Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٥١) - بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ وَّهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٤١)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيم الأَوْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [١١]
(٢٦١) (خ م س ق) تقدم في ((الزكاة) ٢٣٤٤/١٩.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجليّ
مولاهم، الكوفيّ، صدوق يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) وقيل:
بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ،
تغيّر حفظه بأخرة، روى له البخاريّ مقروناً، وتعليقاً [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٥ - (أَبُوهُ) ذكوان أبو صالح السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وکان
يجلِبُ الزيت إلى الكوفة [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
و «أبو هريرة ﴿به)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة ظُبه هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٥١) - (بَابُ مُؤَاخَاةِ النَِّيِّ وَِّ بَيْنَ أَصْحَابِهِ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤١] (٢٥٢٨) - (حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ،
حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ آَخَى
بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف بن حجّاج البغداديّ،
تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث البصريّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير نظُله، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف كَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
فبغداديّ، وفيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس
لأنس رَظُه، يقال: لزمه أربعين سنةً، وفيه أنس ظُله أحد المكثرين السبعة،
روى (٢٢٨٦) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس) تَظُبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ آخَى) بالمدّ: أي: حالف، وعاقد
(بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ) هو: عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن
أُهيب بن ضبّة بن الحارثَ بن فِهْر القرشيّ الْفِهْريّ، أحد العشرة المبشّرين
بالجنّة، أسلم قديماً، وشَهِد بدراً، ومات شهيداً بطاعون عمواس سنة (١٨) وله
(٥٨) سنةً، تقدّمت ترجمته في ((الصيد والذبائح)) ٤٩٩٠/٤، له في هذا الكتاب
ذِکر، ولا رواية له.
(وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَامِ الأنصاريّ النجاريّ،
مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِد بدراً، وما بعدها، مات سنة أربع
وثلاثين، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عاش بعد النبيّ وَّ أربعين سنةً، تقدّمت
ترجمته في ((الحيض)» ٧/ ٧٢٠.
قال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((آخى رسول الله وَل بين أبي عبيدة بن
الجراح، وبين أبي طلحة ﴿)): المؤاخاة: مفاعلة من الأُخُوّة، ومعناها: أن
يتعاقد الرجلان على التناصر، والمواساة، والتوارث حتى يصيراً كالأخوين
نسباً، وقد يُسَمَّى ذلك: حِلفاً، كما قال أنس مظله: قد حالف رسول الله وَله
بين قريش والأنصار في داره بالمدينة، وكان ذلك أمراً معروفاً في الجاهلية،
معمولاً به عندهم، ولم يكونوا يسمُونه إلا حِلْفاً، ولمّا جاء الإسلام عَمِل

٦٣
(٥١) - بَابُ مُؤَاخَاةِ النَِّّ لَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٤١)
النبيّ وَّ﴿ به، ووَرَّث به على ما حكاه أهل السِّير، وذلك أنهم قالوا: إن
رسول الله ﴿ آخى بين أصحابه مرتين: بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة، قال
أبو عمر: والصحيح عند أهل السِّيَر والعلم بالآثار والخبر في المؤاخاة التي
عقدها رسول الله ﴾ بين المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه
المسجد، على المواساة والحقّ، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، حتى
نزلت: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]،
فآخى رسول الله صل﴿ بين عليّ بن أبي طالب ونفسه، فقال له: ((أنت أخي
وصاحبي))، وفي رواية: ((أنت أخي في الدنيا والآخرة))، وكان عليّ
يقول: أنا عبد الله، وأخو رسوله وَّه، لم يقلها أحدٌ قبلي، ولا يقولها أحدٌ
بعدي إلا كذاب مفترٍ. وآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين
عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخي
حسان بن ثابت، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين الزبير
وسلمة بن سلامة بن وٍقْش، وبين طلحة وكعب بن مالك، وبين أبي عبيدة
وسعد بن معاذ، وبين سعد ومحمد بن مسلمة، وبين سعيد بن زيد وأُبَيّ بن
كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب، وبين عمار وحذيفة بن اليمان،
حليف بني عبد الأشهل، وقيل: بين عمار وثابت بن قيس، وبين أبي حذيفة بن
عتبة وعبّاد بن بشر، وبين أبي ذرّ والمنذر بن عمرو، وبين ابن مسعود وسهل بن
حُنيف، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وبين بلال وأبي رُويحة الخثعميّ،
وبين حاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة، وبين عبد الله بن جحش
وعاصم بن ثابت، وبين عُبيدة بن الحارث وعمير بن الْحُمَام، وبين الطفيل بن
الحارث - أخيه - وسفيان بن بشر، وبين الحصين بن الحارث - أخيهما -
وعبد الله بن جبير، وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عبادة، وبين عتبة بن
غزوان ومعاذ بن ماعِص، وبين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى، وبين
المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وبين ذي الشمالين ويزيد بن الحارث من
بني خارجة، وبين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة، وبين عمير بن
أبي وقاص وخبيب بن عديّ، وبين عبد الله بن مظعون وقطبة بن عامر، وبين
شماس بن عثمان وحنظلة بن أبي عامر، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
زيد الأنصاريّ، وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عديّ، وبين عمرو بن سراقة
وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وبين عاقل بن البكير ومبشر بن عبد المنذر،
وبين عبد الله بن مخرمة وفروة بن عمرو البياضي، وبين خنيس بن حذيفة
والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، وبين أبي سبرة بن أبي رُهم
وعبادة بن الحسحاس، وبين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزين، وبين أبي مرثد
الغَنَويّ وعبادة بن الصامت، وبين عُكاشة بن محصن والمجذر بن زياد حليف
الأنصار، وبين عامر بن فهيرة والحارث بن الضمة، وبين مِهْجَع مولى عمر
وسراقة بن عمر النجاريّ.
