Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٨٦) ٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): قال ابن الجوزيّ: إنما طلب عمر الاستنان بإبراهيم علّ مع النهي عن النظر في كتاب التوراة؛ لأنه سمع قول الله تعالى في حق إبراهيم: ﴿إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾، فعَلم أن الائتمام بإبراهيم من هذه الشريعة، ولكون البيت مضافاً إليه، وأن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء؛ ليُذكَّر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسمَ من بناه. انتهى. وهي مناسبة لطيفة، ثم قال: ولم تزل آثار قَدَمَيْ إبراهيم حاضرة في المقام، معروفة عند أهل الحرم، حتى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة [من الطويل]: وَمْوِطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَظْبَةٌ عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِياً غَيْرَ نَاعِلٍ وفي ((موطأ ابن وهب)) عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: ((رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم، وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأیدیھم». وأخرج الطبريّ في ((تفسيره)) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في هذه الآية: إنما أمروا أن يصلّوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، قال: ولقد ذَكَر لنا من رأى أثر عقبه، وأصابعه فيها، فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق، وانمحى. وكان المقام من عهد إبراهيم لَزِق البيت إلى أن أخّره عمر ظُبه إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) بسند صحيح، عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضاً. وأخرج البيهقيّ عن عائشة ﴿ّا مثله بسند قويّ، ولفظه: ((أن المقام كان في زمن النبيّ وَّر، وفي زمن أبي بكر ملتصقاً بالبيت، ثم أخّره عمر)). وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبيّ 18َّ هو الذي حوّله، والأول أصحّ. وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة، قال: كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله وَّطاهر، فحوّله عمر، فجاء سيل فذهب به، فردّه عمر إليه، قال سفيان: لا أدري أكان لاصقاً بالبيت، أم لا؟ انتهى. ٥٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ولم يُنكر الصحابة فِعل عمر، ولا من جاء بعدهم، فصار إجماعاً، وكان عمر رأى أن إبقاءه يَلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلّين، فوَضَعه في مكان يرتفع به الحَرَج، وتهيأ له ذلك؛ لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٧] (٢٤٠٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبِيِّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ نَّ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّمَا خَيَّرَنِيَ اللهُ، فَقَالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَّمْ سَبْعِنَ مَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ))، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَّ أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى [التوبة: ٨٤]). (فتاء قَبْرِهِةٍ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١. والباقون ذُكروا في الباب، و((عبيد الله)) هو: ابن عمر الْعُمَريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّقُهُ، وهو مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقيان كوفيّان، ومسلسلٌ أيضاً بالتحديث إلا في موضعين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. (١) ((الفتح)) ٩/ ٦٥٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٤٨٣). ٥٠٣ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ رَظُه - حديث رقم (٦١٨٧) شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َا أنه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ) بمنع الصرف؛ لأنه عَلَم امرأة، والصواب كتابة ((ابن)) فيه بهمزة الوصل؛ ويُعرب بإعراب (ابنُ أُبيّ))؛ لأنه صفة ثانية لعبد الله، فأُبيّ أبوه، وسَلُولُ أمه، فهو ابن سَلُولَ، كما أنه ابن أُبيّ، فتنبه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الواقديّ، ثم الحاكم في ((الإكليل)) أنه مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يوماً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوال، قالوا: وكان قد تخلّف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الآية [التوبة: ٤٧]، وهذا يدفع قول ابن التين: إن هذه القصة كانت في أول الإسلام قبل تقرير الأحكام، ذَكَره في ((الفتح)) (١) . (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّهِ)، وقع في رواية الطبريّ من طريق الشعبيّ: ((لمّا احتُضِر عبد الله جاء ابنه عبد الله إلى النبيّ وَّر، فقال: يا نبي الله إن أبي قد احتُضِر، فأُحِبّ أن تشهده، وتصلّي عليه، قال: ما اسمك؟ قال: الحباب - يعني: بضم المهملة، وموحدتين، مخففاً - قال: بل أنت عبد الله، الحباب اسم الشيطان. وكان عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ هذا من فضلاء الصحابة، وشَهِد بدراً وما بعدها، واستُشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق، ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبيّ وَلّر يستأذنه في قَتْله، قال: ((بل أحْسِن صُحْبته))، أخرجه ابن منده من حديث أبي هريرة، بإسناد حسن، وفي الطبرانيّ من طريق عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ أنه استأذن، نحوه، وهذا منقطع؛ لأن عروة لم يدركه، وكأنه كان يَحْمِل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبيّ وَلّ أن يحضر عنده، ويصلي عليه، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، والطبريّ من طريق سعيد، كلاهما عن قتادة، قال: ((أرسل عبد الله بن أَبَيّ إلى النبيّ وَّ، فلما دخل عليه (١) ((الفتح)) ١٩٠/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٧٠). ٥٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال: أهلكك حب يهود، فقال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه، يكفن فيه، فأجابه))، وهذا مرسلٌ، مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبرانيّ من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ((لما مَرِض عبد الله بن أَبَيّ جاءه النبيّ وَّل، فكلمه، فقال: قد فَهِمت ما تقول، فامنن عليّ، فكفّنّي في قميصك، وصلّ عليّ، ففعل))، وكأن عبد الله بن أُبَيّ أراد بذلك دفع العار عن ولده، وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبيّ وَّر عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحَسَب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك، وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة، قاله في ((الفتح))(١). (فَسَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد الله بن عبد الله بن أبيّ النبيّ ◌َّوْ (أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ)؛ أي: في ذلك القميص، (أَبَاهُ) عبد الله بن أُبيّ، (فَأَعْطَاهُ) ◌َِّ القميص (ثُمَّ سَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد الله النبيّ وَِّ (أَنْ يُصَلَّيَّ عَلَيْهِ)؛ أي: على أبيه، (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَ لَه لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) في حديث ابن عبّاس عن عمر: ((فلما قام رسول الله بَّ ر ... ))، وفي حديث الترمذيّ: ((فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه، وَثَبْتُ إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلّي على ابن أُبَيّ؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، أُعَدِّد عليه قوله))، يشير بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ الآية [المنافقون: ٧]، وإلى مثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية [المنافقون: ٨]. (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطّاب (فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاَكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟) قال في ((الفتح)): كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استُشكل جدّاً حتى أقدم بعضهم، فقال: هذا وَهَمٌّ من بعض رواته، وعاكسه غيره، فزعم أن عمر اطَّلَع على نهيٍ خاصّ في ذلك، وقال القرطبيّ: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم ذلك من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، قال الحافظ: الثاني - يعني: ما قاله (١) ((الفتح)) ١٩٠/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٧٠). ٥٠٥ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ظُه - حديث رقم (٦١٨٧) القرطبيّ - أقرب من الأول؛ لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: ((قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَ أَحَدٍ والذي يظهر أن في رواية الباب تجوّزاً بيَّنته الرواية الأخرى عن عبد الله بن عمر، بلفظ: ((فقال: تصلي عليه، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم)). ورَوَى عبد بن حميد، والطبريّ من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ((أراد رسول الله وَ﴿ أن يصلي على عبد الله بن أُبَيّ، فأخذت بثوبه، فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَيْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾)). ووقع عند ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((فقال عمر: أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: قال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية))، وهذا مثل رواية الباب، فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن ((أو)) ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور؛ أي: إن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾، لكن الثانية أصرح، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة. وفَهِم عمر أيضاً من قوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المعيّن لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كَثُر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فَأَظْلَقه. وفَهِم أيضاً أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت، والشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار تَرْك الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أُبَيّ. هذا تقرير ما صدر عن عمر، مع ما عُرِف من شدّة صلابته في الدين، وكثرة بُغضه للكفار والمنافقين، وهو القائل في حقّ حاطب بن أبي بلتعة، مع ما كان له من الفضل، كشهوده بدراً، وغير ذلك؛ لكونه كاتَبَ قريشاً قبل الفتح: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقد نافق، فلذلك أقدم على كلامه ٥٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة للنبيّ وَّه بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره؛ لِمَا غلب عليه من الصلابة المذكورة. قال الزين ابن المنير: وإنما قال ذلك عمر حرصاً على النبيّ وَل، ومشورةً، لا إلزاماً، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبيّ ◌َّ كان أَذِن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النصّ، كما تمسَّك به قوم في جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احْتَمَل منه النبيّ ◌َّ﴿ أَخْذَه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفتَ إليه متبسماً، كما في حديث ابن عباس بذلك. انتهى(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا خَيَّرَنِيَ اللهُ، فَقَالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةٌ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ))) في حديث ابن عباس عن عمر من الزيادة: ((فتبسَّم رسول الله وَّه، وقال: أَخِّر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خُيِّرت، فاخترت))؛ أي: خُيِّرت بين الاستغفار وعدمه، وقد بيَّن ذلك حديث ابن عمر حيث ذكر الآية المذكورة، وقوله في حديث ابن عباس، عن عمر: ((لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لَزِدْتُ عليها))، وحديث ابن عمر جازم بقصة الزيادة، وآكد منه ما روى عبد بن حميد من طريق قتادة، قال: لمّا نزلت: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾ قال النبيّ وَّ: ((قد خيَّرني ربي، فوالله لأزيدنّ على السبعين))، وأخرجه الطبريّ من طريق مجاهد مثله، والطبريّ أيضاً، وابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه مثله، وهذه طُرُقٌ، وإن كانت مراسيل، فإن بعضها يعضد بعضاً، وقد خَفِيت هذه اللفظة على من خَرَّج أحاديث ((المختصر))، و((البيضاويّ))، واقتصروا على ما وقع في هذا الباب. ودلّ ذلك على أنه وَّر أطال في حال الصلاة عليه من الاستغفار له. وقد ورد ما يدلّ على ذلك، فذكر الواقديّ أن مُجَمِّع بن جارية قال: ((ما رأيت رسول الله وَل أطال على جنازة قطّ ما أطال على جنازة عبد الله بن أُبَيّ من الوقوف)). (١) ((الفتح)) ١٩١/١٠ - ١٩٢، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٧٠). ٥٠٧ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٨٧) ورَوَى الطبريّ من طريق مغيرة، عن الشعبيّ قال: قال النبيّ ((قال الله: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفر لهم سبعین، وسبعین، وسبعین))(١). (قَالَ) عمر ◌َظُهُ (إِنَّهُ)؛ أي: عبد الله بن أُبيّ، (مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلَِّ) أما جَزْم عمر ◌َُّه بأنه منافق، فجرى على ما كان يَطَّلع عليه من أحواله، وإنما لم يأخذ النبيّ وَّه بقوله، وصلى عليه؛ إجراءً له على ظاهر حُكْم الإسلام، كما تقدم تقريره، واستصحاباً لظاهر الحكم، ولِمَا فيه من إكرام وَلَدِه الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودَفْع المفسدة، وكان النبيّ ◌َ ليّ في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو، ويصفح، ثم أُمر بقتال المشركين، فاستمرّ صفحه، وعفوه عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك؛ لمصلحة الاستئلاف، وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: ((لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه))، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقلّ أهل الكفر، وذَلَّوا أُمر بمجاهرة المنافقين، وحَمْلهم على حُكْم مُرّ الحقّ، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك، مما أُمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى، قاله في ((الفتح)) (٢). (وَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ إِنَهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَانُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ ﴾ [التوبة: ٨٤]) زاد يحيى القطان، عن ٨٤ عبيد الله بن عمر التالي في آخره: ((فترك الصلاة عليهم))، وأخرجه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسدّد، وحماد بن زاذان، عن يحيى، وقد أخرجه البخاريّ في ((الجنائز)) عن مسدد بدون هذه الزيادة، وفي حديث ابن عباس: ((فصلى عليه، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت))، زاد ابن إسحاق في ((المغازي)): قال: حدّثني الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن عمر قال: ((فما صلى رسول الله وَل﴿ على منافق بعده، حتى قبضه الله)). (١) ((الفتح)) ١٩١/١٠ - ١٩٢، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٧٠). (٢) ((الفتح)) ١٩٢/١٠ - ١٩٣، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٧٠). ٥٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ومِن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرجه الطبريّ من وجه آخر، عن ابن إسحاق، فزاد فيه: ((ولا قام على قبره). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: «لما نزلت: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال النبيّ ◌َّ: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾))، ورجاله ثقات، مع إرساله، ويَحْتَمِل أن تكون الآيتان معاً نزلتا في ذلك، قاله في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٨٧/٢ و٦١٨٨] (٢٤٠٠)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٦٩) و(التفسير)) (٤٦٧٠ و٤٦٧١ و٤٦٧٢) و((اللباس)) (٥٧٩٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٩٨)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٣٦/٤)، وفي ((الكبرى)) (٦٢١/١ و٣٧٥/٦)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (٤٨٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦/١ و١٨/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٧٥ و٣١٧٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧٠٥١)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٧٠٥٠ و١٧٠٥٥)، و(البزّار) في («مسنده)) (٢٩٨/١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٠٢/٣ و١٩٩/٨) و((دلائل النبوّة)) (٢٨٧/٥)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٣١٦/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل عمر بن الخطّاب وظُه، وصلابته في الدِّين، وشدّة بغضه للمنافقين. [تنبيه]: قد جمع أبو نعيم الحافظ صاحب ((حلية الأولياء)) في جزء له (١) ((الفتح)) ١٩٤/١٠ - ١٩٥. ٥٠٩ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ظُه - حديث رقم (٦١٨٧) جَمَع فيه طُرُق هذا الحديث، وتكلم على معانيه، فلخّصه الحافظ في ((الفتح)). ٢ - (ومنها): قال: فمن ذلك أنه قال: وقع في رواية أبي أسامة وغيره عن عبيد الله العمريّ في قول عمر: ((أتصلي عليه، وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين؟)) ولم يبيّن محلّ النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضمرة، عن العُمَريّ، وهو أن مراده بالصلاة عليهم الاستغفار لهم، ولفظه: ((وقد نهاك الله أن تستغفر لهم». ٣ - (ومنها): أن في قول ابن عمر: ((فصلى رسول الله وَله، وصلّينا معه))، أن عمر تَرَك رأي نفسه، وتابع النبيّ بَّه، ونبَّه على أن ابن عمر حَمَل هذه القصّة عن النبيّ وَّله بغير واسطة، بخلاف ابن عباس، فإنه إنما حملها عن عمر؛ إذ لم يشهدها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله أبو نعيم تَخْلُهُ من كون الحديث من مسند ابن عمر، هو الظاهر؛ للرواية المذكورة، لكن خالف ذلك أصحاب الأطراف؛ كالحافظ المزّيّ ◌َّتُهُ، فجعلوه من مسند عمر رَضُه، وتابَعْتُهم: إذ هو ظاهر أكثر الروايات، وما في الرواية المذكورة يَحْتَمِل التأويل بأن المراد: فصلّى من حضر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ الشهادة على المرء بما كان عليه حيّاً وميتاً؛ لقول عمر ربه: إن عبد الله منافق، ولم يُنكر النبيّ وَ﴿ قوله، ويؤخذ أن المنهيّ عنه من سبّ الأموات ما قُصِد به الشتم، لا التعريف. ٥ - (ومنها): أن المنافق تُجرَى عليه أحكام الإسلام الظاهرة. ٦ - (ومنها): أن الإعلام بوفاة الميت مجرداً، لا يدخل في النعي المنهيّ عنه . ٧ - (ومنها): جواز سؤال الموسر من المال مَن ترجى بركته شيئاً من ماله؛ لضرورة دينية(١). (١) لكن هذا مما لم تَجْر به عادة السلف مع غير النبيّ وَّر، فلم يفعلوه مع أبي بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة ﴿ه، فمن أتانا عنهم بشيء مما صحّ في ذلك، فعلى الرأس والعين، فالحقّ أن هذا التبرّك خاصّ به وَّر، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. ٥١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٨ - (ومنها): رعاية الحيّ المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. ٩ - (ومنها): جواز التكفين بالمخيط. ١٠ - (ومنها): جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة، والعمل بالظاهر، إذا كان النص محتملاً. ١١ - (ومنها): جواز تنبيه المفضول الفاضل على ما يظن أنه سها عنه، وتنبيه الفاضل المفضول على ما يُشكل عليه. ١٢ - (ومنها): جواز استفسار السائل المسؤول، وعكسه عما يَحتَمِل ما دار بينهما . ١٣ - (ومنها): جواز التبسم في حضور الجنازة عند وجود ما يقتضيه(١)، وقد استحب أهل العلم عدم التبسم من أجل تمام الخشوع، فيستثنى منه ما تدعو إليه الحاجة، وبالله التوفيق. إلى هنا انتهى ما ذكره أبو نعيم منقولاً من ((الفتح)(٢) . ١٤ - (ومنها): أنه قد تمسك بهذه القصة مَن جعل مفهوم العدد حجةً، وكذا مفهوم الصفة من بابٍ أولى، ووجه الدلالة أنه وَ ل﴿ فَهِم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، فقال: ((سأزيد على السبعين))، وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقية القصّة، قال الحافظ: وليس ذلك بدافع