Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٨٢) الطريق بين جبلين، والظاهر بقاء هذا اللفظ على ظاهره، ويكون معناه: أن الشيطان يهابه، ويجانبه؛ لِمَا يَعْلم من هيبته، وقوَّته في الحقّ، فيفرُّ منه إذا لقيه، ويكون هذا مثل قوله ﴿ ﴿ في الحديث الآخر: ((إن الشيطان لَيَفْرَق منك يا عمر))(١)؛ ويعني بالشيطان: جنس الشياطين، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مثلاً لبُعده عنه، وأنه لا سبيل له عليه، والأوَّل أولى. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: بل الثاني هو الأَولى؛ لظاهر النصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ دخّلُهُ ما خلاصته: فيه فضيلة عظيمة لعمر تظ له؛ لأن هذا الكلام يقتضي أن لا سبيل للشيطان عليه، إلا أن ذلك لا يقتضي وجوب العصمة؛ إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان من أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحَسَب ما تصل إليه قدرته. انتهى(٣). وتعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا، فقال: هذا موضع تأمل؛ لأن عدم سلوكه الطريق الذي يسلك فيه عمر ظُه إنما كان لأجل خوفه، لا لأجل معنى آخر، والدليل عليه ما رواه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث حفصة ◌ُؤَّا بلفظ: ((إن الشيطان لا يَلْقَى عمر منذ أسلم إلا خَرّ لوجهه)»، فالذي يكون حاله مع عمر هكذا كيف لا يُمنع من الوصول إليه لأجل الوسوسة؟ وتمكنُ الشيطان من وسوسة بني آدم ما هو إلا بأنه يجري في عروق بني آدم مثل ما يجري الدم، فالذي يهرُب منه، ويخرّ على وجهه إذا رآه كيف يجد طريقاً إليه؟ وما ذاك إلا خاصّة له، وَضَعها الله فيه؛ فضلاً منه، وكَرَماً، وبهذا لا نَدَّعي العصمة؛ لأنها من خواص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام. انتهى كلام العينيّ ◌َّهُ(٤). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العينيّ ◌َُّ وجيهٌ، خلاصته أن الله رجمات خصّ عمر رَُّه بفراره منه، فلا يتمكّن من وسوسته، إلا أن ذلك لا يستلزم (١) حديث صحيح، رواه أحمد في («مسنده) ٣٥٣/٥. (٢) ((المفهم» ٢٥٩/٦. (٤) ((عمدة القاري)) ١٦/ ١٩٦. (٣) راجع: ((الفتح)» ٣٨٢/٨. ٤٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة العصمة، بل هو محفوظ برعاية الله تعالى، فالعصمة في حقّه فضيلة، وفي حقّ الأنبياء واجبة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٨٢/٢] (٢٣٩٦)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٩٤) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٨٣) و((الأدب)) (٦٠٨٥)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٠٧) و((فضائل الصحابة)) (٢٨)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٧١/١ و١٨٢ و١٨٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٩٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٣٢/٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عمر نظابه، حيث إنه كان شديداً في الحقّ. ٢ - (ومنها): بيان فضله أيضاً بفرار الشيطان منه، وعدم سلوكه طريقاً سلكه، وهذه خصوصيّة لم يُعطَها غيره ممن هو من أمثاله، ﴿وَاللَّهُ يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. ٣ - (ومنها): بيان فضل لِيْن الجانب، والحِلم، والرفق ما لم يفوّت مقصوداً شرعيّاً، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَقَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَمْرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ نقلاً عن التوربشتيّ: فيه تنبيه على صلابة عمر رَُّه في الدِّين، واستمرار حاله على الجِدّ الصِّرْف، والحقّ المحض، حتى كان بين يدي رسول الله وَلهم؛ كالسيف الصارم، والْحُسام القاطع، إن أمضاه مضى، وإن كفّه كَفّ، فلم يكن له على الشيطان سلطان إلا من قِبَل رسول الله ◌َ، فكان كالوازع بين يدي الملِك، فلهذا كان الشيطان ينحرف عن ٤٨٣ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ عَظُه - حديث رقم (٦١٨٣) الفجّ الذي سلكه، ولمّا كان النبيّ وََّ رحمةً مهداةً إلى العالمين، مأموراً بالعفو عن المذنبين، معنيّاً بالصفح عن الجاهلين، لم يكن ليواجههم فيما لا يحمده من فعل مكروه، أو سوء أدب بالفظاظة والغلظة، والزجر البليغ؛ إذ لا يُتصوّر الصفح والعفو مع تلك الخلال، فلهذا تسامَحَ هو فيها، واستحسن استشعارهنّ الهيبة من عمر ظه. انتهى ما قاله الطيبيّ كَّفهُ(١)، وهو تحقيق مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٣] (٢٣٩٧) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ، قَدْ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو علي الخزاز الضرير، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) وله أربع وسبعون سنةً (خ مد) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدّراوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنِيّ مولاهم، المدنيّ، صدوقٌ كان يحدِّث من كُتُب غيره فيخطىء، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العمري منكَر [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٥. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ، تغيّر حِفظه بأَخَرَةٍ، روى له البخاريّ مقروناً وتعليقاً [٦] مات في خلافة المنصور (١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. ٤ - (أَبُوهُ) ذكوان، أبو صالح السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يجلُب الزيت إلى الكوفة [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. و(أبو هريرة)) ذُكر في الباب. (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٥٦/١٢. ٤٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقوله: (حَدَّثَنَا بِهِ)؛ أي: بهذا الحديث الآتي. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير سُهيل، ويَحْتَمل غيره. [تنبيه]: حديث أبي هريرة به هذا الذي أحاله المصنّف على ما قبله لم أجد من أخرجه غير المصنّف، فلْيُنْظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٤] (٢٣٩٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ))، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من إبراهيم، والباقيان مصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة رضيويُنا من المكثرين السبعة . شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) فَيُّ، هكذا قال ابن وهب عن إبراهيم بن سعد، وخالفه أصحاب إبراهيم، فقالوا: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهو الذي أخرجه البخاريّ، قال في ((الفتح)) عند قوله: ((عن أبي هريرة)): كذا قال أصحاب إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، وخالفهم ابن وهب، فقال: عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد، عن أبي سلمة، عن عائشة، قال أبو مسعود: لا أعلم أحداً تابع ابن وهب على هذا، والمعروف عن إبراهيم بن سعد أنه عن أبي هريرة، لا عن عائشة، وتابع زكريا بن أبي زائدة إبراهيم بن سعد. ٤٨٥ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٨٤) وقال محمد بن عجلان: عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، أخرجه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، قال أبو مسعود: وهو مشهور عن ابن عجلان، فكأنّ أبا سلمة سمعه من عائشة، ومن أبي هريرة رضي الله عنهما جميعاً . قال الحافظ: وله أصل من حديث عائشة ﴿ا، أخرجه ابن سعد من طريق بن أبي عَتيق، عنها، وأخرجه من حديث خُفاف بن إيماء أنه كان يصلي مع عبد الرحمن بن عوف، فإذا خطب عمر سمعه يقول: أشهد أنك مُكَلَّم. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث محفوظ عن أبي هريرة، وعائشة رضي الله عنهما جميعاً، وهذا هو الحقّ، وقد استدرك الدار قطنيّ إسناد عائشة على مسلم، ورجّح الإرسال على الوصل، والحقّ أن الوصل هو الأرجح؛ لأن الذين وصلوه جماعة من الحفّاظ، وقد أجاد الشيخ ربيع بن هادي - حفظه الله - البحث في هذا في دراسته: ((بين الإمامين: مسلم، والدارقطنيّ))، وحقّق وأفاد، ورجّح الوصل على الإرسال، وهو الحقّ(٢)، فراجع كلامه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُمْ) أراد بني إسرائيل، قال القرطبيّ كَُّهُ: ((كان)) الأُولى بمعنى الأمر، وَالشأن؛ أي: كان الأمر والشان، وهي نحو ((ليس)) في قولهم: ليس خلق الله مثله، و((تكون)) الثانية ناقصة، واسمها ((محدَّثون))، وخبرها الجارّ والمجرور، ويصح أن تكون تامَّة، وما بعدها أحوال(٣). وقوله: (مُحَدَّثُونَ) - بفتح الدال ــ هي الرواية، اسم مفعول، وقد فسَّر ابن وهب المحدّثين بالملهمين؛ أي: يُحدَّثون في ضمائرهم بأحاديث صحيحة، هي من نوع الغيب، فيظهر على نحو ما وقع لهم، وهذه كرامةٌ يُكرم الله تعالى بها (١) ((الفتح)) ٣٨٦/٨ - ٣٨٧، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨٩). (٢) راجع: ((بين الإمامين: مسلم، والدار قطنيّ)) ص ٣٨٠ - ٣٨٨. (٣) ((المفهم)) ٢٥٩/٦. ٤٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة من يشاء من صالحي عباده، ومن هذا النوع ما يقال عليه: فِراسةٌ، وتوسُّم، كما قد رواه الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ ظُبه قال: قال رسول الله وَ﴾: ((اتَّقوا فِراسة المؤمن، فإنَّه ينظر بنور الله))(١)، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِى : [الحجر: ٧٥]، وقد تقدَّم القول في نحو هذا، وقد قال ٧٥ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ بعضهم: إن معنى محدَّثين: مكلَّمون؛ أي: تكلِّمهم الملائكة، قال: وهذا راجعٌ لِمَا ذكرته، غير أن ما ذكرته أعمّ، فقد يخلق الله تعالى الأحاديث بالغيب في القلب ابتداء من غير واسطة مَلَك، وقال بعضهم: إن معناه أنهم مصيبون فيما يظنونه، وإليه ذهب البخاريّ، وهذا نحو من الأول، غير أن الأوَّل أعمّ، والله أعلم. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قال الأكثر: المحدَّث - بالفتح - هو الرجل الصادق الظنّ، وهو مَن أُلقي في رُوعه شيء من قِبَل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدَّثه غيره به، وبهذا جزم أبو أحمد العسكريّ. وقيل: مَن يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل: مُكَلَّم؛ أي: تكلّمه الملائكة بغير نبوّة، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدريّ، مرفوعاً، ولفظه: ((قيل: يا رسول الله، وكيف يُحَدَّث؟ قال: تتكلم الملائكة على لسانه))، قال الحافظ: رَوَيناه في ((فوائد الجوهريّ))، وحكاه القابسيّ، وآخرون، ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلّقة(٣)، ويَحْتَمِل ردّه إلى المعنى الأول؛ أي: تكلمه في نفسه، وإن لم يَرَ مُكلِّماً في الحقيقة، فيرجع إلى الإلهام. وفسّره ابن التين: بالتفَرُّس، ووقع في ((مسند الحميديّ)) عقب حديث عائشة رضيّا: ((المحدَّث: الْمُلْهَم بالصواب الذي يُلْقَى على فيه)). وعند مسلم من رواية ابن وهب: ((ملهمون))، وهي الإصابة بغير نبوة(٤)، (١) حديث ضعيف، رواه الترمذيّ، وفي سنده عطيّة العوفيّ كثير الخطأ، شيعيّ، مدلّس، ومصعب بن سلّام، له أوهام. (٢) ((المفهم)) ٢٥٩/٦ - ٢٦٠. (٣) أي: عند البخاريّ، حيث قال بعد الحديث: قال ابن عبّاس محدّث)). (٤) قوله: ((وهي الإصابة إلخ)) هذا ليس في مسلم، فتنبّه. وثّ: ((من نبيّ، ولا ٤٨٧ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َظُه - حديث رقم (٦١٨٤) وفي رواية الترمذيّ عن بعض أصحاب ابن عيينة كَّتُهُ: ((مُحَدَّثون))؛ يعني: مُفَهَّمون، وفي رواية الإسماعيليّ: قال إبراهيم - يعني: ابن سعد راويه -: قوله: ((مُحَدَّث))؛ أي: يُلْقَى في روعه. انتھی. ويؤيده حديث: ((إن الله جعل الحقّ على لسان عمر، وقلبه))، أخرجه الترمذيّ من حديث ابن عمر، وأحمد من حديث أبي هريرة، والطبراني من حديث بلال، وأخرجه في ((الأوسط)) من حديث معاوية، وفي حديث أبي ذرّ عند أحمد، وأبي داود: ((يقول به)) بدل قوله: ((وقلبه))، وصححه الحاكم، وكذا أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث عمر نفسه. انتهى(١). (فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ)؛ أي: من المحدّثين، (أَحَدٌ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ))) قال ◌َّ ذلك على سبيل التوقع، وقد وقع ذلك بحمد الله تعالى، وفيه منقبة عظيمة لعمر بن الخطاب ظُته، وفيه كرامة الأولياء، وأنها لا تنقطع إلى يوم الدين(٢). وقال الطيبيّ ◌َُّهُ: وقوله: ((فإن يكن في أمتي)) قيل: لم يورِد هذا القول مَوْرِد الترديد، فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وُجد في غيرهم، فبالأحرى أن يكونوا موجودين في هذه الأمة أكثر عدداً، وأعلى رتبةً، وانما أورده مورد التأكيد والقطع به، ولا يخفى على ذي الفهم محلّه من المبالغة، كما في قول الرجل: إن يكن لي صديق، فإنه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة، لا نفي الأصدقاء، ونحوه قول الأجير: إن كنت عملت لك، فوفّني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يُخيّل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحقّ فعلُ مَنْ عِنده شكٌّ في الاستحقاق مع وضوحه. فالمراد بالمحدَّث: الملهم المبالغ فيه الذي انتهى إلى درجة الأنبياء في الإلهام، فالمعنى: لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء مُلهَمُون من قِبَل الملأ الأعلى، فإن يك في أمتي أحد هذا شانُه، فهو عمر، جَعَله لانقطاع قرينه، وتفوّقه على أقرانه في هذا كأنه تردّد هل نبيّ أم لا؟ فاستعمل ((إنْ))، ويؤيده (١) ((الفتح)) ٨/ ٣٨٧، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨٩). (٢) ((عمدة القاري)) ٥٥/١٦. ٤٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة حديث: (لو كان بعدي نبيّ لكان عمر))، فـ(لو)) فيه بمنزلة ((إن)) في هذا الحديث على سبيل الفرض والتقدير، كما قول عمر ظُله: ((نعم العبد صُهيب، لو لم يخف الله لم یعصه)). انتهى(١). قال الحافظ: والحديث المشار إليه(٢) أخرجه أحمد، والترمذيّ، وحسَّنه، وابن حبان، والحاكم، من حديث عقبة بن عامر، وأخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث أبي سعيد، ولكن في تقرير الطيبيّ نظر؛ لأنه وقع في نفس الحديث: ((من غير أن يكونوا أنبياء))، ولا يتم مراده إلا بفرض أنهم كانوا أنبياء. وقيل: الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل كان قد تحقّق وقوعه، وسبب ذلك احتياجهم، حيث لا يكون حينئذ فيهم نبيّ، واحتَمَل عنده وَل ◌ِّ أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك؛ لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبيّ، وقد وقع الأمر كذلك، حتى إن المحدَّث منهم إذا تُحُقِّق وجوده لا يحكُم بما وقع له، بل لا بدّ له من عَرْضه على القرآن، فإن وافقه، أو وافق السُّنَّة عَمِل به، وإلا تَرَكه، وهذا وإن جاز أن يقع، لكنه نادر ممن يكون أمْره منهم مبنيّاً على اتّباع الكتاب والسُّنَّة، وتمحضت الحكمة في وجودهم، وكثرتهم بعد العصر الأَوَّل في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه . وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها؛ لكون نبيّها وَّ خاتم