قال: وقد كان رسول الله وَ ﴿ آخى بين المهاجرين قبل الهجرة على الحقّ
والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان
وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عُبيدة بن الحارث
وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة وسالم
مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، رضي الله عن جملة
المهاجرين والأنصار.
قلت(١): وقد جاء في كتاب مسلم من حديث أنس ظُه: أنه آخى بين
أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة، وقال أبو عمر: إنه آخى بين أبي عبيدة
وبين سعد بن معاذ، والأولى ما في كتاب مسلم. انتهى (٢)، وهو بحث مفيدٌ،
والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظبه هذا من أفراد المصنّف تَخْذَلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٤١/٥١] (٢٥٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٥٢/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٨/٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥/
٩٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦١/٦)، والله تعالى أعلم.
(١) القائل هو القرطبيّ تَظُهُ.
(٢) ((المفهم)) ٤٧٩/٦ - ٤٨٢.

٦٥
(٥١) - بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ ◌َهَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٤٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٢] (٢٥٢٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا
حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلُ، قَالَ: قِيلَ لأَنَسٍ بْنِ مَالِكِ: بَلَغَكَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِوَلِّ قَالَ: (لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَام)؟، فَقَالَ أَنَسَرُ: قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو جَعْفَرِ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) البزاز الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ،
ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ
القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) وقد قارب
الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨.
٣ - (عَاصِمُ الأَحْوَلُ) هو: عاصم بن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ،
ثقةٌ، لم يتكلم فيه إلا القطان، فكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] مات بعد سنة
أربعين ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
څ)) ذُكر قبله.
و((أنس بن مالك
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّلُ كلاحقه، وهو (٤٩٥) من رباعيّات
الكتاب.
شرح الحديث:
عَن عَاصِمِ الأَحْوَلِ؛ أنه (قَالَ: قِيلَ لأَنَسِ بْنِ مَالِكِ) تَُّبه، والقائل هو
عاصم نفسه، ففي رواية البخاريّ ◌َُّهُ: ((قال: قلتُ لأنس ... إلخ)). (بَلَغَكَ)
بتقدير همزة الاستفهام، ولفظ البخاريّ: ((أبلغك؟))؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ:
(لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَام))؟) بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، بعدها فاء:
العهدُ، قال القرطبيّ كَُّهُ: أي: لا يتحالف أهل الإسلام، كما كان أهل
الجاهلية يتحالفون، وذلك أن المتحالفَينِ كانا يتناصران في كل شيء، فيمنع

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الرجل حليفه؛ وإن كان ظالماً، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن، فيمنع
الحقوق، وينتصر به على الظلم، والبغي، والفساد، ولمّا جاء الشرع
بالانتصاف من الظالم، وأنه يؤخذ منه ما عليه من الحقّ، ولا يمنعه أحد من
ذلك، وحدّ الحدود، وبيّن الأحكام، أبطل ما كانت الجاهلية عليه ممن ذلك،
وبقي التعاقد والتحالف على نصرة الحقّ، والقيام به، وأوجب ذلك بأصل
الشريعة إيجاباً عاماً على من قَدَر عليه من المكلَّفين.
ثم إنه ◌َ﴿ خصَّ أصحابه من ذلك بأن عقد بينهم حِلْفاً على ذلك مرتين
- كما تقدَّم ــ تأكيداً للقيام بالحقّ والمواساة، وسمَّى ذلك أُخُوّة مبالغة في
التأكيد والتزام الحرمة؛ ولذلك حكم فيه بالتوارث حتى تمكّن الإسلام،
واطمأنت القلوب، فنسخ الله تعالى ذلك بميراث ذوي الأرحام. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): معنى قوله: ((لا حِلْف في الإسلام)): أي: لا
يتعاهدون في الإسلام على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية،
كما سأذكره وكأنّ عاصماً يشير بذلك إلى ما رواه سعد بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جبير بن مطعم مرفوعاً: ((لا حِلْف في
الإسلام، وأيما حِلْف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدّةً))، أخرجه
مسلم.
