Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَّهِ ﴿﴾ - حديث رقم (٦٣١٥)
و٦٣١٩] (٢٤٦٤)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٧٥٨ و٣٧٦٠ و٣٨٠٦
و٣٨٠٨) و((فضائل القرآن)) (٤٩٩٩)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٦٧٤/٥)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦٧/٥ و٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/
١٣٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠/
٥١٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٦٣/٢ و١٧٥ و١٩٠ و١٩١)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٣٩/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٦ و٧١٢٢ و٧١٢٨)،
و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٢٩/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل هؤلاء الصحابة الأربعة
٢ - (ومنها): بيان فضل القرآن الكريم، وأن من اعتنى بحفظه، ومعانيه
يُرفع على غيره، وهذا هو الذي صرّح به في حديث عمر ظُه، فقد أخرج
مسلم من طريق ابن شهاب، عن عامر بن واثلة؛ أن نافع بن عبد الحارث لقي
عمر بعُسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل
الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال:
فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله رَك، وإنه عالم بالفرائض،
قال عمر: أما إن نبيكم صل ﴿ قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع
به آخرین».
٣ - (ومنها): استحباب محبة من يكون ماهراً في القرآن؛ لِشَرَفه ورفعة
درجته به .
٤ - (ومنها): أن البداءة بالرَّجُل في الذِّكر على غيره في أمر اشتَرَك فيه
مع غيره يدلّ على تقدّمه فيه، والله تعالى أعلم.
[٦٣١٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَذَكَرْنَا حَدِيثاً عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ
الرَّجُلَ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُولُهُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَمِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ،

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وَمِنْ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ))، وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرُهُ زُهَيْرٌ قَوْلُهُ:
يَقُولُهُ).
رجال هذا الإسناد : ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، تقدّم
أيضاً قريباً .
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (يَقُولُهُ) جملة في محلّ نَصْب على الحال من فاعل ((سمعته)).
وقوله: (سَمِعْتُهُ يَقُولُ ... إلخ) جملة مستأنفة اسئنافاً بيانيّاً، كما تقدّم
قريباً .
وقوله: (مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) بفتحتين جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة،
وقيل: إلى سبعة، فلا يقال: نَفَرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ(١).
وقال في ((التاج)): النَّفَرُ محرَّكةً: الناسُ كلُّهم، وقيل: النَّفَر، والرَّهْط: ما
دونَ العشرةِ من الرِّجال. ومنهم من خَصَّص، فقال: الرِّجال دون النساء، وقال
أبو العباس: النَّفَر، والرَّهْط، والقوم، هؤلاء معناهم الجمع، لا واحدَ لهم من
لَفْظِهم، قال سيبويه: والنَّسَب إليه نَفَرِيٌّ، كالنَّفير كأَمير، جَمْعه أَنْفَار، كَسَبَب
وأَسْباب، والنَّفَر: رَهْطُ الإنسانِ، وعَشيرتُه، وهو اسمُ جمع يقعُ على جماعةٍ
من الرجالِ خاصّةً ما بين الثلاثةِ إلى العَشرة. وقال الليث: يُقال: هؤلاء عَشَرَةُ
نَفَرٍ؛ أي: عَشَرَةُ رجال، ولا يقال: عِشرون نَفَرَاً، ولا ما فوق العشرة.
(٢)
انتھی(٢).
وقوله: (فَبَدَأَ بِهِ)؛ أي: بابن أم عبد: عبد الله بن مسعود، وهذا قاله
عبد الله بن عمرو إشارة أنه يُحبّه حبّاً زائداً على غيره؛ لكونه وَ لي بدأ بذكره قبل
غيره، فإن هذا يدلّ على فضله.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦١٧.
(٢) (تاج العروس)) ٣٥٥٩/١.

