Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(٤٩) - بَابُ خِيَارِ النَّاسِ - حديث رقم (٦٤٣٣)
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، كان يَهِم بأخرة [٥] (ت١٤٠) وقيل: قبلها (خ ت م ٤)
تقدم في ((الإيمان)» ٢٢١/٢٧.
والباقيان ذُكرا في الباب، و((الشعبيّ)) هو: عامر بن شَرَاحيل.
[تنبيه]: رواية الشعبيّ عن أبي هريرة ربه هذه ساقها البيهقيّ تَخّْتُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٧٨٥٤) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله بن يعقوب، ثنا
محمد بن نعيم، ثنا حامد بن عمر البكراويّ، ثنا مسلمة بن علقمة المازنيّ، عن
داود بن أبي هند، عن عامر، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: ثلاث سمعتهنّ لبني
تميم من رسول الله وَ ﴿، لا أُبغض بني تميم بعدهنّ أبداً، كان على عائشة ◌ُنا
نَذْر محرَّر مِن وَلَد إسماعيل، فسُبِيَ سَبْيٌّ من بني العنبر، فلما جيء بذلك
السبي، قال لها رسول الله وَله: ((إن سَرّك أن تفي بنذرك، فأعتقي محرّراً من
هؤلاء))، فجَعَلهم من ولد إسماعيل، وجيء بنَعَم من نَعَم الصدقة، فلما رآه،
راعه حُسْنه، قال: فقال: ((هذا نَعَم قومي))، فجعلهم قومه، قال: وقال: ((هم
أشدّ الناس قتالاً في الملاحم)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنْبُ﴾ .
(٤٩) - (بَابُ خِيَارِ النَّاسِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٣] (٢٥٢٦) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي
الإِسْلَامِ، إِذَا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَمْرِ، أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ
يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ، ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ
بِوَجْهٍ»).
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٩/ ٧٥.

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا قريباً .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء
السبعة، وفيه أبو هريرة له رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ)؛
أي: أصولاً مختلفةً، والمعادن: جمع معدن، وهو الشيء المستقِرّ في الأرض،
فتارةً يكون نفيساً، وتارةً يكون خسيساً، وكذلك الناس(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله وَّه: ((تجدون الناس معادن))؛ أي: كالمعادن،
وهو مَثَلٌ، وقد جاء في حديث آخر: ((الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة))،
ووجه التمثيل: أن المعادن مشتملة على جواهر مختلفة، منها النفيس،
والخسيس، وكلّ من المعادن يُخرج ما في أصله، وكذلك الناس كل منهم يَظهر
عليه ما في أصله؛ فمن كان ذا شرف في الجاهلية، فأسلم لم يَزِدْه الإسلام إلا
شرفاً؛ فإنْ تفقّه في دين الله، فقد وصل إلى غاية الشرف؛ إذ قد اجتمعت له
أسباب الشرف كلها، فيصدق عليه قوله: ((فخيارهم في الجاهلية خيارهم في
الإسلام إذا فقهوا)).
والمعادن: واحدها معدن - بكسر الدال ـ؛ لأنَّه موضع العدن؛ أي:
الإقامة اللازمة، ومنه: جنات عدن، وسمّي المعدن بذلك؛ لأنَّ الناس يقيمون
فيه صيفاً وشتاءً، قاله الجوهريّ. انتهى(٢).
(فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَام) وجه التشبيه أن المعدن لمّا
كان إذا استُخرج ظهر ما اختفى منه، ولا تتغير صفته، فكذلك صفة الشرف لا
(١) ((الفتح)) ١٤٧/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٣).
(٢) ((المفهم)» ٦/ ٤٧٧.

٤٣
(٤٩) - بَابُ خِيَارِ النَّاسِ - حديث رقم (٦٤٣٣)
تتغير في ذاتها، بل مَن كان شريفاً في الجاهلية، فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية
رأس، فإن أسلم استمرّ شرفه، وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في
الجاهلية(١). (إِذَا فَقُهُوا) بضمّ القاف، ويجوز كسرها، وفيه إشارة إلى أن
الشرف الإسلاميّ لا يتمّ إلا بالتفقه في الدين، وعلى هذا فتنقسم الناس أربعة
أقسام، مع ما يقابلها :
الأول: شريف في الجاهلية، أسلم، وتفقه، ويقابله مَشرُوف في
الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه.
الثاني: شريف في الجاهلية، أسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في
الجاهلية، لم ◌ُسلم، وتفقه.
الثالث: شريف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في
الجاهلية، أسلم، ثم تفقه.
الرابع: شريف في الجاهلية، لم يسلم، وتفقه، ويقابله مشروف في
الجاهلية أسلم، ولم يتفقه .
فأرفعُ الأقسام مَن شَرُف في الجاهلية، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان
مشروفاً، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان شريفاً في الجاهلية، ثم أسلم، ولم
يتفقه، ويليه من كان مشروفاً، ثم أسلم، ولم يتفقه، وأما من لم يسلم، فلا
اعتبار به، سواء كان شريفاً، أو مشروفاً، وسواء تفقه، أو لم يتفقه، والله
أعلم.
والمراد بالخيار والشرف وغير ذلك: مَن كان متصفاً بمحاسن الأخلاق؛
كالكرم، والعفّة، والحِلم، وغيرها، متوقياً لمساويها؛ كالبخل، والفجور،
والظلم، وغيرها (٢).
(وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: هكذا الرواية: ((من خير
الناس))، وهي لبيان جنس الخيرية؛ كأنه قال: تجدون أكره الناس في هذا
الأمر من خيارهم، ويصحّ أن يقال على مذهب الكوفيين: إنها زائدة؛ فإنَّهم
(١) ((الفتح)) ١٤٧/٨ - ١٤٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٣).
(٢) ((الفتح)) ١٤٨/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٣).