ولهذا الحديث طُرُق منها عن أم سلمة مثله، أخرجه عمر بن شَبّة في
(كتاب مكة)) عن أبيه، وعن عمرو بن شعيب عن جدّه: ((قال: خطب
رسول الله وَيول على دَرَج الكعبة، فقال: أيها الناس ... ))، فذكر نحوه، أخرجه
عمر بن شَبّة، وأصله في ((السنن))، وعن قيس بن عاصم أنه: ((سأل
رسول الله ﴿ عن الحلف؟ فقال: لا حلف في الإسلام، ولكن تمسكوا بحلف
الجاهلية))، أخرجه أحمد، وعمر بن شبة، واللفظ له.
ومنها: عن ابن عباس رفعه: ((ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده
الإسلام إلا شدّةً وحِدّةً))، أخرجه عمر بن شبة، واللفظ له، وأحمد، وصححه
ابن حبان.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٤٨٢ - ٤٨٣.

٦٧
(٥١) - بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٤٢)
ومن مرسل عديّ بن ثابت: ((قال: أرادت الأوس أن تحالف سلمان،
فقال رسول الله (يليفر ... )) مثل حديث قيس بن عاصم، أخرجه عمر بن شبة.
ومن مرسل الشعبيّ رفعه: ((لا حلف في الإسلام، وحلف الجاهلية
مشدود))، وذكر عمر بن شبة: أن أول حلف كان بمكة حلف الأحابيش؛ أن
امرأة من بني مخزوم شَكَت لرجل من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة تسلُّط
بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عليهم، فأتى قومه، فقال لهم: ذلّت قريش لبني
بكر، فانصروا إخوانكم، فركبوا إلى بني المصطلق، من خزاعة، فسمعت بهم
بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، فاجتمعوا بذنب حَبْش - بفتح المهملة، وسكون
الموحدة، بعدها معجمة - وهو جبل بأسفل مكة، فتحالفوا: إن اليد على غيرنا
ما رَسَى حَبْش مكانه، وكان هذا مبدأ الأحابيش.
وعند عمر بن شبة من مرسل عروة بن الزبير مثله، ثم دخلت فيهم القَارَةُ.
قال عبد العزيز بن عمر: إنما سُمُّوا الأحابيش؛ لتحالفهم عند حَبْش، ثم
أسند عن عائشة ﴿يا؛ أنه على عشرة أميال من مكة، ومن طريق حماد الراوية:
سُمّوا؛ لتحبّشهم؛ أي: تجمّعهم، قال عمر بن شبة: ثم كان حلف قريش،
وثقيف، ودَوْس، وذلك أن قريشاً رَغِبَت في وَجّ، وهو من الطائف؛ لِمَا فيه من
الشجر والزرع، فخافتهم ثقيف، فحالفتهم، وأدخلت معهم بني دوس، وكانوا
إخوانهم، وجيرانهم، ثم كان حلف المطيّين، وأَزْد.
وأسند من طريق أبي سلمة، رفعه: ((ما شَهِدت من حلف إلا حلف
المطيبين، وما أحب أن أنكثه، وأن لي حُمُر النَّعَم))، ومن مرسل طلحة بن
عوف نحوه، وزاد: ((ولو دُعيت به اليوم في الإسلام لأجبت)).
ومن حديث عبد الرحمن بن عوف، رفعه: ((شَهِدت وأنا غلام حلفاً مع
عمومتي المطيبين، فما أحب أن لي حمر النعم، وإني نكثته))، قال: وحلف
الفُضول، وهم فضل، وفَضالة، ومفضّل تحالفوا، فلما وقع حلف المطيبين بين
هاشم، والمطلب، وأسد، وزهرة، قالوا: حلف كحلف الفضول، وكان حلفهم
أن لا يعين ظالم مظلوماً بمكة، وذكروا في سبب ذلك أشياء مختلفة،
مُحَصَّلها: أن القادم من أهل البلاد كان يَقْدَم مكة، فربما ظَلَمه بعض أهلها،
فيشكوه إلى من بها من القبائل، فلا يفيد، فاجتمع بعض من كان يكره الظلم،

٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ويستقبحه إلى أن عقدوا الحلف، وظهر الإسلام، وهم على ذلك. انتهى (١).
(فَقَالَ أَنَسٌ) ◌َظُهُ: (قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي
دَارِهِ) لفظ البخاريّ: ((في داري))، ولا يخفى ما في الأول من الالتفات، قال
ابن عيينة: معنى حالف بينهم: أي: آخَى بينهم، يريد أن معنى الحلف في
الجاهلية معنى الأُخُوّة في الإسلام، لكنه في الإسلام جارٍ على أحكام الدِّين،
وحدوده، وحلِف الجاهلية جرى على ما كانوا يتواضعونه بينهم بآرائهم، فبطل
منه ما خالف حكم الإسلام، وبقي ما عدا ذلك على حاله(٢).
وقال الطبريّ: ما استَدَلّ به أنس ◌َُّّه على إثبات الحلف لا ينافي حديث
جبير بن مطعم في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة، وكانوا
يتوارثون به، ثم نُسِخَ من ذلك الميراثُ، وبقي ما لم يبطله القرآن، وهو
التعاون على الحقّ، والنصر، والأخذ على يد الظالم، كما قال ابن عباس
((إلا النصر، والنصيحة، والرِّفادة، ويوصى له، وقد ذهب الميراث).