للحجة؛ لأنه لو لم يَقُم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة، لكان الاستدلال بالمفهوم باقياً. انتهى. ١٥ - (ومنها): ما قال الخطابيّ: إنما فعل النبيّ ◌َّ مع عبد الله بن أُبَيّ ما فَعَل؛ لكمال شفقته على من تعلَّق بطَرَف من الدِّين، ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألَّف قومه من الخزرج؛ لرياسته فيهم، فلو لم يُجب سؤال ابنه، وتَرَك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سُبّةً على ابنه، وعاراً على قومه، فاستَعْمَل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نُهِيَ، فانتهى. (١) هذا الاستنباط فيه نظر؛ لأن ظاهر الروايات تدلّ على أنه وقع قبل حضوره وَّل إلى الجنازة، فتأمل. (٢) ((الفتح)) ١٩٩/١٠ - ٢٠٠. ٥١١ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُه - حديث رقم (٦١٨٧) وتبعه ابن بطال وعبّر بقوله: ورجا أن يكون معتقداً لبعض ما كان يُظهره من الإسلام. وتعقبه ابن المنَيِّر بأن الإيمان لا يتبعض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال أن إيمانه كان ضعيفاً. قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن الإيمان لا يتبعّض: من مذاهب المتكلّمين الأشاعرة؛ لأن الإيمان عندهم لا يزيد، ولا ينقص، وهذا مذهب باطلٌ، مخالف لظواهر الكتاب والسُّنّة، ومذهب السلف، قال البخاريّ تَخُّْ في ((صحيحه): ((باب قول النبيّ يَّهُ: بُني الإسلام على خمس، وهو قولٌ، وفعلٌ، ويزيد، وينقص))، ثم أورد الأدلة على ذلك من الكتاب والسُّنَّة، وهذا الحقّ، والغريب موافقة الحافظ له سامحه الله بقوله: ((وهو كما قال))، فتنبّه، فإن هذا من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال الحافظ تَخّتُهُ: وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي لكون النبيّ ◌َّهِ صلى عليه، وذَهِلَ عن الوارد من الآيات، والأحاديث المصرحة في حقّه بما ينافي ذلك، ولم يقف على جوابٍ شافٍ في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على تَرْك ذِكره في كُتُب الصحابة، مع شهرته، وذِكر من هو دونه في الشرف، والشهرة بأضعاف مضاعفة. وقد أخرج الطبريّ من طريق سعيد، عن قتادة في هذه القصّة قال: ((فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَ تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَى قَبْرِيِةْ﴾. قال: فذُكِر لنا أن نبيّ الله وَّر قال: وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يُسلم بذلك ألف من قومه)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)): ظاهر الآية - يعني: ﴿وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَ نَقُمْ عَلَى قَبْرِّةٍ﴾ - أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدلّ على أنها نزلت في عدد معيَّن منهم، قال الواقديّ: أنبأنا معمر، عن الزهريّ قال: قال حذيفة: قال لي رسول الله وَّر: ((إني مسرّ إليك سرّاً، فلا (١) ((الفتح)) ١٠/ ١٩٤. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة تذكره لأحد، إني نُهيت أن أصلي على فلان وفلان، رهط ذوي عدد من المنافقين))، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشی معه، وإلا لم يصلّ عليه. ومن طريق أخرى عن جبير بن مطعم: أنهم أثنا عشر رجلاً. ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر، بخلاف من سواهم، فإنهم تابوا. انتهى. (المسألة الخامسة): استُشكِلَ فهمُ التخيير من قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠] حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث، مع كثرة طُرُقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث، وقّة الاطلاع على طُرُقه. قال ابن المنّر: مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام، حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبل هذا، ولا يصحّ أن الرسول وَّ قاله. انتهى. ولفظ القاضي أبي بكر الباقلّانيّ في ((التقريب)): هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يُعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في ((مختصره): هذا الحديث غير مخرّج في الصحيح، وقال في ((البرهان)): لا يصححه أهل الحديث. وقال الغزالي في ((المستصفى)): الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح. وقال الداوديّ الشارح: هذا الحديث غير محفوظ. والسبب في إنكارهم صحته ما تقرّر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر رَُّه، من حَمْل ((أو)) على التسوية لِمَا يقتضيه سياق القصّة، وحَمْل السبعين على المبالغة. قال ابن المنيّر: ليس عند أهل البيان تركُّد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد. انتهى. وأيضاً فشَرْط القول بمفهوم الصفة، وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: ((سأزيد على السبعين)) مع أن حُكم ما زاد عليها حُكمها . وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: ((سأزيد على السبعين)) استمالةً لقلوب عَشيرته، لا أنه إن زاد على السبعين يُغفر له، ويؤيّده ٥١٣ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ عُه - حديث رقم (٦١٨٧) تردده في قوله: ((لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت))، لكن