Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ ﴿ه - حديث رقم (٦١٨٩) ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقَيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن حويطب(١)، وقد ينسب إليه، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (خ م د ت س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٥٤/ ١٩٣٤. ٥ - (عَطَاءُ) بن يسار الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ت٩٢)، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان)» ٢١٣/٢٦. ٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقةٌ فاضلٌ أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل بن جعفر، وفيه عائشة ﴿يّا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ﴿ّا (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ مُضْطَجِعاً) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، اسم فاعل، من اضطجع، يقال: ضَجَعْتُ ضَجَعاً، من باب نَفَعَ، وضُجُوعاً: وضَعْتُ جنبي بالأرض، وأَضْجَعْتُ بالألف لغة، فأنا ضَاجِعٌ، ومُضْجعٌ، ويقال: اضطجع، واضَّجَعَ: إذا وضع جَنْبه بالأرض أيضاً، وأصله اضتجع، بوزن افْتَعَل، لكن من العرب من يقلب التاء طاء، ويُظهرها عند الضاد، فيقول: اضطجع، ومنهم من يقلب التاء ضاداً، ويُدغمها في الضاد؛ تغليباً للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجَعَ (١) هو: عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُويطب. ٥٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة بطاء مشدّدة؛ لأنّ الضاد لا تدغم في الطاء؛ فإن الضاد أقوى منها، والحرف لا يدغم في أضعف منه، وما ورد من ذلك شاذّ، لا يقاس عليه، أفاده الفيّومِيّ ◌َّهُ(١). وفي الرواية التالية: ((وهو مضطجع على فراشه، لابسٌ مِرْطَ عائشة)). (فِي بَيْتِي) حال كونه (كَاشِفاً عَنْ فَخِذَيْهِ) تقدّم أن فيه أربع لغات: فتح الفاء، وكسر الخاء، وإسكانها، مع فتح الفاء، وكسرها، وكسرهما معاً؛ للإتباع، وقوله: (أَوْ سَاقَيْهِ) ((أو)) هنا للشّكّ من الراوي، هل قال بلفظ الفخد، أو الساقي. (فَاسْتَأْذَنَ)؛ أي: طلب الإذن بالدخول على النبيّ ◌َّهِ، (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ◌َظُه (فَأَذِنَ) بَِّ (لَهُ)؛ أي: لأبي بكر، وقوله: (وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِّ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه ◌َ و كائن على حالته المذكورة، من كَشْف فخذيه، أو ساقيه، (فَتَحَدَّثَ) أبو بكر معه وََّ، وفي الرواية التالية: ((فقضى إليه ◌ِّهِ (فَأَذِنَ) وِِّ (لَهُ)؛ حاجته، ثمّ انصرف)). (ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) بن الخطّاب أي: لعمر (وَهُوَ كَذَلِكَ)؛ أي: والحال أنه ◌َّ على حالته المذكورة، (فَتَحَدَّثَ)، وفي الرواية التالية: ((فقضى إليه حاجته، ثمّ انصرف)). (ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ) بن عفّان رَبُه (فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ) قال الفيّومِيّ كَلَُّ: الجُلُوسُ غير القعود، فإن الجُلُوسَ هو الانتقال من سفل إلى علوّ، والقعود هو الانتقال من علوّ إلى سفل، فعلى الأول يقال لمن هو نائم، أو ساجد: اجْلِسْ، وعلى الثاني يقال لمن هو قائم: اقْعُدْ، وقد يكون جَلَسَ بمعنى قَعَدَ، يقال: جَلَسَ متربعاً، وقَعَدَ متربعاً، وقد يفارقه، ومنه جَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حَصَلَ وتمكن؛ إذ لا يسمى هذا قعوداً، فإن الرجل حينئذ يكون معتمداً على أعضائه الأربع، ويقال: جَلَسَ متكئاً، ولا يقال: قَعَدَ متكئاً، بمعنى الاعتماد على أحد الجانبين. وقال الفارابيّ، وجماعة: الجُلُوسُ نقيض القيام، فهو أعمّ من القعود، وقد يُستعملان بمعنى الكون والحصول، فيكونان بمعنى واحدٍ، ومنه يقال: جَلَسَ متربعاً، وجَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حَصَلَ، وتَمَكَّن. انتهى(٢). (وَسَوَّى ثِيَابَهُ) بتشديد الواو؛ أي: عدّلها، وفي الرواية التالية: ((قال (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٥٨/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١٠٥/١. ٥٢٣ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ ◌َ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٨٩) عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك)). ثم اعترض بين المتعاطفين بتفسير بعض الرواة للمراد من الحديث، فقال: (قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن أبي حرملة مفسّراً للحديث حسب ما رآه، (وَلَا أَقُولُ: ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) اسم الإشارة مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور؛ يعني: أن دخول هؤلاء الثّلاثة على النبيّ ◌َّ ليس في يوم واحد، وإنما هو في أيام متعدّدة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله محمد بن أبي حرملة، محْتَمِل، لا مجزوم به؛ إذ يَحْتَمِل أن يكون في يوم واحد؛ إذ لا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَدَخَلَ) معطوف على ((فاستأذن))، وما قبله جملة معترضة، (فَتَحَدَّثَ)، وفي الرواية التالية عن عثمان: ((فقضيتُ إليه حاجتي، ثم انصرفتُ)). (فَلَمَّا خَرَجَ) عثمان رَظُهُ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﴿ُها متعجبّة من فِعل النبيّ ◌َِِّ، ومستفسرةً ذلك، (دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) رَبه (فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ) قال النوويّ كَذَتُهُ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: ((تهتش)) بالتاء بعد الهاء، وفي بعض النسخ الطارئة بحذفها، وكذا ذكره القاضي، وعلى هذا فالهاء مفتوحة، يقال: هَشّ يَهَشّ، كشَمَّ يَشَمّ، وأما الهشّ الذي هو خَبْط الورق من الشجر، فيقال منه: هَشّ يَهُشّ، بضمّها، قال الله تعالى: ﴿وَأَهُثُ بِهَا عَلَى غَنَمِى) الآية [طه: ١٨] قال أهل اللغة: الهشاشة، والبشاشة، بمعنى طلاقة الوجه، وحُسْن اللقاء. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قولها: ((فلم تهتشَّ له)) يُروَى: تهتش بالتاء باثنتين من فوقها، ويروى بحذفها، وفتح الهاء، وهو من الهشاشة، وهي الخفّة، والاهتزاز، والنشاط عند لقاء من يفرح بلقائه، يقال: هشَّ، وبشَّ، وتبشبش: كلها بمعنى. (وَلَمْ تُبَالِهِ)؛ أي: لم تَكْتَرِث به، وتَحْتفل لدخوله، وقال القرطبيّ: لم تباله؛ أي: لم تعتني بأمره، وأصله من البال، وهو الاحتفال بالشيء، والاعتناء به، والفكر فيه، يقول: جعلته من بالي وفكري، وهو المعبّر عنه في الرواية (١) (شرح النوويّ)) ١٦٨/١٥ - ١٦٩. ٥٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ة الأخرى بقولها: ((لم أرك فَزِعت له))؛ أي: لم تُقْبِل عليه، ولم تتفرغ له. انتهى(١). وقال الفيّوميّ ◌َُّهُ: قولهم: لا أُبَالِيهِ، وَلا أُبَالِي بِهِ؛ أي: لا أهتمّ به، ولا أكترث له، ولَمْ أُبَالِ، ولَمْ أَبلْ؛ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أُبَالِيهِ بَالَةً، والأصل باليةً، مثل عافاه معافاةً وعافيةً، قالوا: ولا تُستعمل إلا مع الجَحد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى لا أُبَالِي: لا أبادر إهمالاً له، وقال أبو زيد: مَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالاةً، والاسم البِلاءُ، وزانُ كتاب، وهو الهمّ الذي تُحَدِّث به نفسك. انتهى (٢). (ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ) ◌َُه (فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ) بالله، ضُوعَيْه (فَجَلَسْتَ، وَسَوَّيْتَ)؛ أي: عدّلت (ثِيَابَكَ؟)؛ أي: فما سبب ذلك؟ (فَقَالَ) وَله مبيّناً السبب: ((أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلِ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ))) قال النوويّ ◌َذْتُ: هكذا هو في الرواية: ((أستحي)) بياء واحدة في كل واحدة منهما، قال أهل اللغة: يقال: استحيى يستحيي، بياءين، واستحى يستحي، بياء واحدة، لغتان، الأُولى أفصح، وأشهر، وبها جاء القرآن. انتهى(٣). وقال الفيّوميّ كَّلُهُ: حَيِيَ منه حَيَاءً بالفتح، والمدّ، فهو حَيِيٍّ، على فَعِيل، واسْتَحْيَا منه، وهو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدى بنفسه، وبالحرف، فيقال: اسْتَحْيَيْتُ منه، واسْتَحْيَيْتُهُ، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف تَذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((المفهم)) ٢٦٣/٦ - ٢٦٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١٥. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٢. (٤) ((المصباح المنير)) ١٦٠/١. ٥٢٥ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ ظُبه - حديث رقم (٦١٨٩) أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٨٩/٣] (٢٤٠١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٤٠٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٦٧/٦) وفي ((فضائل الصحابة)) (٧٦٠)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٥٦٥/٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١/ ٢١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٠٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٨١٥)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٣٤٤/٧)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (٢٣٠/٢ - ٢٣١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٩٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عثمان بن عفّان ظُه، حيث كان كثير الحياء، بحيث إن الملائكة تستحيي منه، قال النوويّ تَخْتُ: فيه فضيلة ظاهرة (١) رضىعنه، وجلالته عند الملائكة. انتهى لعثمان ٢ - (ومنها): بيان أن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة، فينبغي للمسلم أن يتحلّى به، وقد قال ◌َ﴾: ((الحياء خير كلّه))، وفي لفظ: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)). ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تخلّثُ: وفي بقاء النبيّ ◌َّ منكشف الفخذ حتى اطّلع عليه أبو بكر وعمر دليلٌ على أن الفخذ ليس بعورة، وقد تقدَّم الكلام فيه. انتهى (٢) . وقال النوويّ كَُّ: هذا الحديث مما يحتج به المالكية، وغيرهم، ممن يقول: ليست الفخذ عورةً، ولا حجة فيه؛ لأنه مشكوك في المكشوف، هل هو الساقان، أم الفخذان؟ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ. انتهى(٣). قال المناويّ: لا يعارض هذا الحديث حديث جرهد له أن النبيّ ◌َ﴾ مَرّ به، وهو كاشف عن فخذه، فقال النبيّ وَّ: «غَطّ فخذك، فإنها من العورة))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن (٤)؛ لاحتمال أن المراد بكشف (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٥. (٢) ((المفهم)) ٢٦٣/٦. (٤) ((جامع الترمذيّ)) ١١١/٥. ٥٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة فخذه أنه كان مجرداً عن الثوب الذي يخرج به للناس، وليس عليه إلا ثوب مهنة، وذلك هو اللائق بكمال حيائه وَله، وقد استدلّ بهذا الحديث البخاريّ وغيره على أن الفخذ ليست بعورة، واعترضه الإسماعيليّ بأنه لا تصريح فيه بعدم الحائل، ولا يقال: الأصل عدمه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح في المسألة ما قاله البخاريّ تَُّهُ في ((صحيحه)): ((حديث أنس أسند(٢)، وحديث جرهد أحوط، حتى يُخرج من اختلافهم))؛ يعني: أن الأَولى العمل بحديث جرهد المذكور، فإنه صريح في كون الفخذ عورةً، خروجاً من الخلاف، وإن كان حديث أنس الذي دلّ على أن الفخذ ليست بعورة أقوى سنداً، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): جواز تدلّل العالم والفاضل بحضرة من يُدِلّ عليه من فضلاء أصحابه، واستحباب تَرْك ذلك إذا حضر غريب، أو صاحب يستحي منه، قاله النوويّ(٣). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وفيه دليلٌ على جواز معاشرة كل واحد من الأصحاب بحَسَب حاله، ألا ترى انبساطه، واسترساله مع العُمَرَين ◌َ﴿ّ على الحالة التي كان عليها مع أهله، لم يُغيِّر منها شيئاً، ثم إنه لمّا دخل عثمان رَُّه غيَّر تلك التي كان عليها، فغطى فخذيه، وتهيَّأْ له، ثم لمّا سُئل عن ذلك، قال: ((إن عثمان رجل حييّ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يَبْلُغ إليَّ في حاجته))، وفي الرواية الأخرى: ((ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟!))؛ أي: حياء التوقير والإجلال، وتلك منقبة عظيمة، وخصوصيَّة شريفة ليست لغيره، أعْرَض قَتَلَةُ عثمان رَّه عنها، ولم يُعرِّجوا عليها. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. (١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٤/ ٤٠٤. (٢) أراد البخاريّ بحديث أنس ما أخرجه في ((صحيحه))، مطوّلاً، وفيه: ((فأجرى نبيّ الله وَّر في زُقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبيّ الله ◌َّ، ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبيّ الله وَّر ... )) الحديث. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٥. (٤) ((المفهم)) ٦/ ٢٦٣. ٥٢٧ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ◌َ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٩٠) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٩٠] (٢٤٠٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ بَّهِ، وَعُثْمَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، لَا بِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لأَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: ((اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ))، فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﴿َا كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَبِيٍّ، وَإِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى ◌ِلْكَ الْحَالِ، أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ)). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ) بن سعيد بن العاص بن أمية القرشيّ الأمويّ، ويقال: أبو الحارث المدني، أخو عمرو الأشدقِ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعثمان، ومعاوية، وعائشة. وروى عنه أشرس بن عبيد مولى أبيه، والربيع بن سَبْرة، والزهريّ. قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال الزبير بن بكار: أمه العالية بنت سلمة بن يزيد بن مشجعة، وكان عبد الملك بن مروان حين قَتل أخاه عمرو بن سعيد الأشدق سيَّره إلى المدينة، فلَحِق بابن الزبير، ثم آمنه عبد الملك بعد قتل ابن الزبير، وقال ابن عساكر: بلغني أن عبد الملك كان يقول: ما رأيت أفضل من يحيى بن سعيد، وذكره معاوية بن صالح عن ابن معين في تابعي أهل المدينة، ومحدِّثيهم، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ووثّقه يعقوب بن سفيان. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ) بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، قُتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبيّ وَّ تسع سنين، وذُكِر في الصحابة، وَوَلِي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، مات سنة ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك. روى عن النبي ◌َّ مرسلاً، وعن عمر، وعثمان، وعائشة وعنه: ابناه عمر ویحیی، ومولاه کعب، وغيرهم. قال معاوية: لكل قوم كريم، وكريمنا سعيد، وقال أيضاً: أقيمت عربية القرآن على لسان سعيد؛ لأنه كان أشبههم برسول الله وَ له. وقال ابن عبد البر: كان من أشراف قريش، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان. مات سنة (٥٨هـ) ودُفن بالبقيع. أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، والنسائي، وابن ماجه في ((التفسير))، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث(١). والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (لَا بِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ) ((الْمِرْطُ)) - بكسر الميم -: كساء من صوف، وقال الخليل: كساء من صوف، أو كتان، أو غيره، وقال ابن الأعرابيّ، وأبو زيد: هو الإزار، قاله النوويّ تَظُّْهُ(٢). وقال الفيّوميّ كَذَلُهُ: ((الْمِرْط)): كساء من صوف، أو خَزّ، يُؤتزر به، وتتلفّع المرأة به، والجمع: مُرُوٌ، مثلُ حِمْلٍ وحُمُولٍ. انتهى(٣). وقولفه: (وَقَالَ لِعَائِشَةَ: ((اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ))) هو كناية عن كمال التستّر، وعدم بروز شيء من بدنها . ◌َّ كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟)؛ أي: وقولها: (لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأَّبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ اهتممت لهما، واحتفلت بدخولهما، قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: ((فزعت)) بالزاي، والعين المهملة، وكذا حكاه القاضي عن رواية (١) راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٢٦/٢ - ٢٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٦٩/٢. ٥٢٩ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٩١) الأكثرين، قال وضَبَطه بعضهم: ((فَرَغت)) بالراء، والغين المعجمة، وهو قريب من معنى الأول. انتهى(١). وقوله: (رَجُلٌ حَيِيٌّ) بفتح، فكسر: فَعِيلٌ بمعنى فاعل؛ أي: كثير الحياء، لا يُفصح بسبب حيائه بحاجته إليّ. وقوله: (وَإِنِّي خَشِيتُ) بفتح الخاء، وكشر الشين المعجمتين، من باب رَضِي. وقوله: (إِنْ أَذِنْتُ لَهُ) بكسر الذال المعجمة، من باب تَعِبَ. وقوله: (أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ)؛ يعني: أني إن أَذِنت له في تلك الحال أخاف أن يرجع حياءً مني عندما يراني على تلك الهيئة، ولا يَعْرِض عليّ حاجته؛ لغلبة الحياء عليه. والحديث من أفراد المصنّف تَظْتُ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّقَ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عُقَيْلِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير صالح بن كيسان. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه ساقها أبو يعلى نَظُّ في ((مسنده))، عن شيخ المصنّف عمرو الناقد، فقال: (٤٨١٨) - حدّثنا عمرو بن محمد، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١٥. ٥٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أخبرني يحيى بن سعيد بن العاص، أن سعيد بن العاص أخبره، أن عثمان وعائشة حدّثاه، أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله وَالر، وهو مضطجع على فراشه، لابسٌ مِرْط عائشة، فأَذِن لأبي بكر، وهو كذلك، قال: فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، وقال عثمان: ثم استأذن عمر، فأَذِن له، وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، قال: فقالت عائشة: لم أَرَكَ فَزِعت لأبي بكر وعمر كما فَزِعت لعثمان، فقال رسول الله وَّ: ((إن عثمان رجل حَيِيٍّ، خَشِيت إن أذنت له، وأنا على تلك الحال، أن لا يبلغ في حاجته)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٩٢] (٢٤٠٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَائِطٍ مِنْ حَائِطِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، يَرْكُزُ بِعُودٍ مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، إِذَا اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ: ((افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: (اقْتَحْ، وَبَشِّرُهُ بِالْجَنَّةِ))، قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَقَالَ: ((اقْتَحْ، وَبَشِّرُهُ بِالْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى تَكُونُ))، قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: فَفَتَحْتُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْراً، أَوِ اللهُ الْمُسْتَعَانُ)(٢). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزَّمِن، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. (١) ((مسند أبي يعلى)) ٢٤٢/٨. (٢) وفي نسخة: ((اللهمّ صبراً، والله المستعان)). ٥٣١ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ ظُه - حديث رقم (٦١٩٢) ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ غِيَاتٍ) - بغين معجمة، وثاء مثلثة - الراسبيّ، أو الزهرانيّ البصريّ، ثقةٌ، ورُمي بالإرجاء [٦] (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) - بفتح النون وسكون الهاء - هو: عبد الرحمن بن مَلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - مشهور بكنيته، مخضرمٌ ثقةٌ، ثبتٌ، عابدٌ، من كبار [٢] مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل أكثر (عٍ) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٥ - (أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة - الصحابي المشهور، أَمَّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه محمد بن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة، وفيه أبو عثمان النهديّ مخضرم معمّر عاش مائة وثلاثين، وقيل أكثر، وفيه أبو موسى الأشعريّ به الصحابيّ المشهور أحسن الصحابة صوتاً بالقراءة، الذي صَلى اللّهـ أُعطي مزماراً من مزامير آل داود ظلَّلا، كما وصفه به النبيّ شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) عبد الله بن قيس ظُه، أنه (قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي خَائِطٍ مِنْ حَائِطِ الْمَدِينَةِ)؛ أي: بستان من بساتينها، (وَهُوَ مُتَّكِىٌّ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: حال كونه معتمِداً على عود، والاتّكاء: الاعتماد، قال الفيّوميّ تَخْلُ: تَوَكَّأ على عصاه: اعتمد عليها، واتّكَأَ: جلس متمكِّناً، وفي التنزيل: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتْكُِّونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]؛ أي: يجلسون، وقال: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكًا﴾ الآية [يوسف: ٣١]؛ أي: مجلساً يجلسن عليه، قال ابن الأثير: والعامّة لا تعرف الاتكاءَ إلا الميل في القعود معتمداً على أحد الشقين، وهو يُستعمل في المعنيين جميعاً، يقال: اتَّكأ: إذا أسند ظهره، أو جَنْبه إلى شيء، معتمداً عليه، وكلُّ من اعتمد على شيء فقد اتَّكَأ عليه، وقال السّرَقُسْطِيّ أيضاً: أتْكَأُتُّهُ: أعطيته ما يتكئ عليه؛ أي: ما ٥٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة يجلس عليه، والتاء مُبْدلة من واو، والاسم: التُّكَأَةُ، مثال رُطَبَةٍ. انتهى(١). (يَرْكُزُ) بضمّ الكاف، يقال: ركزتُ الرُّمْح رَكْزاً، من بابي نصر، وضرب: أثبتّه بالأرض، فارتكز، والْمَرْكِزُ، وزانُ مسجد: موضع الثبوت(٢)، وقال النوويّ: أي: يضرب بأسفله ليثبته في الأرض(٣). (بِعُودٍ) بضم العين: الخشبُ، جمعه أعواد، وعِيدان(٤). (مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ)، وفي رواية للبخاريّ: ((عن أبي موسى أنه كان مع النبيّ وَّر في حائط من حيطان المدينة، وفي يد النبيّ نَّهُ عُودٌ يضرب به بين الماء والطين)). قال ابن بطال تَخُّْ: من عادة العرب إمساك العصا، والاعتماد عليها عند الكلام وغيره، وقد عاب ذلك عليهم بعض من يتعصب للعجم، وفي استعمال النبيّ وَّ له الحجةُ البالغةُ، وكأن المراد بالعود هنا: الْمِخْصرة التي كان النبيّ ◌َّ﴿ يتوكأ عليها، وليس مصرَّحاً به في هذا الحديث. انتهى(٥). وقد ترجم البخاريّ كَُّ في ((صحيحه))، بقوله: ((باب من نكت العود في الماء والطين))، فقال الحافظ تَّلُ: فقه الترجمة أن ذلك لا يُعَدّ من العبث المذموم؛ لأن ذلك إنما يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، ثم لا يستعمله فيما لا يضرّ تأثيره فيه، بخلاف من يتفكر، وفي يده سكين، فيستعملها في خشبة تكون في البناء الذي يسكنه فيما يسبّب فساداً، فذاك هو العبث المذموم. انتهى (١). (إِذَا اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ) ((إذا)) هنا فجائيّة؛ أي: ففجأنا استفتاح رجل، وفي رواية البخاريّ: ((فجاء رجلٌ يستفتح))، (فَقَالَ) بَّرِ ((افْتَحْ) زاد في رواية: ((له))، (وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)، قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ◌َهِ، (فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ) أبو موسى (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ) بَرِ ((اقْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، قَالَ) أبو موسى (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َته، (فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ (١) (المصباح المنير)) ٦٧١/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٧/١، بزيادة من ((القاموس)) ص٥٢٨. (٤) ((القاموس المحيط)) ص ٩٢٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/١٥. (٥) ((شرح البخاريّ)) لابن بطّال ◌َّثم ٦٣/٢٢. (٦) ((الفتح)) ١٠٢/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢١٦). ٥٣٣ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٩٢) بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، قَالَ) أبو موسى (فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َ، فَقَالَ: ((اقْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى تَكُونُ)))؛ أي: تحصل له، فـ((تكون)) تامّة، قال ابن بطال تَُّهُ: إنما خُصَّ عثمان رَؤُه بذكر البلاء مع أن عمر ربه قُتل أيضاً؛ لكون عمر لم يُمتحن بمثل ما امتُحِن عثمان، مِن تسلّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم، مع تنصّله من ذلك، واعتذاره عن كل ما أوردوه عليه، ثم هجومهم عليه داره، وهَتْكهم سِتْر أهله، وكل ذلك زيادة على قَتْله، وحاصله: أن المراد بالبلاء الذي خُص به: الأمور الزائدة على القتل. انتهى(١). (قَالَ) أبو موسى (قَالَ) أبو موسى (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ) (فَفَتَحْتُ) له الباب (وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ) أبو موسى (وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ)؛ أي: (اللَّهُمَّ ذَكَر له الذي قاله النبيّ وََّ، من أنه تصيبه البلوى، (فَقَّالَ) عثمان ◌َ﴾ صَبْراً)؛ أي: يا الله أسألك أن ترزقني صبراً فيما يُصيبني من البلوى، (أَوٍ) للشّكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (اللهُ الْمُسْتَعَانُ)، وفي بعض النسخ: ((والله المستعان)) بالواو؛ أي: المطلوب منه المعونة هو الله تعالى، لا غيره. وقال القرطبيّ كَُّ: قول عثمان: ((اللهم صبراً، والله المستعان))؛ أي: اللهم صبِّرني صبراً، وأعنّي على ما قَدّرت عليّ (٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ تَهُبه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٩٢/٣ و٦١٩٣ و٦١٩٤ و٦١٩٥ و٦١٩٦] (٢٤٠٣)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٦٧٤ و ٣٦٩٣ و ٣٦٩٥) و((الأدب)) (٦٢١٦) و(«أخبار الآحاد)) (٧٢٦٢) وفي «الأدب المفرد)) (١١٥١)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (٦٣١/٥)، و(النسائيّ) في ((الفضائل)) (٢٩ و٣١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٠٦/٤ - ٤٠٧) وفي ((فضائل الصحابة)) (٢٠٩)، (١) (شرح البخاريّ) لابن بطال ٤٨/١٠ - ٤٩، بزيادة من ((فتح الباري)) ٥١٠/١٦. (٢) ((المفهم)) ٢٦٧/٦ - ٢٦٨. ٥٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة و(عبد الله بن أحمد) في ((زوائد فضائل الصحابة)) (٢٨٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٤٠٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٥٥٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩١٢)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٥٩/٨)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٣٤٣/١)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٣٨٨/٦ - ٣٨٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة هؤلاء الثلاثة فضيلة لأبي موسی په. من اهل الجنة، وبيان وانهم بض مها، ٢ - (ومنها): جواز الثناء على الإنسان في وجهه، إذا أُمنت عليه فتنة الإعجاب، ونحوه. ٣ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ وَلو لإخباره بقصة عثمان، والبلوى، وأن الثلاثة يستمرون على الإيمان والهدى. ٤ - (ومنها): أن في قوله: ((اللهمّ صبراً، والله المستعان)) استسلاماً لأمر الله تعالى، ورضاً بما قدَّره الله تعالى، فينبغي أن يقوله المسلم في مثل هذه الحال. ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((على بلوى تكون))، وفي لفظ: ((مع بلوى تصيبه)) هذا من النبيّ ◌ُّ إعلام لعثمان رَظُه بما يصيبه من البلاء والمحنة في حال خلافته، وقد جاء من الأخبار ما يدلّ على تفصيل ما يجري عليه من القتل وغيره. فمن ذلك ما خرَّجه الترمذيّ عن عائشة ﴿ّا، عن النبيّ ◌َّ أنه قال: ((يا عثمان! لعل الله يقمِّصك قميصاً، فإنْ أرادوك على خلعه، فلا تخلعه لهم))، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب. وفيه عن ابن عمر رضيّه قال: ذَكر رسول الله وَّ فتنةً، فقال: ((يُقتل فيها مظلوماً)) لعثمان، وقال: حديث حسنٌّ غريب. ورَوَى أبو عمر بن عبد البرّ عن عائشة ﴿ّا قالت: قال رسول الله وَله: ((ادعوا لي بعض أصحابي))، فقلت: أبو بكر؟ فقال: ((لا))، فقلت: فعمر؟ فقال: ((لا))، قالت: قلت: ابن عمك عليّاً؟ فقال: ((لا))، فقلت له: عثمان؟ قال: ((نعم))، فلما جاءه، فقال لي بيده، فتنخَّيت، فجعل رسول الله وَ له يساره، ٥٣٥ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٩٣) ولون عثمان يتغيَّر، فلما كان يوم الدار، وحُصر قيل له: ((ألا نقاتل عنك؟ قال: لا، إن رسول الله وَ﴿ عَهِد إليّ عهداً، وأنا صابرٌ عليه)). فهذه الأحاديث وغيرها مما يطول تتبّعه تدلّ على أن النبيّ وَلّ أخبره بتفصيل ما جرى عليه، وأنه سلَّم نفسه لمّا عَلِم من أن ذلك قَدَرٌ سَبَق، وقضاء وَجَب، ولذلك منع كل من أراد القتال دونه، والدفع عنه - ممن كان معه في الدار، وفي المدينة - من نصرته. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٩٣] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَذَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ دَخَلَ حَائِطاً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْفَظَ الْبَابَ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) وله إحدى وثمانون سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. والباقیان ذُكرا قبله. وقوله: (وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْفَظَ الْبَابَ) قال ابن التين كَُّ: قوله: ((وأمرني أن أحفظ الباب)) هذا مغاير لقوله في الرواية الأخرى: ((ولم يأمرني بحفظه))، فأحدهما وَهَمٌ، وتعقّبه الحافظ تَتُهُ، فقال: بل هما جميعاً محفوظان، فالنفي كان في أول ما جاء، فدخل النبيّ وَّ الحائط، فجلس أبو موسى في الباب، وقال: ((لأكوننّ اليوم بوّاب النبيّ وَّ))، فقوله: ((ولم يأمرني بحفظه)) كان في (١) ((المفهم)) ٢٦٥/٦ - ٢٦٦. ٥٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة تلك الحالة، ثم لما جاء أبو بكر، واستأذن له، فأمره أن يأذن له أمره حينئذ بحفظ الباب؛ تقريراً له على ما فعله، ورضاً به، إما تصريحاً، فيكون الأمر له بذلك حقيقةً، وإما لمجرد التقرير، فيكون الأمر مجازاً، وعلى الاحتمالين لا وَهَمَ. انتهى كلام الحافظ ◌َُّ(١)، وهو تعقّب حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثٍ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ)؛ يعني: أن حديث أيوب السختيانيّ أبي عثمان النهديّ بمعنى حديث عثمان بن غياث عنه. [تنبيه]: رواية أيوب، عن أبي عثمان النهديّ هذه ساقها الترمذيّ تَُّهُ في ((جامعه))، فقال: (٣٧١٠) - حدّثنا أحمد بن عبدة الضَّيّ، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: انطلقت مع النبيّ وَّر، فدخل حائطاً للأنصار، فقضى حاجته، فقال لي: ((يا أبا موسى امْلِك عليّ الباب، فلا يدخلنّ عليّ أحدٌ إلا بإذن))، فجاء رجل يضرب الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، قال: ((ائذن له، وبشّره بالجنة))، فدخل، وبشّرته بالجنة، وجاء رجل آخر، فضرب الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر، فقلت: يا رسول الله، هذا عمر يستأذن، قال: ((افتح له، وبشّره بالجنة))، ففتحت الباب، ودخل، وبشّرته بالجنة، فجاء رجل آخر، فضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان، فقلت: يا رسول الله، هذا عثمان يستأذن، قال: ((افتح له، وبشّره بالجنة، على بلوی تصیبه)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوي من غير وجه عن أبي عثمان النّهْديّ، وفي الباب عن جابر، وابن عمر. انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٩٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينِ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ شَرِيِكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: (١) (الفتح)) ١١٥/١٧، كتاب ((أخبار الآحاد)) رقم (٧٢٦٢). (٢) ((جامع الترمذيّ)) ٦٣١/٥. ٥٣٧ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ ﴿ُه - حديث رقم (٦١٩٤) لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا. قَالَ: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ، فَقَالُوا: خَرَجَ، وَجَّهَ هَا هُنَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ، أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِثْرَ أَرِيسٍٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابٍ، وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَاجَتَهُ، وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِثْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِتْرِ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللهِ وَلقوله الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ، يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: ((ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرُهُ بِالْجَنَّةِ»، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ، حَتَّى قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ، ادْخُلْ، وَرَسُولُ اللهِ ﴿ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِتْرِ، كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ◌َِ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ، وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِقُلَانٍ - يُرِيدُ أَخَاهُ - خَيْراً يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرَّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ، يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: (أْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللهِ وَهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِثْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِقُلَانٍ خَيْراً - يَعْنِي: أَخَاهُ - بَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ، فَحَرََّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ: وَجِئْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((اقْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ))، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: ادْخُلْ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالْجَنَّةِ، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِىَ، فَجَلَسَ وُجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ شَرِيكُ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ). ٥٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينِ الْيَمَامِيُّ) بن نُميلة - بالنون، مصغراً - أبو الحسن اليماميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١]. روى عن بشر بن بكير، وعباد بن عمر اليمامي، وأبي مسهر، ويحيى بن حسان، وغيرهم. روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، ومحمد بن أبي عتاب الأعين، ومات قبله، وابن أبي عاصم، وأبو بكر بن أبي صدقة البغدادي، وغيرهم. قال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملى: سمعت البخاريّ يقول: ثنا محمد بن مسكين اليماميّ، ثقةٌ مأمونٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: كان ثقةً رحمه الله تعالى، وقال النسائيّ: كتبنا عنه بالبصرة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكر ابن منده أنه مات ببغداد سنة (٢٧٩)، وقال مسلمة: لا بأس به، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال الحاكم: روى عنه مسلم حديثاً واحداً - يعني: حديث الباب - وقد ذكره الدارقطنيّ، وأبو إسحاق الحبال في أفراد البخاريّ، وذكره النسائيّ في ((مشيخته)، وقال: لا بأس به. روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ - بكسر المثناة، والنون الثقيلة، وسكون التحتانية، ثم مهملة - أصله من البصرة، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) وله أربع وستون سنةً (خ م « ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٣. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. ٤ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدنيّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ، يخطىء [٥] مات في حدود أربعين ومائة (خ م د تم س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٢١/٨٠. والباقيان ◌ُكرا في الباب وقبله. ٥٣٩ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٩٤) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو موسى الأشعريّ ظُه تقدّم القول فيه في الحديث الماضي. شرح الحديث: (عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) هو ابن عبد الله، وأبو نَمِر جدّه. (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ) بكسر الياء المشدّدة على الصحيح، وقيل: بفتحها، قال السيوطيّ دَّثُ في ((ألفيّة الحديث)): كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى وقلت مذيِّلاً عليه: أَبِي سَعِيدٍ فَلَوَجْهَيْنِ حَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَثَبَتَا قُلْتُ وَكَسْرُهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَى بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ وَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ دُعَاءَهُ وَنِعْمَ ذَاكَ مَظْلَبَا فَابْعُدْ عَنِ الْفَتْحِ تَكُنْ مُجَانِبًا (أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس ◌َظُه، (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ) من بيته مريداً النبيّ ◌َّ (فَقَالَ: لَأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴾) وقوله: (وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا) بيان للزومه. (قَالَ) أبو موسى (فَجَاءَ الْمَسْجِدَ) فيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: فجئت المسجد، ويَحْتَمل أن يكون الفاعل ضمير سعيد؛ أي: قال سعيد راوياً عن أبي موسى، والأول أظهر؛ لأن ظاهر السياق يؤيّده، والله تعالى أعلم. (فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ، فَقَالُوا: خَرَجَ، وَجَّهَ هَا هُنَا) قال القرطبيّ دَخَذْتُ: الرواية المشهورة: ((وجَّه)) بفتح الجيم، مشدّدةً، على أنه فعل ماضٍ، وضَبَطه أبو بحر: ((وَجْه)) - بسكون الجيم - على أن يكون ظرفاً، والعامل فيه (خَرَجَ))؛ أي: خرج في هذه الجهة. انتهى(١). وقال النوويّ تَظْثُهُ: المشهور في الرواية: ((وَجّه)) بتشديد الجيم، وضَبَطه (١) ((المفهم)) ٦/ ٢٦٤. ٥٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة بعضهم بإسكانها، وحكى القاضي الوجهين، ونقل الأول عن الجمهور، ورجّح الثاني؛ لوجود ((خَرَج))؛ أي: قَصَدَ هذه الجهة. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): كذا للأكثر: بفتح الواو، وتشديد الجيم؛ أي: توجه، أو وَجّه نفسه، وفي رواية الكشميهنيّ بسكون الجيم، بلفظ الاسم مضافاً إلى الظرف؛ أي: جهةَ كذا. انتهى(٢). (قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ) بفتحتين، أو بكسر، فسكون؛ أي: بعده، (أَسْأَلُ عَنْهُ)؛ أي: عن المكان الذي يوجد فيه، (حَتَّى دَخَلَ بِثْرَ أَرِيسٍ) - بفتح الألف، وكسر الراء، بعدها تحتانية ساكنة، ثم سين مهملة -: بستان بالمدينة معروف، يجوز فيه الصرف، وعدمه، وهو بالقرب من قُباء، وفي بئرها سقط خاتم النبيّ ټلآر من أصبح عثمان هُته. (قَالَ) أبو موسى (فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، وَبَابُهَا)؛ أي: باب البئر (مِنْ جَرِيدٍ)؛ أي: من جريد النخل، قال الفيّوميّ كَّقُ: الجريد: سَعَفُ النخل، الواحدة جريدة، فَعِيلةٌ بمعنى: مفعولة، وإنما تُسمّى جريدةً إذا جُرّد عنها خوصُها. انتهى(٣). (حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللهِ نَِّ حَاجَتَهُ)؛ أي: من البول ونحوه، (وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ) وَّةِ، وقوله: (فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني جلوسه (عَلَى بِثْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا) - بضم القاف، وتشديد الفاء ــ هي الدكة التي تُجعل حول البئرَ، وأصله ما غَلُظ من الأرض، وارتفع، والجمع قِفَافٌ، ووقع في رواية عثمان بن غياث عن أبي عثمان السابقة: ((بينما رسول الله وَل في حائط من حائط المدينة، وهو متكئ، ينكُت بعود معه بين الماء ))(٤) والطين)) . وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: ((القفّ)) - بضم القاف - أصله: الغليظ من الأرض، قاله ابن دريد وغيره، وعلى هذا فالقف الذي يتمكن الجماعة أن يجلسوا عليه، ويُدْلُوا أرجلهم في البئر، هو جانبها المرتفع عن الأرض، وكل ما قيل فيه (١) ((شرح النوويّ)) ١٧١/١٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٩٦/١. (٢) ((الفتح)) ٣٦٥/٨. (٤) ((الفتح)) ٣٦٥/٨.