Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ (٦) - بَابُ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﴿يا - حديث رقم (٦٢٢٩) عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَظْلَثُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، من هشام، والباقون كوفيّون، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ينا من المكثرين السبعة. شرح الحديث : عَن هِشَام بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير أنه (قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: أَبَوَاكَ) في الرواية التالية: تعني: أبا بكر والزبير، (وَاللّهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا)؛ أي: أجابوا، فالسين والتاء زائدتان، كما قال الشاعر [من الطويل]. وَدَاعِ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ أي: لم يُجبه. (لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) بفتح، فسكون: الجراح، وأشارت عائشة ؤُّا إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد، وهو موضع على نحو ثمانية أميال من المدينة، وكان من حديثها: أن النبيّ وَّ لمّا رجع إلى المدينة من أُحد بمن بقي من أصحابهِ، وأكثرهم جريح، وقد بلغ منهم الجَهد، والمشقة نهايته، أمَرهم بالخروج في أَثَر العدوِّ مرهّباً لهم، وقال: ((لا يخرجن إلا من كان شَهد أُحداً))، فخرجوا على ما بهم من الضَّعف والجراح، وربما كان فيهم المثقل بالجراح، لا يستطيع المشي، ولا يجد مركوباً، فربما يُحْمَل على الأعناق، كل ذلك امتثالٌ لأمر رسول الله وَلّ، ورغبة في الجهاد، والشهادة، حتى وصلوا إلى حمراء الأسد، فلقيهم نعيم بن مسعود، فأخبرهم أن أبا سفيان بن حرب، ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة، فيستأصلوا أهلها، فقالوا ما أخبرنا الله به عنهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك؛ إذ جاءهم معبد الخزاعيّ، وكانت خزاعة حلفاء النبيّ وَّة، وعيبة نُصحه، وكان قد رأى حال أصحاب النبيّ وَّ، وما هم عليه، ولمّا رأى عَزْم ٦٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قريش على الرجوع، واستئصال أهل المدينة احتمله خوف ذلك، وخالص نُصحه للنبيّ وَي﴿ وأصحابه على أنْ خوَّف قريشاً بأن قال لهم: إني قد تركت محمداً وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، قد اجتمع له كل من تخلّف عنه، وهم قد تحرَّقوا عليكم، وكأنهم قد أدركوكم، فالنجاء النجاء، وأنشدهم شعراً، يعظّم فيه جيش محمدٍ وٍَّ، ويكثّرهم، وهو مذكور في كتب السِّيَر، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب، ورجعوا إلى مكة مسرعين خائفين، ورجع النبيّ ◌َّ في أصحابه إلى المدينة مأجوراً منصوراً، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضَّلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَنَّبَعُواْ رِضْوَنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) [آل عمران: ١٧٤]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]؛ يعني به: نعيم بن مسعود الذي خوَّف أصحاب النبيّ وَّ، وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾؛ يعني به: قريشاً، ذكره القرطبيّ ◌َّهُ(١). وفي رواية للبخاريّ: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﴿ها: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَتَّقَوْاْ أَثْرُ عَظِيمُ (٣)﴾ [آل عمران: ١٧٢] قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لَمّا أصاب رسولَ الله وَلِّ ما أصاب يوم أُحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: ((من يذهب في إثرهم؟)) فانتدب منهم سبعون رجلاً، قال: كان فيهم أبو بكر، والزبير. انتهى. قال في ((الفتح)): وقد سُمّي منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمار بن ياسر، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وحذيفة، وابن مسعود، أخرجه الطبريّ من حديث ابن عباس، وعند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن، ذَكر الخمسة الأوَّلين، وعند عبد الرزاق من مرسل عروة ذكر ابن مسعود، وقد ذكرت عائشة في حديث الباب أبا بكر والزبير. وقال ابن إسحاق: كان أُحُدٌ يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان (١) ((المفهم)) ٢٩١/٦ - ٢٩٢. ٦٦٣ (٦) - بَابُ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﴿َّ - حديث رقم (٦٢٢٩) الغد يوم الأحد سادس عشر شوال أَذَّن مؤذن رسول الله وسار في الناس بطلب العدوّ، وأن لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فاستأذنه جابر بن عبد الله في الخروج معه، فأذن له (١)، وإنما خرج مُرْهِباً للعدوّ، وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم، فلما بلغ حمراء الأسد لقيه سعيد بن أبي معبد الخزاعيّ فيما حدّثني عبد الله بن أبي بكر، فعزّاه بمصاب أصحابه، فأعلمه أنه لقي أبا سفيان، ومن معه، وهم بالرَّوْحاء، وقد تلوَّموا في أنفسهم، وقالوا: أصبنا جلّ أصحاب محمد، وأشرافهم، وانصرفنا قبل أن نستأصلهم، وهَمُّوا بالعود إلى المدينة، فأخبرهم معبد أن محمداً قد خرج في طلبكم في جمع لم أر مثله، ممن تخلَّف عنه بالمدينة، قال: فثَنَاهم ذلك عن رأيهم، فرجعوا إلى مكة، وعند عبد بن حميد من مرسل عكرمة نحو هذا. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ِّنًا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٢٩/٦ و٦٢٣٠ و٦٢٣١] (٢٤١٨)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٠٧٧)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧٧/٦)، و(أحمد) في ((الزهد)) (١٤٤/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٢٦/٢)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٣/ ١١٢٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٨/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ذلك أن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ظ﴿ه تأخر عن بدر، فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلّفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بُنيّ إنه لا ينبغي لي، ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهنّ، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله وَل على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهنّ، فَأَذِن له رسول الله وَ له، فخرج معه إلى حمراء الأسد. (٢) ((الفتح)) ١٥٣/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٧٧). ٦٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ١ - (منها): بيان فضيلة أبي بكر، والزبير، والصحابة الذين استجابوا لله تعالى والرسول وَل بعدما أصابهم القرح. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿مّ من الاستجابة لله والرسول وَله، وإن كانوا في حال شدّة، ومرض، وضعف شديد. ٣ - (ومنها): بيان ما كانوا عليه من الحرص لنيل الشهادة في سبيل الله تعالى، وإن كانوا في الضعف الشديد. ٤ - (ومنها): الحثّ على الجهاد في سبيل الله تعالى، وإن كانت الأسباب لا تساعد، والوسائل لا تتيسّر، كما قال تعالى: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَقْوَلِكُمْ وَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١ [التوبة: ٤١]، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: تَعْنِي أَبَا بَكْرٍ ، وَالزُّبَيْرَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلهم ذُكروا في الباب. وقوله: (وَزَادَ: تَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرَ) فاعل ((زاد)) ضمير أبي أسامة؛ أي: زاد في روايته على رواية ابن نمير، وعبدة قوله: ((تعني - أي: تريد عائشة بقولها: أبواك ـ أبا بكر الصدّيق، والزبير بن العوام پا. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣١] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: كَانَ أَبَوَاكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ). ٦٦٥ (٧) - بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد الأحمسيّ مولاهم البجليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٩. ٢ - (الْبَهِيُّ) هو: عبد الله الْبَهِيّ - بفتح الموحّدة، وكسر الهاء، وتشديد التحتانية - مولى مصعب بن الزبير، يقال: اسم أبيه يسار، صدوقٌ يخطىءُ [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٢٩/ ٨٣٢. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية الْبَهيّ عن عروة هذه ساقها ابن أبي شيبة دَّثُ في (مصنّفه))، فقال: (٣٢١٦٩) - حدّثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الْبَهِيّ، عن عروة، عن عائشة قال: قالت لي: كان الزبير من ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ اٌلْقَرْعُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٧) - (بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فِهْر، يجتمع مع النبيّ ◌َ﴿ في فهر بن مالك، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت جدّاً بخمسة آباء، فيكون أبو عبيدة من حيث العدد في درجة عبد مناف، ومنهم من أدخل في نَسَبه بين الجراح وهلال ربيعة، فيكون على هذا في درجة هاشم، وبذلك جزم أبو الحسن بن سميع، ولم يذكر غيره. وأم أبي عبيدة: هي من بنات عمّ أبيه، ذكر أبو أحمد الحاكم أنها أسلمت، وقُتل أبوه كافراً يوم بدر، ويقال: إنه هو الذي قتله، ورواه الطبرانيّ وغيره من طريق عبد الله بن شوذب مرسلاً، ومات أبو عبيدة، وهو أمير على (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ٣٧٧. ٦٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الشام من قِبَل عمر مضى بالطاعون سنة ثمان عشرة باتفاق (١) وقال في ((الإصابة)): عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب، ويقال: وُهيب بن ضبة بن الحارث بن فِهر القرشيّ الفهريّ، أبو عبيدة بن الجراح، مشهور بكنيته، وبالنسبة إلى جدّه، ومنهم من لم يذكر بين عامر والجراح: عبد الله، وبذلك جزم مصعب الزبيريّ في نَسَب قريش، والأكثر على إثباته، وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون، وعُبيدة بن الحارث بن المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة قبل دخول النبيّ ◌َ﴿ دار الأرقم، ذكره ابن سعد من رواية يزيد بن رُومان، وأنكر الواقدي ذلك، وزعم أن أباه مات قبل الإسلام. وأمه أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة، أحدُ العشرة السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعدها، وهو الذي انتزع الحلقتين من وجه رسول الله وَلقر، فسقطت ثنيتا أبي عبيدة، وكان أميراً على الشام، وكان فَتْح أكثر الشام على يده، وقَتَل أباه يوم بدر، ونزلت فيه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، وهو فيما أخرجه الطبرانيّ بسند جيّد، عن عبد الله بن شوذب، قال: جَعل والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، فيحيد عنه، فلما أكثر قَصَده، فقَتَله، فنزلت. قال خليفة: وكانت أمه من بني الحارث بن فهر، أدركت الإسلام، وأسلمت، وقال الواقديّ: آخى رسول الله وَّل بينه وبين سعد بن معاذ. وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا حجاج، حدّثنا حماد، عن زياد الأعلم، عن الحسن، أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((ما من أحد من أصحابي إلا لو شئت لأخذت عليه في خُلُقه، ليس أبا عبيدة بن الجراح))، هذا مرسل، ورجاله ثقات. انتهى ملخّصاً من ((الإصابة))(٢). (١) ((الفتح)) ٤٥٤/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٤٤). (٢) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٨٦/٣ - ٥٨٧. ٦٦٧ (٧) - بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ظُه - حديث رقم (٦٢٣٢) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٢] (٢٤١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيناً، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَُّهَا الأُمَّةُ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل حديث. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل بابين. ٤ - (خَالِدُ) بن مِهْران، أبو المنازل - بفتح الميم، وقيل: بضمها، وكسر الزاي - البصريّ الحذّاء - بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة - قيل له ذلك: لأنه كان يجلس عندهم، وقيل: لأنه كان يقول: احْذُ على هذا النحو، وهو ثقةٌ، يُرسل، أشار حماد بن زيد إلى أن حِفظه تغيّر لمّا قَدِم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان [٥] (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠. ٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، قال العجليّ: فيه نَصْبٌ يسيرٌ [٣] مات بالشام هارباً من القضاء (١٠٤)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٦ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير رَُّه، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوی شیخیه، فالأول: كوفيّ، والثاني: نسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أنس ظه من المكثرين السبعة، ومن المشهورين بخدمة النبيّ وَّ، ونال بركة دعوته، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد الْجَرْميّ، أنه (قَالَ: قَالَ أَنَسُ) بن مالك ظُبه (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيناً) قال القرطبيّ تَذْتُ: ٦٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الأمانة: ضد الخيانة، وهي عبارة عن قوَّة الرجل على القيام بحفظ ما يوكل إلى حفظه، ويخلِّي بينه وبينه، وهي مأخوذة من قولهم: ناقة أَمُون؛ أي: قوية على الحمل والسير، فكأنّ الأمين: هو الذي يوثَق به في حِفظ ما يوكل إلى أمانته حتى يؤدِّيه؛ لقوَّته على ذلك، وكان أبو عبيدة قد خصَّه الله تعالى من هذا بالحظ الأكبر، والنصيب الأكثر، بحيث شَهِد له بذلك المعصوم، وصار له ذلك الاسم، والعَلَم المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان حتى استوى في معرفته كل إنسان؛ وذلك أن عمر لَمّا قَدِمِ الشام متفقِّداً أحوال الناس والأمراء، ودخل منازلهم، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة وهو أمير على الشام، قد فُتحت علیه بلاده، وترادفت عليه فتوحاته، وخيراته، واجتمعت له كنوزه، وأمواله، فلما كلَّمه عمر رَظُه في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين! والله لئن دخلت منزلي لتعصرنّ عينيك، فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئاً يردُّ البصر أكثر من سلاحه، وأداة رَحْل بعيره، فبكى عمر نظُبه، وقال: صدق رسول الله إليه: ((أنت أمين هذه الأمة))، أو كما قال. وكان النبيّ وَلّ قد أَخبر عن كل واحد من أعيان أصحابه رضيؤه بما غلب عليه من أوصافه، وإن كانوا كلهم فضلاء، علماء، حكماء، مختارين لمختار، فقال وسلم فيما رواه الترمذيّ من حديث أنس بن مالك: ((أرحم أمي بأمتي: أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله: عمر، وأصدقهم حياءً: عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام: معاذ، وأفرضهم: زيد، وأقرؤهم: أُبّي، ولكل أمَّة أمين، وأمين هذه الأمَّة: أبو عبيدة))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. ومن حديث عبد الله بن عمرو ها: ((ما أظلّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء، أصدق لهجةً من أبي ذرّ))(١). (وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الأُمَّةُ) قال القرطبيّ ◌َخْذُ: هو منادى مفرد محذوف حرف النداء، والأمَّة: نعتُه مرفوعاً، والأفصح نَصْبها على الاختصاص، وحكى سيبويه: اللهم اغفر لنا أيتها العِصابةَ بالنصب. انتهى(٢). (١) ((المفهم)) ٢٩٣/٦، وحديث: ((ما أظلت الخضراء ... )) صحيح. (٢) ((المفهم)» ٦/ ٢٩٣. ٦٦٩ (٧) - بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ظُه - حديث رقم (٦٢٣٢) قال الجامع عفا الله عنه: الاختصاص ذكره ابن مالك دَخْتُهُ في ((الخلاصة)) حيث قال: الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءِ دُونَ ((يَا)) كَـ(أَيُّهَا الْفَتَى)) بِإِثْرِ ((ارْجُونِيَا)) كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ)). وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ ((أَيِّ) تِلْوَ ((أَنْ)) وقوله: (أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح))) مرفوع على أنه خبر ((إنّ))، و(«أيتها الأمة» معترض بينهما . وقال في ((الفتح)): قوله: ((أيتها الأمة)) صورته صورة النداء، لكن المراد فيه الاختصاص؛ أي: أميننا مخصوصين من بين الأمم أبو عبيدة، وعلى هذا فهو بالنصب على الاختصاص، وقال القاضي: هو بالرفع على النداء، والأفصح أن يكون منصوباً على الاختصاص(١). و((الأمين)): هو الثقة الرضيّ، وهذه الصفة، وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره، لكن السياق يُشعر بأن له مزيداً في ذلك، لكن خَصَّ النبيُّ وََّ كلَّ واحد من الكبار بفضيلة، ووَصفه بها، فأشْعَر بقدَرْ زائد فيها على غيره؛ كالحياء لعثمان، والقضاء لعليّ، ونحو ذلك. [تنبيه]: أورد الترمذيّ، وابن حبان هذا الحديث من طريق عبد الوهاب الثقفيّ، عن خالد الحذاء، بهذا الإسناد مطوّلاً، وأوله: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أُبَيّ، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أميناً ... )) الحديث، وإسناده صحيح، إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال، والموصول منه ما اقتَصَر عليه الشيخان، وهو إن لكل أمة أميناً ... إلخ))، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا متّفقٌ عليه. (١) ((الفتح)) ٩٣/٧، كتاب ((الفضائل)) رقم (٥٥٣٤). ٦٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٣٢/٧ و٦٢٣٣] (٢٤١٩)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٧٤٤) و((المغازي)) (٤٣٨٢) و((أخبار الآحاد)) (٧٢٥٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٧/٥) و((فضائل الصحابة)) (٢٩/١)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٣٣/٣ و١٨٩ و٢٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٩١/٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٦٦/١ و٦٨/٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦/ ٢٧٠)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤١٢/٣ و٣٨٤/٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّل، فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً، يُعَلِّمْنَاَ السُّنَّةَ، وَالإِسْلَامَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدٍ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شك في حَرْف من الحديث تَرَكه، وربما وَهِم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير، من كبار [١٠] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٤. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ، عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. والباقیان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَل﴿ ... إلخ) هكذا في هذه الرواية: ((أن أهل اليمن))، وفي حديث حذيفة رَؤُه: ((جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ))، قال في ((الفتح)): إن كان الراوي تجوّز عن أهل نجران بقوله: ٦٧١ (٧) - بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﴿ُبه - حديث رقم (٦٢٣٤) ((أهل اليمن))؛ لِقُرب نجران من اليمن، وإلا فهما واقعتان، والأول أرجح. (١) انتھی(١ قال الجامع عفا الله عنه: هكذا رجّح في ((الفتح)) الوجه الأول، وعندي أن الثاني، وهو تعدد الواقعة هو الأرجح؛ لأن قولهم: (يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ، وَالإِسْلَامَ) يدلّ على أنهم مسلمون، وأما أهل نجران فإنما طلبوا من يأخذ عنهم الجزية، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف نَّتُهُ، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٤] (٢٤٢٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلاً أَمِيناً، فَقَالَ: ((لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلاً أَمِيناً حَقَّ أَمِينٍ، حَقَّ أَمِينٍ)، قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّحِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: عليّ الهمدانيّ، السَّبِيعِيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخرة، ويدلّس [٣] (ت١٢٩)، وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٢ - (صِلَةُ بْنُ زُفَرَ) - بكسر أوله، وفتح اللام الخفيفة - ابن زُفَر - بضم الزاي، وفتح الفاء - العبسيّ - بالموحّدة - أبو العلاء، أو أبو بكر الكوفيّ، تابعيّ كبيرٌ ثقةٌ جليلٌ [٢] مات في حدود السبعين (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨١٤/٢٩. ٣ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان: حُسَيل - بمهملتين مصغراً - ويقال: حِسْل - بكسر، ثم سكون - الَعَبْسيّ - بالموحدة - حليف الأنصار، (١) (الفتح)) ٤٥٦/٨ رقم (٣٧٤٤). ٦٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الصحابي الجليل من السابقين الأولين، وأبوه صحابي أيضاً استُشهد بأُحُد، ومات حذيفة في أول خلافة عليّ ظًّا سنة ستّ وثلاثين (ع) تقدم في ((شرح المقدمة) جـ٢ ص٤٥٧. والباقون تقدموا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه حذيفة ظُه الصحابيّ الشهير، ذو مناقب جمّة، فقد صحّ في ((صحيح مسلم)) عنه أن رسول الله وَلير أعلمه بما كان، وما يكون إلى أن تقوم الساعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ صِلَةً) بكسر الصاد، وفتح اللام، (ابْنِ زُفَرَ) بضمّ الزاي، وفتح الفاء، (عَنْ خُذَيْفَةَ) بن اليمان ◌َِّا أنه (قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلاَ) بفتح النون، وسكون الجيم: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها: نَجْران بن زيد بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. قاله الفيّوميّ(١). وقال في ((الفتح)): ((نجران)) - بفتح النون، وسكون الجيم -: بلدٌ كبيرٌ، على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاثة وسبعين قريةً، مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في ((المغازي))، وذكر ابن إسحاق أنهم وَفَدوا على رسول الله وَّ بمكة، وهم حينئذ عشرون رجلاً، لكن أعاد ذِكرهم في الوفود بالمدينة، فكأنهم قدموا مرتين، وقال ابن سعد: كان النبيّ وَّر كتب إليهم، فخرج إليه وَفْدهم في أربعة عشر رجلاً، من أشرافهم، وعند ابن إسحاق أيضاً من حديث كرز بن علقمة: أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلاً، وسَرَد أسماءهم. انتهى (٢). وقال في ((العمدة)): ((نجران)) - بفتح النون، وسكون الجيم، وبالراء - بلد (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٩٤. (٢) ((الفتح)) ٥٢٨/٩ - ٥٢٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٨٠). ٦٧٣ ـه - حديث رقم (٦٢٣٤) (٧) - بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ باليمن، وأهلها العاقب، واسمه عبد المسيح، والسيد، وأبو الحارث بن علقمة، وأخوه كرز، وأوس، وزيد بن قيس، وشيبة، وخويلد، وعمرو، وعبيد الله، وكان وفد نجران سنة تسع، كما ذكره ابن سعد، وكانوا أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وكانوا نصارى، ولم يُسْلموا إذ ذاك، ثم لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيراً حتى أتيا إلى النبيّ وَل﴿، فأسلما، وقال ابن إسحاق: قَدِم وفد نصارى نجران ستون راكباً، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم، وثلاثة منهم يؤول إليهم أمرهم، وهم العاقب، والسيد، وأبو حارثة، أحد بني بكر بن وائل أسقُفّهم، وصاحب مدارسهم، ولمّا دخلوا المسجد النبويّ دخلوا في تجمّل، وثياب حسان، وقد حانت صلاة العصر، فقاموا يصلّون إلى المشرق، فقال رسول الله وسلم: (دعوهم))، وكان المتكلم أبا حارثة، والسيد، والعاقب، وسألوه أن يرسل معهم أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، وكان أبو حارثة يعرف أمر رسول الله وَله، ولكن صدّه الشرف والجاه عن اتباع الحقّ (١). (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلاً أَمِيناً، فَقَالَ) بَّهِ ((لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلاًّ أَمِيناً) قال القرطبيّ تَخْذَثُ: الأمانة ضدّ الخيانة، وهي عبارة عن قوّة الرجل على القيام بحفظ ما يوكَلُ إلى حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، وهي مأخوذة من قولهم: ناقة أَمُون؛ أي: قويّة على الحمل والسير، فكأن الأمين: هو الذي يوثَق به في حِفظ ما يُوكَلُ إلى أمانته حتى يؤدّيه لقوّته على ذلك. (٢) انتھی(٢). (حَقَّ أَمِينٍ، حَقَّ أَمِينٍ))) هكذا مكرراً، ونصب ((حقّ)) على أنه مصدر مضاف، وهو في موضع الصفة، تقديره: أميناً محَقَّقاً في أمانته، قاله القرطبيّ(٣)، وقال غيره تَّتُ أي: بلغ في الأمانة الغاية القصوى، قيل: الأمانة كانت مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، لكن النبيّ ◌َّ﴿ خصّ بعضهم بصفات غلبت عليه، وكان أخصّ بها، وقيل: خصّه بالأمانة؛ لكمال هذه الصفة فيه، (١) ((عمدة القاري)) ٢٣٩/١٦. (٣) («المفهم)) ٢٩٤/٦. (٢) ((المفهم)) ٢٩٢/٦. ٦٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قاله السنديّ (١). (قَالَ) حذيفة (فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ)، وفي رواية: ((فاستشرف لها أصحاب رسول الله وَ له))؛ أي: تطلّعوا للولاية، ورَغِبوا فيها حرصاً على تحصيل الصفة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي، والله أعلم. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: أي: تشوّفوا، وتعرّضوا لمن هو الموجّه معهم، وكلهم يحرص على أن يكون هو المعنيّ؛ إذ كلّ واحد منهم أمين. انتهى(٢). (قَالَ) حذيفة (فَبَعَثَ) ◌َِّ (أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاح)، وفي رواية أبي يعلى: ((قم يا أبا عبيدة، فأرْسَله معهم))، ووقع في رواية لأبي يعلى من طريق سالم، عن أبيه، سمعت عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط إلا مرّة واحدةً - فذكر القصة، وقال في الحديث -: فتعرضتُ أن تصيبني، فقال: ((قم يا أبا عبيدة)(٣). [تنبيه]: وقد أخرج البخاريّ في ((المغازي)) من ((صحيحه)) هذا الحديث مطوّلاً، فقال: (٤٣٨٠) - حدثني عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر، عن حذيفة قال: جاء العاقب، والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صل﴿ يريدان أن يُلاعننا، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عَقِبنا من بعدنا، قالا: إنا نُعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: ((لأبعثنّ معكم رجلاً أميناً حَقَّ أمين))، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﴿﴿، فقال: ((قم يا أبا عبيدة بن الجراح))، فلما قام قال رسول الله وَر: ((هذا أمين هذه الأمة)). وقوله: ((جاء السيد والعاقب صاحبا نجران))، أما السيد فكان اسمه: الأيهم - بتحتانية ساكنة - ويقال: شُرَحبيل، وكان صاحب رحالهم، ومجتمعهم، ورئيسهم في ذلك، وأما العاقب فاسمه عبد المسيح، وكان (١) ((حاشية السندي على ابن ماجه)) ١/ ٩٣. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٢٩٤. (٣) ((الفتح)) ٤٥٦/٨. ٦٧٥ (٧) - بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَلُه - حديث رقم (٦٢٣٤) صاحب مَشُورتهم، وكان معهم أيضاً أبو الحارث بن علقمة، وكان أُسْقُفَّهم، وحِبْرهم، وصاحب مِدْراسهم. قال ابن سعد: دعاهم النبي ◌ّ إلى الاسلام، وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا، فقال: ((إن أنكرتم ما أقول، فهَلُمّ أُبَاهِلكم)»، فانصرفوا على ذلك. وذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل أن ثمانين آية من أول سورة آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَآءَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦١]. وفي رواية يونس بن بكير أنه صالَحَهم على ألفيّ حُلّة: ألفٍ في رجب، وألفٍ في صفر، ومع كل حلة أُوقِيّة، وساق الكتاب الذي كَتَبه بينهم مطوّلاً . وذكر ابن سعد أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك فأسلما(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٣٤/٧ و٦٢٣٥] (٢٤٢٠)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٧٤٥) و((المغازي)) (٤٣٨١) و((أخبار الآحاد)) (٧٢٥٤)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٧٩٦)، و(النسائيّ) في ((الفضائل)) (٩٥)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٣٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤١٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٣٦/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٥/٥ و٤٠١) وفي ((الفضائل)) (١٢٧٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٩٩ و٧٠٠٠)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٦٧/٣)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤١٢/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٩٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(٢): عَبْه، ففيه منقبة ظاهرة ١ - (منها): بيان فضل أبي عبيدة بن الجرّاح (١) ((الفتح)) ٥٢٩/٩. (٢) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بطوله، كما أسلفته من رواية البخاريّ مطوّلاً، فتنبّه. ٦٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة له ظُه، فقد خصّه الله تعالى بالحظ الأكبر والنصيب الأكثر من الأمانة، بحيث شهِد له بذلك الرسول المعصوم الذي لا يفعل إلا حقّاً، ولا يقول إلا صدقاً، [النجم: ٣، ٤]، وصار له ذلك وَوَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴿﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى الاسمَ والعَلَمَ المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان(١)، حتى استوى في معرفته كلّ إنسان، وذلك أن عمر رَظُه لَمّا قَدِمِ الشام مُتفقّداً أحوال الناس والأمراء، ودخل منازلهم، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة، وهو أمير على الشام قد فُتحت عليه بلاده، وترادفت عليه فتوحاته وخيراته، واجتمعت له كنوزه وأمواله، فلما كلّمه عمر ظه في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين والله لئن دخلت منزلي لتعصِرَنّ عينيك، فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئاً يُرُدّ البصر أكثر من سلاحه، وأداة رَحْل بعيره، فبكى عمر ◌َظُه، وقال: صدق رسول الله وَله: ((أنت أمين هذه الأمة))، أو كما قال. وكان النبيّ وَّل قد أخبر كلّ أحد من أعيان أصحابه ظه بما غلب عليه من أوصافه، وإن كانوا كلّهم فضلاء علماء حكماء مختارين لمختار، فقد صحّ عنه مَ ◌ّ فيما رواه الترمذيّ، وابن ماجه من حديث أنس بن مالك ظُّه مرفوعاً: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعْلَمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبيّ، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة))(٢). وأخرج الترمذيّ (٣٨٠١)، وابن ماجه (١٥٦) أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو: ((ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذرّ))(٣). ٢ - (ومنها): أن في قصة أهل نجران هذه أن إقرار الكافر بالنبوة لا يُدخله في الإسلام، حتى يلتزم أحكام الإسلام. ٣ - (ومنها): بعثُ الإمام الرجل العالم الأمين إلى أهل الْهُدْنة في مصلحة الإسلام. ٤ - (ومنها): جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تَعَيَّنت مصلحته. (١) راجع: ((المفهم)) ٢٩٣/٦. (٣) حديث صحيح بطرقه. (٢) حديث صحيح. ٦٧٧ (٧) - بَابُ فَضَائِلٍ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ظُه - حديث رقم (٦٢٣٥) ٥ - (ومنها): مشروعية مباهلة المخالف إذا أصرّ بعد ظهور الحجة، وقد دعا ابنُ عباس إلى ذلك، ثم الأوزاعيّ، ووقع ذلك لجماعة من العلماء، قال الحافظ: ومما عُرِف بالتجربة أن من باهَلَ، وكان مُبطِلاً لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يُقِمْ شهرین. ٦ - (ومنها): مصالحة أهل الذمة على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويَجرِي ذلك مَجْرَى ضرب الجزية عليهم، فإن كُلّ منها مال يؤخذ من الكفار على وجه الصَّغَار في كل عام. [فإن قلت]: ذكر ابن إسحاق أن النبي ◌َّ و بعث علياً إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجِزْيتهم، فكيف يُجمع بينها وبين قصّة أبي عبيدة هذه؟. [أجيب]: بأن قصة أبي عبيدة ظه هذه غير قصّة عليّ ◌ُه؛ لأن أبا عبيدة توجه معهم، فقَبَض مال الصلح، ورَجَع، وأما عليّ فأرسله النبي وَِّ بعد ذلك يَقْبِض منهم ما استُحِقّ عليهم من الجزية، ويأخذ ممن أسلم منهم ما وجب عليه من الصدقة. أفاده في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ) - بفتح الحاء المهملة، والفاء -: نسبة إلى موضع بالكوفة، وهو: عمر بن سَعْد بن عُبيد، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((النكاح)) ٣٤٩٨/١٥. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن أبي إسحاق هذه ساقها النسائيّ تَظُّ في ((الكبرى)) بسند المصنّف، فقال: (١) راجع: ((الفتح)) ٤٢٩/٨، كتاب ((المغازي)) رقم الحديث (٤٣٨٣). ٦٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (٨١٩٧) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا أبو داود الحفريّ، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيد، وهما صاحبا نجران إلى رسول الله وَله، فقالا: ابعث معنا رجلاً أميناً حقَّ أمين، فجثا الناس، فقال: ((قم يا أبا عبيدة)). انتهى(١). وساقها الترمذيّ أيضاً (٢) في ((جامعه))، فقال: (٣٧٩٦) - حدّثنا محمود بن غَيلان، حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان، قال: جاء العاقب والسيد إلى النبيّ وَلّ، فقالا: ابعث معنا أميناً، فقال: فإني سأبعث معكم أميناً حقّ أمين، فأشرف لها الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح قال: وكان أبو إسحاق إذا حدّث بهذا الحديث عن صلة قال: سمعته منذ ستين سنةً، قال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوي عن ابن عمر، وأنس ﴿ها عن النبيّ وَلّ قال: ((لكل أمة أمينٌ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). (٣) . انتھی ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٨) - (بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ أما الحسن: فهو ابن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشميّ سِبْط رسول الله وَّ﴿ وريحانته، أمير المؤمنين، أبو محمد، وُلد في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، قاله ابن سعد، وابن الْبَرْقيّ، وغير واحد، وقيل: في شعبان منها، وقيل: وُلد سنة أربع، وقيل: سنة خمس، والأول أثبت. رَوَى عن النبيّ ◌َّر أحاديث حفظها عنه. (١) ((السُّنن الكبرى)) للنسائيّ ٥٧/٥. (٢) إنما أوردت رواية الترمذيّ؛ لِمَا فيها من الزيادة، فتنبه. (٣) ((جامع الترمذيّ)) ٦٦٧/٥. ٦٧٩ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ وقال ابن أبي خيثمة: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة عن ابن شَوْذب قال: لمّا قُتل عليّ سار الحسن في أهل العراق، ومعاوية في أهل الشام، فالتقوا، فكَرِه الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد له من بَعده، فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار أمير المؤمنين، فيقول: العار خیر من النار. وأخرج ابن سعد من طريق مجالد، عن الشعبي وغيره قال: بايع أهل العراق بعد عليّ الحسن بن عليّ، فسار إلى أهل الشام، وفي مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفاً، يسمّون شرطة الجيش، فنزل قيس بمسكن من الأنبار، ونزل الحسن المدائن، فنادى منادٍ في عسكر الحسن: ألا إن قيس بن سعد قُتل، فوقع الانتهاب في العسكر، حتى انتهبوا فسطاط الحسن، وطعنه رجل من بني أسد بخنجر، فدعا عمرو بن سلمة الأرحبيّ، وأرسله إلى معاوية يشترط عليه، وبعث معاوية عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر، فأعطيا الحسن ما أراد، فجاء له معاوية من منبج إلى مسكن، فدخلا الكوفة جميعاً، فنزل الحسن القصر، ونزل معاوية النخيلة، وأجرى عليه معاوية في كل سنة ألف ألف درهم، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين. قال ابن سعد: وأخبرنا عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، قال: وكان معاوية يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فراسله، وأصلح الذي بينهما، وأعطاه عهداً إن حدث به حدَث، والحسن حيّ ليجعلنّ هذا الأمر إليه، قال: فقال عبد الله بن جعفر: قال الحسن: إني رأيت رأياً أحب أن تتابعني عليه، قلت: ما هو؟ قال: رأيت أن أعمد إلى المدينة، فأنزلها، وأُخْلي الأمر لمعاوية، فقد طالت الفتنة، وسُفكت الدماء، وقُقطعت السبل، قال: فقلت له: جزاك الله خيراً عن أمة محمد دَالقتل، فَبَعث إلى حسين، فذكر له ذلك، فقال: أعيذك بالله، فلم يزل به حتى رضي. وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا سعيد بن منصور، حدّثنا عون بن موسى، سمعت هلال بن خباب: جَمَع الحسن رؤوس أهل العراق في هذا القصر، قصر المدائن، فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا . ٦٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال الواقديّ: مات سنة تسع وأربعين، وقال المدائنيّ: مات سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقال الهيثم بن عديّ: سنة أربع وأربعين، وقال ابن منده: مات سنة تسع وأربعين، وقيل: خمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، ويقال: إنه مات مسموماً. انتهى ملخّصاً من ((الإصابة))(١) . وقال القرطبيّ تَخْتُ: وُلد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، هذا أصحّ ما قيل في ذلك، ووُلد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة ثلاث، هذا قول الواقدي. وقال: علقت به فاطمة رضيها بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، ومات الحسن مسموماً في ربيع الأول من سنة خمسين بعدما مضى من خلافة معاوية عشر سنين. وقيل: بل مات سنة إحدى وخمسين، ودُفن ببقيع الغرقد إلى جانب قبر أمه، وصلَّى عليه سعيد بن العاص، وكان أمير المدينة، قدَّمه الحسين، وقال: لولا أنَّها سُنَّة لَمَا قدَّمتك، وقد كان وصى أن يُدفن مع رسول الله وََّ، إن أذِنَتْ في ذلك عائشة فأذِنَتْ في ذلك، ومَنَع من ذلك مروان، وبنو أمية. وروى أبو عمر بإسناده إلى عليّ ◌َّه قال: لمّا وُلد الحسن جاءه رسول الله وَله، فقال: ((أروني ابني، ما سمّيتموه؟)) قلت: حرباً. قال: ((بل هو: حسن))، فلما وُلد الحسين، قال: ((أروني ابني، ما سمَّيتموه؟))، قلت: حرباً، قال: ((بل هو: حسين))، فلمّا ولد الثالث، قال: ((أروني ابني، ما سميتموه؟)) قلت: حرباً، قال: ((بل هو: محسِّن)). وعقَّ النبيّ وَّ عن كل واحدٍ من الحسن والحسين يوم سابعه بكبش كبش، وأمر أن يُحلَق كل واحد منهما، وأن يُتَصَدَّق بوزن شعرهما فضة. وقال عليّ ◌َظُه: ((الحسين ظُبه أشبه الناس برسول الله وَله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه الناس بالنبيّ ◌َّ﴿ ما كان أسفل من ذلك)). وتواردت الآثار الصِّحاح عن النبيّ وَّر أنه قال في الحسن: ((إن ابني هذا سيِّد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))، ولا أَسْوَد ممن سؤَّده رسول الله وَّر، وشهد له بذلك، وكان حليماً، ورِعاً، فاضلاً، دعاه وَرَعه (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٨/٢.