Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٩) - بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٦٢٤١)
أنه قد نهى عن الصُّوَر، وهَتَك السِّتر الذي كانت فيه، وغضب عند رؤيته، كما
تقدَّم في ((اللباس)). انتهى(١).
وقال النوويّ كَُّ: فيه أنه لا بأس بهذه الصُّوَر، وإنما يحرم تصوير
الحيوان، وقال الخطابيّ: المرخَّل الذي فيه خطوط، ويقال: إنما سمّي
مُرَحّلاً؛ لأن عليه تصاوير رَحْلٍ، أو ما يُشْبهه. انتهى(٢).
(مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ) إنما قيّده بالأسود؛ لأن الشعر قد يكون أبيض، وفيه
أنه وي﴿ لا رغبة له في فاخر الثياب في الدنيا، بل يَقْنَع بما يحصل به المقصود
من ستر العورة، ونحوه.
(فَأَدْخَلَهُ)؛ أي: في ذلك المِرط، (ثُمَّ جَاءَ
(فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ)
◌َّا (فَدَخَلَ مَعَهُ)، وفي بعض النسخ: ((فأدخله معه))، (ثُمَّ
الْحُسَيْنُ) بن عليّ
(فَأَدْخَلَهَا) معهما، (ثُمَّ جَاءَ عَلِيٍّ) ◌َبه (فَأَدْخَلَهُ)
جَاءَتْ فَاطِمَةُ) بنته أپڼ
معهم .
(ثُمَّ قَالَ) ◌ِ (﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾) هذا تعليل لجميع ما تقدّم من الأوامر،
والنواهي من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِلْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] إلى هنا(٣)،
بيّن الله ◌َ أنه إنما نهاهنّ، وأمَرهنّ، ووعظهنّ؛ لئلا يقارف أهل بيت
رسول الله وَ ﴿ المآثم، وليتصوّنوا عنها بالتقوى، واستعار للذنوب الرجس،
وللتقوى الظُهر؛ لأن عِرض المقترف للمقحمات يتلوّث بها كما يتلوّث بدنه
بالأرجاس، وأما المحسنات فالعِرض منها نقيّ كالثوب الطاهر، وفيه تنفير أولي
الألباب عن المناهي، وترغيب لهم في الأوامر، قاله النسفيّ(٤). ﴿لِيُذْهِبَ
عَنكُمُ﴾ عبّر به؛ لأنه أريد الرجال والنساء من آل بيته بدلالة قوله: ﴿وَيُطَهِّرَُّ
تَظْهِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. (﴿اُلِّحْسَ﴾) قيل: هو الشكّ، وقيل: العذاب،
وقيل: الإثم، قال الأزهريّ: الرجس اسم لكل مُستقذَر من عمل. انتهى(٥).
(﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾) نُصب على النداء، أو المدح، وفيه دليلٌ على أن نساءه وَل
(١) ((المفهم)) ٣٠١/٦ - ٣٠٢.
(٣) ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٤٣٦/٣.
(٤) ((تفسير النسفيّ)) ٣٠٢/٣ - ٣٠٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٥٧ - ٥٨.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١٥.

٧٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(1))) مصدر فيه معنى التأکید.
من أهل بيته. (﴿وَيُطَهِرَكُ﴾)، وقوله: (﴿تَطْهِيرًا
قال القرطبيّ ◌َخْثُهُ: وقراءة النبيّ وَ﴿ هذه الآية دليل على أن أهل البيت
المعنيّون في الآية هم الْمُغَطّون بذلك المرط في ذلك الوقت، والرجس: اسم
لكل ما يستقذَر، قاله الأزهريّ، والمراد بالرجس الذي أُذهب عن أهل البيت:
هو مستخبَث الْخُلُق المذمومة، والأحوال الركيكة، وطهارتهم: عبارة عن
تجنّبهم ذلك، واتصافهم بالأخلاق الكريمة، والأحوال الشريفة. انتهى (١).
وقال أبو السعود كَّلُ في ((تفسيره)): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
الرّحْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ أي: الذنب المدنِّس لعِرضكم، وهو تعليل لأمْرهنّ
ونهيهنّ على الاستئناف، ولذلك عمَّم الحكم بتعميم الخطاب لغيرهنّ، وصرّح
بالمقصود حيث قيل بطريق النداء، أو المدح: ((أهل البيت)) مراداً بهم من
حَوَاهم بيت النبوة، ويطهركم من أوضار الأوزار، والمعاصي ﴿تَطْهِيرًا﴾
بليغاً، واستعارةُ الرجس للمعصية، والترشيح بالتطهير لمزيد التنفير عنها، وهذه
كما ترى آية بينة، وحجة نيّرة على كون نساء النبيّ وَّ من أهل بيته، قاضية
ببطلان رأي الشيعة في تخصيصهم أهل البيت بفاطمة، وعليّ وابنيهما
- رضوان الله عليهم - وأما ما تمسكوا به من أن رسول الله وَّ خرج ذات
غدوة، وعليه مرط مرَجَّل من شعر أسود، وجلس، فأتت فاطمة فأدخلها فيه،
ثم جاء عليّ، فادخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين، فأدخلهما فيه، ثم قال:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، فإنما يدلّ على كونهم من
أهل البيت، لا على أن من عداهم ليسوا كذلك، ولو فُرضت دلالته على ذلك
لَمَا اعتُدّ بها؛ لكونها في مقابلة النصّ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بقوله: ((في مقابلة النصّ)) الآية المذكورة
فإنها نصّ في كون أزواجه من أهل البيت، فدلالتها مقدّمة على ما دلّ عليه
الحديث المذكور، وعندي أن التأويل الأول هو المعتمد، وخلاصته أنه لا
تنافي بين الآية وبين الحديث، فما دلّ عليه الحديث من أن أهل بيته هم الذين
دخلوا في ذلك المرط لا ينافي كون غيرهم من أهل البيت.
(١) ((المفهم)) ٣٠٢/٦ - ٣٠٣.
(٢) ((تفسير أبي السعود)» ٧/ ١٠٣.