في الحدّ الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية
واختلف الصحابة
عرّ: ما كان قبل نزول الآية المذكورة(٣) جاهليّ،
والإسلام، فقال ابن عباس
وما بعدها إسلاميّ.
وعن عليّ رَُّه: ما كان قبل نزول ﴿لِإِيلَفِ قُرَيْشٍ ﴾ جاهليّ.
وعن عثمان ربه: كل حلف كان قبل الهجرة جاهليّ، وما بعدها
إسلاميّ.
وعن عمر نظره: كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود، وكل حلف
بعدها منقوض، أخرج كلّ ذلك عمر بن شَبّة عن أبي غسان محمد بن يحيى،
بأسانيده إليهم، قال الحافظ: وأظن قول عمر أقواها، ويمكن الجمع بأن
المذكورات في رواية غيره مما يدلّ على تأكد حلف الجاهلية، والذي في
(١) ((الفتح)) ٧٧/٦ - ٧٨، كتاب ((الكفالة)) رقم (٢٢٩٤).
(٢) راجع: ((الأعلام)) للخطّابيّ ١١٣٦/٢.
(٣) يعني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَانُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].

٦٩
(٥١) - بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِّ وَهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٤٣)
حديث عمر ما يدلّ(١) على نَسْخ ذلك(٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٤٢/٥١ و٦٤٤٣] (٢٥٢٩)، و(البخاريّ) في
(الكفالة)) (٢٢٩٤) و((الأدب)) (٦٠٨٣) و((الاعتصام)) (٧٣٤٠)، و(أبو داود) في
((الفرائض)) (٢٩٢٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٠٧/٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١١١/٣ و١٤٥ و٢٨١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٢/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: حَالَفَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِهِ الَّتِي بِالْمَدِّينَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه
عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َذَثُ كسابقه، وهو (٤٩٦) من رباعيّات
الكتاب.
(١) هكذا نُسَخ ((الفتح)): ((ما يدلّ))، والظاهر أنه بإسقاط ((ما))، والله تعالى أعلم.
(٢) ((الفتح)) ٧٨/٦ - ٧٩، كتاب ((الكفالة)) رقم (٢٢٩٤).

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقوله: (حَالَفَ رَسُولُ اللهِ وَ ل﴿) من المحالفة، وهي المعاقدة، والمعاهدة
على التعاضد، والتساعد، والاتفاق، ولا يعارض هذا الحديث التالي: ((لا
حِلْف في الإسلام))؛ لأن ذاك محمول على الحلف الذي كان في الجاهلية على
الفتن، والقتال، والغارات، ونحوها، فهذه هي التي نُهِي عنها (١).
وقوله: (بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ) هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى:
((حالف بين المهاجرين والأنصار)).
وقوله: (فِي دَارِهِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ)؛ أي: في دار أنس ◌َظُبه، وفيه الالتفات
السابق؛ إذ الظاهر أن يقول كما في الرواية الأخرى: ((في داري)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٤] (٢٥٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ
مُطْعِم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَ حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي
الْجَاهِّلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلَامُ إِلَّ شِدَّةً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّادَ بن أسامة القرشيّ مولا هم، الکوفيّ، مشهور بکنیته،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز
الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلّس، [٦] (ت٧ أو ٨ أو
١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
٤ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريباً.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: له
(١) ((عمدة القاري)) ٦٠/٢٥.

٧١
(٥١) - بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ ◌َِِّ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٤٤)
رؤيةٌ، وسماعه من عمر أثبته يعقوب بن شيبة، ثقة [٢] (ت٥ أو ٩٦) (خ م د
س ق) تقدم في ((الجهاد والسِّيَر)» ٤٥٥٩/١٣.
٦ - (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِم) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ
الشهير، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٦/١٠.
و«شیخه)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين،
والثاني بالمدنیین.
شرح الحديث:
(عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم) بضمّ الميم، وكسر العين المهملة، صيغة اسم
الفاعل؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُوَّلُ اللهِ وَّهِ: ((لَا حِلْفَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون
اللام، (فِي الإِسْلَام) قال ابن سِيدَهْ: معناه: لا تعاهُدَ على فعل شيء كانوا في
الجاهلية يتعاهدونَ عليه، والمحالفة في حديث أنس ◌َلُه هي الإخاء، قاله ابن
التين، قال: وذلك أن الحلف في الجاهلية هو بمعنى النَّصْرة في الإسلام.
وقال الطبريّ في ((التهذيب)): [فإن قيل]: قد قال رَّ: ((لا حلف في
الإسلام))، وهو يعارض قول أنس: ((حالف رسول الله وَله بين قريش والأنصار
في داري بالمدينة)).
[قيل له]: هذا كان في أول الإسلام، آخى بين المهاجرين والأنصار.
تهى(١).
انتھی
(وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)))؛ أي: مما لم
ينسخه الإسلام، ولم يُبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحقّ، والنصرة،
والأخذ على يد الظالم (٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: يعني: مِن نصرة الحق، والقيام به، والمواساة،
وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق، قال: اجتمعت قبائل من
(١) ((عمدة القاري)) ١١٩/١٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ١١٩/١٢.

٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ
قريش في دار عبد الله بن جُدْعان؛ لِشَرفه ونَسَبه، فتعاقدوا، وتعاهدوا على ألا
يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها، أو غيرهم، إلا قاموا معه حتى تُرَدّ عليه
مظلمته، فسَمَّت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول؛ أي: حلف الفضائل،
والفضول هنا جمع فضل للكثرة؛ كفلس وفلوس. وروى ابن إسحاق عن ابن
شهاب قال: قال رسول الله وَله: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدْعان حلفاً
ما أحبُّ أن لي به حُمُر النَّعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت))(١).
(١) قال البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) ٣٦٧/٦:
(١٢٨٥٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا:
ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير،
عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن طلحة بن
عبد الله بن عوف، أن رسول الله وسلم قال: ((لقد شَهِدت في دار عبد الله بن جُدْعان
حِلْفاً، ما أُحِبّ أن لي به حمرَ النعم، ولو أُدعَى به في الإسلام لأجبت))، قال
القتيبي فيما بلغني عنه: وكان سبب الحلف أن قريشاً كانت تتظالم بالحرم، فقام
عبد الله بن جُدْعان والزبير بن عبد المطلب، فدعوهم إلى التحالف على التناصر،
والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابهما بنو هاشم، وبعض القبائل من قريش.
قال الشيخ - البيهقيّ -: قد سمّاهم ابن إسحاق بن يسار قال: بنو هاشم بن
عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو
زُهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرّة، قال القتيبي: فتحالفوا في دار عبد الله بن
جُدعان، فسَمَّوا ذلك الحلف حلف الفضول؛ تشبيهاً له بحلف كان بمكة أيام
جُرْهُم على التناصف، والأخذ للضعيف من القويّ، وللغريب من القاطن، قام به
رجال من جُرْهم، يقال لهم الفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، والفضل بن
فَضَالة، فقيل: حلف الفضول جمعاً لأسماء هؤلاء، قال غير القتيبي في أسماء
هؤلاء: فضل، وفضال، وفضيل، وفضالة، قال القتيبيّ: والفضول جمع فضل،
كما يقال: سعد وسعود، وزيد وزيود، والذي في حديث عبد الرحمن بن عوف:
حلف المطيبين، قال القتيبيّ: أحسبه أراد حلف الفضول؛ للحديث الآخر، ولأن
المطيبين هم الذين عقدوا حلف الفضول، قال: وأي فضل يكون في مثل التحالف
الأول، فيقول النبيّ و9َّ: ((ما أحب أن أنكثه، وأن لي حمر النعم))، ولكنه أراد
حلف الفضول الذي عقده المطيّبون، قال محمد بن نصر المروزيّ: قال بعض أهل
المعرفة بالسِّيَر وأيام الناس: إن قوله في هذا الحديث: ((حلف المطيبين)) غلط، =

٧٣
(٥١) - بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِّ وَّهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٤٤٤)
وقال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن عليّ في مال له
السلطان الوليد؛ فإنَّه كان أميراً على المدينة. فقال له حسين: أحلف بالله
لتنصفني، من حقي، أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله وَص لته،
ثم لأَدْعُوَنَّ بحلف الفضول، قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعانا
لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه، أو نموت جميعاً، وبلغت
المسور بن مخرمة، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الله بن عثمان بن عبيد الله
التيميّ، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه. انتهى(١).
وقال ابن الأثير تَخْتُ: أصل الحلف: المعاقدة، والمعاهدة على
التعاضد، والتساعد، والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن، والقتال
بين القبائل، والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله وسلم: ((لا
حلف في الإسلام))، وما كان في الجاهلية على نصر المظلوم، وصلة الأرحام؛
كحلف المطيبين، وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه وَله: ((وأيما حلف كان
في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدّةً))، يريد: من المعاقدة على الخير،
ونصرة الحقّ، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا الحلف الذي يقتضيه الإسلام،
والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام.
وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله: ((لا حلف في الإسلام)) قاله
زمن الفتح، فكان ناسخاً، وكان رسول الله وصله، وأبو بكر ◌ُه من المطيبين،
وكان عمر به من الأحلاف، والأحلاف ست قبائل: عبد الدار، وجُمَح،
ومخزوم، وعديّ، وكعب، وسَهْم، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم لمّا أرادت بنو
عبد مناف أخْذَ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة، والرفادة، واللواء،
والسقاية، وأبَتْ عبد الدار عَقَد كل قوم على أمرهم حِلْفاً مؤكّداً على أن لا
يتخاذلوا، فأخرجت بنو عبد مناف جَفْنة مملوءة طيباً، فوضعتها لأحلافهم،
= إنما هو حلف الفضول، وذلك أن النبيّ وَ﴿ لم يُدرِك حلف المطيّبين؛ لأن ذلك
كان قديماً قبل أن يولد بزمان، وأما السابقة التي ذكرها، فيُشبه أن يريد بها سابقة
خديجة ◌ّا إلى الإسلام، فإنها أول امرأة أسلمت. انتهى.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وهم: أسد، وزُهرة، وتيم، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم
فيها، وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار، وحلفاؤها حِلْفاً آخر، مؤكّداً، فسموا
الأحلاف؛ لذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جبير بن مطعم ظُه هذا من أفراد
المصنّف نَخْدَتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٤٤/٥١] (٢٥٣٠)، و(أبو داود) في
((الفرائض)) (٢٩٢٥)، و(النسائيّ) في (الكبرى)) (٣٠/٤)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٤/ ٨٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٥٨٠ و١٥٩٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٤٠٣/١٣)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٩٢٩٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٣٧١ و٤٣٧٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٣٨/٢)، و(الحاكم) في
(مستدركه)) (٢٣٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٢/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه لا حِلْف في الإسلام، قال النوويّ كَّتُهُ: ذكر
مسلم كَثُ في الباب المؤاخاة، والْحِلْف، وحديث: ((لا حِلْف في الاسلام))،
وحديث أنس: ((آخى رسول الله وَله بين قريش والأنصار في داري بالمدينة)).
قال القاضي عياض: قال الطبريّ: لا يجوز الحِلف اليوم، فإن المذكور في
الحديث، والموارثة به، وبالمؤاخاة، كله منسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥]، وقال الحسن: كان التوارث بالحلف،
فُنُسخ بآية المواريث.
قال النوويّ: أما ما يتعلق بالإرث فيُستحب فيه المخالفة عند جماهير
العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام، والمحالفة على طاعة الله تعالى، والتناصر
في الدين، والتعاون على البرّ والتقوى، وإقامة الحقّ فهذا باق، لم يُنسخ،
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤٢٤/١ - ٤٢٥.

٧٥
(٥٢) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ بَقَاءَ النَّبِيِّ ◌َ أَمَانْ لأَصْحَابِهِ، وَبَقَاءَ أَصْحَابِ ﴿ه أَمَانٌ لِلأَمَةِ - حديث رقم (٦٤٤٥)
وهذا معنى قوله : *: في هذه الاحاديث: ((وأيما حِلْف كان في الجاهلية لم
يزده الإسلام إلا شِدّةً))، وأما قوله وَ له: ((لا حِلْف في الإسلام))، فالمراد به
حِلْف التوارث، والحلف على ما مَنَعَ الشرعُ منه، والله أعلم. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان إقرار الشرع ما كان من الحلف في الجاهليّة على
التناصر، والتناصح، وإقامة العدل، وغير ذلك مما ندب إليه الشرع.
٣ - (ومنها): بيان كون الشريعة شاملةً كافلةً، سمحةً، تراعي في كلّ
توجيهاتها مصالح العباد، فلا تنهى إلا عمّا لا مصلحة فيه، أو هو ظلم
محض، فما جاءت لمحو المصالح التي كانوا عليها في الجاهليّة، فقد كان
النكاح، والبيع، والشراء، والطلاق، وغير ذلك من المصالح الكثيرة، فجاءت
الشريعة، فأقرّت ذلك كلّه، ونفت منه ما يكون مضرّة للعباد، أو وسيلة إليها،
فما أحكمَ هذا الدين، وما أشمله، وأسمحه، وجعله ظاهراً على الأديان كلّها
حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، فاللَّهُمَّ ثبّتنا عليه، وأمِتْنا عليه، وابعثنا
عليه، واجعلنا من خيار أهله أحياءً وأمواتاً، آمين، والحمد لله رب العالمين.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٢) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ بَقَاءَ النَّبِيِّنَّهِ أَمَانٌ لأَصْحَابِهِ،
أَمَانٌ لِلأُمَّةِ)
وَبَقَاءَ أَصْحَابِهِ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٥] (٢٥٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ
عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ مُجَمِّعٍ بْنِ يَحْتَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ لَيهِ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ
الْعِشَاءَ، قَالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا؟))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ
صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ: ((أَحْسَنْتُمْ،
(١) (شرح النوويّ)) ٨١/١٦ - ٨٢.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أَوْ أَصَبْتُمْ))، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيراً مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى
السَّمَاءِ، فَقَالَ: ((النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ،
وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمِّي،
فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) ذُكر قبله.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن
صالح بن عُمير الأمويّ مولاهم، ويقال له: الجعفيّ نسبة إلى خاله حسين بن
عليّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مُشْكُدانة - بضم الميم والكاف، بينهما معجمة
ساكنة، وبعد الألف نون - وهو وعاء المسك بالفارسية، صدوقٌ، فيه تشيّع
[١٠] (٢٣٩) (م د س) تقدم في ((الاستسقاء)) ٢٠٨٨/٥.
٤ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ) هو: الحسين بن عليّ بن الوليد الجعفيّ
الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٣ أو ٢٠٤) وله أربع، أو خمس وثمانون سنةً
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤.
٥ - (مُجَمِّعُ(١) بْنُ يَحْيَى) بن يزيد بن جارية الأنصاريّ الكوفيّ، ويقال:
ابن زيد، صدوقٌ [٥].
