين ضدّ العقوق، وهو الإساءة إليهم، والتضييع لحقوقهم، يقال: بَرَّ يَبَرّ، فهو بارّ، وجَمْعه بَرَرَةٌ، وجمع الْبَرّ أبرار، قاله الطيبيّ ◌َذْهُ(١). وقال الفيّوميّ كَثْتُ: البِرُّ بالكسر: الخير والفضل، وبَرَّ الرجلُ يَبَرُّ بِرّاً، وِزانُ عَلِم يَعْلَم ◌ِلْماً، فهو بَرُّ بالفتح، وبَارٌّ أيضاً: أي: صادقٌ أو تقيّ، وهو خلاف الفاجر، وجَمْع الأول أَبْرَارٌ، وجَمْع الثاني بَرَرَةٌ، مثل كافر وكَفَرَةٍ، ومنه قوله للمؤذن: ((صَدَقْتَ، وبَرِرْتَ)): أي: صدقت في دعواك إلى الطاعات، وصِرْت بارّاً، دعاءٌ له بذلك، ودعاء له بالقبول، والأصل: بَرَّ عَمَلُك، وبَرِرْتُ والدي أَبَرُّهُ بِرّاً، وبُرُوراً: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقت به، وتحرّيت محابّه، وتوقّيت مكارهه، وبَرَّ الحجّ، واليمين، والقول بَرّاً أيضاً، فهو بَرٍّ، وبَارٌّ أيضاً، ويُستعمل متعدياً أيضاً بنفسه في الحجّ، وبالحرف في اليمين، والقول، فيقال: بَرَّ اللهُ تعالى الحجَّ يَبَرُّهُ بُرُوراً: أي قَبِله، وبَرِرْتُ في القول واليمين أَبَرُّ فيهما بُرُوراً أيضاً: إذا صَدَقت فيهما، فأنا بَرُّ، وبَارٌّ، وفي لغة يتعدى بالهمزة، فيقال: أَبرَّ الله تعالى الحجّ، وأَبْرَرْتُ القولَ واليمينَ، والمَبَرَّةُ مثل البرّ. (٢) انتھی وأما ((الصلة)) فهي: بكسر الصاد المهملة، وتخفيف اللام: مصدر وَصَلَه، يقال: وصلت الشيءَ بغيره وصلاً، فاتّصل به، ووصلته وَضْلاً، وصِلَةً: ضدّ (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٥٤/١٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٣/١. ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب هَجَرته، قاله الفيّوميّ ◌َّتُهُ(١). وقال الطيبيّ تَّتُهُ: صلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب، والأصهار، والتعطّف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وقَطْع الرحم: ضدّ ذلك، يقال: وصل رَحِمَه يَصِلها وصلاً، وصِلَةً، والهاء فيها عِوَضٌ عن الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليه قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر. انتهى(٢). وأما ((الآداب)) فهو بالمدّ: جمع أدب بفتحتين، مثلُ سبب وأسباب، قال الفيّوميّ كَلْتُ: أَدَبْتُه أَدْباً، من باب ضَرَب: عَلَّمتُه رياضةَ النفس، ومحاسنَ الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاريّ: الأَدَبُ يقع على كلِّ رياضة محمودة، يَتَخَرَّجُ بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وقال الأزهريّ نحوه، فَالأَدَبُ: اسم لذلك، والجمع: آدَابٌ، مثل سَبَب وأسباب، وأَدَّبْتُه تَأْدِيباً مبالغةٌ، وتكثيرٌ، ومنه قيل: أَذَّبْتُهُ تَأْدِيباً: إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سببٌ يدعو إلى حقيقة الأدب، وأَدَبَ أَدْباً، من باب ضَرَب أيضاً: صنع صنيعاً، ودعا الناس إليه، فهو آدِبٌ، على فاعل، قال الشاعر، وهو طَرَفَةُ: نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ ندْعُو الجَفَلَى لَا ترَى الآدِبَ فينا يَنْتَقِرُ أي: لا ترى الداعي يدعو بعضاً دون بعض، بل يُعَمِّمُ بدعواه في زمان القلّة، وذلك غاية الكرم، واسم الصنيع: المَأْدُبَة، بضمّ الدال، وفتحها. انتھی (٣) وقال في ((الفتح)): الأدب: استعمال ما يُحمد قولاً وفعلاً، وعَبَّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسَنات، وقيل: هو تعظيم مَن فوقك، والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُدْعَى إليه. انتهى (٤). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٦٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٥٤/١٠. (٣) ((المصباح المنير)) ٩/١. (٤) ((الفتح)) ٤٩١/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧٠). ٢١١ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٧٩) (١) - (بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٧٩] (٢٥٤٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ الثَّقَفِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنٍ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ((أُمُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمَّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمَُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَبُوَ))، وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: ((مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنٍ صَحَابَتِي؟)) وَلَمْ يَذْكُرِ النَّاسَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة - بضم الشين المعجمة، والراء، بينهما موحّدة ساكنة - الضبيّ - بالمعجمة، والموحّدة - الكوفيّ، ثقةٌ، أرسل عن ابن مسعود [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٨/١. ٤ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير البجليّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذكرا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف نَّثُ، وهو مسلسل بالكوفيين غير شیخیه، فالأول بغلانيّ، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه أبو هريرة ظه أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ عُمَارَةَ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم، (ابْنِ الْقَعْفَاعِ) بن شُبْرُمة - بضمّ الشين المعجمة، والراء، بينهما موحّدة - (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) - بضمّ الزاي، وسكون الراء - ابن عمرو بن جرير البجليّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿ه؛ أنه ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿) قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أنه معاوية بن خَيْدَة - بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانية - وهو جدّ بَهْز بن حكيم، فقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من حديثه: ((قال: قلت: يا رسول الله من أبرّ؟ قال: أمّك ... )) الحديث، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ. (فَقَالَ) الرجل: (مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟) الصحابة بفتح الصاد، وكسرها: مصدر، بمعنى المعاشرة، قال المرتضى كَّتُهُ: صَحِبَه، كَسمِعَه يَصْحَبُهُ صَحَابَةً بالفَتْحِ، ويُكْسَر، وصُحْبَةً بالضَّمِّ كَصَاحَبَه: عَاشَرَهُ، والصَّاحِبُ: المُعَاشِرُ، وَهُمْ أَصْحَابٌ، وأَصَاحِيبُ، وصُحْبَانٌ بالضَّمِّ في الأَخِير، مِثْلُ شَابٍّ وشُبَّانِ، وصِحَابٌ بالكَسْرِ، مِثْلُ جَائِعٍ وجِيَاعٍ، وصَحَابَةٌ بالفَتْحِ، وصِحَابَةٌ بالكَسْر، وصَحْبٌ، حَكَاها جَمِيعاً الأَخْفَشُ، وأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى الكَسْرِ دُونَ الهَاءِ، وعَلَى الفَتْحِ مَعَهَا، وعَلَى الكَسْرِ مَعَها عَنِ الفَرَّاء خَاصَّةً. انتهى(١). وفي رواية محمد بن فضيل عن عمارة التالية: ((بحسن الصحبة))، وفي رواية شريك، عن عمارة وابن شبرمة جميعاً عن أبي زرعة، قال مثل رواية جرير، وزاد: ((فقال: نعم، وأبيك لتنبأنّ))، وقد أخرجه ابن ماجه من هذا الوجه مطوّلاً، وزاد فيه حديث: ((أفضلُ الصدقة أن تَصدَّق وأنت صحيح شحيح ... ))، وأخرجه أحمد من طريق شريك، فقال في أوله: ((يا رسول الله نبئني بأحقّ الناس مني صحبةً))، قال الحافظ: ووجدته في النسخة بلفظ: ((فقال: نعم والله))، بدل: ((وأبيك)) فلعلها تصحّفت، وقوله: ((وأبيك)) لم يقصد به القَسَم، وإنما هي كلمة تجري لإرادة تثبيت الكلام، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع قبل النهي عن الحلف بالآباء. انتهى(٢). (قَالَ) وَلِ: ((أُمُّك))) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: أحقّهم بحسن الصحابة أمّك، وكذا ما بعده. (قَالَ) الرجل: (ثُمَّ مَنْ؟) بعد أميّ (قَالَ) ◌َِّى: (ثُمَّ ((أُمَُّكَ))، قَالَ) الرجل: (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ) وَّهِ: (((ثُمَّ أُمَُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ) في المرّة الرابعة: ((ثُمَّ أَبُوَكَ))) أحقهم بحسن الصحابة. (١) (تاج العروس)) ٦٥٥/١. (٢) ((الفتح)) ٤٩٣/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧١). ٢١٣ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٧٩) قال