٧٠٣
(٩) - بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَِّيِّ وَّهِ - حديث رقم (٦٢٤١)
قال الإمام ابن كثير كََّثُ عند تفسير الآية المذكورة ما نصّه: وهذا نصّ
في دخول أزواج النبيّ وملهم في أهل البيت ها هنا؛ لأنهن سبب نزول هذه
الآية، وسبب النزول داخل فيه قولاً واحداً، إما وحده على قول، أو مع غيره
على الصحيح، ثم نقل عن عكرمة عن ابن عبّاس أنه قال: نزلت في نساء
النبيّ ◌َّ خاصّةً.
وقال أيضاً: ثم الذي لا يَشُكّ فيه من تَدَبَّر القرآن أن نساء النبيّ ◌َّـ
داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِرَّكُمُ تَطْهِيرًا﴾، فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله:
﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَاَلِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]؛ أي:
اعملن بما يُنزل الله على رسوله وَّه في بيوتكن من الكتاب والسُّنَّة. قاله قتادة
وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خُصِصْتن بها من بين الناس، أن الوحي
ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصدّيقة بنت الصدّيق أَوْلاهُنَّ بهذه
النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصّهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم
ينزل على رسول الله وَ﴿ الوحيُّ في فراش امرأة سواها، كما نصّ على ذلك
- صلوات الله وسلامه عليه -.
قال بعض العلماء رحمهم الله: لأنه لم يتزوج بِكراً سواها، ولم يَنَمْ معها
رجل في فراشها سواه، فناسب أن تُخصص بهذه المزية، وأن تُفرَد بهذه الرتبة
العلية. ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحقّ بهذه التسمية، كما
تقدَّم في الحديث: ((وأهل بيتي أحقّ)).
وهذا يُشبه ما ثبت في ((صحيح مسلم)): أن رسول الله وَّو لمّا سئل عن
المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: ((هو مسجدي هذا))،
فهذا من هذا القبيل؛ فإن الآية إنما نزلت في مسجد قُباء، كما ورد في
الأحاديث الأخرى، ولكن إذا كان ذاك أسّسَ على التقوى من أول يوم،
فمسجد رسول الله وٍَّ أَولى بِتَسمِيَته بذلك. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ،
(١) (تفسير ابن كثير)) ٤١٦/٦.

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقد تقدّم تخريجه في ((كتاب اللباس)) برقم [٥٤٣٤/٥] (٢٠٨١) فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قد أسلفت في ((كتاب اللباس)) أن هذا الحديث مما يُستغرب على
المصنّف تَّلُهُ إخراجه؛ لأنه من رواية مصعب بن شيبة، وقد تفرّد به، وهو وإن
رُوي عن ابن معين، والعجليّ توثيقه، فالأكثرون على تليينه، فقال أحمد: روى
أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه، وليس بقويّ، وقال النسائيّ:
منكر الحديث، وقال أيضاً: في حديثه شيء، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ،
ولا بالحافظ، وقال ابن عديّ: تكلّموا في حفظه(١).
لكنّ مسلماً إمام مطّلعٌ ولعله قَوِيَ عنده شأنه، بمتابع، أو شاهِد، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
أما زيد بن حارثة رظه: فهو زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن
زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وَدّ بن عوف بن
كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن
وبرة الكلبي، قال ابن سعد: أمه سعدى بنت ثعلبة بن عامر من بني معن من
طيء، وحدّثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه، وعن جميل بن مرثد
الطائيّ، وغيرهما، قالوا: زارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها، وزيد معها،
فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات بني معن، فاحتملوا
زيداً، وهو غلام، يَفَعَةٌ، فأتوا به في سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه
حكيم بن حزام لعمّته خديجة بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله وَله
وَهَبَتْه له، وكان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده، قال [من الطويل]:
أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الأَجَلْ
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٨٥/٤.

٧٠٥
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
فَوَاللَّهِ لَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرَ أَوْبَةٌ
تُذَكِّرِنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا
وَإِنْ هَبَّتِ الأَرْيَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ
سَأَعْمَلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الأَرْضِ جَاهِداً
حَيَاتِيَّ أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي
ويقول فيها أيضاً:
أُوَصِّي بِهِ عَمْراً وَقَيْساً كِلَاهُمَا
أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ
فَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ(١)
وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أَفَلْ
فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ
وَلَا أَسْأَمُ التَّظْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الإِلْ
فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ (٢)
وَأُوْصِي يَزِيدَ ثُمَّ بَعْدَهُمُ جَبَلْ
يعني: بعمرو وقيس: أخويه، وبيزيد: أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن
كعب بن شراحيل، وبجبل: وَلَده الأكبر، قال: فحجّ ناس من كلب، فرأوا
زيداً، فعرفهم، وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات [من الطويل]:
أَحِنُّ إِلَي قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِياً
بِأَنِّي قَطِينُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ
في أبيات، فانطلقوا، فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعاً، فخرج حارثة
وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النبيّ ◌َّ، فقيل: هو في المسجد،
فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله،
تُفكّون العاني، وتُطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا، وأحسن
في فدائه، فإنا سنرفع لك، قال: ((وما ذاك؟)) قالوا: زيد بن حارثة، فقال: ((أو
غير ذلك؟ ادعوه، فخيِّروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني
فوالله، ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء)»، قالوا: زدتنا على النصف،
فدعاه، فقال: ((هل تعرف هؤلاء؟)) قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي، قال:
((فأنا من قد علمت، وقد رأيت صحبتي لك، فاخترني، أو اخترهما))، فقال
زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا:
ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وأهل بيتك؟
قال: نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً، ما أنا بالذي أختار عليه أحداً،
(١) بجل كنَعَم وزناً ومعنى.
(٢) هذه الأبيات من تفسير القرطبيّ ١١٨/١٤.

