Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عظلا - حديث رقم (٦١٤٥)
الحيوانات؛ لأن غيره لا يؤكل ميتاً، ولا يَرِدُ الجراد؛ لأنه قد يُفقد وجوده، لا
(١)
.
سيما بمصر. انتهى
(فَإِنَّهُ)؛ أي: ذلك الرجل الأعلم منك، (حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ)؛ أي: في
المكان الذي تفقد فيه الحوت المالح. (قَالَ) بِِّ (فَانْطَلَقَ هُوَ)؛ أي: موسى،
إنما أتى بضمير الفصل؛ ليعطف عليه قوله: ((وَفَتَاهُ))، كما قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ
(وَفَتَاهُ) يوشع بن نون، (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الَصَّخْرَةِ) التي عند ملتقى
البحرين، (فَعُمِّيَ عَلَيْهِ) وقع في بعض الأصول: ((فَعَمِيَ))، بفتح العين المهملة،
وكسر الميم، وفي بعضها: (فَعُمِّيَ)) بضم العين، وتشديد الميم، وفي بعضها:
((فُغُمّي)) بالغين المعجمة، والمعنى متقارب، قال صاحب ((التكملة)): ولعلّ مراد
الراوي هنا أن موسى عليّا عَمِي عليه الطريق، فانطلق، وتفرّق عن فتاه، وهذا
مخالف لِمَا سبق من أن موسى عليّا كان قد نام في ظلّ الصخرة، ولعلّ تفرّقهما
وقع بعد استيقاظهما لفترة يسيرة، وقول الراوي هنا: ((وترك فتاه، فاضطرب
الحوت في الماء» يدلّ بظاهره أن اضطراب الحوت وقع في حال تفرّقهما،
ولكن الروايات الصحيحة تدلّ على أنه وقع في حالة نوم موسى ظلّلها، والظاهر
أنه قد وقع في هذه الرواية تقديم وتأخير في بيان بعض الواقعات. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الاعتماد على ما دلّت عليه الروايات
الأخرى أَولى من هذه الرواية، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَانْطَلَقَ) موسى عَلَّها (وَتَرَكَ فَتَاهُ) عند الصخرة، (فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي
الْمَاءِ) هذا عَظْف على مقدّر؛ أي: فَحَيِي ذلك الحوت، فانسلّ من المكتل،
فاضطرب في الماء، (فَجَعَلَ) الماء (لَا يَلْتَئِمُ)؛ أي: لا ينطبق (عَلَيْهِ)؛ أي:
على الحوت، (صَارَ) طريق الحوت (مِثْلَ الْكُوَّةِ) بفتح الكاف، ويقال: بضمها،
وهي: الطاق، كما في الرواية الأُولى. (قَالَ) بَِّ (فَقَالَ فَتَاهُ) يوشع (أَلَا) أداة
(١) ((الفتح)) ٣٢٤/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٧٢٦).
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٥١/٥ - ٥٢.

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
عرض، (أَلْحَقُ) بفتح الحاء المهملة، يقال: لحِقته، ولَحِقتُ به أَلْحق، من باب
تَعِب لَحَاقاً بالفتح: أدركته، وألحقته بالألف مثله. (نَبِيَّ اللّهِ) موسى علََّلاَ،
(فَأُخْبِرَهُ)؛ أي: بفقدان الحوت، و((أُخبر)) منصوب بـ((أن)) مضمرةً وجوباً بعد
الفاء السببيّة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ (فَا)) جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ
مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(قَالَ) وَّهِ (فَنُسِّيَ) بضمّ النون، وتشديد السين المهملة، مبنيّاً للمفعول؛
أي: أنساه الشيطان، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح النون، وتخفيف السين المكسورة،
مبنيّاً للفاعل؛ أي: نسي ذِكر فقدانه لموسى،لعلّها. (فَلَمَّا تَجَاوَزَا) ذلك المكان،
وفي الرواية السابقة: ((فانطلقا بقيّة يومهما، وليلتهما، ونسي صاحب موسى أن
يخبره، فلما أصبح موسى لعلَّهُ قال لفتاه: آتنا غداءنا)). (قَالَ) موسى ◌ِّلُ
(لِفَتَاهُ) يوشع بن نون ظلَِّ (آتِنَا غَدَاءَنَا) هو ما يؤكل أول النهار، (لَقَدْ لَقِينًا)
بكسر القاف، (مِنْ سَفَرِنَا هَذَا) إشارة إلى السفر الذي وقع بعد مجاوزة الموعد،
وهو: مجمع البحرين. (نَصَباً)؛ أي: تعباً، وهو منصوب بـ((لقينا))، قال
السمين كَّلهُ: والعامة على فتح النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير
بضمّهما، وهما لغتان من لغات أربع في هذه اللفظة. انتهى(١).
(قَالَ) وَ (وَلَمْ يُصِبْهُمْ) هكذا بضمير الجمع، وهو يعود إلى موسى
ويوشع، وقد سبق غير مرّة إن إطلاق ضمير الجمع على المثنّى لغة فصيحة،
كما في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] مع أنه قال قبله:
﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَثِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨].
(نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا) المكان الذي أمرا به. (قَالَ) نَِّ (فَتَذَكَّرَ) يوشع أمْر
الحوت، فـ(قَالَ: أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني، قال السمين تَّتُهُ: قال أبو الحسن
الأخفش(٢): إن العرب أخرجت ((أرأيت)) عن معناها بالكلّيّة، فقالوا: أرأيتك،
وأريتك بحذف الهمزة إذا كانت بمعنى أخبرني، وإذا كانت بمعنى أبصرتَ لم
تُحذف همزتها، وشذّت أيضاً، فألزمتها الخطاب على هذا المعنى، ولا تقول
(١) ((الدرّ المصون في علوم كتاب الله المكنون)) ٥٢١/٧.
(٢) (الدرّ المصون في علوم كتاب الله المكنون)) ٥٢١/٧.