روى عن خالد بن زيد بن جارية، وعثمان بن عبد الله بن موهب، وأبي
أمامة أسعد بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن أبي بردة بن أبي موسى، وعطاء بن
أبي رَبَاح، وغيرهم.
وروى عنه مِسْعَر، وابن عيينة، وابن المبارك، ومروان بن معاوية،
وحسين بن عليّ الجعفيّ، ومحمد بن بشر العبديّ، وأبو نعيم، وآخرون.
قال الأثرم عن أحمد: لا أعلم إلا خيراً، وقال ابن معين: صالح، وقال
أبو حاتم: ليس به بأس، صالح الحديث، وقال ابن عمارة، ويعقوب بن شيبة،
(١) بضمّ الميم، وفتح الجيم، وكسر الميم المشدّدة.

٧٧
(٥٢) - بَابُ بَيّانِ أَنَّ بَقَاءَ النَِّّ ◌َ أَمَانُ لأَصْحَابِهِ، وَبَقَاءَ أَصْحَابِهِ ﴿ه أَمَانٌ لِلْأُمَّةِ - حديث رقم (٦٤٤٥)
وأبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره ابن سعد في الطبقة
الخامسة، وقال: أصله مدنيّ، وله أحاديث.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا
الحدیث.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ، ثبتٌ،
وروايته عن ابن عمر مرسلة [٥] (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٣٣/١٦.
٧ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل:
الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٨ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ
المشهور، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره،
وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: مجمّع، عن سعيد، عن أبي بردة،
وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن أبيه، وفيه الصحابيّ المشهور أبو موسى
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) الصحيح أن اسمه كنيته، (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ
عبد الله بن قيس؛ أنه (قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ
جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ)؛ أي: لكان خيراً لنا، فـ((لو)) شرطيّة، وجوابها
مقدّر، كما ذكرنا، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب. (قَالَ) أبو
موسى: (فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا)؛ أي: رسول الله وَّهِ، (فَقَالَ) ◌َّ: ((مَا زِلْتُمْ هَا
هُنَا؟))) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أما زلتم في هذا المكان؟ (قُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ،
قَالَ) وَِّ ((أَحْسَنْتُمْ، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (أَصَبْتُمْ)))؛ أي:
أصبتم الصواب في انتظاركم هذا؛ لأن المنتظر للصلاة لا يزال في الصلاة ما
انتظرها. (قَالَ) أبو موسى: (فَرَفَعَ) وَِّ (رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ) وَلِ (كَثِيراً)

٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: رفعاً كثيراً، وقوله: (مِمَّا يَرْفَعُ
رَأْسَهُ) ((من)) زائدة على مذهب من يرى زيادتها في الإثبات، و((ما)) زائدة لتأكيد
الكثرة، وقوله: ((يرفع رأسه)) خبر ((كان)). (إِلَى السَّمَاءِ) متعلّق بـ((يرفع)).
وهذا لا يعارضه ما ثبت من أن نَظَرِهِ وَ لَّ إلى الأرض أكثر من نظره إلى
السماء، قال الحافظ العراقيّ تَخّْتُهُ في «ألفيّة السيرة»:
إِلَى السَّمَاءِ خَافِضٌ إِذْ يَنْظُرُ
نَظَرُهُ لِلأَرْضِ مِنْهُ أَظْوَلُ
لأن نظره إلى السماء كثير في نفسه، لكنّه أقلّ من نظره إلى الأرض،
والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ◌َِّ: ((النُّجُومُ)؛ أي: الكواكب، سُمِّيت بها؛ لأنها تنجُم؛ أي:
تطلع من مطالعها في أفلاكها(١). (أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ) بفتحات، مصدرٌ، بمعنى:
الأمن، قال المجد كَّتُهُ: الأَمْنُ، والآمِنُ، كصاحِبٍ: ضِدُّ الخَوْفِ، أَمِنَ كفَرِحَ
أَمْناً، وأماناً، بفَتْحِهِما، وأمَناً، وأمَنَةً محرَّكتينٍ، وإِمْناً بالكسر، فهو أمِنٌ،
وأمِينٌ، كَفَرِحٍ، وأميرٍ، وَرَجُلٌ أُمَنَةٌ، كهُمَزَةٍ، ويُحَرَّكُ: يَأْمَنُهُ كُلُّ أحَدٍ في كلِّ
شيءٍ، وقد آمَنُهُ، وأمَّنَهُ. انتهى(٢).
ووَصْفُ النجوم بالأمنة من قبيل قولهم: رجل عَدْلٌ؛ يعني: أنها سبب
أمْن السماء، فما دامت النجوم باقية لا تنفطر، ولا تتشقق، ولا يموت
أهلها(٣).
وقال النوويّ ◌َُّ: قال العلماء: ((الأَمَنَةُ)) بفتح الهمزة، والميم،
والأَمْنُ، والأمان، بمعنى، ومعنى الحديث: أن النجوم ما دامت باقية فالسماء
باقيةٌ فإذا انكدرت النجوم، وتناثرت في القيامة، وَهَنَت السماء، فانفطرت،
وانشقت، وذهبت، وقوله وَله: ((وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي
ما يوعدون)): أي: من الفتن، والحروب، وارتداد مَن ارتدّ من الأعراب،
واختلاف القلوب، ونحو ذلك، مما أنذر به صريحاً، وقد وقع كل ذلك.
(٤)
انتھی
(١) ((فيض القدير)) ٢٩٦/٦.
(٣) ((فيض القدير)) ٢٩٦/٦.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٥١٨/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ٨٣.

٧٩
(٥٢) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ بَقَاءَ النَِّّو ◌َ أَمَانُ لأَصْحَابِهِ، وَبَقَاءَ أَصْحَابِ ﴿ أَمَانٌ لِلأَمَّةِ - حديث رقم (٦٤٤٥)
(فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ)؛ أي: تناثرت، (أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ) من الانفطار،
والطيّ كالسِّجِلّ.
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: أي: ما دامت النجوم فيها لم تتغير بالانشقاق، ولا
بالانفطار، فإذا انتثرت نجومها، وكُوّرت شمسها، جاءها ذلك، وهو الذي
وُعدت به. انتهى(١).
(وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي) قال القرطبيّ تَخْتُ: الأَمَنَة: الأمن، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةٌ مِّنْهُ﴾ الآية [الأنفال: ١١]؛ أي: أمناً، ويعني
بذلك: أن الله تعالى رفع عن أصحابه وَل﴿ الفتن، والمحن، والعذاب مُدّة كونه
فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ الآية [الأنفال:
٣٣]، فلما تولي رسول الله وَ لّر جاءت الفتن، وعَظُمت الْمِحَن، وظهر الكفر
والنفاق، وكثر الخلاف والشقاق، فلولا تدارُك الله تعالى هذا الدين بثاني اثنين
لصار أثراً بعد عَيْن، وهذا الذي وُعدوا به. انتهى(٢).
(فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ)؛ أي: من الفتن والحروب
واختلاف القلوب، وقد وقع. (وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَّى
أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ))) قال القرطبيّ تَخُّْ: يعني: أن أصحابه ◌َّ ما داموا موجودين
كان الدِّين قائماً، والحقّ ظاهراً، والنصر على الأعداء حاصلاً، ولمّا ذهب
أصحابه غلبت الأهواء، وأُدِيلت الأعداء، ولا يزال أمر الدِّين متناقصاً، وجَدّه
ناكصاً إلى أن لا يبقى على ظهر الأرض أحد يقول: الله، الله، وهو الذي
وُعدت به أمته، والله تعالى أعلم. انتهى(٣).
وقال المناويّ تَخْلُهُ: قوله: ((وأصحابي أمنة لأمتي - أي: أمة الإجابة - فإذا
ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)): أي: من ظهور البدع، وغلبة الأهواء،
واختلاف العقائد، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك
المدينة، ومكة، وهذه كلها معجزاته ﴿ ﴿ وقعت، كما أخبر ◌َلي (٤).
(١) ((المفهم)) ٤٨٤/٦ - ٤٨٥.
(٣) ((المفهم)) ٤٨٥/٦.
(٤) ((فيض القدير)) ٢٩٦/٦، و((شرح النوويّ)) ٨٣/١٦.
(٢) («المفهم)) ٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال ابن الأثير تَخْلَتُهُ: أراد بوعد السماء انشقاقها، وذهابها يوم القيامة،
وذهاب النجوم تكويرها، وانكدارها، وإعدامها، وأراد بوعد أصحابه ما وقع
بينهم من الفتن، وكذلك أراد بوعد الأمة، والإشارة في الجملة إلى مجيء الشرّ
عند ذهاب أهل الخير، فإنه وَ ﴿ لمّا كان بين أظهرهم كان يبيّن لهم ما يختلفون
ثم يسندون
فيه، فلما تُوُفّي جالت الآراء، واختلفت الأهواء، فكان الصحابة
الأمر إلى الرسول ﴿ في قول، أو فعل، أو دلالة حال، فلما فُقد قلَّت
الأنوار، وقَوِيت الظّلَم، وكذلك حالُ السماء عند ذهاب النجوم، قال: والأَمَنَة
في هذا الحديث جمع أمين، وهو الحافظ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ر ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف تَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٤٥/٥٢] (٢٥٣١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٩٨/٢ - ٣٩٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٢٤٩)، و(البيهقيّ) في
(الاعتقاد)) (ص٣١٨ - ٣١٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٦٠/١٣)، و(البزار)
في ((مسنده)) (١٠٤/٨)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٩٠/١)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون النبيّ وَ ل﴿ أمنة لأصحابه، بل لأمته، فإنه الرحمة
(﴾ [الأنبياء:
المهداة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
١٠٧]، وقال ◌َله: ((إنما أنا رحمة مهداة))(٢).
٢ - (ومنها): بيان فضل أصحاب النبيّ وَلّ، حيث جعلهم الله تعالى
رحمة للأمة، فوجودهم أمان من العذاب، والفتن
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١/ ٧٠ - ٧١.
(٢) حديث صحيح، رواه الدارميّ وغيره.