٣٠٣
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَّهِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٣١٦)
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله وَّه: ((فبدأ به)) ليس فيه دليل على أنه أقرأ من
أُبي، فإنَّه قد بَيَّن وَّ بالنص الجليّ أن أَبِيّاً أقرأ منه، ومن غيره، فيَحْتَمِل أن
يقال: إن الموجب لابتدائه اختصاصه به، وملازمته إياه، وحضوره في ذهنه،
لا أنه أقرأ الأربعة، والله تعالى أعلم.
وهذا كله بناء على: أن المقدَّم من المعطوفات له مزيَّة على المتأخر،
وفيه نظر قد تقدَّم في (الطهارة))، وفي ((الحج))، وتخصيص هؤلاء الأربعة بالذِّكر
دون غيرهم ممن حَفِظ القرآن من الصحابة ﴿، وهم عدد كثير كما يأتي؛ لأنَّ
هؤلاء الأربعة هم الذين تفرغوا لإقراء القرآن، وتعليمه دون غيرهم، ممن
اشتغل بغير ذلك من العلوم، أو العبادات، أو الجهاد، وغير ذلك، ويَحْتَمِل أن
يكون ذلك من النبيّ وَّة؛ لأنه عَلِم أنهم هم الذين ينتصبون لتعليم الناس القرآن
بعده، وليؤخذ عنهم؛ فأحال عليهم لِمَا عَلِم من مآل أمرهم، كما قد أظهر
الموجود من حالهم؛ إذ هم أئمة القرَّاء، وإليهم تنتهي في الغالب أسانيد
الفضلاء، والله أعلم. انتهى(١).
وقوله: (وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ زُهَيْرٌ) ((حرفٌ)) خبر مقدّم عن قوله: ((قوله))،
وقوله: ((لم يذكره زهير)) جملة في محلّ رفع صفة لـ((حرفٌ))، وقوله: ((يقوله))
مقول القول محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.
والمعنى: أن شيخه الثاني، وهو زهير بن حرب خالف شيخيه الأول،
والثالث بشيء تَرك ذِكره، وهو (قَوْلُهُ: يَقُولُهُ)؛ أي: ترك ذِكر هذه الجملة التي
في قوله: ((بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ يَقُولُهُ)) .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٦] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، وَوَكِيعِ، فِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: عَنْ أَبِي
مُعَاوِيَةَ قَدَّمَ مُعَاذَاً قَبْلَ أَبِّيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ أَبِيِّ قَبْلَ مُّعَاذٍ).
(١) ((المفهم)) ٣٧٦/٦.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها الترمذيّ ◌َُّ في ((جامعه))،
فقال :
(٣٨١٠) - حدّثنا هنّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن
سلمة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله اَاليه: ((خذوا
القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم
مولى أبي حذيفة))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى (١).
ورواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية ساقها ابن أبي شيبة في
((مصنّفه))، فقال:
(٣٠١٢٧) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن
عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن
مسعود، ومعاذ بن جبل، وأَبَيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
عَدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلَاهُمَا
عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْتَادِهِمْ، وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِي تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب
لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح
((الإيمان)) ١٢٨/٦.
(ع) تقدم فى
٢ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ
يُغْرِب [١٠] (ت٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٠/٢٣.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٦٧٤/٥.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٣٨/٦.

٣٠٥
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٣١٨)
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِإِسْنَادِهِمْ) الضمير لرواة الأعمش المذكورين في الأسانيد
الماضية، وهم: وكيعٌ، وجريرٌ، وأبو معاوية؛ أي: بإسناد الرواة عن الأعمش،
والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِي تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ) أراد بهذا أن ابن أبي
عديّ، ومحمد بن جعفر اختلفا في ترتيب الأربعة المذكورين بالتقديم والتأخير،
قلت: لكن لم يتبيّن لي اختلافهم في التنسيق المذكور؛ لأني لم أجد من ساق
رواية ابن أبي عديّ عن شعبة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر - غندر - عن شعبة ساقها النسائيّ ◌َّثهُ في
((الکبری))، فقال:
(٨٠٠١) - أخبرنا بشر بن خالد، قال: أنا غندر، عن شعبة، عن
سليمان، قال: سمعت أبا وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، عن
النبيّ وَ له قال: ((استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم
مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب)). انتهى(١).
وأما رواية ابن أبي عديّ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
قَالَ: ذَكَرُوا ابْنَ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ
بَعْدَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((اسْتَقْرِتُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ، وَسَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله
(١) ((السنن الكبرى)) ٩/٥.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨)
وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٢/٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و((إبراهيم)) هو: ابن يزيد النخعيّ.
وقوله: (اسْتَقْرِتُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ)؛ أي: اطلبوا منهم أن يقرئوكم
القرآن، فإنهم أحفظ، وأضبط له من غيرهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: بَدَأَ بِهَذَيْنِ، لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا بَدَأَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً.
و((شُعبة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة لم أجد من ساقها، ولكن ساق
النسائيّ في ((الكبرى)) هذه الرواية من رواية خالد بن الحارث الْهُجيمي عن
شعبة، فقال :
(٧٩٩٦) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا خالد، عن شعبة، عن
عمرو بن مُرّة، قال: سمعت إبراهيم يحدِّث عن مسروق، قال: ذُكر عبد الله بن
مسعود عند عبد الله بن عمرو، فقال: ذلك رجل لا أزال أحبه بعدما سمعت
رسول الله ﴿ يقول: ((استقرئوا من أربعة: عبد الله، وسالم مولى أبي حذيفة،
قال شعبة: بدأ بهذين، وأَبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل))، قال: لا أدري بأيّهما
بدأ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((السنن الكبرى)) ٨/٥.

٣٠٧
(٢٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ﴾
(٢٣) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ
مِنَ الأَنْصَارِ
هو: أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن
مالك بن النجار الأنصاريّ، أبو المنذر، وأبو الظُّفيل، سيد القراء، كان من
أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدراً، والمشاهد كلها، قال له النبيّ وَلهو: ((لِيَهْنِك
العلم أبا المنذر))، وقال له: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك))، وكان عمر يسمّيه
سيد المسلمين، ويقول: أقرأ يا أُبَيّ. ويُرْوَى ذلك عن النبيّ وَلّ أيضاً، وأخرج
الأئمة أحاديثه في صحاحهم، وعدّه مسروق في الستة من أصحاب الفُتيا، قال
الواقديّ: وهو أول من كتب للنبيّ وَّ، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب
فلان ابن فلان، وكان رَبْعَةً أبيض اللحية، لا يغيّر شَيْبه.
وممن روى عنه من الصحابة: عمر، وكان يسأله عن النوازل، ويتحاكم
إليه في المعضلات، وأبو أيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد،
وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صُرَد، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مات أُبَيّ بن كعب
سنة عشرين، أو تسع عشرة، وقال الواقديّ: ورأيت آل أُبَيّ وأصحابنا يقولون:
مات سنة اثنتين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين، قال: وقد
سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبت الأقاويل،
وقال ابن عبد البرّ: الأكثر على أنه في خلافة عمر، وصحح أبو نعيم أنه مات
في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زِرَّ بن حُبيش لقيه في خلافة
عثمان.
وروى البخاري في ((تاريخه)) عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قلت لأُبَيِّ
لمّا وقع الناس في أمر عثمان، فذكر القصة، وروى البغويّ عن الحسن في
قصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة، وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين
وعشرين في خلافة عمر، وقد قيل: إنه بقي إلى خلافة عثمان، وثبت عن أبي
سعيد الخدريّ؛ أن رجلاً من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: كفارات، فقال أُبَيّ بن كعب: يا
رسول الله، وإن قلَّت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، فدعا أُبَيِّ ألا يفارقه الوعك
حتى يموت، وألا يَشغله عن حجّ، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صلاة مكتوبة
في جماعة، قال: فما مَسَّ إنسان جسده إلا وجد حرّه حتى مات، رواه أحمد،
وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا، وصححه ابن حبان، ورواه الطبرانيّ من حديث
أُبَيّ بن كعب بمعناه، وإسناده حسن. انتهى من ((الإصابة))(١).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: جملةُ ما رُوي عنه عن رسول الله وَّهِ مائة حديث
وأربعة وستون حديثاً، أخرجا له منها في ((الصحيحين)) ثلاثة عشر. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٠] (٢٤٦٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسأَ يَقُولُ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَهـ
أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو
زَيْدٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [٩] (٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
٢ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة بن قتادة السَّدوسي، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، يدلّس، يقال: وُلد أكمه، وهو رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٣ - (أَنَسُ) بن مالك ظُه، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وهو مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى
آخره، وفيه أنس رُه تقدّم القول فيه قريباً.
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٧/١.
(٢) ((المفهم)) ٣٧٨/٦.

٣٠٩
- حديث رقم (٦٣٢٠)
(٢٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَتَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ عِ﴾
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق همّام،
قال: حدثنا قتادة، قال: ((سألت أنس بن مالك ◌ُه: مَنْ جَمَع القرآن على
عهد النبيّ ◌ََّ؟ ... )) (قَالَ) قتادة: (سَمِعْتُ أَنَساً) ◌َظُهُ (يَقُولُ)؛ أي: جواباً
لسؤال قتادة المذكورة آنفاً: (جَمَعَ الْقُرْآنَ)؛ أي: استظهره حفظاً (عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ أي: زمانه، وحياته وَلِّ، (أَرْبَعَةٌ) قال في ((الفتح)): وليس في
هذا ما يعارض حديث عبد الله بن عمر : ((استقرئوا القران من أربعة))،
فذكر اثنين من الأربعة، ولم يذكر اثنين؛ لأنه إما أن يقال: لا يلزم من الأمر
بأخذ القراءة عنهم أن يكونوا كلهم استظهروا جميعه، وإما أن لا يؤخذ بمفهوم
حديث أنس؛ لأنه لا يلزم من قوله: جَمَعه أربعة أن لا يكون جَمَعه غیرهم،
فلعله أراد أنه لم يقع جَمْعه لأربعة من قبيلة واحدة، إلا لهذه القبيلة، وهي
الأنصار. انتهى (١).
(كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ) في رواية الطبريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة في أول الحديث: ((افتخر الحيان: الأوس، والخزرج، فقال الأوس: منا
أربعة: مَن اهتَزَّ له العرش، سعد بن معاذ، ومَن عُدِّلت شهادته شهادة رجلين،
خزيمة بن ثابت، ومَن غسلته الملائكة، حنظلة بن أبي عامر، ومَن حَمَته الدَّبْرُ،
عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن، لم يجمعه غيرهم،
فذكرهم)).
قال الحافظ: رواية سعيد هذه صريحة في الحصر، وسعيد ثَبْت في
قتادة، ويَحْتَمِل مع ذلك أن مراد أنس: لم يجمعه غيرهم؛ أي: من الأوس
بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يُرِدْ نفي ذلك عن المهاجرين، ثم في رواية
سعيد أن ذلك من قول الخزرج، ولم يُفصح باسم قائل ذلك، لكن لمّا أورده
أنس، ولم يتعقبه كان كأنه قائل به، ولا سيما، وهو من الخزرج. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الثالثة تحقيق القول في
(١) ((الفتح)) ٥١١/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨١٠).
(٢) ((الفتح)) ٢٢٩/٨ - ٢٣٠، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٣).

٣١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الجمع بين حديث أنس رضيه هذا وبين الأحاديث الأخرى التي تدلّ على أن
الذين جمعوا القرآن أكثر من الأربعة المذكورين هنا - إن شاء الله تعالى -.
(مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) تقدّمت ترجمتهما في الباب الماضي.
(وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عوف بن غنم بن
مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو سعيد، وقيل: أبو ثابت، وقيل غير
ذلك في كنيته، استُصغر يوم بدر، ويقال: إنه شهد أُحُداً، ويقال: أول مشاهده
الخندق، وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أوّلاً مع عمارة بن
حزم، فأخذها النبيّ وَّ منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: ((يا رسول الله بلغك
عني شيء؟ قال: لا، ولكن القرآن مقدَّم))، وكتب الوحي للنبيّ وَّ، وأمه
النوار بنت مالك بن معاوية بن عديّ، وقُتل أبوه يوم بُعاث، وذلك قبل الهجرة
بخمس سنين، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثبت ذلك في
((الصحيح))، وقال له أبو بكر: إنك شابّ عاقلٌ لا نتهمك، وروى البخاريّ
تعليقاً، والبغوي، وأبو يعلى موصولاً عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن
أبيه قال: أُتي بي النبيُّ ◌َ ﴿ مَقْدمَه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ
سبع عشرة سورةً، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: تعلَّم كتاب يهود، فإني ما
آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقته، فكنت أكتب
له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن
الشعبيّ قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال:
تنحّ يا ابن عم رسول الله، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وعن أنس
قال: قال النبيّ ◌َلجر: ((أفرضكم زيد))، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل: إنه
معلول، وروى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب
الفتوى، وهم ستة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأَبَيّ، وأبو موسى، وزيد بن
ثابت .
مات زيد سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى،
أو اثنتين، أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر، وقال أبو
هريرة حين مات: اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن
عباس منه خلفاً، ولمّا مات رثاه حسان بقوله [من الطويل]:

٣١١
(٢٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٢٠)
فَمَنْ لَلْقَوَافِي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ وَمْن لِلْمَعَانِي بَعْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ(١)
تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٢٢/ ٧٩٣، وإنما أعدتها لطول العهد بها، فتنبّه.
(وَأَبُو زَيْدٍ) ذكر عليّ ابن المدينيّ أن اسمه أوس، وعن يحيى بن معين:
هو ثابت بن زيد، وقيل: هو سعد بن عبيد بن النعمان، وبذلك جزم الطبراني
عن شيخه أبي بكر بن صدقة، قال: وهو الذي كان يقال له: القارئ، وكان
على القادسية، واستُشهد بها، وهو والد عُمير بن سعد، وعن الواقديّ: هو
قيس بن السكن بن قيس بن زعور بن حرام الأنصاريّ النجاريّ، قال الحافظ:
ويرجحه قول أنس: أحد عمومتي، فإنه من قبيلة بني حرام. انتهى (٢).
(قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ) ◌َّهِ: (مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ) أنس: (أَحَدُ عُمُومَتِي)
وفي رواية للبخاريّ: ((قال: ونحن ورِثناه))، قال في ((الفتح)): القائل: ((ونحن
ورثناه)) هو أنس، وفي رواية عن أنس: ((قال: مات أبو زيد، وكان بدريّاً، ولم
یترك عَقِباً، وقال أنس: نحن ورثناه)).
قال الحافظ كَُّهُ: وقوله: ((أحد عمومتي)) يردّ قول من سمى أبا زيد
المذكور: سعد بن عبيد بن النعمان أحد بني عمرو بن عوف؛ لأن أنساً
خزرجيّ، وسعد بن عبيد أوسيّ، وإذا كان كذلك احتَمَل أن يكون سعد بن
عبيد ممن جَمَع، ولم يَطَّلِع أنس على ذلك، وقد قال أبو أحمد العسكريّ: لم
يجمعه من الأوس غيره، وقال محمد بن حبيب في ((المحبر)): سعد بن عبيد
- ونَسَبه - كان أحد من جَمَع القرآن في عهد النبيّ ◌َِّ .
ووقع في رواية الشعبي المغايرة بين سعد بن عبيد، وبين أبي زيد، فإنه
ذكرهما جميعاً، فدلّ على أنه غير المراد في حديث أنس، وقد ذكر ابن أبي
داود فيمن جمع القرآن: قيس بن أبي صعصعة، وهو خزرجيّ، ويكنى أبا زيد،
وسعد بن المنذر بن أوس بن زهير، وهو خزرجيّ أيضاً، لكن لم أر التصريح
بأنه يكنى أبا زيد، ثم وجدت عند أبي داود ما يرفع الإشكال من أصله، فإنه
روى بإسناد على شرط البخاريّ إلى ثمامة، عن أنس أن أبا زيد الذي جمع
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٩٤/٢.
(٢) ((الفتح)) ٥١٠/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨١٠).

٣١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: وكان رجلاً منّا من بني عديّ بن النجار
أحد عمومتي، ومات ولم يَدَعْ عَقِباً، ونحن ورثناه، قال ابن أبي داود: حدّثنا
أنس بن خالد الأنصاريّ، قال: هو قيس بن السكن بن زعوراء، من بني
عديّ بن النجار، قال ابن أبي داود: مات قريباً من وفاة النبيّ وَّ، فذهب
عِلْمه، ولم يؤخذ عنه، وكان عقبيّاً بدريّاً. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(١)، وهو
بحث نفيسّ جدّاً، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٢٠/٢٣ و٦٣٢١] (٢٤٦٥)، و(البخاريّ) في
((مناقب الأنصار)) (٣٨١٠) و((فضائل القرآن)) (٥٠٠٣ و٥٠٠٤)، و(الترمذيّ) في
((المناقب)) (٣٧٩٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٩/٥)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٢٠١٨)، و(أحمد) في ((مسنده) (٢٧٧/٣)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٧١٣٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣١٩٨ و٣٢٥٥)، و(البزّار) في
((مسنده)) (٢٨٠٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٥٠/٢) و((الكبير)) (٢٦١/٢)،
و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٥٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١١/٦)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في كلام أهل العلم في هذا الحديث:
قال القرطبيّ تَخْذَتُهُ: قد استَشْكَل ظاهرَ هذا الحديث كثير من الناس، حتى
ظنوا أنه مما يُطَرِّق الطعنَ والقدح في تواتر القرآن، وهذا إنما نشأ ممن يظنّ أن
لهذا الحديث دليلَ خطاب؛ فإنَّه لا يتم له ذلك حتى يقول: إن تخصيص هؤلاء
الأربعة بالذكر يدلّ على أنه لم يجمعه أحدٌ غيرهم، فمن ينفي القول بدليل
الخطاب قد سَلِم من ذلك، ومن يقول به، فأكثرهم يقول: إن أسماء الأعداد لا
دليل خطاب لها، فإنَّها تجري مجرى الألقاب، والألقاب لا دليل خطاب لها
(١) ((الفتح)) ٢٣٣/٨، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٤).

٣١٣
(٢٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٢٠)
باتفاق أئمة أهل الأصول، ولا يُلتفت لقول الدقاق في ذلك، فإنَّه واضح الفساد
كما بيَّنَّه في الأصول، ولئن سلَّمنا أن لأسماء الأعداد دليل خطاب، فدليل
الخطاب إنما يُصار إليه إذا لم يعارضه منطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند
القائلين به، وهنا أمران هما أَولى منه - بالاتفاق -:
أحدهما: النقل الصحيح.
والثاني: ما يُعْلَم من ضرورة العادة.
فأمَّا النقل: فقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعةً من أصحاب
رسول الله ( جمعوا القرآن على عهد رسول الله وَله منهم: الخلفاء الأربعة،
وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة. وقد سَمَّى أبو عبد الله المازري منهم
خمسة عشر.
وقد تواترت الأخبار بأنه قُتل يوم اليمامة سبعون ممن جَمَع القرآن، وكان
ذلك في سنة وفاة النبيّ ◌َ ﴿ وأول سِنِي خلافة أبي بكر ◌ُه، وإذا قُتل في
جيش واحد سبعون ممن جمع القرآن؛ فالذين بقوا في ذلك الجيش منهم لم
يقتلوا أكثر من أولئك أضعافاً، وإذا كان ذلك في جيش واحد! فانظر كم بقي
ـيُّ ممن جمع القرآن،
في مدن الإسلام إذ ذاك، وفي عساكر أُخَر من الصحابة
فيظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله وَي و لا يُحصيهم
أحد، ولا یضبطهم عدد.
وأما الثاني وهو العادة: وذلك أنها تقتضي أن يجتمع الكثير، والجم
الغفير على حِفظه ونَقْله، وذلك أن القرآن على نظم عجيب، وأسلوب غريب،
مخالف لأساليب كلامهم في نثرهم ونظامهم، مع ما تضمَّنه من العلوم،
والأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والقَصَص والأخبار، والتبشير والإنذار،
والنبيّ وَ﴿ مع ذلك يُشيعه في الناس، ويشافه به البلغاء الأكياس، وما كان هذا
سبيله فالعادة تقتضي أن تتوفر الدواعي على حفظ جميعه، والوقوف على ما
تضمّنه من أنواع حِكمه وبدائعه، ومحاسن آدابه وشرائعه، وتُحيل انفراد الآحاد
بحفظه، كما تُحيل انفرادهم بنقله، فقد ظهر من هذه المباحث العجاب أن ذلك
الحديث ليس له دليل خطاب.

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
فإن قيل: فإذا لم يكن له دليل خطاب، فلأي شيء خصَّ هؤلاء الأربعة
بالذِّكر دون غيرهم؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: أنه يَحْتَمِل أن يكون ذلك لتعلُّق غَرَض المتكلم بهم دون غيرهم؛
كالحال في ذِكر الألقاب.
وثانيها: لحضور هؤلاء الأربعة في ذهنه دون غيرهم.
وثالثها: أن هؤلاء الأربعة قد اشتَهَروا بذلك في ذلك الوقت دون غيرهم
ممن يحفظ جمیعه.
ورابعها: لأن أنساً سمع من هؤلاء الأربعة إخبارهم عن أنفسهم أنهم
جمعوا القرآن، ولم يسمع مثل ذلك من غيرهم، وكلُّ ذلك مُحْتَمِلٌ، والله تعالى
أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم(١).
وقال في ((الفتح)): وقد استنكره - يعني: هذا الحديث - جماعة من
الأئمة، قال المازريّ: لا يلزم من قول أنس: لم يجمعه غيرهم أن يكون
الواقع في نفس الأمر كذلك؛ لأن التقدير: أنه لا يعلم أن سواهم جَمَعه، وإلا
فكيف الإحاطة بذلك، مع كثرة الصحابة ﴿ه، وتفرّقهم في البلاد؟ وهذا لا يتم
إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يَكْمُل له
جَمْع القرآن في عهد النبيّ وَّرَ، وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان
المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك، قال: وقد تمسك
بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة، ولا متمسّك لهم فيه، فإنا لا نسلِّم حَمْله
على ظاهره، سلّمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟
سلّمناه، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجمّ الغفير لم يحفظه كله أن لا
يكون حَفِظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد
جميعه بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ، ولو على التوزيع كفى.
واستدلّ القرطبيّ على ذلك ببعض ما تقدم، من أنه قُتل يوم اليمامة
سبعون من القراء، وقُتل في عهد النبيّ وَّه ببئر معونة مثل هذا العدد، قال:
(١) ((المفهم)) ٣٧٩/٦ - ٣٨٠.

٣١٥
(٢٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٢٠)
وإنما خص أنس الأربعة بالذكر؛ لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا
في ذهنه دون غيرهم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) أيضاً: وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره عن
حديث أنس هذا بأجوبة:
[أحدها]: أنه لا مفهوم له، فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جَمَعه.
[ثانيها]: المراد: لم يجمعه على جميع الوجوه، والقراءات التي نزل بها
إلا أولئك.
[ثالثها]: لم يَجمع ما نُسخ منه بعد تلاوته، وما لم يُنسخ إلا أولئك،
وهو قريب من الثاني.
[رابعها]: أن المراد بجمعه: تلقّيه من في رسول الله وَالر لا بواسطة،
بخلاف غيرهم، فيَحْتَمِل أن يكون تَلَقَّى بعضه بالواسطة.
[خامسها]: أنهم تَصَدَّوا لإلقائه، وتعليمه، فاشتهروا به، وخفي حال
غيرهم عمن عَرَف حالهم، فحَصَر ذلك فيهم بحسب علمه، وليس الأمر في
نفس الأمر كذلك، أو يكون السبب في خفائهم أنهم خافوا غائلة الرياء
والعُجْب، وأَمِن ذلك من أظهره.
[سادسها]: المراد بالجمع: الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جَمَعه
حفظاً عن ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابةً، وحفظوه عن ظهر قلب.
[سابعها]: المراد: أن أحداً لم يُفصح بأنه جَمَعه بمعنى: أكمل حفظه في
عهد رسول الله وَلّ إلا أولئك، بخلاف غيرهم، فلم يُفصح بذلك؛ لأن أحداً
منهم لم يكمله إلا عند وفاة رسول الله وَل﴿ل حين نزلت آخر آية منه، فلعل هذه
الآية الأخيرة، وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة، ممن جمع جميع
القرآن قبلها، وإن كان قد حضرها من لم يَجمع غيرها الجمع البيّن.
[ثامنها]: أن المراد بجمعه: السمع والطاعة له، والعمل بموجبه، وقد
أخرج أحمد في ((الزهد)) من طريق أبي الزاهرية؛ أن رجلاً أتى أبا الدرداء، فقال:
إن ابني جمع القرآن، فقال: اللَّهُمَّ غَفْراً، إنما جَمَع القرآن من سمع له، وأطاع.
(١) ((الفتح)) ٢٣٢/١١، كتاب ((فضائل القرآن)).

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قال الحافظ: وفي غالب هذه الاحتمالات تكلّف، ولا سيما الأخير،
وقد أومأت قبل هذا إلى احتمال آخر، وهو أن المراد: إثبات ذلك للخزرج
دون الأوس فقط، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين، من المهاجرين، ومن جاء
بعدهم، ويَحْتَمِل أن يقال: إنما اقتصر عليهم أنس لتعلّق غرضه بهم، ولا يخفى
بُعْدُه.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أحسن الأجوبة حَمْل نفي أنس غير
هؤلاء الأربعة على عِلمه، فإنه يُبه علم يقيناً أن هؤلاء الأربعة جمعوه كلّه،
بأن أخبره كلهم بذلك، ولم يكن لديه يقين بجمع غيرهم، فلذلك قال: لم
يجمعه غيرهم، أو المراد: أنهم جمعوه كلّه في حياته وَّر، كما يدلّ عليه قوله:
((على عهد النبيّ وَّه))، وغيرهم إنما جمعه بعد موته وَله .
والحاصل: أن النفي لعلمه، لا للواقع، فإن الواقع بخلافه، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ دخّلُهُ: والذي يظهر من كثير من
الأحاديث أن أبا بكر ظبه كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله وَثقة، فقد ثبت
في ((الصحيح)) أنه بنى مسجداً بفناء داره، فكان يقرأ فيه القرآن، وهو محمول
على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يُرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر
على تلقي القرآن من النبيّ وَّر وفراغ باله له، وهما بمكة، وكثرة ملازمة كل
منهما للآخر، حتى قالت عائشة ثنا: كان ◌َل يأتيهم بكرة وعشية، وقد
((صحح مسلم)) حديث: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله))، وصحّ أنه وَ لّ أمر أبا
بكر أن يؤم في مكانه لَمّا مرض، فيدل على أنه كان أقرأهم، وثبت عن
عليّ رَُّهُ أنه جَمَع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبيّ وَّ، وأخرج
النسائيّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن، فقرأت به
كل ليلة، فبلغ النبيّ وَّر، فقال: ((اقرأه في شهر ... )) الحديث، أصله في
((الصحيح))، وتقدم في الحديث الذي مضى ذكر ابن مسعود، وسالم مولى أبي
حذيفة، وكل هؤلاء من المهاجرين.
وقد ذكر أبو عبيد القراء من أصحاب النبيّ وَّ، فعَدّ من المهاجرين:
الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعداً، وابن مسعود، وحذيفة، وسالماً، وأبا

٣١٧
(٢٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٢٠)
هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، ومن النساء: عائشة، وحفصة، وأم
سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما أكمله بعد النبيّ وَّ﴾، فلا يَرِد على الحصر
المذکور في حديث أنس.
وعَدّ ابن أبي داود في ((كتاب الشريعة)) من المهاجرين أيضاً: تميم بن
أوس الداريّ، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذاً
الذي يكنى أبا حليمة، ومُجَمِّع بن حارية، وفَضالة بن عبيد، ومسلمة بن مُخَلَّد،
وغيرهم، وصَرَّح بأن بعضهم إنما جَمَعه بعد النبيّ ێ.
وممن جَمَعه أيضاً: أبو موسى الأشعريّ، ذكره أبو عمرو الدانيّ، وعَدَّ
بعض المتأخرين من القراء: عمرو بن العاص، وسعد بن عباد، وأم ورقة.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الذين جمعوا القرآن كلّه
أكثر من الأربعة المذكورين، وقد عرفت تأويل قول أنس له: (لم يجمعه
غيرهم)) فيما أسلفته، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الخامسة): أخرج البخاريّ تَّثُ من طريق عبد الله بن المثنّى،
عن ثابت، وثُمامة كلاهما عن أنس رَظُبه قال: مات النبيّ وَّ، ولم يجمع
القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد،
قال: ونحن ورِثناه.
قال في ((الفتح)): خالفت هذه الرواية روايةً قتادة من وجهين:
أحدهما: التصريح بصيغة الحصر في الأربعة، ثانيهما: ذِكر أبي الدرداء
بدل أُبَيّ بن كعب، فأما الأول فقد تقدم الجواب عنه من عِدّة أوجه.
وأما الوجه الثاني من المخالفة: فقال الإسماعيليّ: هذان الحديثان
مختلفان، ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما، بل الصحيح أحدهما، وجزم
البيهقيّ بأن ذِكر أبي الدرداء وَهَمّ، والصواب: أَبَيّ بن كعب، وقال الداوديّ:
لا أرى ذِكر أبي الدرداء محفوظاً.
قال الحافظ: وقد أشار البخاريّ إلى عدم الترجيح باستواء الطرفين،
(١) ((الفتح)) ٢٣١/٨، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٤).