٧٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
فلما رأى رسول الله وسلم ذلك أخرجه إلى الْحِجْر، فقال: ((اشهدوا أن زيداً
ابني، يرثني، وأرثه))، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما، وانصرفا،
فدُعِي زيدَ بن محمد حتى جاء الله بالإسلام.
وقال ابن الكلبيّ عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس: لمّا تبنى
النبيّ ◌َ ﴿ زيداً زوَّجه زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت
عبد المطلب، وزوّجه النبيّ ◌َ ﴿ قبل ذلك مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة،
ثم لمّا طلّق زينب زوّجه أم كلثوم بنت عقبة، وأمها أروى بنت كريز، وأمها
البيضاء بنت عبد المطلب، فولدت له زيد بن زيد، ورقية، ثم طلّق أم كلثوم،
وتزوج دُرّة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلّقها، وتزوج هند بنت العوّام
أخت الزبير.
وقال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى
نزلت: ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] الحديث، أخرجه البخاريّ.
ويقال: إن النبيّ وَلّ سمّاه زيداً لمحبة قريش في هذا الاسم، وهو اسم
قصي .
وقال عبد الرزاق عن معمر، عن الزهريّ قال: ما نعلم أن أحداً أسلم
قبل زيد بن حارثة، قال عبد الرزاق: لم يذكره غير الزهريّ، قال الحافظ: قد
ذكره الواقديّ بإسناد له، عن سليمان بن يسار جازماً بذلك، وقاله زائدة أيضاً.
وشهد زيد بن حارثة بدراً، وما بعدها، وقُتل في غزوة مؤتة، وهو أمير،
واستخلفه النبيّ ◌َّي في بعض أسفاره إلى المدينة.
وعن عائشة رضيثنا: ما بعث رسول الله وَله زيد بن حارثة في سرية إلا أمّره
عليهم، ولو بقي لاستخلفه، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد قويّ عنها .
وعن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع النبيّ ◌َّار سبع غزوات، ومع
زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمّره علينا رسول الله وَؤ. أخرجه البخاريّ.
قال الواقديّ: أول سرايا زيد إلى الْقَرَدة، ثم إلى الجموم، ثم إلى
العِيص، ثم إلى الطَّرَف، ثم إلى حِسْمَى، ثم إلى أم قرفة، ثم تأميره على غزوة
مؤتة، واستُشهد فيها، وهو ابن خمس وخمسين سنة، ولم يقع في القرآن تسمية

٧٠٧
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
أحد باسمه إلا هو باتفاق، ثم السِّجِلّ إن ثبت(١).
وعن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: قال رسول الله لزيد بن
حارثة: ((يا زيد أنت مولاي، ومني، وإليّ، وأحب الناس إليَّ))، أخرجه ابن
سعد بإسناد حسن، وهو عند أحمد مطوّل.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((وايمُ الله إن كان لخليقاً للإمارة
- يعني: زيد بن حارثة - وإن كان لَمِن أحب الناس إليّ))، أخرجه البخاريّ.
وروى الترمذيّ وغيره من حديث عائشة ﴿ّا قالت: ((قَدِم زيد بن حارثة
المدينة، ورسول الله ◌َ﴿ في بيتي، فأتاه، فقرع الباب، فقام إليه، حتى اعتنقه،
وقبله)».
وعن ابن عمر: فرض عُمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فسألته، فقال:
إنه كان أحب إلى رسول الله وسلم منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله وَله
من أبيك، صحیح.
وعن زيد بن حارثة رواية في ((الصحيح))، عن أنس عنه في قصة زينب
بنت جحش، رَوَى عنه أنس، والبراء بن عازب، وابن عباس، وابنه أسامة بن
زيد، وأرسل عنه جماعة من التابعين. انتهى ملخّصاً من الإصابة))(٢).
وأما أسامة به، فهو: أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، وتقدّم ذِكر
نَسَبه في نَسَب أبيه، الكلبيّ الْحِبّ ابن الْحِبّ، يكنى أبا محمد، ويقال: أبو
زيد، وأمه أم أيمن حاضنة النبيّ وَّد.
قال ابن سعد: وُلد أسامة في الإسلام، ومات النبيّ وَّ، وله عشرون
سنةً، وقال ابن أبي خيثمة: ثماني عشرة، وكان أمَّره على جيش عظيم، فمات
النبيّ وَّر قبل أن يتوجه، فأنفذه أبو بكر، وكان عمر يُجلّه، ويكرمه، وفضّله في
العطاء على ولده عبد الله بن عمر، واعتزل أسامة الفتن بعد قَتْل عثمان إلى أن
مات في أواخر خلافة معاوية، وكان قد سكن الْمِزَّةَ مِن عمل دمشق، ثم رجع،
(١) هذا لا يثبت.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٩٤/٢ - ٤٩٨.