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
يجيزون زيادة ((من)) في الموجَب، كما تقدَّم، ويعني بالأمر: الولايات؛ وإنَّما
يكون من يكرهها من خير الناس، إذا كانت كراهته لها لعلّة تعظيم حقوقها،
وصعوبة العدل فيها، ولخوفه من مطالبة الله تعالى بالقيام بذلك كله، ولذلك
قال فيها: ((نعمت المرضعة، بئست الفاطمة))، وكفى بذلك ما تقدَّم من
قوله مثل: ((ما من أمير عشيرة إلا يُؤتَى يوم القيامة مغلولاً، حتى يفكه العدل،
أو يوبقه الجور)). انتهى(١).
(فِي هَذَا الأَمْرٍ)؛ أي: الولاية، والإمرة. (أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ)
وفي رواية البخاريّ: ((أشدّهم له كراهيةً)): قال في ((الفتح)): أي: أن الدخول
في عُهدة الإِمْرة مكروهة من جهة تحمّل المشقة فيه، وإنما تشتد الكراهة له
ممن يتصف بالعقل والدِّين؛ لِمَا فيه من صعوبة العمل بالعدل، وحَمْل الناس
على رفع الظلم، ولِمَا يترتب عليه من مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوقه،
وحقوق عباده، ولا يخفى خيرية من خاف مقام ربه.
وأما قوله في الطريق التي بعد هذه: ((تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا
الشَّأْنِ، أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً»، فإنه قيّد الإطلاق في الرواية الأولى، وعُرف أن
((من)) فيه مرادٌ، وأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس على الإطلاق.
وأما قوله: ((حَتَّى يَقَعَ فِيهِ)) فاختُلِف في مفهومه، فقيل: معناه أن من لم
يكن حريصاً على الإمرة غير راغب فيها، إذا حصلت له بغير سؤال تزول عنه
الكراهة فيها؛ لِمَا يُرَى من إعانة الله له عليها، فيأمَن على دينه ممن كان يُخاف
عليه منها قبل أن يقع فيها، ومِن ثَمَّ أحب من أحب استمرار الولاية من السلف
الصالح حتى قاتل عليها، وصَرَّح بعض من عُزِل منهم بأنه لم تَسُرّه الولاية، بل
ساءه العزل.
وقيل: المراد بقوله: ((حتى يقع فيه)): أي: فإذا وقع فيه لا يجوز له أن
یکرهه.
وقيل: معناه: أن العادة جَرَت بذلك، وأن من حَرَص على الشيء،
(١) ((المفهم)) ٤٧٨/٦.