في ((الفتح)): قوله: قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أبوك)) كذا للجميع بالرفع، ووقع عند مسلم من هذا الوجه وعند البخاريّ في ((الأدب المفرد)» من وجه آخر بالنصب، وفي آخره: ((ثم أباك))، والأول ظاهر، ويُخَرَّج الثاني على إضمار فعل، ووقع صريحاً عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)). قال الجامع عفا الله عنه: عَزْو رواية النصب إلى مسلم في هذه الرواية لا يخفى ما فيه، فإن نُسخ مسلم الموجودة عندنا كلها بالرفع، وإنما النصب في الرواية التالية، على اختلاف النُّسَخ فيها، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وهكذا وقع تكرار الأم ثلاثاً، وذِكر الأب في الرابعة، وصَرّح بذلك في الرواية يحيى بن أيوب، ولفظه: ((ثم عاد الرابعة، فقال: بِرّ أباك))، وكذا وقع في رواية بَهْز بن حكيم، وزاد في آخره: ((ثم الأقرب، فالأقرب))، وله شاهد من حديث خداش أبي سلامة، رفعه: ((أوصى امرءاً بأمه، أوصى امرءاً بأمه، أوصى امرءاً بأمه، أوصى امرءاً بأبيه، أوصى امرءاً بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه فيه أذى يؤذيه)»، أخرجه ابن ماجه، والحاكم. انتهى(١). وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ قُتَيْبَةَ: ((مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنٍ صَحَابَتِي؟) وَلَمْ يَذْكُرِ النَّاسَ) أشار به إلى اختلاف شيخيه: قتيبة، وزهير، فرواه زهير بلفظ: ((من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟))، ورواه قتيبة بلفظ: ((من أحقّ بحسن صحابتي؟)) ولم يذكر لفظ ((الناس)). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا صرّح مسلم بأن قتيبة لم يذكر لفظ ((الناس))، لكن أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن قتيبة بسند مسلم، وفيه اللفظ المذكور، فقال: ((من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟»، فلعلّ قتيبة كان الحديث عنده بالوجهين، فحدّث مسلماً، كما ذَكَره، وحدّث البخاريّ كما ذكره، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٤٩٣/١٣ - ٤٩٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧١). ٢١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٧٩/١ و٦٤٨٠ و٦٤٨١ و٦٤٨٢] (٢٥٤٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٥٩٧١) وفي ((الأدب المفرد)) (٥ و٦)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٣٩)، و(الترمذيّ) في ((البرّ)) (١٨٩٧)، و(ابن ماجه) في ((الوصايا)) (٢٧٠٦) و((الأدب)) (٣٦٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٤١/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٧/٢ - ٣٢٨ و٣٩١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٤٢/٣ و١٥٠/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه) (٤٣٣ و٤٣٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٧٩/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٩/٤ و٢/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤١٦ و٣٤١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب حقّ الوالدين، والإحسان إليهما. ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَُّ: فيه الحثّ على برّ الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب، فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأمّ كثرة تَعَبها عليه، وشفقتها، وخدمتها، ومعاناة المشاقّ في حَمْله، ثم وَضْعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته، وخدمته، وتمريضه، وغير ذلك، ونقل الحارث المحاسبيّ إجماع العلماء على أن الأم تَفضُل في البرّ على الأب، وحَكَى القاضي عياض خلافاً في ذلك، فقال الجمهور بتفضيلها، وقال بعضهم: يكون برّهما سواء، قال: ونَسَب بعضهم هذا إلى مالك، والصواب الأول؛ لصريح هذه الأحاديث في المعنى المذكور، والله أعلم، قال القاضي: وأجمعوا على أن الأم والأب آكد حرمة في البرّ ممن سواهما، قال: وتردد بعضهم بين الأجداد والأخوة؛ لقوله وَله: ((ثم أدناك أدناك))، قال أصحابنا: يستحب أن تُقَدّم في البرّ الأم، ثم الأب، ثم الأولاد، ثم الأجداد والجدات، ثم الإخوة والأخوات، ثم سائر المحارم، من ذوي الأرحام، كالأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ويُقدَّم الأقرب، فالأقرب، ويقدَّم من أدلى بأبوين على من أدلى بأحدهما، ثم بذي الرحم غير المحرّم، كابن العمّ وبنته، ٢١٥ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٧٩) وأولاد الأخوال والخالات، وغيرهم، ثم بالمصاهرة، ثم بالمولى مِن أعلى وأسفل، ثم الجار، ويقدَّم القريب البعيد الدار على الجار، وكذا لو كان القريب في بلد آخر قُدِّم على الجار الأجنبيّ، وألحقوا الزوج والزوجة بالمحارم، والله أعلم. انتهى(١). ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ◌َّتُهُ: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البرّ، قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم، وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَمَيْنٍ﴾ الآية [لقمان: ١٤]، فسوّى بينهما في الوصاية، وخَصّ الأم بالأمور الثلاثة. وقال القرطبيّ: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البرّ، وتُقَدَّم في ذلك على حقّ الأب عند المزاحمة. وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البرّ على الأب، وقيل: يكون برّهما سواء، ونَقَله بعضهم عن مالك، والصواب الأول، قال الحافظ: وإلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نَقَل الحارث المحاسبيّ الإجماع على تفضيل الأم في البرّ، وفيه نظر، والمنقول عن مالك ليس صريحاً في ذلك، فقد ذكره ابن بطال، قال: سئل مالك: طلبني أبي، فمنعتني أمي، قال: أطع أباك، ولا تعص أمك، قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برّهما سواء، كذا قال، وليست الدلالة على ذلك بواضحة، قال: وسئل الليث؛ يعني: عن المسألة بعينها، فقال: أطع أمك، فإن لها ثلثي البرّ، وهذا يشير إلى الطريق التي لم يتكرر ذِكر الأم فيه إلا مرّتين، وقد وقع كذلك في رواية محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع عند مسلم في الرواية التالية، ووقع كذلك في حديث المقدام بن معدي كرب، فيما أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأحمد، وابن ماجه، وصححه الحاكم، ولفظه: ((إن الله يوصيكم بأمھاتکم، ثم یوصیکم بأمهاتکم، ثم یوصیکم بأمهاتكم، ثم یوصیکم بآبائكم، (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٢/١٦ - ١٠٣. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ثم يوصيكم بالأقرب، فالأقرب، وكذا وقع في حديث بهز بن حكيم، وكذا في آخر رواية محمد بن فضيل المذكورة بلفظ: ((ثم أدناك، فأدناك»، وفي حديث أبي رِمْثة - بكسر الراء، وسكون الميم، بعدها مثلثة -: ((انتهيت إلى رسول الله وَلّ، فسمعته يقول: أمك، وأباك، ثم أختك، وأخاك، ثم أدناك، أدناك))، أخرجه الحاكم هكذا، وأصله عند أصحاب ((السنن)) الثلاثة، وأحمد، وابن حبان. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغّْثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَّجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: ((أُقُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ(٢)، ثُمَّ أَبُولَ (٣)، ثُمَّ أَدْنَكَ، أَدْنَاكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فضيل بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمي بالتشيع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٣ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غَزْوان - بفتح الغين المعجمة، وسكون للزاي - ابن جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة أربعين ومائة (ع) تقدم في (الإيمان)) ٤٠٥/٧٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: ((أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ) هكذا معظم النسخ بالتكرار ثلاثاً، ووقع في بعضها: ((أمك، ثُمّ أمّك)) مرتين. (١) ((الفتح)) ٤٩٤/١٣ - ٤٩٥، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧١). (٢) في نسخة: إسقاط الثالثة. (٣) وفي نسخة: ((ثم أباك)). ٢١٧ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٨١) وقوله: (ثُمَّ أَبُولَكَ) هكذا في معظم النسخ أيضاً، ووقع في بعضها بلفظ: (ثم أباك))، وهذا يَحْتَمِل أن يكون منصوباً بفعل مقدّر؛ أي: ثم بِرّ أباك، ويَحْتَمل أن يكون مرفوعاً بالعطف على ((أمُّك)) بضمّة مقدّرة على الألف، على لغة من يُلزم الأسماء الستّة الألف في الأحوال كلّها، وهي لغة فصيحة، كما قال في ((الخلاصة)): وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ (َبٌ)) ((أَخْ)) ((حَمٌ)) كَذَاكَ ((وَهَنُ)). وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ وَفِي ((أَبِ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ وقوله: (ثُمَّ أَدْنَاَ، أَدْنَاَكَ))) المراد بالدنوّ: القرب إلى البارّ، قال عياض: تردّد بعض العلماء في الجدّ والأخ، والأكثر على تقديم الجدّ، قال الحافظ: وبه جزم الشافعية، قالوا: يقدَّم الجدّ، ثم الأخ، ثم يقدّم من أدلى بأبوين على من أدلى بواحد، ثم تُقدّم القرابة من ذوي الرحم، ويقدّم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم سائر العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار، وسيأتي الكلام علی حکمه بعدُ. وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن إيصال البرّ دفعة واحدة، وهو واضح، وجاء ما يدلّ على تقديم الأمّ في البرّ مطلقاً، وهو ما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وصححه الحاكم، من حديث عائشة رضي ◌ّا: ((سألت النبيّ وَّ: أيُّ الناس أعظم حقّاً على المرأة؟ قال: زوجها، قلت: فعلى الرجل؟ قال: أمه))، ويؤيد تقدیم الأم حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينزعه مني، فقال: أنت أحقّ به ما لم تنكحي))، كذا أخرجه الحاكم، وأبو داود، فتوصَّلت لاختصاصها به باختصاصه بها في الأمور الثلاثة. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا شَرِيكَ، عَنْ عُمَارَةَ، (١) ((الفتح)) ٤٩٥/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧١). ٢١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وَابْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ، وَزَادَ: ((فَقَالَ: ((نَعَمْ، وَأَبِيكَ لَتُنَّأَنَّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الحافظ، تقدّم قريباً . ٢ - (شَرِيك) بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيراً، تغيّر حفظه منذ وَلِيَ القضاء بالكوفة، وكان عادلاً، فاضلاً عابداً شديداً على أهل البِدَع [٨] (ت٧ أو ١٧٨) (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٠/٣٦. ٣ - (ابْنُ شُبْرُمَةَ) هو: عبد الله بن شُبْرمة - بضم الشين المعجمة، وسكون الموحّدة، وضم الراء - ابن الطفيل بن حسان الضبيّ، أبو شبرمة الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٤٤) (خت م د س ق). وثّقه أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، والثوري وغيرهم. وقال ابن سعد: كان شاعراً، فقيهاً، ثقة، قليل الحديث. قيل: وُلد سنة (٧٢) من الهجرة، ومات سنة (١٤٤). والباقون ذُكروا قبله. وقوله: ((نَعَمْ، وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ))؛ يعني: زاد هذا الكلام قبل الجواب عن السؤال، وحاصله أن السائل لمّا سأل عمن يستحقّ برّه، وحُسْن صحبته، أجابه النبيّ وَل﴿ بأنك سوف تُخبّر بجواب سؤالك، ثم أجاب بما تقدّم، والواو في قوله: ((وأبيك)) وإن كانت للقَسَم، لكن حقيقة القسم غير مرادة هنا؛ لأن الحلف بغير الله لا يجوز، وإنما هي كلمة تجري على اللسان دِعامة للكلام، أفاده في ((التكملة))(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأبيك)) لم يُقصد به القسم، وإنما هي كلمة تجري لإرادة تثبيت الكلام، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع قبل النهي عن الحلف بالآباء. انتهى (٢) . (١) ((تكملة فتح الملهم)) ٣٢٩/٥. (٢) ((الفتح)) ٤٩٣/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧١). ٢١٩ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٨٢) وقال النوويّ نَّثُ: قوله: ((نعم وأبيك لتنبأنّ)) قد سبق الجواب مرات عن مثل هذا، وأنه لا تراد به حقيقة القسم، بل هي كلمة تجري على اللسان دِعامة للكلام، وقيل غير ذلك. انتهى (١). [تنبيه]: رواية شريك بن عبد الله عن عمارة وابن شُبرُمة هذه ساقها ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))، فقال: (٢٥٤٠٣) - حدّثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، وابن شُبرمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَ﴿، فقال: يا رسول الله نبئني بأحقّ الناس مني بحسن الصحبة، فقال: ((نعم، وأبيك، لتنبأنّ، أمُّك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمّك))، قال: ثم من؟ قال: ((أبوك)). انتهى(٢). وساقها أيضاً ابن ماجه في ((سننه)) مطوّلة، فقال: (٢٧٠٦) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريكٌ، عن عُمارة بن القعقاع، وابن شُبْرُمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبيّ ◌َّ﴿، فقال: يا رسول الله، نَبِّئني بأحقّ الناس مني بحسن الصحبة، فقال: ((نعم وأبيك لتنبأنّ، أمُّك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أبوك))، قال: نبئني يا رسول الله عن مالي كيف أتصدق فيه؟ قال: ((نعم والله لتنبأنّ، أن تصَدَّق وأنت صحيح شحيح، تأمُل العيش، وتخاف الفقر، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغتْ نَفْسَك ها هنا، قلتَ: مالي لفلان، ومالي لفلان، وهو لهم، وإن كَرِهت)). انتهى (٣). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٢] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا خَّبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: ((مَنْ أَبَرُّ؟)) وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: ((أَُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟)) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِیٍ). (١) (شرح النوويّ)) ١٠٣/١٦. (٣) ((سنن ابن ماجه)) ٩٠٣/٢. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢١٨/٥. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ المعروف السمين، تقدّم قريباً. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سوّار الفزاريّ، أبو عمرو المدائنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) بن مُصَرِّف الياميّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام، وأنكروا سماعه من أبيه؛ لصغره [٦] (ت١٦٧) (خ م د ت عس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٨/٣٠. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشِ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، نُسب لجدّه، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٢) وله ستون سنةً (م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢. ٥ - (حَبَّانُ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. ٦ - (وُهَيْبٌ) - بالتصغير - ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغيّر قليلاً بأَخَرَة [٧] (ت١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٣. و((ابن شُبْرُمة)) ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاَهُمَا عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) ضمير التثنية لمحمد بن طلحة، ووهیب بن خالد. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) إشارة إلى الإسناد السابق، وهو إسناد عبد الله بن شُبرُمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة وقوله: (فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: ((مَنْ أَبَرُّ؟)))؛ يعني: أن سياق وهيب بن خالد بلفظ: ((من أبرّ)) بدل قول محمد بن طلحة: ((أيّ الناس أحقّ ... إلخ)). وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ) هكذا النُّسخ: ((ذكر)) بإفراد الفاعل، ولعل الصواب: ((ذكرا)) بضمير وهيب، ومحمد بن طلحة، ويحتمل أن يكون الضمير لهما بتأويل كلّ منهما؛ أي: ذَكَر كلّ منهما، وكونه لمحمد بن طلحة فقط ينافيه سياقهما الآتي في التنبيه التالي، فإنه يؤيّد ما سبق، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية محمد بن طلحة عن ابن شُبْرُمة ساقها ابن الجعد تَظُّ في ((مسنده))، فقال: