Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) (قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ الَّادِي) زاد الزبير بن بكار في روايته: ((لا يَشبع ليلةً يُضاف، ولا ينام ليلةَ يُخاف))، وصَفَته بطول البيت، وعلوّه، فإن بيوت الأشراف كذلك يُعلونها، ويضربونها في المواضع المرتفعة؛ ليقصدهم الطارقون والوافدون، فُوْل بيوتهم إما لزيادة شرفهم، أو لطول قاماتهم، وبيوت غيرهم قِصار، وقد لهج الشعراء بمدح الأول، وذم الثاني؛ كقوله [من الطويل]: مِنَ اللُّؤْمِ حَشَّامُونَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ قِصَارُ الْبُيُوتِ لَا تُرَى صَهَوَاتُهَا وقال آخر [من الوافر]: عَلَى الرُّكَبَاتِ مِنْ قِصَرِ الْعِمَادِ إِذَا دَخُلُوا بُيُوتَهُمُ أكَبُّوا ومِن لازِم طول البيت أن يكون متسعاً، فيدلّ على كثرة الحاشية، والغاشية، وقيل: كَنَت بذلك عن شرفه، ورفعه قَدْره. و((النِّجَاد)) بكسر النون، وجيم خفيفة: حِمَالة السيف، تريد أنه طويل القامة، يَحتاج إلى طول نِجاده، وفي ضمن كلامها أنه صاحب سيف، فأشارت إلى شجاعته، وكانت العرب تتمادح بالطول، وتذم بالقصر. وقال القرطبيّ: والنجاد: حمالة السيف، تُريد أنه طويل القامة، كما قال شاعرهم [من الكامل]: قَصُرَتْ حَمائِلُهُ عَلَيْهِ فَقَلَصَتْ وَلَقَد تَمَطَّطَ بَيْنَها فَأَطَالَها وكانت العرب تتمادح بالطول، وتذم بالقِصَر، وذلك موجود في أشعارهم. انتهى(١). وقولها: ((عظيم الرماد))؛ تعني: أن نار قراه للأضياف لا تطفأ لتهتدي الضيفان إليها، فيصير رماد النار كثيراً لذلك، كما قال الشاعر [من الطويل]: تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجا مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نارِهِ وقال آخر [من الوافر]: إِذَا النِّيرانُ أُلْبِسَتِ القِنَاعَا(٢) لَهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعِ وقولها: ((قريب البيت من الّناد)) - في رواية البخاري - وقفت عليها (١) (المفهم)) ٣٤٠/٦ - ٣٤١. (٢) ((المفهم)» ٣٤١/٦. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة بالسكون؛ لمؤاخاة السجع، و((النادي)) والندي: مجلس القوم، وصَفَتْه بالشرف في قومه، فهم إذا تفاوضوا، واشتوروا في أمر أتوا، فجلسوا قريباً من بيته، فاعتمدوا على رأيه، وامتثلوا أمره، أو أنه وضع بيته في وسط الناس؛ ليسهل لقاؤه، ويكون أقرب إلى الوارد، وطالب القِرى، قال زهير [من الكامل]: بَسَطَ الْبُيُوتَ لِكَيْ يَكُونَ مَظِنَّةً مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ الْمُسْتَرْفِدِ ويَحْتَمِل أن تريد أن أهل النادي، إذا أتوه، لم يصعب عليهم لقاؤه؛ لكونه لا يحتجب عنهم، ولا يتباعد منهم، بل يقرب، ويتلقاهم، ويبادر لإكرامهم، وضِدّه مَن يتوارى بأطراف الْحُلَل، وأغوار المنازل، ويبعد عن سَمْت الضيف؛ لئلا يهتدوا إلى مكانه، فإذا استبعدوا موضعه صدُّوا عنه، ومالوا إلى غيره. ومُحَصَّل كلامها أنها وصفته بالسيادة، والكرم، وحُسن الخلق، وطِيب المعاشرة(١). وقال الأبيّ (٢): قولها: ((قريب البيت من الناد)) تصفه بالكرم والسؤدد؛ لأنه لا يقرّب بيته من الناد إلا المتّصف بذلك، أما بالكرم فلأن الأضياف يقصدون النادي ليقوم لهم كرماً، وهو عكس اللئام، فإنهم يُبعدون بيوتهم من النادي، ويُخفونها؛ لئلا تُرى، فيُقصدون، قال الشاعر [من الوافر]: لَهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعِ(٣) إِذَا النِّيرَانُ أُلْبِسَتِ الْقِنَاعَا (قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكْ، وَمَا مَالِك؟، مَالِكَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِلٌّ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ) وقع في رواية عُمر بن عبد الله، عند النسائيّ، والزبير: ((المبارح)) بدل ((المبارك))، وفي رواية أبي يعلى: ((المزاهر)) بصيغة الجمع، وعند الزبير: ((الضيف)) بدل ((المزهر)). و ((المبارك)): بفتحتين جمع مبرك، وهو موضع نزول الإبل، و((المسارح)): جمع مسرح، وهو الموضع الذي تُطلق لترعى فيه، و((المزهر)): بكسر الميم، (١) ((الفتح)) ٥٧٦/١١ - ٥٧٧. (٣) ((الْيَفَعُ)) محرّكةً، وكسحاب: التّلّ. انتهى ((القاموس)). (٢) ((شرح الأبيّ)) ٢٧١/٦. ١٤٣ (١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) وسكون الزاي، وفتح الهاء: آلة من آلات اللهو، وقيل: هي العُود، وقيل: دُفّ مربع، وأنكر أبو سعيد الضرير تفسير المزهر بالعُود، فقال: ما كانت العرب تعرف العُود إلا من خالط الْحَضَر منهم، وإنما هو بضم الميم، وكسر الهاء، وهو الذي يوقد النار، فيزهرها للضيف، فإذا سمعت الإبل صوته، ومعمعان النار، عرفت أن ضيفاً طَرَق، فتيقنت الهلاك. وتعقبه عیاض بأن الناس كلهم رووه بکسر الميم، وفتح الهاء، ثم قال: ومن الذي أخبره أن مالكاً المذكور لم يخالط الحَضَر؟ ولا سيما مع ما جاء في بعض طُرق هذا الحديث أنهنّ كنّ من قرية من قُرى اليمن، وفي الأخرى: أنهن من أهل مكة، وقد كَثرُ ذِكر المزهر في أشعار العرب، جاهليتها، وإسلامها، ببدويّها، وحضريّها. انتهى(١). ويَرِد عليه أيضاً وروده بصيغة الجمع، فإنه بعينه للآلة، ووقع في رواية يعقوب بن السكيت، وابن الأنباري من الزيادة: ((وهو إمام القوم في المهالك))، فجمعت في وصفها له بين الثورة والكرم، وكثرة القرى، والاستعداد له، والمبالغة في صفاته، ووصفته أيضاً مع ذلك بالشجاعة؛ لأن المراد بالمهالك الحروب، وهو لثقته بشجاعته يتقدم رفقته، وقيل: أرادت أنه هادٍ في السبل الخفية، عالم بالطرق في البيداء، فالمراد على هذا بالمهالك: المفاوز، والأول أليق، والله أعلم. و((ما)) في قولها: ((وما مالك)) استفهامية، يقال للتعظيم، والتعجب، والمعنى: وأيُّ شيء هو مالك، ما أعظمه، وأكرمه، وتكرير الاسم أَدْخَلُ في باب التعظيم. وقولها: ((مالك خير من ذلك)) زيادة في الإعظام، وتفسير لبعض الإبهام، وأنه خير مما أشير إليه، من ثناء، وطِيب ذِكر، وفوق ما أعتقد فيه من سؤدد، وفخر، وهو أجلّ ممن أصفه؛ لشهرة فضله، وهذا بناء على أن الإشارة بقولها : ((ذلك)) إلى ما تعتقده فيه من صفات المدح. ويَحْتَمِل أن يكون المراد: مالك خير من كل مالك، والتعميم يستفاد من (١) ((الفتح)) ٥٧٨/١١. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة المقام، كما قيل: تمرة خير من جرادة؛ أي: كل تمرة خير من كل جرادة، وهذا إشارة إلى ما في ذهن المخاطب؛ أي: مالك خير مما في ذهنك من مالك الأموال، وهو خير مما سأصفه به. ويَحْتَمِل أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الثناء على الذين قبله، وأن مالكاً أجمعُ من الذين قبله لخصال السيادة، والفضل. ومعنى قولها: ((قليلات المسارح)» أنه لاستعداده للضيفان بها، لا يُوجّه منهن إلى المسارح إلا قليلاً، ويترك سائرهن بفنائه، فإن فاجأه ضيف وجد عنده ما يقريه به من لحومها، وألبانها، ومنه قول الشاعر: حَبَسْنَا وَلَمْ نَسْرَحْ لِكَيْ لَا يَلُومَنَا عَلَى حُكْمِهِ صَبْراً مُعَوّدَةَ الْحَبْسِ ويَحْتَمِل أن تريد بقولها: ((قليلات المسارح)) الإشارة إلى كثرة طروق الضيفان، فاليوم الذي يطرقه الضيف فيه لا تُشْرح، حتى يأخذ منها حاجته للضيفان، واليوم الذي لا يطرقه فيه أحد، أو يكون هو فيه غائباً تسرح كلها، فأيام الطروق أكثر من أيام عدمه، فهي لذلك قليلات المسارح، وبهذا يندفع اعتراض من قال: لو كانت قليلات المسارح لكانت في غاية الهزال. وقيل: المراد بكثرة المبارك أنها كثيراً ما تثار، فتُحلب، ثم تُترك، فتكثر مباركها لذلك. وقال ابن السكيت: إن المراد أن مباركها على العطايا، والحمالات، وأداء الحقوق، وقِرى الأضياف كثيرة، وإنما يسرح منها ما فضل عن ذلك، فالحاصل: أنها في الأصل كثيرة، ولذلك كانت مباركها كثيرة، ثم إذا سرحت صارت قليلة؛ لأجل ما ذهب منها . وأما رواية من روى: ((عظيمات المبارك))، فيَحْتَمِل أن يكون المعنى أنها من سِمَنها، وعِظَم جثتها تَعْظُم مَبَارِكها . وقيل: المراد أنها إذا بركت كانت كثيرة؛ لكثرة من ينضم إليها ممن يلتمس القرى، وإذا سُرحت سُرحت وحدها، فكانت قليلة بالنسبة لذلك. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقلّة مسارحها: قلة الأمكنة التي ترعى فيها من الأرض، وإنها لا تمكن من الرعي إلا بقرب المنازل؛ لئلا يشقّ طلبها، إذا ١٤٥ (١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) احتيج إليها، ويكون ما قرب من المنزل كثير الخصب؛ لئلا تهزل(١). وقال الأبيّ (٢): وقيل: المراد بكثرة مباركها أنها تكثر في مباركها بمن يتخلّلها من الآخذين لها في الحمالات، والعطايا، والضيفان، ومن تُحلب له، وإذا سرحت سرحت قليلةً؛ لفقدة أولئك، واحتجّ قائله بقول عروة بن الورد [من الطويل]: يُرِيحُ عَلَيَّ اللَّيْلَ قِرْبَانُ مَاجِدٍ كَرِيمٍ وَمَا لِي سَارِحاً مَالَ مُعْسِرٍ ووقع في رواية سعيد بن سلمة عند الطبرانيّ: «أبو مالك، وما أبو مالك؟ ذو إبل كثيرة المسالك، قليلة المبارك))، قال عياض: إن لم تكن هذه الرواية وَهَماً؛ فالمعنى: أنها كثيرة في حال رعيها إذا ذهبت، قليلة في حال مباركها إذا قامت؛ لكثرة ما يُنحر منها، وما يسلك منها فيه من مسالك الجود، من رِفْد، ومعونة، وحَمْل، وحمالة، ونحو ذلك. وأما قولها: ((أيقنّ أنهنّ هوالك)) فالمعنى أنه كثرت عادته بنحر الإبل القِرى الضيفان، ومن عادته أن يسقيهم، ويُلهيهم، أو يتلقاهم بالغناء؛ مبالغةً في الفرح بهم صارت الإبل، إذا سمعت صوت الغناء عرفت أنها تُنحر. ويَحْتَمِل أنها لم تُرِدْ فهم الإبل لهلاكها، ولكن لمّا كان ذلك يعرفه من يعقل أضيف إلى الإبل، والأول أولى. (قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) قال النوويّ: وفي بعض النسخ: ((الحادي عشرة))، وفي بعضها: ((الحادية عشر))، والصحيح الأول، وفي رواية الزبير: ((وهي أم زرع بنت أكيمل بن ساعدة. (زَوْجِي أَبُو زَرْع) وفي رواية النسائيّ: ((نكحت أبا زرع))، (فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟) وفي رواية أبي ذرًّ ((وما أبو زرع))، وهو المحفوظ للأكثر، زاد الطبرانيَّ في رواية: ((صاحب نَعَم، وزَرْع))، (أَنَاسَ) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، وبعد الألف مهملة؛ أي: حرك (مِنْ حُلِيٍّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، (أُذُنَيَّ) بالتثنية، والمراد أنه ملأ أذنيها بما جرت عادة النساء من التحلي به، من قُرط، وشَنْف من ذهب، ولؤلؤ، ونحو ذلك، وقال ابن السكيت: ((أَناس))؛ أي: أثقل حتى تدلى، واضطرب، والنّوس حركة كل (١) ((الفتح)) ٥٧٨/١١ - ٥٧٩. (٢) ((شرح الأبيّ)) ٦/ ٢٧١. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة شيء متدلٌّ، ووقع في رواية ابن السكيت: ((أُذنيّ، وفَرْعَيّ))، بالتثنية، قال عياض(١): يَحْتَمِل أن تريد بالفرعين اليدين؛ لأنهما كالفرعين من الجسد؛ تعني: أنه حلّى أذنيها، ومعصميها، أو أرادت العنق، واليدين، وأقامت اليدين مقام فرع واحد، أو أرادت اليدين، والرجلين كذلك، أو الغديرتين، وقرني الرأس، فقد جرت عادة المترفات بتنظيم غدائرهنّ، وتحلية نواصيهن، وقرونهنّ . ووقع في رواية ابن أبي أويس: ((فَرْعِي)) بالإفراد؛ أي: حلّى رأسي، فصار يتدلى من كثرته، وثقله، والعرب تسمي شعر الرأس فرعاً، قال امرؤ القيس : وَفَرْعٌ يُغَشِّي الْمَثْنَ أَسْوَدُ فَاحِمٌ (وَمَلَأَ مِنْ شَحْمَ عَضُدَيَّ) قال أبو عبيد(٢): لم تُرِدْ العضد وحده، وإنما أرادت الجسد كله؛ لأن العضد إذا سَمِنت سمن سائر الجسد، وخصت العضد؛ لأنه أقرب ما يلي بصر الإنسان من جسده. (وَبَجَّحَنِي) بموحدة، ثم جيم ثقيلة، وفي رواية بجيم خفيفة، ثم مهملة. (فَبَجِحَتْ) بسكون المثناة، (إِلَيَّ) بتشديد التحتانيّة، (نَفْسِي) هذا هو المشهور في الروايات، وفي رواية النسائيّ: ((وبجح نفسي، فبجحت إليّ))، وفي أخرى له، ولأبي عبيد: ((فبجحتُ)) بضم التاء، و((إلى)) بالتخفيف، والمعنى: أنه فرّحها، ففَرِحت. وقال ابن الأنباريّ: المعنى: عظّمني، فعَظُمَت إلي نفسي، وقال ابن السكيت: المعنى: فخّرني، ففخرت، وقال ابن أبي أويس: معناه: وسّع عليّ، وترّفني . وقال القرطبيّ: وقولها: ((فبجَحني، فبجحت إليَّ نفسي)) الرواية المعروفة: ((فَبَجَحَتْ)) بفتح الجيم، والحاء، وسكون التاء، و((إليّ)) مشدد الياء، وتكون ((نفسي)) فاعل ((بجحت))، وقد رواه أبو عبيد: ((فَبَجُحْتُ))، بضم الجيم، وسكون الحاء، وتاء مضمومة، هي ضمير المتكلم الفاعل، و((إلى)) حرف جر، (١) ((بغية الرائد)) ص١١٩. (٢) ((غريب الحديث)) ٢/ ٣٠٠. ١٤٧ (١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) و((نفسي)) مجرور، ومعنى: ((بجحني)): فرّحني، ورفعني، ففرحت، وترفعت، يقال: فلان يتبجَّح بكذا؛ أي: يترفع، ويفتخر، قال الشاعر [من الطويل]: سَاقَنا إِلَيْك وَلكنَّا بِقُربِكَ نَبْجَحُ وَمَا الفَقْرُ مِنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ أي: نترفع، ونفتخر. انتهى(١). (وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ) بالغين المعجمة، والنون، مصغراً، (بِشَقُّ) بكسر الشين المعجمة، قال الخطابيّ(٢): هكذا الرواية، والصواب بفتح الشين، وهو موضع بعينه، وكذا قال أبو عبيد(٣)، وصوّبه الهرويّ(٤)، وقال ابن الأنباريّ: هو بالفتح، والكسر موضع، وقال ابن أبي أويس، وابن حبيب: هو بالكسر، والمراد: شقّ جبل كانوا فيه؛ لقلّتهم وَسِعَهم سكنى شق الجبل؛ أي: ناحيته، وعلى رواية الفتح، فالمراد: شقّ في الجبل، كالغار، ونحوه، وقال ابن قتيبة، وصوّبه نفطويه: المعنى بالشق بالكسر أنهم كانوا في شَطَف من العيش، يقال: هو بشِقّ من العيش؛ أي: بشظف، وجَهد، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّمْ تَكُونُواْ بَشِلِفِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِِّ﴾ [النحل: ٧]، وبهذا جزم الزمخشريّ، وضعّف غيره. (فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ)؛ أي: خيل، (وَأَطِيطٍ)؛ أي: إبل، زاد في رواية النسائيّ: ((وجامل))، وهو جمع جَمَل، والمراد اسم فاعل لمالك الجمال؛ كقوله: لابن، وتامر، وأصل الأطيط: صوت أعواد المحامل والرِّحَال على الجمال، فأرادت أنهم أصحاب محامل، تشير بذلك إلى رفاهيتهم، ويُطلق الأطيط على كل صوت نشأ عن ضغط، كما في حديث باب الجنة: «ليأتينّ عليه زمان، وله أطيط))، ويقال: المراد بالأطيط: صوت الجوف من الجوع. (وَدَائِسٍ) اسم فاعل من الدوس، وفي رواية للنسائيّ: ((ودياس))، قال ابن السكيت: الدائس: الذي يدوس الطعام، وقال أبو عبيد: تأوله بعضهم من دياس الطعام، وهو دِراسه، وأهل العراق يقولون: الدياس، وأهل الشام: الدراس، فكأنها أرادت أنهم أصحاب زرع، وقال أبو سعيد: المراد أن عندهم طعاماً منتقى، وهم في دياس شيء آخر، فخيرهم متصل. (وَمُتَقَّ) بضمّ الميم، وفتح النون، وتشديد (١) ((المفهم)) ٣٤٣/٦. (٣) ((غريب الحديث)) ٣٠١/٢. (٢) ((الأعلام)) ١٩٩٦/٣. (٤) ((الغريبين)) ١٠٢٢/٣. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة القاف، ومنهم من يكسر النون، والصحيح المشهور فَتْحها، قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)): هو بكسر النون، وتشديد القاف، قال أبو عبيد: لا أدري معناه، وأظنه بالفتح، من نَقَّى الطعام، وقال ابن أبي أويس: المُنِقِ بالكسر: نقيق أصوات المواشي، تصف كثرة ماله، وقال أبو سعيد الضرير: هو بالكسر من نقيقة الدجاج، يقال: أنَقَّ الرجل: إذا كان له دجاج، قال القرطبيّ: لا يقال لشيء من أصوات المواشي: نَقّ، وإنما يقال: نَقّ الضفدع، والعقرب، والدجاج، ويقال في الهر بقلّة، وأما قول أبي سعيد فبعيد؛ لأن العرب لا تتمدح بالدجاج، ولا تذكرها في الأموال، قال الحافظ: وهذا الذي أنكره القرطبيّ لم يُرِدْه أبو سعيد، وإنما أراد ما فهمه الزمخشريّ، فقال: كأنها أرادت من يطرد الدجاج عن الحبّ، فينقّ، وحكى الهرويّ أن الْمِنَقّ بالفتح الغربال، وعن بعض المغاربة: يجوز أن يكون بسكون النون، وتخفيف القاف؛ أي: له أنعام ذات نِقْيٍ؛ أي: سمان. والحاصل: أنها ذكرت أنه نقلها من شظف عيش أهلها إلى الثروة الواسعة، من الخيل، والإبل، والزرع، وغير ذلك، ومن أمثالهم: إن كنت كاذباً، فحلبت قاعداً؛ أي: صار مالك غنماً يحلبها القاعد، وبالضد أهل الإبل، والخيل. (فَعِنْدَهُ أَقُولُ) وفي رواية للنسائيّ: ((أنطق))، وفي رواية الزبير: ((أتكلم))، (فَلَا أُقَبَّحُ)؛ أي: فلا يقال لي: قَبَّحك الله، أو لا يقبّح قولي، ولا يرد عليّ؛ أي: لكثرة إكرامه لها، وتدللها عليه، لا يردّ لها قولاً، ولا يقبّح عليها ما تأتي به، ووقع في رواية الزبير: ((فبينما أنا عنده أنام ... إلخ. (وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ)؛ أي: أنام الصبحة، وهي نوم أول النهار، فلا أوقظ، إشارة إلى أن لها من يكفيها مؤنة بيتها، ومهنة أهلها، (وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ) كذا وقع بالقاف، والنون الثقيلة، ثم الحاء المهملة، قال عياض: لم يقع في ((الصحيحين) إلا بالنون، ورواه الأكثر في غيرهما بالميم، قال أبو عبيد: ((أتقمح))؛ أي: أروى حتى لا أحب الشرب، مأخوذ من الناقة القامح، وهي التي تَرِد الحوض، فلا تشرب، وترفع رأسها رِيّاً، وأما بالنون فلا أعرفه. انتهى. وأثبت بعضهم أن معنى أتقنح بمعنى أتقمح؛ لأن النون والميم يتعاقبان ١٤٩ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) مثل امتقع لونه، وانتقع، وحكى شَمِر عن أبي زيد: التقنح الشرب بعد الريّ، وقال ابن حبيب: الريّ بعد الريّ، وقال أبو سعيد: هو الشرب على مَهَل؛ لكثرة اللبن؛ لأنها كانت آمنة من قلّته، فلا تبادر إليه مخافة عَجْزه، وقال أبو حنيفة الدِّينوريّ: قنحت من الشراب: تكارهت عليه بعد الريّ، وحكى القالي: قَنحتِ الإبلُ تقنح بفتح النون، في الماضي والمستقبل قنحاً بسكون النون، ويفتحها أيضاً: إذا تكارهت الشرب بعد الريّ، وقال أبو زيد، وابن السكيت: أكثر كلامهم تقنحت تقنحاً بالتشديد، وقال ابن السكيت: معنى قولها: ((فأتقنح))؛ أي: لا يُقطع عليّ شربي، فتوارد هؤلاء كلهم على أن المعنى أنها تشرب حتى لا تجد مساغاً، أو أنها لا يقلل مشروبها، ولا يقطع عليها حتى تتم شهوتها منه. وأغرب أبو عبيد، فقال: لا أراها قالت ذلك إلا لعزة الماء عندهم؛ أي: فلذلك فَخَرَت بالريّ من الماء، وتعقّبوه بأن السياق ليس فيه التقييد بالماء، فيَحْتَمِل أن تريد أنواع الأشربة، من لبن، وخمر، ونبيذ، وسويق، وغير ذلك. ووقع في رواية الإسماعيليّ عن البغويّ: ((فأنفتح)) بالفاء، والمثناة، قال عياض: إن لم يكن وَهَماً فمعناه التكبر، والزهو، يقال: في فلان فتحة: إذا تاه، وتكبّر، ويكون ذلك تَحصّل لها من نشأة الشراب، أو يكون راجعاً إلى جميع ما تقدم، أشارت به إلى عزتها عنده، وكثرة الخير لديها، فهي تزهو لذلك، أو معنى («أتقنح)) كناية عن سِمَن جسمها. ووقع في رواية الهيثم: ((وآكل، فأتمنح))؛ أي: أطعم غيري، يقال: منحه يمنحه: إذا أعطاه، وأتت بالألفاظ كلها بوزن أتفعل إشارةً إلى تكرار الفعل، وملازمته، ومطالبة نفسها، أو غيرها بذلك، فإن ثبتت هذه الرواية، وإلا ففي الاقتصار على ذِكر الشرب إشارةٌ إلى أن المراد به اللبن؛ لأنه هو الذي يقوم مقام الشراب والطعام. (أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ) وفي رواية أبي عبيد: ((فياح)) بتحتانية خفيفة، مِّن فاح يفيح: إذا اتسع، ووقع في رواية أبي العباس العذريّ، فيما حكاه عياض: ((أم زرع، وما أم زرع)) بحذف أداة ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة . الكنية، قال عياض: وعلى هذا فتكون كَنَت بذلك عن نفسها، قال الحافظ: والأول هو الذي تضافرت به الروايات، وهو المعتمَد، وأما قولها: ((فما أم أبي زرع)) فتقدم بيانه في قول العاشرة. والعكوم بضم المهملة، جمع عِكْم، بكسرها، وسكون الكاف، هي الأعدال، والأحمال التي تُجمع فيها الأمتعة، وقيل: هي نمط تَجعل المرأة فيها ذخيرتها، حكاه الزمخشريّ. و((رداح)) بكسر الراء، وبفتحها، وآخره حاء مهملة؛ أي: عظام، كثيرة الحشو، قاله أبو عبيد، وقال الهرويّ: معناه: ثقيلةٌ، يقال للكتيبة الكبيرة: رداح، إذا كانت بطيئة السير؛ لكثرة من فيها، ويقال للمرأة إذا كانت عظيمة الكفل، ثقيلة الورك: رداح، وقال ابن حبيب: إنما هو رداح؛ أي: ملأى، قال عياض: رأيته مضبوطاً، وذكر أنه سمعه من ابن أبي أويس كذلك، قال: وليس كما قاله شرّاح العراقيين، قال عياض: وما أدري ما أنكره ابن حبيب، مع أنه فسّره بما فسّره به أبو عبيد، مع مساعدة سائر الرواة له، قال: ويَحْتَمِل أن يكون مراده أن يضبطها بكسر الراء، لا بفتحها، جمع رادح، كقائم وقيام، ويصح أن يكون ((رداح)) خبر ((عكوم))، فيخبر عن الجمع بالجمع، ويصح أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي: عكومها كلها رداح، على أن رداح واحد جَمْعه رُدُح، بضمتين، وقد سُمِع الخبر عن الجمع بالواحد، مثل أدرع دِلاصٌ، فيَحْتَمِل أن يكون هذا منه، ومنه: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أشار إلى ذلك عياض، قال: ويَحْتَمِل أن يكون مصدراً، مثل طلاق، وكَمال، أو على حذف المضاف؛ أي: عكومها ذات رداح، قال الزمخشريّ: لو جاءت الرواية في عكوم بفتح العين، لكان الوجه على أن يكون المراد بها الجفنة التي لا تزول عن مكانها، إما لِعِظَمها، وإما لأن القِرى متصل دائم، من قولهم: وَرَدَ، ولم يعكم؛ أي: لم يقف، أو التي كثر طعامها، وتراكم، كما يقال: اعتكم الشيء، وارتكم، قال: والرداح حينئذ تكون واقعة في مصابها من كون الجفنة موصوفة بها . و((فساح)) بفتح الفاء، والمهملة؛ أي: واسع، يقال: بيت فَسيح، وفَساح، وفَياح بمعناه، ومنهم من شدّد الياء مبالغةً؛ والمعنى: أنها وصفت ١٥١ (١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) والدة زوجها بأنها كثيرة الآلات، والأثاث، والقماش، واسعة المال، كبيرة البيت، إما حقيقةً، فيدل ذلك على عِظَم الثروة، وإما كناية عن كثرة الخير، ورغد العيش، والبِرّ بمن ينزل بهم؛ لأنهم يقولون: فلان رحب المنزل؛ أي: يُكرم من ينزل عليه، وأشارت بوصف والدة زوجها إلى أن زوجها كثير البرّ لأمه، وأنه لم يطعن في السنّ؛ لأن ذلك هو الغالب ممن يكون له والدة، توصف بمثل ذلك. (ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْع؟ مَضْجِعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ) زاد في روَاية لابن الأنباريّ: ((وترويه فيقة اليعرة، ويميس في حلق النترة))، فأما ((مَسَلّ الشطبة)) فقال أبو عبيد: أصل الشطبة: ما شُطب من الجريد، وهو سَعَفه، فيشقّ منه قُضبان رِقاق، تُنسج منه الْحُصُر، وقال ابن السكيت: الشطبة من سَدَى الحصير، وقال ابن حبيب: هي العُود المحدّد كالمسلة، وقال ابن الأعرابي: أرادت بمسل الشطبة سيفاً سُلّ من غِمده، فمضجعه الذي ينام فيه في الصغر كقدر مسل شطبة واحدة، أما على ما قال الأولون، فعلى قدر ما يُسَلّ من الحصير، فيبقى مكانه فارغاً، وأما على قول ابن الأعرابيّ، فيكون كغِمد السيف. وقال أبو سعيد الضرير: شبّهته بسيف مسلول، ذي شطب، وسيوف اليمن كلها ذات شطب، وقد شبَّهت العرب الرجال بالسيوف إما لخشونة الجانب، وشدة المهابة، وإما لجمال الرونق، وكمال اللألاء، وإما لكمال صورتها في اعتدالها، واستوائها . وقال الزمخشريّ: المسلّ مصدر بمعنى السّلّ يقام مقام المسلول، والمعنى: كمسلول الشطبة. وأما الجفرة بفتح الجيم، وسكون الفاء، فهي الأنثى من ولد المعز، إذا كان ابن أربعة أشهر، وفُصل عن أمه، وأَخَذ في الرعي، قاله أبو عبيد وغيره. وقال ابن الأنباريّ، وابن دريد: ويقال لولد الضأن أيضاً، إذا كان ثنّاً، وقال الخليل: الجفر من أولاد الشاة ما استجفر؛ أي: صار له بطن، والفِيقة بكسر الفاء، وسكون التحتانية، بعدها قاف: ما يجتمع في الضرع بين الحلبتين، والفُواق بضم الفاء: الزمان الذي بين الحلبتين، واليعرة بفتح التحتانية، وسكون المهملة، بعدها راء: العناق. ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ويميس بالمهملة؛ أي: يتبختر، والمراد بـ(«حلق النترة))، وهي بالنون المفتوحة، ثم المثناة الساكنة: الدرع اللطيفة، أو القصيرة، وقيل: اللينة الملمس، وقيل: الواسعة. والحاصل: أنها وصفته بهيف القدّ، وأنه ليس ببطين، ولا جاف، قليل الأكل والشرب، ملازم لآلة الحرب، يختال في موضع القتال، وكل ذلك مما تتمادح به العرب. قال الحافظ: ويظهر لي أنها وصفته بأنه خفيف الوطأة عليها؛ لأن زوج الأب غالباً يستثقل ولده من غيرها، فكان هذا يخفف عنها، فإذا دخل بيتها، فاتّفق أنه قال فيه مثلاً لم يضطجع إلا قدر ما يُسَلّ السيف من غمده، ثم يستيقظ مبالغةً في التخفيف عنها، وكذا قولها: ((يشبعه ذراع الجفرة)) أنه لا يحتاج ما عندها بالأكل فضلاً عن الأخذ، بل لو طَعِم عندها لاقتنع باليسير الذي يسدّ الرمق من المأكول والمشروب. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقولها: ((وتشبعه ذراع الجفرة) وهي: الأنثى من ولد المعز، والذكر: جفر، وإذا أتى على ولد المعز أربعة أشهر، وفُصل عن أمه، وأخذ في الرعي قيل عليه: جفر، مَدَحَتْه بقلَّة أكله، وقلَّة لحمه، وهما وصفان ممدوحان في الرجال، قال الشاعر [من البسيط]: تَكْفِيهِ حُزَّةُ فِلْذٍ إِنْ أَلَمَّ بِهَا مِنَ الشِّواءِ ويُروِي شُرْبَهُ الْغُمَرُ(١) (ِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِهَا، وَطَوْعُ أَمِّهَا)؛ أي: أنها بارّة بهما، زاد في روايةً الزبير: ((وزين أهلُها، ونسائها))؛ أي: يتجملون بها، وفي رواية للنسائيّ: ((زين أمها، وزين أبيها)) بدل ((طوع)) في الموضعين، وفي رواية للطبرانيّ: ((وقرة عين لأمها، وأبيها، وزين لأهلها))، وزاد الكاذي في روايته، عن ابن السكيت: ((وصِفْر ردائها))، وزاد في رواية: ((قَبّاء، هضيمة الحشا، جائلة الوشاح، عكناء، فعماء، تجلاء، دعجاء، رجاء، فنواء، مؤنقة، مفنقة)). (وَمِلْءُ كِسَائِهَا)؛ أي: ممتلئة الجسم، وهو كناية عن كمال شخصها، ونعومة جسمها . (١) ((المفهم)) ٣٤٥/٦. ١٥٣ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) وقولها أيضاً: ((ملء كسائها))؛ أي: ممتلئة موضع الأزرة، وهو أسفل بدنها، قال عياض(١): والأولى أنها أرادت أن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها، يرفعان الرداء عن أعلى جسدها، فهو لا يمسه، فيصير كالفارغ منها، بخلاف أسفلها، ومنه قول الشاعر [من الكامل]: أَبَتِ الرَّوَادِفُ وَالنُّهُودُ لِقُمْصِهَا مِنْ أَنْ تَمَسَّ بُطُونَهَا وَظُهُورَهَا (وَصِفْرُ رِدَائِهَا) بكسر الصاد المهملة، وسكون الفاء؛ أي: خال فارغ؛ والمعنى: أن رداءها كالفارغ الخالي؛ لأنه لا يمس من جسمها شيئاً؛ لأن ردفها، وكتفيها يمنع مسه من خلفها شيئاً من جسمها، ونهدها يمنع مسه شيئاً من مقدمها . وفي كلام ابن أبي أويس وغيره: معنى قولها: ((صفر ردائها)) تصفها بأنها خفيفة موضع التردية، وهو أعلى بدنها . (وَغَيْظُ جَارَتِهَا) في رواية سعيد بن سلمة التالية عند مسلم: ((وعَقْر جارتها)) بفتح العين المهملة، وسكون القاف؛ أي: دهشها، أو قتلها، وفي رواية للنسائيّ، والطبرانيّ: ((وحير جارتها)) بالحاء المهملة، ثم التحتانية، من الحيرة، وفي أخرى له: ((وحَيْن جارتها)) بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانية، بعدها نون؛ أي: هلاكها، وفي رواية الهيثم بن عديّ: ((وعُبْرُ جارتها)) بضم العين المهملة، وسكون الموحّدة، وهو من العَبْرة بالفتح؛ أي: تبكي حسداً لِمَا تراه منها، أو بالكسر؛ أي: تعتبر بذلك، وفي رواية سعيد بن سلمة: ((وحبر نسائها))، واختُلِف في ضبطه، فقيل: بالمهملة، والموحّدة، من التحبير، وقيل: بالمعجمة، والتحتانية، من الخيرية، والمراد بجارتها: ضرّتها، أو هو على حقيقته؛ لأن الجارات من شأنهنّ ذلك، ويؤيد الأول أن في رواية حنبل: ((وغير جارتها)) بالغين المعجمة، وسكون التحتانية، من الغيرة. وقولها: ((قَبّاء)) بفتح القاف، وبتشديد الموحّدة؛ أي: ضامرة البطن، و((هضيمة الحسا)) هو بمعنى الذي قبله، و((جائلة الوشاح))؛ أي: يدور وشاحها؛ لضمور بطنها، و((عكناء))؛ أي: ذات أعكان، و((فعماء)» بالمهملة؛ (١) ((بغية الرائد)) ص١٤٤. ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة . أي: ممتلئة الجسم، و((نجلاء)) بنون، وجيم؛ أي: واسعة العين، و((دعجاء))؛ أي: شديدة سواد العين، ورَجّاء)) بتشديد الجيم؛ أي: كبيرة الكفل، ترتج من عظمه، إن كانت الرواية بالراء، فإن كانت بالزاي، فالمراد: في حاجبيها تقويس، و((مُؤَنِّقة)) بنون ثقيلة، وقاف، و((مفنقة)) بوزنه؛ أي: مغذية بالعيش الناعم، وكلها أوصاف حسان. وفي رواية ابن الأنباريّ: ((برود الظل))؛ أي: أنها حسنة العشرة، كريمة الجوار، (وَفِيّ الإلّ)) بتشديد التحتانية، والإلّ بكسر الهمزة؛ أي: العهد، أو القرابة، ((كريم الْخِلّ)) بكسر المعجمة؛ أي: الصاحب، زوجاً كان، أو غيره. وإنما ذَكَّرت هذه الأوصاف مع أن الموصوف مؤنث؛ لأنها ذهبت به مذهب التشبيه؛ أي: هي كرجل في هذه الأوصاف، أو حملته على المعنى، كشخص، أو شيء، ومنه قول عروة بن حرام: وَعَفْرَاءُ عَنِّي الْمُمْرِضُ الْمُتَوَانِي قال الزمخشريّ: ويَحْتَمِل أن يكون بعض الرواة نقل هذه الصفة من الابن إلى البنت، وفي أكثر هذه الأوصاف ردّ على الزجاجيّ في إنكاره مثل قولهم: مررت برجل حسن وجهه، وزعم أن سيبويه انفرد بإجازة مثل ذلك، وهو ممتنع؛ لأنه أضاف الشيء إلى نفسه، قال القرطبيّ: أخطأ الزجاجيّ في مواضع، في منعه، وتعليله، وتخطئته، ودعواه الشذوذ، وقد نَقَل ابن خروف أن القائلين به لا يحصى عددهم، وكيف يُخَطِّئ من تمسك بالسماع الصحيح؟ كما جاء في هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته، وكما جاء في صفة النبيّ وََّ: ((شَتْنٌ أصابعه)). [تنبيه]: سقط من رواية الزبير ذِكر ابن أبي زرع، ووصف بنت أبي زرع، فجعل وصف ابن أبي زرع لبنت أبي زرع، ورواية الجماعة أولى، وأتم. (جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟) في رواية الطبرانيّ: ((خادم أبي زرع))، وفي رواية الزبير: ((وليد أبي زرع))،ً والوليد: الخادم، يُطلق على الذّكر والأنثى. (لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيئاً) بالموحّدة، ثم المثلثة، وفي رواية بالنون، بدل الموحّدة، وهما بمعنى بَثّ الحديثَ، ونَثَّ الحديث: أظهره، ويقال بالنون في ١٥٥ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) الشرّ خاصّة، كما تقدم في كلام الأولى، وقال ابن الأعرابيّ: النثاثّ: المغتاب، ووقع في رواية الزبير: ((ولا تخرج)). وقال القرطبيّ: وقولها: ((لا تبثُّ حديثنا تبثيئاً)) يُروى بالباء الموحّدة، من البث، وهو الإظهار والإشاعة، فتصفها بكتمان ما تسمعه من الحديث، وهذا يدلّ على عقلها، وأمانتها، ويُروى بالنون، وهو بمعنى الأول، يقال: بثَّ الحديث: إذا أفشاه، وفي ((الصحاح)): بث الخبر، وأبثه: إذا أفشاه، ونثَّه بالنون ينّه بالضم كذلك، وأنشد [من الطويل]: إِذَا جَاوَزَ الاثنين سرٌّ فإِنَّهُ بِنَتٌّ وتكْثِيرِ الوُشَاةِ قَمينُ(١) (وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثاً) بتشديد القاف، بعدها مثلثة؛ أي: تُسرع فيه بالخيانة، وتُذهبه بالسرقة، كذا في البخاريّ، وضبطه عياض في مسلم بفتح أوله، وسكون النون، وضم القاف، قال: وجاء ((تنقيئاً)) مصدراً على غير الأصل، وهو جائز، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ووقع عند مسلم في الطريق التي بعد هذه وهي رواية سعيد بن سلمة: ((ولا تُنَقّث)) بالتشديد، كما في رواية البخاريّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذَكر في ((الفتح)) رواية مسلم، وهو عكس ما عندنا من نُسخ مسلم، فإنها بالتشديد في الرواية الأولى، والتخفيف في الثانية، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وضبطه الزمخشريّ بالفاء الثقيلة بدل القاف، وقال في شرحه: النفث والتفل بمعنى، وأرادت المبالغة في براءتها من الخيانة، فيَحْتَمِل إن كان محفوظاً أن تكون إحدى الروايتين في مسلم بالقاف، كما في رواية البخاريّ، والأخرى بالفاء. والميرة: بكسر الميم، وسكون التحتانية، بعدها راء: الزاد، وأصله ما يُحَصِّله البدوي من الحضر، ويَحْمِله إلى منزله؛ لينتفع به أهله. وقال أبو سعيد: التنقيث: إخراج ما في منزل أهلها إلى غيرهم، وقال ابن حبيب: معناه: لا تفسده، ويؤيده أن رواية الزبير: ((ولا تفسد))، وذكر (١) ((المفهم)) ٣٤٧/٦. ١٥٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة مسلم أن في رواية سعيد بن سلمة بالفاء في الموضعين، وفي رواية أبي عبيد: ((ولا تنقل))، وكذا للزبير عن عمه مصعب، ولأبي عوانة: ((ولا تنتقل))، وفي رواية عن ابن الأنباريّ: (ولا تغث)) بمعجمة، ومثلثة؛ أي: تفسد، وأصله من الغثة، بالضم: وهي الوسوسة، وفي رواية للنسائيّ: ((ولا تُفِشُّ ميرتنا تفشيشاً)) بفاء، ومعجمتين، من الإفشاش: طَلَب الأكل من هنا وهنا، ويقال: فَشّ ما على الخوان: إذا أكله أجمع. ووقع عند الخطابيّ: ((ولا تفسد ميرتنا تغشيشاً)) بمعجمات، وقال: مأخوذ من غشيش الخبز: إذا فسد، تريد أنها تحسن مراعاة الطعام، وتتعاهده، بأن تطعم منه أوّلاً طريّاً، ولا تغفله، فيفسد. وقال القرطبيّ: فسَّره الخطابيّ بأنها لا تفسد الطعام المخبوز، بل تتعهده، بأن تطعمهم منه أوّلاً فأوّلاً، وتبعه المازريّ، وهذا إنما يتمشى على الرواية التي وقعت للخطابيّ، وأما على رواية الصحيح: ((ولا تملأ)) فلا يستقيم، وإنما معناه: أنها تتعهده بالتنظيف. والحاصل: أن الرواية في الأُولى كما في الأصل: ((ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً))، وعند الخطابيّ: (ولا تفسد ميرتنا تغشيشاً)) بالغين المعجمة، واتفقتا في الثانية على: ((ولا تملأ بيتنا تعشيشاً))، وهي بالعين المهملة، وعلى رواية الخطابيّ هي أقعد بالسجع، أعني تعشيشاً من تنقيئاً، والله أعلم. (وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشاً) بالعين المهملة، ثم معجمتين؛ أي: أنها مُصلحة للبيت، مهتمة بتنظيفه، وإلقاء كناسته، وإبعادها منه، وإنها لا تكتفي بقَمّ كناسته، وتَرْكها في جوانبه، كأنها الأعشاش. وفي رواية الطبرانيّ: ((ولا تعش)) بدل: ((ولا تملأ))، ووقع في رواية سعيد بن سلمة التي علّقها البخاريّ بعدُ بالغين المعجمة، بدل المهملة، وهو من الغشّ ضدّ الخالص؛ أي: لا تملؤه بالخيانة، بل هي ملازمة للنصيحة فيما هي فيه، وقال بعضهم: هو كناية عن عِفّة فرجها، والمراد أنها لا تملأ البيت وسخاً بأطفالها من الزنا، وقال بعضهم: كناية عن وصفها بأنها لا تأتيهم بشرّ، ولا تهمة، وقال الزمخشريّ في ((تعشيشاً)) بالعين المهملة: يَحْتَمِل أن يكون من عششت النخلة: إذا قَلّ سَعَفها؛ أي: لا تملؤه اختزالاً وتقليلاً لِمَا فيه. ١٥٧ (١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) ووقع في رواية الهيثم: ((ولا تنجث أخبارنا تنجيثاً)) بنون، وجيم، ومثلثة؛ أي: تستخرجها، وأصل التنجثة ما يخرج من البئر، من تراب، ويقال أيضاً بالموحّدة، بدل الجيم، زاد الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن جعفر الوَرَكانيّ(١)، عن عيسى بن يونس: ((قالت عائشة: حتى ذكرت كلب أبي زرع»، وكذا ذكره الإسماعيليّ عن البغويّ، عن الوَرَكاني، وزاد الهيثم بن عديّ في روايته: ((ضيفُ أبي زرع، فما ضيف أبي زرع؟ في شِبَعِ ورَيّ، ورتع، طهاة أبي زرع، فما طهاة أبي زرع؟ لا تفتر، ولا تعدى تقدحٌ قَدراً، وتنصب أخرى، فتلحق الآخرة بالأُولى، مال أبي زرع، فما مال أبي زرع؟ على الجمم معكوس، وعلى العفاة محبوس)). وقولها: ((رَيّ، ورَتْع)) بفتح الراء، وبالمثناة؛ أي: تنعّم، ومسرة، والظُهاة: بضم المهملة: الطباخون، وقولها: ((لا تفتر)) بالفاء الساكنة، ثم المثناة المضمومة؛ أي: لا تسكن، ولا تضعف، وقولها: ((ولا تعدى)) بمهملة؛ أي: تصرف، وتقدح بالقاف، والحاء المهملة؛ أي: تفرق، وتنصب؛ أي: ترفع على النار، والجمم بالجيم: جمع جمة، هم القوم يسألون في الدية، ومعكوس؛ أي: مردود، والعفاة: السائلون، ومحبوس؛ أي: موقوف عليهم. (قَالَتْ) أم زرعٍ: (خَرَجَ أَبُو زَرْع) وفي رواية النسائيّ: ((خرج من عندي))، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة: ((َّم خرج من عندي))، (وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ) ((الأوطاب)): جمع وَطَب، بفتح أوله، وإسكان ثانيه، وهو وعاء اللبن، وذكر أبو سعيد أن جَمْعه على أوطاب على خلاف قياس العربية؛ لأن فَعْلاً لا يُجمع على أفعال، بل على فِعَال. وتُعُقِّب بأنه قال الخليل: جَمْع الوَظْب وِطاب، وأوطاب، وقد جُمع فَرْد على أفراد، فبطل الحصر الذي ادّعاه، نَعَم القياس في فَعْل أفعُل في القلة، وفعال، أو فُعول في الكثرة. قال عياض: ورأيت في رواية حمزة عن النسائيّ: ((والأطاب)) بغير واو، فإن كان مضبوطاً، فهو على إبدال الواو همزة، كما قالوا: إكاف، ووكاف، (١) بفتح الواو والراء. ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال يعقوب بن السكيت: أرادت أنه يبكر بخروجه من منزلها غدوة، وقت قيام الخدم والعبيد لأشغالهم، وانطوى في خبرها كثرة خير داره، وغزر لبنه، وأن عندهم ما يكفيهم، ويفضل حتى يمخضوه، ويستخرجوا زُبْده، ويَحْتَمِل أن يكون أنها أرادت أن الوقت الذي خرج فيه كان في زمن الخصب، وطيب الربيع، قال الحافظ: وكأن سبب ذِكر ذلك توطئة للباعث على رؤية أبي زرع للمرأة على الحالة التي رآها عليها؛ أي: أنها من مخض اللبن تعبت، فاستلقت تستريح، فرآها أبو زرع على ذلك. (فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا، كَالْفَهْدَيْنِ) وفي رواية الطبرانيّ: ((فأبصر امرأة، لها ابنان كالفهدين))، وفي رواية ابن الأنباريّ: ((كالصقرين))، وفي رواية الكاذي: ((كالشبلين))، ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أويس: ((سارّين، حسنين، نفيسين))، وفائدة وصفها لهما التنبيه على أسباب تزويج أبي زرع لها؛ لأنهم كانوا يرغبون في أن تكون أولادهم من النساء المنجبات، فلذلك حَرَص أبو زرع عليها لمّا رآها، وفي رواية للنسائيّ: ((فإذا هو بأم غلامين))، ووَصْفها لهما بذلك للإشارة إلى صِغَر سنّهما، واشتداد خَلْقهما . وتواردت الروايات على أنهما ابناها، إلا ما رواه أبو معاوية، عن هشام، فإنه قال: ((فَمَرّ على جارية، معها أخواها))، قال عياض: يتأول بأن المراد أنهما ولداها، ولكنهما جُعلا أخويها في حسن الصورة، وكمال الخلقة، فإن حُمل على ظاهره، كان أدلّ على صغر سنها، ويؤيده قوله في رواية غندر: ((فمرّ بجارية شابّة))، كذا قال، وليس لغندر في هذا الحديث رواية، وإنما هذه رواية الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن جعفر، وهو الْوَرَكانيّ، ولم يدرك الحارث محمد بن جعفر غندراً، ويؤيد أنه الوَرَكانيّ أن غندراً ما له رواية عن عيسى بن يونس، وقد أخرجه الإسماعيليّ، عن البغويّ، عن محمد بن جعفر الوَرَكانيّ، ولكن لم يَسُقْ لفظه، ثم إن كونهما أخويها يدلّ على صغر سنها، فيه نظر؛ لاحتمال أن يكونا من أبيها، ووُلدا له بعد أن طعن في السن، وهي بكر أولاده، فلا تكون شابّةً، ويمكن الجمع بين كونهما أخويها وولديها بأن تكون لمّا وضعت ولديها كانت أمها ترضع، فأرضعتهما. (بَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنٍ) وفي رواية الحارث: ((من تحت ١٥٩ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) درعها))، وفي رواية الهيثم: ((من تحت صدرها))، قال أبو عبيد: يريد أنها ذات كَفَل عظيم، فإذا استلقت ارتفع كفلها بها من الأرض، حتى يصير تحتها فجوة تجري، فيها الرمانة، قال: وذهب بعض الناس إلى الثديين، وليس هذا موضعه. انتهى، وأشار بذلك إلى ما جزم به إسماعيل بن أبي أويس، ويؤيد قول أبي عبيد ما وقع في رواية أبي معاوية: ((وهي مستلقية على قفاها، ومعهما رمانة يرميان بها من تحتها، فتخرج من الجانب الآخر من عظم أليتيها))، لكن رجح عياض تأويل الرمانتين بالنهدين من جهة أن سياق أبي معاوية هذا لا يشبه كلام أم زرع، قال: فلعله من كلام بعض رواته أورده على سبيل التفسير الذي ظنه، فأدرج في الخبر، وإلا لم تجر العادة بلعب الصبيان، ورميهم الرمان تحت أصلاب أمهاتهم، وما الحامل لها على الاستلقاء حتى يصفان ذلك، ويرى الرجال منها ذلك، بل الأشبه أن يكون قولها: ((يلعبان من تحت خصرها، أو صدرها))؛ أي: أن ذلك مكان الولدين منها، وأنهما كانا في حضنيها، أو جنبيها، وفي تشبيه النهدين بالرمانتين إشارة إلى صغر سنها، وإنها لم تترهل حتى تنكسر ثدياها، وتتدلى. انتهى. قال الحافظ: وما ردّه ليس ببعيد، أما نفي العادة فمسلّم، لكن من أين له أن ذلك لم يقع اتفاقاً، بأن تكون لمّا استلقت، وولداها معها شغلتهما عنها بالرمانة، يلعبان بها؛ ليتركاها تستريح، فاتفق أنهما لعبا بالهيئة التي حكيت، وأما الحامل لها على الاستلقاء، فقد قدمت احتمال أن يكون من التعب الذي حصل لها من المخض، وقد يقع ذلك للشخص، فيستلقي في غير موضع الاستلقاء، والأصل عدم الإدراج الذي تخيّله، وإن كان ما اختاره من أن المراد بالرمانة ثديها أَولى؛ لأنه أَدْخلُ في وصف المرأة بصغر سنِّها، والله أعلم. انتهى. (فَطَلَّقَنِي، وَنَكَحَهَا) وفي رواية الحارث: ((فأعجبته، فطلقني))، وفي رواية أبي معاوية: ((فخطبها أبو زرع، فتزوجها، فلم تزل به حتى طلّق أم زرع))، فأفاد السبب في رغبة أبي زرع فيها، ثم في تطليقه أم زرع. (فَتَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلاً) وفي رواية النسائيّ: ((فاستبدلت، وكلُّ بدل أعور))، وهو مَثَلٌ، معناه: أن البدل من الشيء غالباً لا يقوم مقام المبدل منه، بل هو دونه، وأنزل منه، ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة والمراد بالأعور: المعيب، قال ثعلب: الأعور: الرديء من كل شيء، كما يقال: كلمة عوراء؛ أي: قبيحة، وهذا إنما هو على الغالب، وبالنسبة، فأخبرت أم زرع أن الزوج الثاني لم يَسُدّ مَسَدّ أبي زرع. (سَرِيّاً) بسين مهملة، ثم راء، ثم تحتانية ثقيلة؛ أي: من سَرَاة الناس، وهم كبراؤهم في حسن الصورة، والهيئة، والسَّريّ من كل شيء خياره، وفسره الحربيّ بالسخيّ. (رَكِبَ شَرِيّاً) بشين معجمة، ثم راء، ثم تحتانية ثقيلة، قال ابن السكيت: تعني فرساً خِياراً، فائقاً، وفي رواية الحارث: ((ركب فرساً عربيّاً))، وفي رواية الزبير: أعوجيّاً))، وهو منسوب إلى أعوج فرس مشهور، تُنسب إليه العرب جياد الخيل، كان لبني كندة، ثم لبني سُليم، ثم لبني هلال، وقيل: لبني غَنِيّ، وقيل: لبني كلاب، وكل هذه القبائل بعد كندة من قيس، قال ابن خالويه: كان لبعض ملوك كندة، فغزا قوماً من قيس، فقتلوه، وأخذوا فرسه، وقيل: إنه ركب صغيراً رطباً قبل أن يشتد، فاعوجّ، وكَبُر على ذلك، والشّريّ الذي يستشري في سيره؛ أي: يمضي فيه بلا فتور، وشَرِي الرجلُ في الأمر: إذا لَجّ فيه، وتمادى، وشري البرق: إذا كثر لمعانه. (وَأَخَذَ خَطِّيّاً) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الطاء المهملة: نسبة إلى الخط صفة موصوف، وهو الرمح، ووقع في رواية الحارث: ((وأخذ رُمحاً خطيّاً))، والخط موضع بنواحي البحرين، تُجْلَب منه الرماح، ويقال: أصلها من الهند، تُحمل في البحر إلى الخط المكان المذكور، وقيل: إن سفينة في أول الزمان كانت مملوءة رماحاً قذفها البحر إلى الخط، فخرجت رماحها فيها، فنُسبت إليها، وقيل: إن الرماح إذا كانت على جانب البحر تصير كالخط بين البر والبحر، فقيل لها: الخطية لذلك، وقيل: الخط: منبت الرماح، قال عياض: ولا يصح، وقيل: الخط: الساحل، وكل ساحل خط. (وَأَرَاحَ) بمهملتين، من الرواح، ومعناه: أتى بها إلى المراح، وهو موضع مبيت الماشية، قال ابن أبي أويس: معناه: أنه غزا، فغنم، فأتى بالنَّعَم الكثيرة. (عَلَيَّ) بالتشديد، وفي رواية الطبرانيّ: ((وأراح على بيتي))، (نَعَماً) بفتحتين، وهو جَمْع، لا واحد له من لفظه، وهو الإبل خاصّةً، ويُطلق على جميع المواشي، إذا كان فيها إبل، وفي رواية حكاها عياض: ((نِعَماً)) بكسر