٤٥
(٤٩) - بَابُ خِيَارِ النَّاسِ - حديث رقم (٦٤٣٣)
ورَغِب في طلبه قلَّ أن يحصل له، ومن أعرض عن الشيء، وقَلَّت رغبته فيه
يحصل له غالباً، والله أعلم(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((وتجدون من خير الناس في هذا الأمر ...
إلخ)) قال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن المراد به الإسلام، كما كان من عمر بن
الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل،
وسهيل بن عمرو، وغيرهم، من مسلمة الفتح، وغيرهم، ممن كان يكره
الإسلام كراهية شديدة لَمّا دخل فيه أخلص، وأحبه، وجاهد فيه حقّ جهاده،
قال: ويَحْتَمِل أن المراد بالأمر هنا: الولايات والإمارات؛ لأنه إذا أعطيها من
غير مسألة أعين عليها. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد كون الإسلام مراد بالأمر هنا،
فالصواب أنه أمر الولايات، كما هو ظاهر سياق الحديث، فتأمله بالإمعان،
ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
(وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ) وفي رواية للبخاريّ: ((تجدُ من شرار الناس))،
وفي رواية له بلفظ: ((تجدون شر الناس))، وأخرجه الترمذيّ بلفظ: ((إن من شر
الناس))، وأخرجه أبو داود بلفظ: ((من شر الناس ذو الوجهين))، وهذه الألفاظ
متقاربة، والروايات التي فيها: ((شرّ الناس)) محمولة على الرواية التي فيها:
((من شر الناس))، ووصفه بكونه شرّ الناس، أو من شر الناس مبالغة في
ذلك(٣)، ورواية: ((أشر الناس)) بزيادة الألف لغة في شرّ، يقال: خير وأخير،
وشرّ وأشر، بمعنى، ولكن الذي بالألف أقلّ استعمالاً .
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالناس: مَن ذكر من الطائفتين المتضادتين
خاصّة، فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهراً، فلا يتمكن من الاطلاع
على أسرارها إلا بما ذُكر من خداعه الفريقين؛ ليطّلع على أسرارهم، فهو
شرّهم كلهم، والأَولى حَمْل الناس على عمومه، فهو أبلغ في الذمّ.
(١) ((الفتح)) ١٤٨/٨ - ١٤٩، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٣).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٥٦٣، و((شرح النوويّ)) ٧٩/١٦.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٣١/٢٢.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقد وقع في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي شهاب، عن الأعمش،
بلفظ: ((من شر خلق الله ذو الوجهين)).
وقوله: (ذَا الْوَجْهَيْنِ) مفعول أول لـ((تجدون))، والثاني قوله: ((من أشرار
الناس))، وقوله: (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءٍ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءٍ بِوَجْهٍ))) تفسير لـ«ذا
الوجهين))، قال القرطبيّ نَّهُ: إنما كان ذو الوجهين شرّ الناس؛ لأن حاله
حال المنافق؛ إذ هو متملّق بالباطل، وبالكذب، مُدخل للفساد بين الناس.
وقال النوويّ كَّلهُ: المراد بذي الوجهين: من يأتي كل طائفة بما
يرضيها، فيُظهر لها أنه منها، ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق، ومحض كذب،
وخِداع، وتحيّل على الاطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة،
قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. انتهى(١).
وقال غيره: الفرق بينهما أن المذموم: من يزيّن لكل طائفة عملها،
ويقبّحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى، والمحمود: أن يأتي لكل
طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليه
ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح، ويؤيد هذه التفرقة رواية الإسماعيليّ
بلفظ: ((الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء))(٢).
وقال في ((العمدة)): ذو الوجهين هو الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء
بوجه، كما بُيّن في الحديث، وهذه هي المداهنة المحرّمة، وسُمّي ذو الوجهين
مداهناً؛ لأنه يُظهر لأهل المنكر أنه عنهم راض، فيلقاهم بوجه سَمْحٍ بالترحيب
والبِشر، وكذلك يُظهر لأهل الحقّ ما أظهره لأهل المنكر، فبخلطه لكلتا
الطائفتين، وإظهارِه الرضى بفعلهم استحقّ اسم المداهنة، واستحقّ الوعيد
الشديد أيضاً. انتهى(٣).
وقال ابن عبد البرّ تَخْذَلُهُ: هذا حديث ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره في
البيان عن ذمّ من هذه حالته، وفِعله، وخُلُقه - عصمنا الله برحمته - وقد تأول
(١) (شرح النوويّ)) ١٥٦/١٦.
(٢) ((الفتح)) ١٤٩/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٣).
(٣) ((عمدة القاري)) ١٣١/٢٢.

٤٧
(٤٩) - بَابُ خِيَارِ النَّاسِ - حديث رقم (٦٤٣٣)
قوم في هذا الحديث أنه الذي يرائي بعمله، ويُري الناس خشوعاً، واستكانةً،
ويريهم أنه يخشى الله حتى يكرموه، وليس الحديث على ذلك، والله أعلم،
وقوله: ((يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)) يردّ هذا التأويل، وما يَحتاج ذم
الرياء إلى استنباط معنى من هذا الحديث وشِبْهه؛ لأن الآثار فيه عن النبيّ وَِّ،
وعن السلف أكثر من أن تحصى، ثم أخرج بسنده عن أبي هريرة ظاه عن
النبيّ وَ ﴿ قال: ((لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً))، قال: ومن هذا
الحديث - والله أعلم - أخَذ القائل قوله:
إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ يَكْشِرُ لِي
انتھی(١).
حِينَ يَلْقَانِي وَإِنْ غِبْتُ شَتَمْ
قال الحافظ بعد نقل كلام ابن عبد البرّ: قلت: وقد اقتصر في رواية
الترمذيّ على صدر الحديث، لكن دلّت بقية الروايات على أن الراوي
اختصره، فإنه عند الترمذي من رواية الأعمش، وقد ثبت هنا من رواية
الأعمش بتمامه، ورواية ابن نمير التي أشرت إليها هي التي تردّ التأويل
المذكور صريحاً، وقد رواه البخاريّ في ((الأدب المفرد)» من وجه آخر عن أبي
هريرة بلفظ: ((لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً))، وأخرج أبو داود من
حديث عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله وَلجر: ((من كان له وجهان في
الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار)).
وفي الباب عن أنس، أخرجه ابن عبد البر بهذا اللفظ، وهذا يتناول الذي
حكاه ابن عبد البرّ عمن ذَگره، بخلاف حدیث الباب، فإنه فسّر بمن يتردد بین
طائفتين من الناس، والله أعلم. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٦١/١٨ - ٢٦٢.
(٢) ((الفتح)) ١٤٩/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٤٩٣).