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
فطريق قتادة على شرطه، وقد وافقه عليها ثمامة في إحدى الروايتين عنه،
وطريق ثابت أيضاً على شرطه، وقد وافقه عليها أيضاً ثمامة في الرواية
الأخرى، لكن مخرج الرواية عن ثابت وثمامة بموافقته قد وقع عن عبد الله بن
المثنى، وفيه مقال، وإن كان عند البخاري مقبولاً، لكن لا تُعادل روايته رواية
قتادة، ويرجح رواية قتادة حديث عُمر في ذِكر أُبَيّ بن كعب(١)، وهو خاتمة
أحاديث الباب(٢)، ولعل البخاريّ أشار بإخراجه إلى ذلك؛ لتصريح عمر
بترجيحه في القراءة على غيره.
ويَحْتَمِل أن يكون أنس حدّث بهذا الحديث في وقتين، فذَكَرِه مرة أُبَيّ بن
كعب، ومرة بدله أبا الدرداء.
وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظيّ قال: جمع
القرآن على عهد رسول الله وَل خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن
الصامت، وأُبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاريّ، وإسناده حسن
مع إرساله، وهو شاهد جيّد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء،
وإن خالفه في العدد والمعدود.
ومن طريق الشعبيّ قال: جمع القرآن في عهد رسول الله وَّل ستة، منهم
أبو الدرداء، ومعاذ، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، وهؤلاء الأربعة هم الذين
ذُكروا في رواية عبد الله بن المثنى، وإسناده صحيح، مع إرساله، فللَّه دَرّ
البخاريّ ما أكثر اطلاعه.
وقد تبيّن بهذه الرواية المرسلة قوّة رواية عبد الله بن المثنى، وأن لروايته
أصلاً، والله أعلم.
وقال الكرمانيّ: لعل السامع كان يعتقد أن هؤلاء الأربعة لم يجمعوا، وكان
أبو الدرداء ممن جمع، فقال أنس ذلك ردّاً عليه، وأتى بصيغة الحصر ادّعاءً،
ومبالغةً، ولا يلزم منه النفي عن غيرهم بطريق الحقيقة. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) أي: حيث قال عمر تظله: ((أُبيّ أقرؤنا)).
(٢) أي: عند البخاريّ.
(٣) ((الفتح)) ٢٣١/٨، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٤).

٣١٩
(٢٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُبَّيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ﴿ - حديث رقم (٦٣٢١ - ٦٣٢٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
عَاصِمِ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ (١)، حَذََّنَا قَتَادَةُ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ
عَلَىَّ عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ وَلِ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ،
وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدِ) بن گُوسجان - بسين مهملة، ثم جيم -المروزيّ
السِّنْجيّ - بكسر السين المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم - ثقةٌ صاحب حديث، رحّالٌ
أديبٌ [١١] (٢٥٧ت) (م ت س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٤/ ١٦٧٤.
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (هَمَُّ) بن يحيَى الْعَوْذيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٢] (٧٩٩)(٢) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ لأُبَيِّ: ((إِنَّ اللهَ وَى أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ
عَلَيْكَ))، قَالَ: اللهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: ((اللهُ سَمََّ لِي))، قَالَ: فَجَعَلَ أَبِيِّ يَبْكِي).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بفتح الهاء، وتشديد الدال، بعدها موحّدة، ويقال
له: هُذْبة - بضم أوله، وسكون الدال ــ ابن خالد بن الأسود القَيسيّ، أبو خالد
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين
ومائتين (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
(١) وفي نسخة: ((حدثنا عمرو بن عاصم قال: قال همّام: حدثنا قتادة)).
(٢) هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر، فتنبّه.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤٨٨) من رباعيّات الكتاب، وهو
مكرّر، فقد تقدّم في كتاب ((صلاة المسافرين وقصرها)) برقم [٤٠/ ١٨٦٤] (٧٩٩).
وقال النوويّ تَخّلُهُ: هذه الأسانيد الثلاثة، رواتها كلهم بصريون، وهذا
من المستطرفات، أن يجتمع ثلاثة أسانيد متصلة، مسلسلون بغير قصد، وقد
سبق بيان مثله، وشعبة واسطيّ بصريٌّ، سبق بيانه مرات، وفي الطريق الثاني
والثالث فائدة حسنة، وهي أن قتادة صرّح بالسماع من أنس، بخلاف الطريق
الأول، وقتادة مدلّس، فينتفي أن يُخاف من تدليسه بتصريحه بالسماع، وقد
سبق التنبيه على مثل هذا مرات. انتهى (١).
شرح الحديث:
قوله: (أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) وفي الرواية التالية: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك
وَلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البينة: ١]))).
وقوله: (قَالَ: وَسَمَّانِي؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أَوَ سمّاني؟ وفي
الرواية المتقدّمة: ((آالله سمّاني لك؟)) بهمزة الاستفهام؛ أي: هل نَصّ عليّ
باسمي، أو قال لك: اقرأ على واحد من أصحابك، فاخترتني أنت؟ فلما قال
له: «نعم» بَکَی.
قوله: (قَالَ) النبيّ ◌َّهِ: (نَعَمْ))) سمّاك لي باسمك. (قَالَ) أنس: (فَكَى)
أَبِيّ ◌َظُه، إما فرَحاً وسُرُوراً بذلك، وإما خشوعاً وخوفاً من التقصير في شُكر
تلك النعمة، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال النوويّ تَخْلَتُهُ: أما بكاؤه فبكاء سرور، واستصغار لنفسه عن تأهيله
لهذه النعمة، وإعطائه هذه المنزلة، والنعمةُ فيها من وجهين:
أحدهما: كونه منصوصاً عليه بعينه، ولهذا قال: ((وسمّاني)): معناه: نَصّ عليّ
بعيني، أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك؟ قال: بل سمّاك، فتزايدت النعمة.
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٦/٦.
(٢) ((الفتح)) ١٥٨/٧.