٧٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ
فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة، فمات بها بالْجُرُف، وصحح ابن
عبد البر أنه مات سنة أربع وخمسين.
وقد روى عن أسامة من الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس، ومن كبار
التابعين: أبو عثمان النَّهْديّ، وأبو وائل، وآخرون، وفضائله كثيرة، وأحاديثه
شهيرة. انتهى من ((الإصابة))(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٤٢] (٢٤٢٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا
كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ
هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
قال الشَيْخُ أَبُو أَحْمَدَ، مُحَمَّدُ بْنُ عِيْسَى: أَخْبَرَنَا أَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجُ ومُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ الدُّوَيْرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ، بِهَذَا الحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ - بتشديد التحتانية - المدني نزيل الإسكندرية،
حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عياش الأسديّ، مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ
إمام في المغازي [٥] لم يصح أن ابن معين لَيّنه، مات سنة (١٤١)، وقيل:
بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو
عبد الله المدنيّ، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، كان يشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من
كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ◌ِ﴿هَا، تقدّم قريباً.
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٠٢/١ - ٢٠٣.

٧٠٩
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴾ - حديث رقم (٦٢٤٢)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف دَّثُ، وهو مسلسل بالمدنيين، غير شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه سالم بن عبد الله
أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن
عمر فيها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا)
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﴾
نافية، (كُنَّا نَدْعُوَ)؛ أي: نُسمّي (زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ)؛ لأنه وَلِّ تبنّاه،
وفي رواية القاسم بن معن، عن موسى بن عقبة في هذا الحديث: ((ما كنا ندعو
زيد بن حارثة الكلبيّ مولى رسول الله (لو إلا زيد بن محمد)»، أخرجه
الإسماعيليّ، وفي حديث عائشة ﴿ثنا في قصة سالم مولى أبي حذيفة: ((وكان من
تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، ووَرِث ميراثه، حتى نزلت هذه الآية))(١).
(حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ) فيه إطلاق القرآن على بعضه؛ لأن الذي نزل في هذه
الواقعة هي هذه الآية الكريمة، لا كلّ القرآن. (﴿آدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطٌ﴾)؛
أي: أعدل (﴿عِندَ اللَّهِ﴾) قال ابن كثير تَُّ: هذا أمر ناسخ لِمَا كان في ابتداء
الإسلام من جواز ادّعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تبارك وتعالى
بردّ نَسَبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل، والقسطُ والبرّ.
(٢)
انتھی
وقال النوويّ كَخُّ: قال العلماء: كان النبيّ وَل﴿ قد تبنى زيداً، ودعاه
ابنه، وكانت العرب تفعل ذلك يتبنى الرجل مولاه، أو غيره، فيكون ابنا له،
يوارثه، وينتسب إليه، حتى نزلت الآية، فرجع كل إنسان إلى نَسَبه، إلا من لم
يكن له نَسَب معروف، فيضاف إلى مواليه، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَأْ
ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَثُكُمْ فِ اٌلِّينِ وَمَوَّلِيَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. انتهى(٣) .
وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَخُّْ: قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَابِهِمْ﴾ نزلت
(١) ((الفتح)) ٤٩٢/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٧٨٢).
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ٣/ ٤٦٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١٥ - ١٩٦.

٧١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
في زيد بن حارثة على ما تقدم بيانه، وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن
حارثة إلا زيد بن محمد دليل على أن التبني كان معمولاً به في الجاهلية
والإسلام يُتوارث به، ويُتناصر، إلى أن نَسَخ الله ذلك بقوله: ﴿آدَّعُوهُمْ لِّبَابِهِمْ
هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعدل، فرفع الله حكم التبني، ومَنَع من إطلاق
لَفْظه، وأرشد إلى أن الأَولى، والأعدل أن يُنسب الرجل إلى أبيه نسباً.
يقال: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جَلَده وظَرْفه ضمّه
إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من أولاده، من ميراثه، وكان يُنسب إليه،
فيقال: فلان ابن فلان.
وقال النحاس: هذه الآية ناسخة لِمَا كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ
السُّنَّة بالقرآن، فأمر أن يَدْعُوا من دَعَوْا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب
معروف نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف، قالوا له: يا أخي؛ يعني:
في الدّين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. انتهى (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَُّهُ: كان التبنِّي معمولاً به في الجاهلية
والإسلام، يُتوارث به، ويُتناصر؛ إلى أن نَسَخ الله تعالى ذلك كله بقوله:
﴿أَدْعُوهُمْ لَبَآَبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾: أي: أعدلُ، فرفع الله تعالى حكم
التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد إلى أن الأَولى والأعدل أن يُنسب الرَّجل
إلى أبيه نسباً، فلو نُسب إلى أبيه من التبني؛ فإنْ كان على جهة الخطأ - وهو
أن يسبق اللسان إلى ذلك من غير قصد - فلا إثم، ولا مؤاخذة، لقوله تعالى:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]؛ أي: لا إثم فيه، ولا
يجري هذا المجرى إطلاق ما غَلَب عليه اسم التبني؛ كالحال في المقداد بن
عمرو؛ فإنَّه قد غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يُعرف إلا بالمقداد ابن
الأسود، فإنَّ الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية، وعُرف به، فلما
نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه،
ولم يُسمع فيمن مضى من عصَّى مُطْلِقٍ ذلك عليه، وإن كان متعمِّداً، وليس
كذلك الحال في زيد بن حارثة؛ فإنَّه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن محمَّد، فإن قاله
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ١١٩/١٤.

٧١١
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴿يا - حديث رقم (٦٢٤٢)
أحدٌ متعمِّداً عَصَى، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]؛ أي:
فعليكم فيه الجُناح، والله تعالى أعلم، ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا ﴾﴾ [الأحزاب: ٥]؛ أي: غفوراً للعمد، ورحيماً برفع إثم الخطأ.
ومعنى قوله تعالى: ﴿آدَّعُوهُمْ لَبَابِهِمْ﴾؛ أي: انسبوهم إليهم، ولذلك
عدَّاه باللام، ولو كان الدُّعاء بمعنى: النداء لعدَّاه بالباء.
وقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]؛
أي: فانسبوهم إليكم نسبة الأخوة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، والمولويَّة التي قال فيها: ﴿وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧]. وقد تقدَّم: أنَّه يقال: مولى على الْمُعْتِقِ، والْمُعْتَق،
وابن العمّ، والناصر. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ الشَّيْخُ ... إلخ) هذا ليس من كلام مسلم، وإنما هو ملحق
من تلامذة أبي أحمد الجلوديّ، تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان
تلميذ مسلم، ألحقه لعلّه على إسناد مسلم، كما سنبيّنه.
و(أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن
منصور الزاهد النيسابوريّ الْجُلُوديّ - بضْمّ الجيم - نسبة إلى سكة الجلوديين
بنيسابور، تُوفّي في ذي الحجة سنة (٣٦٨هـ) تقدّمت ترجمته في مقدّمة ((قرّة
عين المحتاج)) جـ١ ص٦٣، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ) هو: محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن
مهران، الإمام الحافظ الثقة، شيخ الإسلام، محدث خراسان، أبو العباس
الثقفيّ مولاهم، الخراسانيّ النيسابوريّ، صاحب ((المسند الكبير)) على الأبواب
و((التاریخ))، وغير ذلك.
مولده في سنة ست عشرة ومئتين، وذكر الحاكم وغيره: أن أبا العباس
السراج مات في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة بنيسابور، ذكره
الذهبيّ كَُّ في ((السير))(٢).
(١) ((المفهم)) ٣٠٦/٦ - ٣٠٧.
(٢) راجع: ((سير أعلام النبلاء)) ٣٨٨/١٤، و((طبقات الحفّاظ)) ص٣١١.

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقوله: (وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ الدُّوَيْرِيُّ) لم أجد ترجمته، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (قَالا)؛ أي: أبو العبّاس، ومحمد بن عبد الله (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ).
وغرض الشيخ أبي أحمد كَّتُ بهذا بيان علوّ إسناده على إسناد مسلم،
حيث وصل إلى قتيبة بواسطة واحدة، وهي شيخاه: أبو العبّاس، ومحمد بن
عبد الله، وقد وصل إليه في رواية مسلم بواسطتين، هما: أبو إسحاق إبراهيم بن
محمد بن سفيان، وشيخه مسلم.
والحاصل أنه لما وجد سنداً أعلى من سند كتاب مسلم بيّنه بعد سوقه
طريق مسلم، وقد تقدّم لشيخه أبي إسحاق مثل هذا، وكذلك يفعل الفربريّ في
روايته لـ((صحيح البخاريّ))، وأبو الحسن القطّان في روايته لـ((سنن ابن ماجه))،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٤٢/١٠ و٦٢٤٣] (٢٤٢٥)، و(البخاريّ) في
((التفسير)) (٤٧٨٢)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٠٩) و((المناقب)) (٣٨١٤)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٩/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٩٢/٦)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٧/٢)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤٣/٣)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٤٢)، و(ابن
أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (١٩٧/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧]
(١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة زيد بن حارثة ظُه، حيث كان النبيّ وَالْ يُحبّه
حبّاً شديداً، حتى تبنّاه.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وأنها نسخت ما كان عليه
الأمر في الأول من التبنّي، فردّ كلّ إلى نسبه الحقيقيّ.

٧١٣
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٤٢)
٣ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز التبنّي الآن، قال في ((العمدة)): وعليه
جماهير أهل العلم، وقام الإجماع على أنه لا يجوز تحويل النسب، وقد
نسخ الله تعالى المواريث بالتبني بقوله: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآِهِمْ﴾ إلى قوله:
﴿وَمَلِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ولعن رسول الله وَّر من انتسب إلى غير أبيه، فقال:
((ومن اذَّعَى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة،
والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً))، رواه مسلم(١).
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر نحو ما تقدّم من تحريم التبنّي ما نصّه: فنُسب
كلّ واحد إلى أبيه الحقيقيّ، وتُرك الانتساب إلى من تبناه، لكن بقي بعضهم
مشهوراً بمن تبنّاه، فيُذكر به؛ لِقَصْد التعريف، لا لقصد النسب الحقيقيّ؛
كالمقداد بن الأسود، وليس الأسود أباه، وإنما كان تبناه، واسم أبيه الحقيقيّ:
عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهرانيّ، وكان أبوه حليف كِنْدة، فقيل له:
الكنديّ، ثم حالف هو الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فتبنى المقداد، فقيل
له: ابن الأسود. انتهى (٢).
٤ - (ومنها): أنه لا يجوز نسبة الشخص إلى من تبنّاه عمداً، قال أبو
عبد الله القرطبيّ تَخَّلهُ: لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني، فإن كان على جهة
الخطأ، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد، فلا إثم، ولا مؤاخذة؛
لقوله تعالى: ﴿وَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
[الأحزاب: ٥]، وكذلك لو دعوت رجلاً إلى غير أبيه، وأنت ترى أنه أبوه،
فليس عليك بأس، قاله قتادة، ولا يجرى هذا المجرى ما غلب عليه اسم التبني
كالحال في المقداد بن عمرو، فإنه كان غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف
إلا بالمقداد بن الأسود، فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية،
وعُرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك فبقي
الإطلاق عليه، ولم يُسمع فيمن مضى مَن عَصَّى مُطْلِقٍ ذلك عليه، وإن كان
متعمداً، وكذلك سالم مولى أبي حذيفة كان يُدْعَى لأبي حذيفة، وغير هؤلاء،
ممن تُبُنِّي، وانتسب لغير أبيه، وشُهِر بذلك، وغَلَب عليه، وذلك بخلاف الحال
في زيد بن حارثة، فإنه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن محمد، فإن قاله أحد
(١) ((عمدة القاري)) ٩٥/١٣.
(٢) ((الفتح)» ٥٥/١٢.

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
متعمداً عَصَى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]؛ أي:
فعليكم الجُناح، ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]؛
أي: غفوراً للعمد، ورحيماً برفع إثم الخطأ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٤٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) هو: أحمد بن سعيد بن صَخْر، أبو
جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
٢ - (حَبَّانُ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن هلال، أبو
حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٣ - (وُهَيْبُ) - بالتصغير - ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت١٦٥)، وقيل: بعدها (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ ٢ ص ٤١٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: حدّث وُهيب عن موسى بن عقبة بمثل حديث
يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عنه.
[تنبيه]: رواية وُهيب عن موسى بن عقبة هذه ساقها ابن أبي شيبة تَخّْتُهُ
في ((مصنّفه))، فقال:
(٣٢٣٠٨) - حدّثنا عفّان، ثنا وُهيب، قال: ثنا موسى بن عقبة، قال:
حدّثني سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر قال: ما كنا ندعوه إلا
زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
(٢)
انتھی(٢).
(١) (تفسير القرطبيّ)) ١٢٠/١٤.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ٣٩٢.

٧١٥
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٤٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٤٤] (٢٤٢٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ،
وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: بَعَثَ
رَسُولُ اللهِ وَ بَعْثاً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةٍ أَبِيهِ مِنْ
قَبْلُ، وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقاً لِلِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا
لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ)»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً.
٢ - (يَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حجر السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى
ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّثُ، وهو (٤٨١) من رباعيّات الكتاب، وله
فيه أربعة من الشيوخ قَرَن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وفيه ابن
عمر تها سبق الكلام فيه قبل حديث.
شرح الحديث :
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، (أَنَّهُ سَمِعَ) عبد الله (بْنَ
عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿َا (يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَ بَعْثاً) هو البعث الذي
أَمَر ◌َّ بتجهيزه في مرض وفاته، وقال: ((أنْفِذوا بعث أسامة))، فأنفذه أبو
بكر ◌َ لُبه بعده

٧١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[تنبيه]: كان تجهيز أسامة له يوم السبت قبل موت النبيّ وَّ ﴾ بيومين،
وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبيّ بَّر، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر،
ودعا أسامة، فقال: ((سِرْ إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وَلّيتك
هذا الجيش، وأَغِر صباحاً على أُبْنَى، وحَرِّق عليهم، وأسرع المسير تسبق
الخبر، فإن ◌َفّرك الله بهم، فأقلّ اللُّبْث فيهم))، فبدأ برسول الله بَّ وجعه في
اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواءً بيده، فأخذه أسامة، فدفعه إلى بريدة، وعَسْگر
بالْجُرُف، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين، والأنصار، منهم أبو
بكر، وعمر، وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن
أسلم، فتكلم في ذلك قوم، منهم عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ، فَرَدّ عليه
عمر، وأخبر النبيّ وَ ﴿، فخطب بما ذُكِر في هذا الحديث، ثم اشتدّ
برسول الله وَ﴿ وجعه، فقال: أنفِذُوا بَعْث أسامة، فجهّزه أبو بكر بعد أن
استُخلف، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أُمر بها، وقَتَل قاتل أبيه، ورجع
بالجيش سالِماً، وقد غَنِموا.
وكانت آخر سريّة جهّزها النبيّ وَّر، وأول شيء جهّزه أبو بكر ظُته.
قال الحافظ: وقد أنكر ابن تيمية في كتاب الردّ على ابن المطهر أن
يكون أبو بكر، وعمر، كانا في بعث أسامة، ومستند ما ذكره ما أخرجه
الواقديّ بأسانيده في ((المغازي))، وذكره ابن سعد أواخر الترجمة النبوية بغير
إسناد، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة، ولفظه: بدأ برسول الله وَلهم
وجعه يوم الأربعاء، فأصبح يوم الخميس، فعقد لأسامة، فقال: اغْزُ في
سبيل الله، وسِرْ إلى موضع مقتل أبيك، فقد ولّيتك هذا الجيش، فذكر القصة،
وفيها لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة، منهم أبو
بكر وعمر، ولمّا جهّزه أبو بكر بعد أن استُخلف سأله أبو بكر أن يأذن لعمر
بالإقامة، فأَذِن، ذكر ذلك كله ابن الجوزيّ في ((المنتظم)) جازماً به، وذكر
الواقديّ، وأخرجه ابن عساكر من طريقه مع أبي بكر وعمر: أبا عبيدة،
وسعداً، وسعيداً، وسلمة بن أسلم، وقتادة بن النعمان، والذي باشر القول ممن
نُسب إليهم الطعن في إمارته: عياش بن أبي ربيعة، وعند الواقديّ أيضاً أن عِدّة

٧١٧
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴿هَا - حديث رقم (٦٢٤٤)
ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة من قريش، وفيه عن أبي هريرة:
كانت عدة الجيش سبعمائة، ذكره في ((الفتح)) (١).
(وَأَمَّرَ) بتشديد الميم؛ أي: جَعَل (عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) ﴿هَا (فَطَعَنَ
النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ) بكسر الهمزة، وسكون الميم: الولاية؛ كالإمارة، يقال: أَمَرَ
يأمُرُ، من باب قَتَلَ، فهو أمير، والجمع الأُمراء، ويُعدَّى بالتضعيف، فيقال:
أمّرته تأميراً (٢)، زاد في رواية البخاريّ: ((فطعن بعض الناس في إمارته))، قال
في ((الفتح)): سُمّي ممن طَعَن في ذلك: عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: بعثُ أسامة هذا - والله تعالى أعلم - هو الذي جهَّزه
رسول الله وَي مع أسامة، وأمّره عليهم، وأمَره أن يغزو أُبْنَى، وهي القرية التي
هي عند مؤتة - الموضع الذي قتل فيه زيد أبو أسامة -، فأمره أن يأخذ بثأر
أبيه، فطَعن من في قلبه ريبٌ في إمارته؛ من حيث إنه من الموالي، ومن حيث
إنه كان صغير السِّن؛ لأنَّه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، فمات النبيّ وَلّ،
وقد برز هذا البعث عن المدينة، ولم ينفصل بعدُ عنها، فنفَّذَه أبو بكر بعد موت
رسول الله ◌َ﴾ (٣).
(فَقَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ)؛ أي: على المنبر (فَقَالَ)، وفي الرواية التالية:
((قال: وهو على المنبر)). ((إِنْ تَطْعَنُوا) - بفتح العين - يقال: طَعَن يَطْعَن
بالفتح، في الْعِرْض، والنَّسب، وبالضم بالرمح واليد، ويقال: هما لغتان
فيهما. (فِي إِمْرَتِهِ)؛ أي: إمرة أسامة ظُه، (فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةٍ أَبِيهِ)
قال الكرمانيّ: قالت النحاة: الشرط سبب للجزاء متقدِّم عليه، وها هنا ليس
كذلك، ثم أجاب بأنه يؤَوَّل مثله بالإخبار عنهم؛ أي: إن طعنتم فيه فأُخبركم
بأنكم طعنتم من قبل في أبيه، قال: ويلازمه عند البيانيين؛ أي: إن طعنتم فيه
تأثمتم بذلك؛ لأنه لم يكن حقّاً، والغرض أنه كان خليقاً بالإمارة، أشار إليه
بقوله: ((وايم الله)) إلى آخره(٤).
(١) ((الفتح)) ٦٢٢/٩ - ٦٢٣، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٦٩).
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٢.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٦١/٢٤.
(٣) ((المفهم)) ٣٠٨/٦.

٧١٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال الطيبيّ نَّثُهُ: قوله: ((فقد كنتم تطعنون ... إلخ)) هذا الجزاء إنما
يترتّب على الشرط بتأويل التنبيه، والترشيح؛ أي: طَعْنكم الآن سبب لِأَنْ أخبركم
أن ذلك من عادة الجاهليّة، وهِجِّيراهم، ومن ذلك طَعْنكم في أبيه من قبلُ، ونحوه
قول تعالى: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخُ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ الآية [يوسف: ٧٧]. انتهى (١).
(مِنْ قَبْلُ)؛ أي: من قبل إمرة أسامة، وأشار به إلى إمارة زيد بن
حارثة ربه في غزوة مؤتة، وعند النسائيّ عن عائشة ﴿ّا قالت: ما بَعَث
رسول الله 18 زيد بن حارثة في جيش قطّ، إلا أمّره عليهم. وفيه جواز إمارة
المولى، وتولية الصغار على الكبار، والمفضول على الفاضل؛ لأنه كان في
الجيش الذي كان عليهم أسامة: أبو بكر وعمر ﴾ (٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة
أبيه))؛ أي: إن طعنتم فيه، فأخبركم بأنكم طعنتم من قبلُ في أبيه، والتقدير: إن
تطعنوا في إمرته فقد أثمتم بذلك؛ لأن طعنكم بذلك ليس حقّاً، كما كنتم
تطعنون في إمرة أبيه، وظهرت كفايته، وصلاحيته للإمارة، وإنه كان مستحقّاً
لها، فلم يكن لطعنكم مستنَد، فلذلك لا اعتبار بطعنكم في إمرة ولده، ولا
التفات إليه، وقد قيل: إنما طعنوا فيه؛ لكونه مولى، وقيل: إنما كان الطاعن
فيه من يُنسب إلى النفاق، وفيه نظر؛ لأن من جملة من سُمِّيَ ممن طَعَن فيه:
عياش - بتحتانية، وشين معجمة - ابن أبي ربيعة المخزوميّ، وكان من مُسلِمة
الفتح، لكنه كان من فضلاء الصحابة، فعلى هذا فالخطاب بقوله: ((إن تطعنوا))
لعموم الطاعنين، سواء اتحد الطاعن فيهما، أم اختَلَف.
وقوله: ((إن كان لخليقاً))؛ أي: مستحقّاً، وقوله: ((للإمرة)) بكسر الهمزة،
وفي رواية الكشميهنيّ: (للإمارة))، وهما بمعنى. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَثْلُهُ: قوله: ((إن تطعنوا في إمرته ... إلخ)) هذا خطاب
منه وَل لمن وقع له ذلك الطعن، لكنه على كريم خُلُقه لم يعيِّنهم سَتْراً لهم؛ إذ
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٩٠٧/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٨/ ٤٤٥.
(٣) ((الفتح)) ١٦/١٧ - ١٧، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٨٧).

٧١٩
(١٠) - بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٢٤٤)
مَعْتبتُه كانت كذلك، كما تقدَّم، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان
مولّى، فشهد النبيّ وَّ﴿ لأسامة وأبيه ﴿يا بأنَّهما صالحان للإمارة، لِمَا يَعْلم من
أهليتهما لها، وأن كونهما مَوْلَيين لا يغضُّ من مناصبهما، ولا يقدح في
أهليتهما للإمارة.
ولا خلاف أعلم في جواز إمارة المولى والمفضول، وقد تقدَّم القول في
استخلاف المفضول.
و((الإمرة)) رويناها بالكسر بمعنى: الولاية، وقال أبو عبيد: يُقال: لك
عليَّ أمرٌ مطاعة - بفتح الهمزة -، وكذلك حكاه القتبي، وهي واحدة الأمر.
قلت(١): وهذا على قياس: جلسة، وجِلسة - بالفتح للمصدر، والكسر للهيئة -.
والخليق، والحريُّ، والقَمِنُ، والحقيقُ: كلَّها بمعنى واحد. انتهى(٢).
(وَايْمُ اللهِ)؛ يعني: يمين الله، بمعنى: يمين الحالف بالله؛ وروي عن ابن
عمر، وابن عباس أنهما كانا يحلفان بأيم الله، وأبى الحلف بها الحسن
البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، ويردّ عليهما هذا الحديث، وغيره، قال العينيّ:
وهو يمين عند أصحابنا، قاله الطحاويّ، وبه قال مالك، وقال الشافعيّ: إن لم
يُرد بها يميناً فليست بيمين، وروي عن ابن عباس أنه اسم من أسماء الله
تعالى، فإن صح ذلك فهو الحلف بالله(٣).
وقال العينيّ كَثْتُهُ أيضاً: ولفظ ((ايم الله)) من ألفاظ القَسَم؛ كقولك:
والله، وفيها لغات كثيرة، وتُفتح همزتها، وتُكسر، وهمزتها همزة وَصْل، وقد
تُقْطَع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جَمْع يمين، وغيرهم يقول: هو
اسم موضوع للقَسَم. انتهى (٤).
(إِنْ كَانَ لَخَلِيقاً)؛ أي: جديراً، وأهلاً (لِلإِمْرَةِ) ((إن)) بكسر الهمزة مخفّفة
من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين ((إن)) المخفّفة، و((إن)) النافية، كما قال في
((الخلاصة)) :
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ)) فَقَلَّ الْعَمَلُ
وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
(١) القائل القرطبيّ.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٦٧/٢٣.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٨/٦.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٦١/٢٤.

٧٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
والمعنى: أن زيداً ظ له كان خليقاً بالإمرة؛ يعني: أنهم طعنوا في إمارة
زيد، وظهر لهم في الآخر أنه كان جديراً لائقاً بها، فكذلك حال أسامة
(وَإِنْ كَانَ)؛ أي: زيدٌ (لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا)؛ أي: أسامةَ،
(لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ»)؛ أي: بعد أبيه زيد رقُّته.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((إن كان)) لفظه: ((إن)) مخففة من المثقلة،
أصله: إنه كان؛ أي: إن زيداً كان لخليقاً؛ أي: لائقاً للإمرة، ومستحقّاً لها،
وفي رواية الكشميهنيّ: (للإمارة)).
وقوله: ((وإن كان))؛ أي: وإنه كان لَمِن أحب الناس إليّ بتشديد الياء.
وقوله: ((وإن هذا))؛ أي: وإن أسامة لمن أحب الناس إليّ بعده؛ أي:
بعد أبيه.
[فإن قلت]: قد طُعِن على أسامة وأبيه ما ليس فيهما، ولم يعزل النبيّ وَل
واحداً منهما، بل بيّن فَضْلهما، ولم يَعْتَبر عمر بن الخطاب ◌َُّه بهذا القول في
سعد بن أبي وقّاص ◌ُبه، وعَزَله حين قذفه أهل الكوفة بما هو بريء منه.
[قلت]: عمر رُّه لم يعلم من مُغَيّب أمْر سعد ما عَلِمِه النبيّ وَّ من أمر
زيد وأسامة، وإنما قال عمر لسعد حين ذكر أن صلاته تُشبه صلاة
رسول الله ◌َله: ذلك الظنّ بك، ولم يقطع على ذلك، كما قطع رسول الله وله
في أمر زيد إنه خليق للإمارة.
وقيل: الطاعنون فيهما من استصغار سنّهما على من قُدِّما عليه من مشيخة
الصحابة، وقيل: هم المنافقون الذي كانوا يطعنون على رسول الله وَله،
ويقبّحون آراءه. انتهى من ((العمدة)) ببعض تصرّف(١).
وقال القرطبيّ تَخْذَّتُهُ: قوله: ((وإن كان لمن أحبُّ الناس إليَّ)): ((إن)) عند
البصريين مخففة من الثقيلة، واللام الداخلة بعدها هي المفرّقة بين ((إن))
المخففة، وبين ((إن)) الشرطية، وعند الكوفيين: ((إن)) نافية، واللام بمعنى ((إلا))،
وهذا نحو قوله [من الكامل]:
شَلَّت يَمِينُك إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِماً حَلَّتِ عَلَيك عقوبةُ الْمُتَعَمِّدِ
(١) ((عمدة القاري)) ٢٦١/٢٤.