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٣٣/٤٩ و٦٤٣٤] (٢٥٢٦)، وسيأتي عقب
حديث (٢٦٠٤)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٥٣ و٣٣٧٤) و((المناقب)) (٣٤٩٣
و٣٤٩٤ و٣٤٩٥ و٣٥٨٧) و((الأدب)) (٦٠٥٨) و((الأحكام)) (٧١٧٩)، و(أبو داود)
في ((الأدب)) (٤٨٧٣)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (٢٠٢٥)، و(مالك) في
(الموطأ)) (٩٩١/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٧/٢ و٣٣٦ و ٤٥٥ و٤٩٥)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٢٦/١ و٢٤٥/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٧٥٤ و٥٧٥٥ و٥٧٥٦ و٥٧٥٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٤١/١١ و١٤٢)،
و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٦/٣ و٢٧/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٢٤٦/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تفاوت الناس في مراتبهم، وأنهم كمعادن الذهب
والفضّة، حيث تشتمل على النفيس والخسيس.
٢ - (ومنها): بيان فضل الفقه، وأن الإنسان يشرُف بقدر ما عنده من
الفقه في الدين، وهو معنى قوله وَّل في المتّفق عليه: ((من يُرِدِ الله به خيراً
یفقّهه في الدین)).
٣ - (ومنها): بيان أن الإسلام لا ينقص الشريف عن شرفه، بل يزيد
شرفاً على شرفه، ولذا كان من هدي النبيّ وَ لّ إذا أتاه وفد سألهم: ((من
سيّدكم؟)) فإذا أخبره ولّاه عليهم.
٤ - (ومنها): مدح كراهية الإمارة، والخلافة، وذمّ الحرص عليها؛ لأن
أخطارها كثيرة، ومسؤوليّتها في الدنيا والآخرة صعبة، لذا قال ◌َله: ((نعمت
المرضعة، وبئست الفاطمة))، رواه البخاريّ.
٥ - (ومنها): ذم ذي الوجهين من الناس الذي يأتي المؤمنين بوجه، ويأتي
أعداءهم بوجه آخر يتودّد إلى كليهما؛ ليعلم أسرارهما، فإنه من المفسدين في
الأرض، ومن أشرّ الناس عند الله تعالى، ومن المنافقين الذين يخادعون الله،
وهو خادعهم، فينبغي للإنسان أن يجتنب هذا الخُلُق الذميم، ويتحلّى بالخلق
الحسن الذي هو خلق النبيّ الكريم - عليه أفضل الصلاة، وأزكى التسليم -،
[القلم: ٤]، والله تعالى أعلم.
قال الله وَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
.

٤٩
(٤٩) - بَابُ خِيَارِ النَّاسِ - حديث رقم (٦٤٣٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ
أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَهِ: (تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَايِنَ))، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّ فِي
حَدِيثٍ أَبِي زُرْعَةَ، وَالأَعْرَجِ: ((تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ
كَرَاهِیَةً، حَتَّى بَقَعَ فِیهِ»).
رجال هذين الإسنادين: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية أبي زرعة عن أبي هريرة
نَظَلْهُ في
ئه ساقها البخاري
((صحيحه))، فقال:
(٣٣٠٤) - حدّثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن عمارة، عن
أبي زرعة، عن أبي هريرة ظه، عن رسول الله وَّ و قال: ((تجدون الناس
معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فَقُهوا، وتجدون خير
الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهيةً، وتجدون شرّ الناس ذا الوجهين، الذي
يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه)). انتهى(١).
ورواية الأعرج عن أبي هريرة به ساقها البخاريّ كَّفُ أيضاً في
((صحيحه)) بسند المصنّف، بزيادة في ((أوله))، فقال:
(٣٣٠٥) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا المغيرة، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة ه؛ أن النبيّ وَّ قال: ((الناس تبع لقريش في هذا
الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، والناس معادن، خيارهم
في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقُهوا، تجدون من خير الناس أشدّ
الناس كراهية لهذا الشأن، حتى يقع فيه)). انتهى.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ قَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٢٨٨/٣.

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(٥٠) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٥] (٢٥٢٧) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَّ - قَالَ أَحَدُهُمَا -:
صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - وَقَالَ الآخَرُ -: نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٌ فِي صِغَرِهِ،
وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتٍ يَدِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد المكيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ طَاؤُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد،
ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الْحِمْيَريّ مولاهم
الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت١٠٦)
وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأن الإسناد الأول مسلسلٌ بالمدنيين
غير شيخه، وسفيان، فمكيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه أحد ما قيل
فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، (عَنِ الأَعْرَج) عبد الرحمن بن
هُرْمُز، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَؤُهِ، وقوله: (وَعَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ) عطف على قوله:

٥١
(٥٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - حديث رقم (٦٤٣٥)
((عن أبي الزناد))، فلابن عيينة في هذا الحديث سندان: أحدهما عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ظُه، والثاني: عن ابن طاوس - (عَنْ
أَبِيهِ) طاوس بن كيسان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:
((خَيْرُ نِسَاءٍ) مبتدأ خبره قوله: ((نساء قريش))، وفي الرواية الآتية: ((نِسَاءُ قُرَيْشٍ
خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ))، وقوله: (رَكِبْنَ الإِبِلَ) صفة لـ((نساء))، وهو كناية عن
العرب، قال سفيان بن عيينة: (قَالَ أَحَدُهُمَا)؛ أي: أحد الشيخين: أبو الزناد،
أو عبد الله بن طاوس، (صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ)؛ أي: بزيادة لفظة ((صالح))، (وَقَالَ
الآخَرُ -: نِسَاءُ قُرَيْشٍ) بحذف لفظة ((صالح))، سيأتي من رواية معمر عن ابن
طاوس أنه هو الذي زاد لفظة: ((صالح)).
فقوله: ((نساء قريش)) هذا المطلق محمول على المقيَّد؛ أعني: ((صالح
نساء قريش))، فالمحكوم له بالخيرية الصالحات من نساء قريش، لا على
العموم، والمراد بالصلاح هنا: صلاح الدِّين، وحُسْن المخالطة مع الزوج،
ونحو ذلك، أفاده في ((الفتح))(١) .
وقال في ((الفتح)) أيضاً: قوله: ((خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، وقال
الآخر: صالح نساء قريش))، في رواية الكشميهنيّ: ((صُلِّح)) بضم الصاد
المهملة، وتشديد اللام، بعدها حاء مهملة، وهي صيغة جمع.
وحاصله: أن أحد شيخَيْ سفيان اقتصر على ((نساء قريش))، وزاد الآخر:
((صالح))، قال: ولم أره عن سفيان إلا مبهماً، لكن ظهر من رواية شعيب، عن
أبي الزناد الماضية في أول ((النكاح))، ومن رواية معمر، عن ابن طاوس عند
مسلم أن الذي زاد لفظة ((صالح)) هو ابن طاوس، ووقع في أوله عند مسلم من
طريق الزهريّ عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ◌ُه بيان سبب الحديث،
ولفظه: ((أن النبيّ وَّ خطب أم هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله،
إني قد كَبِرت، وَلِيْ عيال ... ))، فذكر الحديث.
وقوله: (أَحْنَاهُ) بحاء مهملة، ثم نون، من الْحُنُوّ، وهو العطف،
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٠٨٢).

٥١
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
والشفقة، قال ابن التين: الحانية عند أهل اللغة: التي تُقيم على ولدها، فلا
تتزوج، فإن تزوجت فليست بحانية.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((أحناه على طفل))؛ يعني: أشفقه، وأعطفه،
وكان القياس أن يقال: أحناهنّ، لكن قالوا: العرب لا تتكلم في مثله إلا
مفرداً، وقال ابن الأثير: إنما وَحَّد الضمير ذهاباً إلى المعنى، تقديره: أحنى
مَن وُجِد، أو خُلق، أو مَن هناك، ومثله قوله: ((أحسن الناس وجهاً، وأحسنه
خُلُقاً))، يريد: أحسنهم خلقاً، وهو كثير في العربية، ومن أفصح الكلام،
وأحنى على وزن أفعل التفضيل، من حَتَى يحنو، أو حَنَى يحني، ومنه الحانية،
وهي التي تقيم على ولدها، ولا تتزوج شفقةً وعطفاً، ويقال: حَنَت المرأة على
ولدها تحنو: إذا لم تتزوج بعد أبيهم.
وفي ((التوضيح)): وفي بعض الكتب: أحنّاه بتشديد النون، وقال ابن
التين: ولعله مأخوذ من الحنان، وهو الرحمة، ومنه حنين المرأة، وهو نزاعها
إلى ولدها، وإن لم يكن لها صوت عند ذلك، وقد يكون حنينها: صوتها، على
ما جاء في الحديث من حنين الجذع، والأصل فيه: ترجيع الناقة صوتها على
إثر ولدها. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أحناه)) بسكون المهملة، بعدها نون: أكثره
شفقةً، والحانية على ولدها هي التي تقوم عليهم في حال يُتْمهم، فلا تتزوج،
فإن تزوجت فليست بحانية، قاله الهرويّ، وجاء الضمير مذكّراً، وكان القياس
أحناهنّ، وكأنه ذُكِّر باعتبار اللفظ، والجنس، أو الشخص، أو الإنسان، وجاء
نحو ذلك في حديث أنس به: ((كان النبيّ وَلّ أحسن الناس وجهاً، وأحسنه
خَلقاً))، بالإفراد في الثاني، وحديث ابن عباس ﴿ّ في قول أبي سفيان:
((عندي أحسن العرب، وأجمله، أم حبيبة)) بالإفراد في الثاني أيضاً، قال أبو
حاتم السجستانيّ: لا يكادون يتكلمون به إلا مفرداً. انتهى (٢).
وقوله: (عَلَى يَتِيم فِي صِغَرِهِ) وفي الرواية التالية: ((على ولده في صغره))،
(١) ((عمدة القاري)) ٢٦/١٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٩/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٠٨٢).

٥٣
(٥٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - حديث رقم (٦٤٣٥)
وفي رواية: ((على طفل))، قال في ((الفتح)): في رواية الكشميهنيّ: ((على ولد))
بلا ضمير، وهو أوْجَه، والتقييد باليُتْم والصِّغَر يَحْتَمِل أن يكون معتبراً مِن ذِكر
بعض أفراد العموم؛ لأن صفة الحنوّ على الولد ثابتة لها، لكن ذُكرت
الحالتان؛ لكونهما أظهر في ذلك. انتهى(١).
وقال وليّ الدين العراقيّ تَّثُ: قوله: «أحناه)): أي: أشفقه، والحانية
على ولدها: التي تقوم عليهم بعد تيتّمهم، فإن تزوجت فليست بحانية، قاله
الهرويّ، وقوله: ((على ولد)) قد عرفت أن في الرواية الأخرى: ((على يتيم))،
فقد يُجعل هذا من الإطلاق والتقييد، ويُحْمَل المطلق على المقيد، وقد يقال:
هو مِن ذِكر بعض أفراد العموم فهي حانية على ولدها مطلقاً، لكن الذي تَقْوَى
حاجته إلى حنوّها هو اليتيم، أما من أبوه حيّ فمستغنٍ عنها برَفْد أبيه، ولذلك
قيّد الولد بالصِّغر؛ لاستغنائه عن حنوّ الأم بعد كِبَره. انتهى(٢) .
وقوله: (وَأَرْعَاهُ) هو أيضاً أفعل تفضيل، مِن رَعَى يَرْعَى رِعايةً، والكلام
فيه مثل الكلام في «أحناه))(٣)؛ والمعنى: أي: أحفظ، وأصون لِمَا له بالأمانة
فيه، والصيانة له، وترك التبذير في الإنفاق. (عَلَى زَوْج) من الرعاية، وهي
الإبقاء، (فِي ذَاتٍ يَدِهِ)))؛ أي: في ماله المضاف إليه، ومَّنه قولهم: فلان قليل
ذات اليد: أي: قليل المال.
وقال قاسم بن ثابت في ((الدلائل)): ((ذات يده))، و((ذات بيننا))، ونحو
ذلك صفة لمحذوف مؤنث، كأنه يعني الحال التي هي بينهم، والمراد بذات
يده: ماله، ومَكسَبه، وأما قولهم: ((لقيته ذات يوم)) فالمراد لقاءة، أو مرّةً، فلما
حُذف الموصوف، وبقيت الصفة صارت كالحال. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/١١.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١١٧/٧.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٦/١٦.
(٤) ((الفتح)) ٢٧٢/١٢٣، كتاب ((النفقات)) رقم (٥٣٦٥).

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٣٥/٥٠ و٦٤٣٦ و٦٤٣٧ و ٦٤٣٨ و٦٤٣٩
و٦٤٤٠] (٢٥٢٧)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٤٣٤) و((النكاح)) (٥٠٨٢
و٥٣٦٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٣/٥)، و(همّام بن منبّه) في ((صحيفته))
(١٣٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٦٠٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١٠٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٨٤/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٦٩/٢ و٣٩٣ و٤٤٩ و٥٠٢)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (١٥٣٣)
و((الآحاد والمثاني)) (٤٥٩/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٥/١٢)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (٦٢٦٧ و٦٢٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٣/٧)
و((شُعَب الإيمان)) (٤٠٩/٦ و٤٧٧/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٩٦٥)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة نساء قريش، وفضل هذه الخصال، وهي الحنوّ
على الأولاد، والشفقة عليهم، وحُسْن تربيتهم، ومراعاة حقّ الزوج في ماله،
وحِفظه، والأمانة فيه، وحُسْن تدبيره في النفقة(١).
٢ - (ومنها): الحثّ على نكاح الأشراف خصوصاً القرشيات، ومقتضاه
أنه كلما كان نسبها أعلى تأكد الاستحباب، ويؤخذ منه اعتبار الكفاءة في
النَّسب، وأن غير القرشيات ليس كفأ لهن.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في (الفتح))، وقد قدّمنا في ((النكاح
أن اعتبار الكفاءة بالنسب رأي ضعيف؛ لأنه وّ ر زوّج فاطمة بنت قيس من
مولاه أسامة بن زيد ، وزوّج أبو حذيفة مولاه سالماً بنت أخيه، وغير ذلك
كثير، والصواب أن المعتبَر في الكفاءة هو الدِّين، فتبصّر، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
٣ - (ومنها): قال الحافظ وليّ العراقيّ ◌َُّ: فيه تفضيلُ نساء قريش على
غيرهنّ، وقوله: ((ركبن الإبل)) إشارة إلى العرب؛ لأنهم الذين يُعهد عندهم
(١) ((عمدة القاري)) ٢٦/١٦.

٥٥
(٥٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - حديث رقم (٦٤٣٥)
ركوب الإبل، فعبَّر بركوب الإبل عن العرب، وقد عُلم أن العرب خير من
غيرهنّ، فيستفاد بذلك تفضيلهن مطلقاً. انتهى(١).
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﴿به أراد من قوله: ((ركبن الإبل)) إخراج
مريم عقل من ذلك؛ لأنها لم تركب بعيراً قط، فلا يكون فيه تفضيل نساء
قريش عليها، ولا شك أن لمريم فضلاً، وأنها أفضل من أكثر نساء قريش، وقد
ثبت في ((الصحيح)) أنه وَّلي قال: ((خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها
خديجة بنت خويلد، وأشار وكيع إلى السماء والأرض)) وأراد بهذه الإشارة
تفسير الضمير في ((نسائها))، وأن المراد به جميع نساء الأرض؛ أي: كل من
بين السماء والأرض من النساء.
قال النوويّ: والأظهر أن معناه: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض
في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه.
وقال وليّ الدين: وقد يعود الضمير في ((نسائها)) على مريم وخديجة،
ويكون المقدّم خبراً، والمؤخر مبتدأ، والتقدير: مريم خير نسائها: أي: خير
نساء زمانها، والتردد بين مريم وخديجة مفرّع على الصحيح أن مريم ليست
نبيّة، وقد نقل بعضهم الإجماع عليه (٢)، أما إذا قلنا بنبوّتها كما قاله بعضهم،
فلا شكّ حينئذ في فَضْلها على خديجة، والحقّ أنه لا يحتاج إخراج مريم
من هذا التفضيل إلى استنباطه من قوله: ((ركبن الإبل))؛ لأن تفضيل الجملة لا
يلزم طَرْده في كل الأفراد، وقد عُلم فضل مريم بما تقدم وغيره؛ ولو قَصَد
بقوله: ((ركبن الإبل)) إخراج نساء غير العرب للزم على ذلك أن لا يكون لنساء
قريش فضل على نساء بني إسرائيل، ولا الروم، ولا الفرس، ولا غيرهم من
النساء، وليس كذلك، بل الحديث دالّ على تفضيلهن على جميع النساء؛
لدلالته على تفضيلهن على بقية العرب مع قيام الدليل على تفضيل العرب على
غيرهم، ثم إن هذا الحديث إنما سيق - والله أعلم - في معرض الترغيب في
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١١٤/٧.
(٢) دعوى الإجماع باطلة، كما يبيّنه كلامه بعده، فتفطّن.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
نكاح القرشيات، فلم يقصد التعرض لمريم التي انقضى زمانها بنفي ولا إثبات،
والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين كَذَتُهُ(١).
٥ - (ومنها): أنه جاء في رواية ((صالح نساء قريش))، وفي غيرها: ((نساء
قريش))، والمطلق محمول على المقيد، فالمحكوم له بالخيرة إنما هو صالح
نساء قريش، لا غيرهنّ، قال أبو العباس القرطبيّ: ويعني بالصلاح هنا صلاح
الدين، وصلاح المخالطة للزوج وغيره، كما دل عليه قوله: ((أحناه، وأرعاه))،
قاله وليّ الدين دخلتُ.
٦ - (ومنها): فيه فضل هاتين الخصلتين :
(إحداهما): الحنوّ على الأولاد، والشفقة عليهم، وحُسْن تربيتهم،
والقيام عليهم، إذا كانوا أيتاماً، ونحو ذلك.
(والثانية): مراعاة حق الزوج في ماله، وحِفْظه، والأمانة فيه، وحُسْن
تدبيره في النفقة وغيرها، وصيانته ونحو ذلك(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَِّ، وَابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، يَبْلُغُ
بِ النَّبِيَّ ◌ََّ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَرْعَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ»، وَلَمْ يَقُلْ:
يَتِيمِ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي قبله، غير:
(عَمْرٍو النَّاقِدِ) وهو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، وقد تقدّم قبل بابين.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَرْعَاهُ) فاعل ((قال)) ضمير عمرو الناقد.
[تنبيه]: رواية عمرو الناقد عن سفيان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
(١) ((طرح التثريب)) ١١٦/٧.
(٢) ((طرح التثريب)) ١١٦/٧.

٥٧
(٥٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - حديث رقم (٦٤٣٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَّ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْتَهُ عَلَى طِفْلٍ،
وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجِ فِي ذَاتٍ يَدِهِ»، قَالَ: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ
مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانٌ بَعِيراً قَطُ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو المذكور أول الباب الماضي.
وقوله: (أَحْنَاهُ)؛ أي: أشفقه، من حَتَى يحنو، ويَحني، من الثلاثيّ، أو
مِن أحنى يُحني من الرباعيّ: أشفق عليه، وعَطَف، والحانية: التي تقوم بولدها
بعد موت الأب، يقال: حنت المرأة على ولدها: إذا لم تتزوج بعد موت
الأب، قال ابن التين: فإن تزوجت فليست بحانية، وقال الحسن في الحانية:
التي لها ولد، ولا تتزوج، وفي بعض الكتب: ((أَحَتَّى)) بتشديد النون، والتنوين،
حكاه ابن التين، وقال: لعله مأخوذ من الحنان، بفتح، وتخفيف، وهو
الرحمة، وحَنَت المرأة إلى ولدها وإلى زوجها، سواءٌ كان بصوت أم لا، ومن
الذي بالصوت: حنين الجذع، وأصله: ترجيع صوت الناقة على إثر ولدها،
وكان القياس: أحناهنّ، لكن جرى لسان العرب بالإفراد، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((على إثر ذلك)): أي: على عقبه: ((ولم تركب
مريم بنت عمران بعيراً قط)) يريد به أن مريم لم تدخل في النساء المذكورات
بما ذكرن؛ لأنه قَيَّدَه بركوب الإبل، ومريم لم تكن ممن يركب الإبل، وقال
صاحب ((التوضيح)): يؤخذ من قول أبي هريرة هذا، ومِنْ ذِكر البخاريّ له في
قصة مريم تفضيلها على خديجة وفاطمة؛ لأنهما من العرب المخصوصين
بركوب الإبل. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح): قوله: (يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرٍ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ
(١) ((الفتح)) ٥٨/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٤).
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٦/١٦.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيراً قَطَ) وفي رواية لأحمد، وأبي يعلى: ((وقد عَلِم
رسول الله ﴿ أن مريم لم تركب بعيراً قط))، أراد أبو هريرة بذلك حظيبه إخراج
مريم من هذا التفضيل؛ لأنها لم تركب بعيراً قط، فلا يكون فيه تفضيل نساء
قريش عليها، ولا يُشَكّ أن لمريم فضلاً، وأنها أفضل من جميع نساء قريش إن
ثبت أنها نبيّةٌ، أو مِن أكثرهنّ إن لم تكن نبيّة، وقد تقدم بيان ذلك في فضائل
خديجة ◌ّا حديث: ((خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة))، وأن معناها:
أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، ويَحْتَمِل أن لا يحتاج في
إخراج مريم من هذا التفضيل إلى الاستنباط من قوله: ((ركبن الإبل))؛ لأن
تفضيل الجملة لا يستلزم ثبوت كل فرد فرد منها، فإن قوله: ((ركبن الإبل))
إشارة إلى العرب؛ لأنهم الذين يَكثُرُ منهم ركوب الإبل، وقد عُرِف أن العرب
خير مِن غيرهم مطلقاً في الجملة، فيستفاد منه تفضيلهن مطلقاً على نساء غيرهنّ
مطلقاً، ويمكن أن يقال أيضاً أن الظاهر أن الحديث سيق في معرض الترغيب
في نكاح القرشيات، فليس فيه التعرض لمريم، ولا لغيرها ممن انقضى زمنهن.
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: قوله: ((ولم تركب مريم بعيراً قط))
إشارة إلى أن مريم لم تدخل في هذا التفضيل، بل هو خاصّ بمن يركب
الإبل، والفضل الوارد في خديجة وفاطمة وعائشة هو بالنسبة إلى جميع
النساء، إلا مَن قيل: إنها نبيّة، فإن ثبت في حق امرأة أنها نبيةٌ، فهي
خارجة بالشرع؛ لأن درجة النبوّة لا شيء بعدها، وإن لم يثبت فيحتاج من
يخرجهن إلى دليل خاص لكل منهنّ، فأشار أبو هريرة إلى أن مريم لم
تدخل في هذا العموم؛ لأنه قَيَّد أصل الفضل بمن يركب الإبل، ومريم لم
تركب بعيراً قط.
وقد اعترض بعضهم، فقال: كأن أبا هريرة ظنّ أن البعير لا يكون إلا من
الإبل، وليس كما ظنّ، بل يُطلق البعير على الحمار، وقال ابن خالويه: لم
تكن إخوة يوسف رُكباناً إلا على أحمرة، ولم يكن عندهم إبل، وإنما كانت
(١) ((الفتح)) ٣٤٨/١١ - ٣٤٩.

٥٩
(٥٠) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - حديث رقم (٦٤٣٨)
تحملهم في أسفارهم وغيرها الأحمرة، وكذا قال مجاهد هنا: البعير الحمار،
وهي لغة حكاها الكواشيّ. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٨] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَّنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ
الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيَّرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيِّ بَّهِ خَطَبَ أُمَّ هَانِيٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، وَلِيَ عِيَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((خَيْرُ نِسَاءٍ
رَكِبْنَ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَحْتَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ) بكسر الباء الموحّدة، من باب تَعِبَ؛ أي:
طعنتُ في السنّ، قال المرتضى: كبُرَ الرَّجُلِ كَكَرُم يَكْبُر كِبَراً، كَعِنَبٍ، وكُبْراً
بالضَّم، وكَبارةً بالفتح: نَقيضُ صَغُرَ، وكَبِرَ الرجلُ كفَرِحَ يَكْبَرُ كِبَرَأَ كَعِنَب،
ومَكْبِراً كَمَنْزِلٍ، فهو كَبِيرٌ: طَعَنَ في السِّنِّ، من الناسِ والدَّوابِّ، فعُرِف من هذا
أَنَّ فِعْلَ الكِبَرِ بِمَعْنى العَظَمة ككْرُمَ، وبِمَعنى الطَّعْنِ في السِّنِّ كَفَرِحٍ، ولا يجوزُ
استِعمالُ أحدِهما في الآخَرِ اتفاقاً، وهذا قد يَغْلَطُ فيه الخاصَّةُ فضلاً عن
العامَّة. انتهى باختصار(٢).
وقولها: (وَلِيَ عِيَالٌ) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة: أهل
(١) ((الفتح)) ٥٨/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٤).
(٢) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٤٣٧/١.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
البيت، ومن يمونه الإنسان، والواحد: عَيِّلٌ، مثلُ جِيَادٍ وجيِّدٍ، قاله الفيّوميّ(١).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير معمر.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها أحمد كَّلُهُ في ((مسنده))،
فقال :
(٧٦٣٧) - حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب،
عن أبي هريرة؛ أن النبيّ وَّهُ خَطَب أم هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا
رسول الله، إني قد كَبِرتُ، ولي عِيَال، فقال النبيّ وَّه: ((خير نساء ركبن نساء
قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده))، قال أبو
هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ
رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَّنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْتَهُ عَلَى وَلَدٍ
فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجِ فِي ذَاتٍ بَدِهِ)).
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عتبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ الأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ
- يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - حَدِّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا سَوَاءً).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٣٨/٢.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٦٩/٢.