الأنبياء عُوِّضوا بكثرة الملهَمين. انتهى(٣). (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٥٤/١٢ - ٣٩٥٥. (٢) يعني حديث: (لو كان بعدي نبيّ لكان عمر))، وأما حديث: ((نعم العبد صهيب ... إلخ))، فرواه بعضهم مرفوعاً، وبعضهم موقوفاً على عمر تظلبه، وعلى التقديرين فلا يُعرف له سند، ولم يوجد في شيء من كتب الحديث، كما قال الحافظ العراقيّ، والشيخ بهاء الدين السبكيّ، راجع ما كتبه في: ((شرح الكوكب الساطع)) في الأصول ص١٤٠. (٣) ((الفتح)) ٣٨٨/٨. ٤٨٩ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٨٤) ثم ذكر تفسير ابن وهب، فقال: (قَالَ) عبد الله (بْنُ وَهْبٍ) الراوي عن إبراهيم بن سعد: (تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ)، وقد تقدّم أقوال غيره آنفاً، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال البخاريّ في ((صحيحه)) معلّقاً بعد إخراج الحديث ما نصّه: زاد زكرياء بن أبي زائدة، عن سعد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبيّ وَّ: ((لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال، يُكَلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر)). قال في ((الفتح)): ورواية زكريا وَصَلها الإسماعيليّ، وأبو نعيم في ((مستخرجيهما))، قال: وفي روايته زيادتان: إحداهما: بيان كونهم من بني إسرائيل، والثانية تفسير المراد بالمحدَّث في رواية غيره، فإنه قال بدلها: ((يكلمون، من غير أن يكونوا أنبياء)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: ضراته، وقد اللهب وثّا هذا من أفراد المصنّف . (المسألة الأولى): حديث عائشة أخرجه البخاريّ من حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٨٤/٢ و٦١٨٥] (٢٣٩٨)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٦٩٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٥/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤٧٩/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٨٦/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٩٤)، و(الفسويّ) في ((المعرفة)) (٤٥٧/١ و٤٦١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٣١١/٧ و١٣١٢)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٥٨٣/٢). وأخرجه (البخاريّ) من حديث أبي هريرة تظ له (٣٤٦٩ و٣٦٨٩)، و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) (١٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٧٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٣٨٧/٨. ٤٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه منقبةً عظيمةً لعمر بن الخطاب ٢ - (ومنها): بيان كرامة الأولياء، وأنها لا تنقطع إلى يوم الدين. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((فإنْ يكن في أمتي أحدٌ منهم فعمر)) دليلٌ على قلَّة وقوع هذا، ونُدُوره، وعلى أنه ليس المراد بالمحذَّثين المصيبون فيما يظنون؛ لأنَّ هذا كثير في العلماء، والأئمة الفضلاء؛ بل وفي عوّام الخلق كثير ممن يَقْوَى حَدْسه، فتصح إصابته، فترتفع خصوصية الخبر، وخصوصية عمر رُه بذلك، ومعنى هذا الخبر قد تَحقَّق، ووُجد في عمر قطعاً؛ وإن كان النبيّ ◌َّ لم يجزم فيه بالوقوع، ولا صرَّح فيه بالإخبار؛ لأنَّه إنما ذكره بصيغة الاشتراط، وقد دلَّ على وقوع ذلك لعمر حكايات كثيرة عنه؛ كقصَّة: ((الجبلَ يا ساريةُ)) (١)، وغيره، وأصح ما يدلّ على ذلك: شهادة النبيّ وَّ له بذلك، كما رواه الترمذيّ، عن ابن عمر، مرفوعاً: ((إن الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه))(٢)، وقال ابن عمر رضي﴿هَا: «ما نزل بالناس أمرٌ قط قالوا فيه، وقال فيه عمر، إلا نزل القرآن على نحو ما قال فيه عمر))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك قول عمر رظه: ((وافقت ربي في ثلاث ... )) الحديث، متّفقٌ عليه . وقد ادعى هذا الحال كثير من أهل الْمِحال(٣)، لكن تشهد بالفضيحة شواهد صحيحة. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. (١) هو ما أخرجه البيهقيّ في ((الاعتقاد)) ٣١٤/١ بسند صحيح عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب بعث جيشاً، وأَمَّر عليهم رجلاً يُدعَى سارية، قال: فبينا عمر يخطب، قال: فجعل يصيح، وهو على المنبر: يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ، قال: فقَدِم رسول الجيش، فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدوّنا، فهزمونا، وإن الصائح ليصيح: يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ، فشددنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله، فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك. انتهى. (٢) رواه الترمذيّ، وحسّنه الشيخ الألبانيّ. (٣) أي: الكيد والمكر. (٤) ((المفهم)) ٢٦٠/٦ - ٢٦١. ٤٩١ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ هُبه - حديث رقم (٦١٨٥) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عَجْلان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة نظراته [٥] (ت١٤٨) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠/ ١٥٠. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية الليث بن سعد عن ابن عجلان ساقها النسائيّ تَظَّتُهُ في ((الكبرى)) بسند المصنّف، فقال: (٨١١٩) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: أنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلجر: ((قد كان يكون في الأمة مُحدّثون، فإن يكن في أمتي أحد، فعمر بن الخطاب)). انتهى(١). وساقها أيضاً الترمذيّ كَُّ بسند المصنّف في ((جامعه))، فقال: (٣٦٩٣) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَ له: ((قد كان يكون في الأمم مُحدَّثون، فإن يك في أمتي أحدٌ، فعمر بن الخطاب))، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، قال: حدّثني بعض أصحاب سفيان، قال: قال سفيان بن عيينة: مُحَدَّثون؛ يعني: مُفَهَّمون. انتهى(٢) . (٢٥٣) - حدثنا الحميدي قال: ثنا سفيان قال: ثنا محمد بن عجلان أنه سمع سعد بن إبراهيم يحدث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها (١) ((السُّنن الكبرى)) ٣٩/٥. (٢) ((جامع الترمذيّ)) ٦٢٢/٥. ٤٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قالت: قال رسول الله ◌َله: ((أنه كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في هذه الأمة فهو عمر بن الخطاب)). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٦] (٢٣٩٩) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ أَخْبَرَنَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنَّ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ) هو: عقبة بن مُكْرَم - بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء - الْعَمِّيّ - بفتَّح المهملة، وتشديد الميم - أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢٠. [تنبيه]: قوله: ((الْعَمّيّ)) - بفتح العين المهملة، وتشديد الميم -: نسبة إلى العمّ، وهو بطنٌ من تميم، قاله في ((اللباب))(١). ٢ - (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضُّبَعيّ - بضم المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو محمد البصريّ ثقةٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: رُبّما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٨) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٠٨/٤. ٣ - (جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) بن عُبيد الضُّبَعِيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٠/٧٣. ٤ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله تَظُبه، ذُكر في الباب. ٦ - (عُمَرُ) بن الخطّاب، ذُكرت ترجمته في أول الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد رَّتُهُ، فقال: وجدت له علّةً، حدّثني محمد بن إسحاق بن إبراهيم السّرّاج، حدّثنا محمد بن إدريس، حدّثنا محمد بن عُمر بن عليّ، حدّثنا سعيد بن عامر، عن (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٥٩/٢. ٤٩٣ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ تَ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٨٦) جويرية، عن رجل، عن نافع أن عمر قال: ((وافقني ربي في ثلاث ... ))، فذكر الحديث، ولم يذكر ابن عمر في إسناده، وأدخل بين جويرية ونافع رجلاً غير (١) مسمّى. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أبو الفضل أن في هذا الحديث علّتين: أولاهما: أن شيخ جويرية مجهول، وثانيهما: الانقطاع؛ لأن نافعاً لم يلق عمر څه. والجواب عن هذا: أن مسلماً ترجح لديه الوصل؛ لأنه زيادة ثقة؛ إذ عقبة بن مكرم ثقةٌ تُقبل زيادته، فالحديث صحيح، لا تضرّه المخالفة المذكورة، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌َّهَا أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َُّه (وَافَقْتُ رَبِّي) من الموافقة، من باب المفاعلة التي تدلّ على مشاركة اثنين في فعلٍ يُنسب إلى أحدهما، متعلقاً بالآخر، والمعنى في الأصل: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وِفْق ما رأيتُ، ولكنه راعى الأدب فأسند الموافقة إلى نفسه، لا إلى الربّ، قاله في ((العمدة))(٢). وقال في ((الفتح)): والمعنى: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيتُ، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، أو أشار به إلى حدوث رأيه، وقِدَم الْحُكْم، وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها؛ لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه، من مشهورها قصة الصلاة على المنافقين، واجتماع أزواجه و 18 في الغَيرة عليه، وهما في الصحيح، وصحح (١) تقدّم في ((شرح المقدّمة))، فراجع: ١٥٤/١. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤٤/٤. ٤٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الترمذيّ من حديث ابن عمر، أنه قال: ((ما نَزَل بالناس أمر قطّ، فقالوا فيه، وقال فيه عمر، إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر))، وهذا دالّ على كثرة موافقته، قال الحافظ: وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر، لكن ذلك بحَسَب المنقول. انتهى(١) . وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((وافقت ربي في ثلاث))؛ يعني: أنَّه وقع له في قلبه حديث عن تلك الأمور، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع له، وذلك أنَّه وقع له أن مقام إبراهيم وَّ محلّ شرَّفه الله تعالى، وكرَّمه؛ بأن قام فيه إبراهيم وَي﴿ للدُّعاء، والصَّلوات، وجعل فيه آيات بيّنات، وغَفَر لمن قام فيه الخطيئات، وأجاب فيه الدَّعوات، وقد تقدَّم في الحج ذِكر الخلاف فيه. وكذلك وقع له شرف أزواج النبيّ وَّه، وعلوِّ مناصبهنَّ، وعظيم حرمتهنَّ، وأن الذي يناسب حالهنَّ أن يحتجبن عن الأجانب؛ فإنَّ اطلاعهم عليهنَّ ابتذال لهنَّ، ونقصٌ من حرمة النبيّ وَّ، وحرمتهنّ، فقال للنبيّ وَّ: ((احجب نساءك، فإنَّهن يراهنَّ البرّ والفاجر))، وقد استوفينا الكلام على هذا في النكاح. ووقع له أيضاً قَتْل أسارى بدر، وأشار على النبيّ وَّه به، وأشار عليه أبو بكر بالإبقاء، والفداء، فمالَ النبيّ ◌َّ إلى ما قال أبو بكر ظُبه، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع لعمر ربه في الأمور الثلاثة، فكان ذلك دليلاً قاطعاً على أنه محدَّث بالحقّ، مُلْهَمٌ لوجه الصَّواب، وقد تقدَّم القول في الصلاة على عبد الله بن أُبَيّ، وفي قضية بدر في ((الجهاد)). انتهى(٢). وقوله: (فِي ثَلَاثٍ)؛ أي: وقائع، قاله في ((الفتح))(٣)، فأفاد أنه إنما ذكّر ((ثلاث))؛ لأن المميّز مؤنّث؛ وهي وقائع جَمْع واقعة، وقال في ((العمدة)): قوله: ((في ثلاث))؛ أي: في ثلاثة أمور، وإنما لم يؤنث الثلاث، مع أن الأمر مذكَّر؛ لأن المميّز إذا لم يكن مذكوراً جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث. (٤) انتھی (٤). (١) ((الفتح)) ١٢٦/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٤٠٢). (٢) ((المفهم)) ٢٦١/٦ - ٢٦٢. (٤) ((عمدة القاري)) ١٤٤/٤. (٣) ((الفتح)) ١٢٦/٢. ٤٩٥ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َظُه - حديث رقم (٦١٨٦) [فإن قلت]: حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاث، منها في أسارى بدر حيث كان رأيه أن لا يَفْدُون فنزل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُو أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] ومنها في مَنْع الصلاة على المنافقين فنزل: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ومنها في تحريم الخمر، ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث حماد بن سلمة: حدثنا علي بن زيد، عن أنس قال عمر: وافقت ربي في أربع ... وذَكَر ما في البخاري، قال: ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ءَآخَرْ﴾ فقلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فنزلت كذلك، ومنها في شأن عائشة ﴿ّا لمّا قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله من زوّجكها؟ فقال: الله تعالى، قال: أفتنظر أن ربك دلَّس عليك فيها، ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، فأنزل الله ذلك، ذَكَره المحب الطبري في أحكامه، وقد ذكر أبو بكر ابن العربي أن الموافقة في أحد عشر موضعاً، قلت: يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصحَّحاً من حديث ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر رضي الله تعالى عنه إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر نظُبه، وهذا يدل على كثرة موافقته. فإذا كان كذلك فكيف نص على الثلاث في العدد؟ قلت: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، وقيل: يحتمل أنه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد وفيه نظر؛ لأن عمر أخبر بهذا بعد موت النبي فلا يتجه ما ذكر من ذلك، ويقال: يحتمل أن الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها لغرض له. (فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ)؛ أي: في اتخاذه مصلّى، وفي رواية البخاريّ عن أنس، قال: ((قال عمر وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمَرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهنّ البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتَمَع نساء النبيّ ◌َّ في الغيرة عليه، فقلت لهنّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾، فنزلت هذه الآية. انتهى(١). (١) ((صحيح البخاريّ)) ١/ ١٥٧. ٤٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة [تنبيه]: قال الإمام ابن كثير تَّلهُ: وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟ فأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ضًا: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ قال: مقام إبراهيم الحرم كله، وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك. وأخرج أيضاً عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾، فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذكر ههنا فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ثم قال: ومقام إبراهيم يُعَدّ كثيراً، مقام إبراهيم الحج كله، ثم فسّره لي عطاء، فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمَشْعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة، فقلت: أَفسَّره ابن عباس؟ قال: لا، ولكن قال: مقام إبراهيم الحج كله، قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع؟ قال: نعم سمعته منه. وقال سفيان الثوريّ عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾ قال: الحَجَر مقام إبراهيم نبي الله، قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه، ويناوله إسماعيل الحجارة، ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه. وقال السديّ: المقام الحَجَر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه، حكاه القرطبيّ، وضعّفه، ورجحه غيره، وحكاه الرازي في ((تفسيره)) عن الحسن البصريّ، وقتادة، والربيع بن أنس. وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابراً يحدّث عن حجة النبيّ وَّ قال: لما طاف النبيّ وَّ﴿ قال له عمر: هذا مقام أبينا؟ قال: (نعم))، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلٌ﴾. انتهى باختصار(١). (وَفِي الْحِجَابِ)؛ أي: وفي طلب احتجاب أزواجه وَّه عن الرجال الأجانب، فقد قال عمر ظُله: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، وفي رواية أبي (١) ((تفسير ابن كثير)) ١٦٩/١. ٤٩٧ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ظُه - حديث رقم (٦١٨٦) عوانة في ((صحيحه)) من طريق الزُّبيديّ، عن ابن شهاب: ((فأنزل الله الحجاب، ﴿يَأَيُّهَ اُلَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣])). وقال الكرمانيّ تَخّْثُ؛ الحجاب؛ أي: حُكم الحجاب؛ يعني: حجاب النساء عن الرجال، فأنزل الله آية الحجاب، ويَحْتَمِل أن يراد بآية الحجاب الجنس، فيتناول الآيات الثلاث: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ مِن جَلَبِهِنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْثَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ﴾ الآية [النور: ٣١]، وأن يراد به العهد من واحدة من هذه الثلاث. قال العينيّ كَّلهُ: رواية أبي عوانة المذكورة فسَّرت المراد من آية الحجاب صريحاً كما ذكرنا. وسبب نزولها قصّة زينب بنت جحش ◌َّا لَمّا أَوْلَمَ عليها، وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحيى النبيّ ◌َير أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، متّفقٌ عليه. وروى ابن جرير في ((تفسيره)) من طريق مجاهد قال: بينا النبيّ ◌َّ يأكل، ومعه بعض أصحابه، وعائشة تأكل معهم؛ إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبيّ ذلك، فنزلت آية الحجاب. [فإن قلت]: ما طريقة الجمع بين هذه؟. [قلت]: أسباب نزول الحجاب تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصّتها في الآية. وقال التيميّ: الحجاب هنا استتارهنّ بالثياب حتى لا يُرَى منهنّ شيءٍ عند خروجهنّ، وأما الحجاب الثاني فهو إرخاؤهنّ الحجاب بينهنّ وبين الناس. وتعقّبه العينيّ، فقال: رواية أبي عوانة تخدش هذا الكلام على ما لا یخفی . [ثم اعلم]: أن الحجاب كان في السَنَة الخامسة في قول قتادة، وقال أبو ٤٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رة عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحق: بعد أم سلمة، وعند ابن سعد: في الرابعة في ذي القعدة، ذكر هذا كلّه في ((العمدة))(١). (وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ) حيث كان رأيه أن لا يَفْدُون، فنزل: ﴿مَا كَانَ لِنَبيّ أَنْ يَكُونَ لَهُوَ أَسْرَى حَتَّى يُفْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ الآية [الأنفال: ٦٧]. وقصّة أسارى بدر تقدّمت في ((كتاب الجهاد والسِّيَر)) [٤٥٧٨/١٨] (١٧٦٣)، ((باب الإمداد بالملاكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر روته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٨٦/٢] (٢٣٩٩)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٠٢) و((التفسير)) (٤٤٨٣ و٤٧٩٠ و٤٩١٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٥٩ و٢٩٦٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٠٩٩٨ و١١٤١٨)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٠٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣/١ - ٢٤ و٣٦ - ٣٧) وفي ((فضائل الصحابة)) (٤٣٤ و٤٣٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٤٤/٢)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٦٠٧/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٩٢/٦ و٢٠٧) و ((الصغير)) (١١٠/٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٨٢٥/٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٣٩/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٨٩٦)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٧/ ١٣٠٧)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٥٨٦/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عمر رَؤُه، حيث إن الله تعالى أيَّد به الدِّين، وأنزل الوحي على موافقته في كثير مما رآه رض اته . ٢ - (ومنها): مشروعيّة مراجعة الأَدْوَن للأعلى في الشيء الذي يتبيَّن له. (١) ((عمدة القاري)) ١٤٣/٤ - ١٤٥. ٤٩٩ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ رَظُبه - حديث رقم (٦١٨٦) ٣ - (ومنها): فضل المراجعة إذا لم يقصد بها التعنت، فإنه قد يتبيّن فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَلِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِينَ﴾ الآية كان سببه المراجعة. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَُّ: هذا من أجل مناقب عمر ظُه، وفضائله، وهو مطابق للحديث قبله، ولهذا عقّبه مسلم به، وجاء في هذه الرواية: ((وافقت ربي في ثلاث))، وفسَّرها بهذه الثلاث، وجاء في رواية أخرى في ((الصحيح)): ((اجتمع نساء رسول الله وَ لّ عليه في الغَيْرة، فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ فنزلت الآية بذلك))، وجاء في الحديث الذي ذكره مسلم بعد هذا موافقته في منع الصلاة على المنافقين، ونزول الآية بذلك، وجاءت موافقته في تحريم الخمر، فهذه ستّ، وليس في لفظه ما ينفي زيادة الموافقة، والله أعلم. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): هذه - يعني: آية الحجاب - إحدى ما وافق فيها عمر رائه ربه. والثانية: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنَكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥]. والثالثة: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وهذه الثلاثة ثابتة في ((الصحيح))(٢). والرابعة: موافقته في أسرى بدر. والخامسة: في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في ((صحيح مسلم)). والسادسة: موافقته في آية المؤمنين، رَوَى أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)) من حديث عليّ بن زيد: ((وافقت ربي لمَّا نزلت: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَآخَرَ﴾، فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت)). والسابعة: موافقته في تحريم الخمر. والثامنة: موافقته في قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَكَتِهِ﴾ الآية، ذكره الزمخشريّ، وقال ابن العربيّ: قدَّمنا في ((الكتاب الكبير)) أنه وافق ربه تعالى (١) ((شرح مسلم)) ١٦٦/١٥ - ١٦٧. (٢) أي: ((صحيح البخاريّ)). ٥٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ تلاوةً ومعنّى في أحد عشر موضعاً، وفي ((جامع الترمذيّ)) مصححاً عن ابن عمر ◌ًَّا: ((ما نزل بالناس أمرٌ قطّ، فقالوا فيه، وقال عمر فيه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر نظ﴿به))(١). وقد نظم السيوطيّ كَّتُ أرجوزة في موافقات عمر رظ ◌ُبه(٢)، ونصّها: بسم الله الرحمن الرحيم عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي اجْتَبَاهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَنِ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ عُمَرُ يَا سَائِلِي وَالْحَادِثَاتُ تَكْثُرُ وَمَا يُرَى أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ خُذْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي أَبْيَاتِ فَفِي الْمَقَام وَأُسَارَى بَدْرِ وَذِكْرٍ جِبْرِيلَ لِأَهْلِ الْغَدْرِ وَآيَةُ الصِّيَامِ فِي حِلِّ الرَّفَتْ وَقَوْلُهُ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى وَآيَةٌ فِيهَا لِبَدْرٍ أَوْبَهْ وَآيَةٌ فِي النُّورِ هَذَا بُهْتَانْ وَفِي خِتَامِ آيَةٍ فِي الْمُؤْمِنِينْ وَثُلَّةٌ مِنْ فِي صِفَاتِ السَّابِقِينْ وَعَدَّدُوا مِنْ ذَاكَ نَسْخَ الرَّسْمِ وَقَالَ قَوْلاً هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَذَّ وَفِي الأَذَانِ الذِّكْرُ لِلرَّسُولِ وَفِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالتَّحْقِيقِ كَقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمُجَادِلَهْ نَظَمْتُ مَا رَأَيْتُهُ مَنْقُولَا مَوَافِقَاً لِرَأْيِهِ الصَّوَابِ مَنْظُومَةٍ تَأْمَنُ مِنْ شَتَاتِ وَآيَتَيْ تَظَاهُرٍ وَسَتْرٍ وَآَيَتَيْنِ أُنْزِلَا فِي الْخَمْرِ وَقَوْلُهُ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ يُبَثُ يُحَكِّمُوكَ إِذْ بِقَتْلٍ أَفْتَى وَلَا تُصَلِّ آيَةٌ فِي التَّوْبَهْ وَآيَةٌ فِيهَا بِهَا الاسْتِئْذَانْ تَبَارَكَ اللَّهُ بِحِفْظِ الْمُثَّقِينْ وَفِي سَوَاءٌ آيَةُ الْمُنَافِقِينْ لَآيَةٍ قَدْ نَزَلَتْ فِي الرَّجْم نَبَّهَهُ كَعْبٌ عَلَيْهِ فَسَجَدَ رَأَيْتُهُ فِي خَبَرٍ مَوْصُولٍ مَا هُوَ مِنْ مُوَافِقِ الصِّدِّيقِ عَلَيْكُمُ أَعْظِمْ بِهِ مِنْ فَضْلٍ لَا تَجِدُ الآيَةَ فِي الْمُخَالَلَةْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى (١) ((عمدة القاري)) ٢٨٤/٢. (٢) راجع كتابه: ((الحاوي للفتاوي)) ٣٧٧/١ - ٣٧٨.