ثبتت الرواية بقوله: ((سأزيد)) ووعْدُهُ صادق، ولا سيما، وقد ثبت قوله: ((لأزيدنّ)) بصيغة المبالغة في التأكيد. وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فَعَلَ ذلك استصحاباً للحال؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتاً قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقياً على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن. وحاصله: أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه. وقيل: إن الاستغفار يتنزّل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربّه حاجة، فسؤاله إياه يتنزّل منزلة الذِّكر، لكنه من حيث طلبُ تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلّق العلم بعدم نَفْعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها، بل لتعظيم المدعوّ، فإذا تعذّرت المغفرة عُوّض الداعي عنها بما يليق به، من الثواب، أو دَفْع السوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعوّ لهم تخفيف، كما في قصّة أبي طالب. هذا معنى ما قاله ابن المنيّر. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعاً، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. ووقع في أصل القصّة إشكال آخر، وذلك أنه ** أطلق أنه خُيّر بين الاستغفار لهم، وعدمه بقوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: ((سأزيد عليها)) مع أنه سبق قبل ذلك بمدّة طويلة نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، فإن هذه الآية نزلت في قصّة أبي طالب، حين قال وَّ: ((لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك))، فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقصة عبد الله بن أُبيّ ٥١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة هذه في السنة التاسعة من الهجرة، كما تقدّم، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟. قال الحافظ: وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا، حاصله: أن المنهي عنه استغفارٌ تُرجَى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصّة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أَبيّ، فإنه استغفار لِقَصْد تطييب قلوب من بقي منهم. قال الحافظ: وهذا الجواب ليس بمَرْضيّ عندي، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال: [فإن قلت]: كيف خفي على أفصح الخلق، وأَخبَرِهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار، ولو كثر لا يُجدي، ولا سيما وقد تلا قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، فبيَّن الصارف عن المغفرة لهم؟ . [قلت]: لم يَخفَ عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهاراً لغاية رحمته، ورأفته على من بُعث إليهم، وهو كقول إبراهيم علّ *: ﴿وَمَنْ عَصَانِىِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبيّ ◌َّ الرأفة المذكورة نُظْف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضاً. انتهى. وقد تعقّبه ابن المنيّر وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول وَل#؛ لأن الله أخبر أنه لا يَغفر للكفار، وإذا كان الله لا يغفر لهم، فَطَلَبُ المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبيّ وَّل . ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركاً لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهراً للإسلام؛ لاحتمال أن يكون معتقَده صحيحاً. وهذا جواب جيّد. وقد رجّح الحافظ في تفسير ((سورة القصص)) أن نزول الآية كان متراخياً عن قصة أبي طالب جدّاً، وأن الذي نزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. قال: إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله ما يدلّ على أن نزول ذلك وقع متراخياً عن القصّة، ولعلّ الذي نزل أوّلاً، ٥١٥ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ رُبه - حديث رقم (٦١٨٨) وتمسّك به النبيّ ◌َّ قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠] إلى هنا خاصّة، ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذِكر السبعين، فلما وقعت القصّة المذكورة كشف الله عنهم الغطاء، وفَضَحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا بالله، ورسوله. قال: وإذا تأمل المنصف وجد الحامل لمن ردّ الحديث، أو تعسّف في التأويل ظَنُّهُ بأن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٠] نزل مع قوله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾؛ أي: نزلت الآية كاملة؛ لأنه لو فُرض نزولها كاملة لاقترن بالنهي العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار، وكثيره لا يُجدي، وإلا فإذا فُرض ما حرّرته أن هذا القدر نزل متراخياً عن صدر الآية ارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك، فحجة المتمسّك من القصّة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع من النبيّ ◌َ ر متمسكاً بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه، فللَّه الحمد على ما ألهم، وعلّم. انتهى كلام الحافظ تَّتُ ملخصاً . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حرّره الحافظ حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالًا: حَدَّثَنَا بَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّنُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي مَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ: قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى القَطّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، ثم معجمة - التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ، متقنٌ، حافظٌ، إمامٌ، قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٥. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. ٥١٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقوله: (وَزَادَ: قَالَ ... إلخ) فاعل ((زاد)) ضمير يحيى القطّان. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان عن عبيد الله هذه ساقها الترمذيّ لَُّ في ((جامعه))، فقال: (٣٠٩٨) - حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: جاء عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ إلى النبيّ ◌ِله حين مات أبوه، فقال: أعطني قميصك أكفّنه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفِر له، فأعطاه قميصه، وقال: ((إذا فرغتم، فآذنوني))، فلما أراد أن يصلي جذبه عمر، وقال: أليس قد نَهَى الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: ((أنا بين خِيْرتين: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾))، فصلى عليه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَ نَقُمْ عَلَى قَبْرِوَّةٍ﴾، فتَرَك الصلاة عليهم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . رض﴿ته) (٣) - (بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ هو: عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ الأمويّ، أمير المؤمنين، أبو عبد الله، وأبو عمر، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله وَ﴿ه، يجتمع مع النبيّ ◌َّ في عبد مناف، وعَدَد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبيّ وَّر من حيث العدد في درجة عفّان، كما وقع لعمر سواءً، وُلد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان رَبْعَةً، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين. أسلم قديماً، قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلّفاً لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به، فأسلم على يده فيما بلغني الزبير، وطلحة، وعثمان. (١) ((جامع الترمذيّ)) ٢٧٩/٥. ٥١٧ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ وزَوَّج النبيُّ ◌َّ ابنته رقية من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوّجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين. وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله صل* بشّره بالجنة، وعدّه من أهل الجنة، وشَهِد له بالشهادة. وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لمّا أنْ حصروه انتشد الصحابة في أشياء، منها تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبيّ وَلقر عنه تحت الشجرة لمّا أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة، وغير ذلك. وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رقية، وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبيّ وَّل بسهمه، وأجْره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن النبيّ وَّرِ كان بَعَثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: ((هذه عن عثمان))، وقال ابن مسعود لمّا بويع: بايَعْنا خَيْرِنا، ولم نَأْلُ، وقال عليّ: كان عثمان أوْصَلَنا للرحم، وكذا قالت عائشة لمّا بلغها قتله: قتلوه، وإنه لَأَوصَلُهم للرحم، وأتقاهم للرب. وكان سبب قَتْله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَن حجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان ليّن العريكة، كثير الإحسان والحِلْم، وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيرضيهم، ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فعزله، وكتب له كتاباً بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكباً على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهوا به، فحلف أنه ما كتب، ولا أَذِن، فقالوا: سلِّمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه، فغضبوا، وحصروه في داره، واجتمع جماعة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعَظُم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان. ٥١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وروى البخاريّ في قصة قَتْل عمر أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن يختاروا رجلاً، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف، فاختار عثمان، فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّةَ المحرّم سنة أربع وعشرين. وقال ابن إسحاق: قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن الطباع، عن أبي معشر. وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب، كان عثمان اشتراه، فوسَّع به البقيع، وقُتل، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور، وقيل: دون ذلك، وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين. انتهى ملخّصاً من ((الإصابة))(١) . وقال القرطبيّ كَُّ: هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، يُكنى أبا عمرو، وأبا عبد الله، وأبا ليلى بأولادٍ وُلِدوا له، وأشهر كُنَاه: أبو عمرو، ولُقِّب بذي النُّورين؛ لأنَّ النبيّ وَل زوَّجه ابنتيه: رُقَيّة، وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، وقال ◌َّ: (لو كانت عندي أخرى لزوَّجتها له))، أسلم قديماً قبل دخول النبيّ وَّر دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة، ولمّا خرج رسول الله وَ له إلى بدر خلّفه على ابنته رُقية يمرّضها، وضرب له رسول الله وَله بسهمه، وأجْره، فكان كمن شهدها، وقيل: كان هو في نفسه مريضاً بالْجُدَريّ، وبايع عنه رسول الله وَّ بيده في يده في بيعة الرضوان، وقال: ((هذه لعثمان))، وكان النبيّ وَّ قد وجّهه إلى أهل مكة؛ ليكلمهم في أن يُخلُّوا بين النبيّ وَّ ه وبين العمرة، فأُرجف بأن قريشاً قتلته، فبايع النبيّ ◌َّر أصحابه بسبب ذلك. انتهى(٢). (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٥٩/٤، بزيادة يسيرة من ((الفتح)) ٣٩٣/٨. (٢) ((المفهم)) ٢٦٢/٦ - ٢٦٣. ٥١٩ (٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ . وقال القرطبيّ أيضاً: وتفصيل كيفية قَتْله، وما جرى لهم(١) معه مذكور في التواريخ، وجملة الأمر أن قوماً من أهل مصرٍ وغيرهم غلب عليهم الجهل، والهوى، والتعصب، فنَقَموا عليه أموراً، أكثرها كَذِب، وسائرها له فيها أوجهٌ من المعاذير، وليس فيها شيء يوجب خَلْعه، ولا قَتْله، فتحزَّبوا، واجتمعوا بالمدينة، وحاصروه في داره، فقيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون يوماً، وهو في كل ذلك يعظهم، ويذكّرهم بحقوقه، ويتنصل مما نسبوه إليه، ويعتذر منه، ويصرح بالتوبة، ويحتج عليهم بحجج صحيحة، لا مَخْلَص لهم عنها، ولا جواب عليها، لكن أعْمَتْهم الأهواء ليغلب القضاء، فدخلوا عليه، وقتلوه مظلوماً، كما شَهِد له النبيّ وَّهَ، وجماعة أهل السُّنَّة، وأُلقي على مزبلة، فأقام فيها ثلاثة أيام، لم يقدر أحدٌ على دفنه، حتى جاء جماعة بالليل خفية، وحملوه على لوح، وصلّوا عليه، ودُفن في موضع من البقيع، يسمى: ((حش كوكب))، وكان مما حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا مرّ فيه يقول: يُدفن فيك رجل صالح، فكان هو المدفون فيه، وعُمِّي قبره؛ لئلا يُعرف، وقد نَسَب أهلُ الشام قَتْله إلى علي ظُهُ، وهي نسبة كذب، وباطل، فقد صحَّ عنه أنه كان في المسجد، وقت دُخِل عليه في الدار، ولمّا بلغه ذلك قال لِقَتَلته: تباً لكم آخر الدهر، ثم إنه قد تبرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال: من تبرأ من دِين عثمان، فقد تبرأ من الإيمان، والله ما أعَنْت على قتله، ولا أمرت، ولا رضيت، لكنه لم يقدر على المدافعة بنفسه، وقد كان عثمان منعهم من ذلك. وكان مقتل عثمان في أوسط أيام التشريق، على ما قاله أبو عثمان النَّهْديّ، قال ابن إسحاق: على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، واثنين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطاب ه، وعلى رأس خمس وعشرين سنة من مُتوفَّى رسول الله وَّه، وقال الواقدي: قُتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة؛ يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة، قال ابن إسحاق: وبويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بثلاثة أيام، فكانت خلافته إحدى عشرة سنة، إلا (١) أي: للخوارج الذين خرجوا عليه. ٥٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أياماً اختُلِف فيها حَسَب ما بيَّناه، وقد كان انتهى من الفضل، والعلم، والعبادة إلى الغاية القصوى، كان يصوم الدهر، ويقوم الليل يقرأ القرآن كله في ركعة الوتر. وروى الترمذي، عن ابن عمر ضًا قال: كنا نقول ورسول الله وَلقر حيّ: أبو بكر، وعمر، وعثمان. وقال فيه: حديثٌ صحيحٌ حسن. وقد شَهِد له رسول الله بَّه بأنه شهيد، ومن أهل الجنة، وقَتَلَته مخطئون قطعاً، وقد قَدِموا على ما قَدِمُوا عليه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٩] (٢٤٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مُضْطَجِعاً فِي بَيْتِي كَاشِفاً عَنْ فَخِذَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَّلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَسَوَّى ثِيَابَهُ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ: ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ - فَدَخَلَ، فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَّهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ، فَجَلَسْتَ، وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ؟ فَقَالَ: ((أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلِ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر بن إياس السعديّ، أبو الحسن المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (١) ((المفهم)) ٢٦٦/٦ - ٢٦٧.