٢٨٣
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٥)
فيها: أراني زيداً عمراً ما صنع، وتقول هذا على معنى أعلم، وشذّت أيضاً،
فأخرجتها عن موضعها بالكلّيّة بدليل دخول الفاء، ألا ترى قوله: ﴿أَرَعَيْتَ إِذْ
أَوَنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ﴾، فما دخلت الفاء إلا وقد أُخرجت إلى معنى أمّا، أو
تنبّه، والمعنى: أمّا إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت، قال: وإذا
كانت بمعنى ((أخبرني)) فلا بُدّ بعدها من الاسم المستخبَر عنه، وتلزم الجملة
التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى أمّا، ويكون بعدها الشرط وظرف
الزمان، فقال: ((فإني نسيت))؛ معناه: أما إذ أوينا، فإني، أو تنبّه إذ أوينا،
وليست الفاء إلا جواباً لـ((أرأيت))؛ لأن ((إذ)) لا يصحّ أن يجازى بها إلا مقرونة
بـ((ما)) بلا خلاف. انتهى.
(إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) التي بمجمع البحرين، (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)؛
أي: ذِكر الحوت، وما جرى له من الحياة، واضطرابه في البحر، (وَمَا أَنْسَانِيهُ)
قرأ حفص بضمّ الهاء، وكذا في قوله تعالى: ﴿عَيَّهُ اللَّهَ﴾ في ((سورة الفتح)»،
قيل: لأن الياء(١) هنا أصلها الفتح، والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنَظَر هنا إلى
الأصل، وأما في ((سورة الفتح)) فلأن الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء
بعد الألف مضمومة، فَظَر إلى الأصل أيضاً، والباقون بالكسر نظراً إلى اللفظ،
فإنها بعد ياء ساكنة، وقد جمع حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية،
فإنه ضمّ الهاء في ﴿أَنَسَئِنِيهُ﴾ في غير صلة، ووَصَلها بياء في قوله: ﴿فِيهِ.
مُهَانَا﴾، وقرأ كأكثر القرّاء فيما سوى ذلك(٢).
(إِلَّ الشَّيْطَانُ)، وقوله: (أَنْ أَذْكُرَهُ) في محلّ نصب على البدل من هاء
((أنسانيه)) بدل اشتمال؛ أي: أنساني ذِكره، (وَاتَّخَذَ) فاعله ضمير الحوت، أو
ضمير موسى(٣). (سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً)؛ أي: سبيلاً عجباً، وهو كونه
كالسراب، أو اتخاذاً عجباً، وموضع العجب أن يكون حوتٌ قد مات يؤكل
شقّه، ثم حيي بعد ذلك. (قَالَ) موسى (ذَلِكَ)؛ أي: فَقْدنا الحوت، (مَا كُنَّا
(١) أي: ياء ((نسي)).
(٢) ((الدرّ المصون في علوم كتاب الله المكنون)) ٥٢٢/٧ - ٥٢٣.
(٣) راجع: ((الدرّ المصون)) ٥٢٣/٧.

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
نَبْغِي)؛ أي: الذي كنّا نطلبه، فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه، وهو
الخضر. (فَارْتَدًا)؛ أي: فرجعا (عَلَى آثَارِهِمَا)؛ أي: آثار سيرهما في الطريق
الذي جاءا فيه، (قَصَصاً)؛ أي: يقصّان قصصاً؛ أي: يتبعان آثارهما اتّباعاً.
(فَأَرَاهُ)؛ أي: فلما وصلا إلى الصخرة أرى يوشع موسى (مَكَانَ الْحُوتِ) الذي
انسلّ من المكتل، فدخل البحر. (قَالَ) موسى (هَا هُنَا وُصِفَ لِي) بالبناء
للمفعول؛ أي: في هذا المكان وَصَف الله تعالى وجود الخضر. (قَالَ) وَّلـ
(فَذَهَبَ) موسى (يَلْتَمِسُ)؛ أي: يطلب الخضر في البحر على طريق الحوت؛
لأنه بقي طاقاً غير ملتئم، (فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ) ((إذا)) هنا فجائيّة؛ أي: ففاجأه
وجود الخضر، وفي رواية سفيان: ((حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجلٌ))،
وزعم الداودي أن هذه الرواية وَهَمِّ، وأنهما إنما وجداه في جزيرة البحر، قال
الحافظ: قلت: ولا مغايرة بين الروايتين، فإن المراد أنهما لمّا انتهيا إلى
الصخرة تتبّعاه إلى أن وجداه في الجزيرة، وروى ابن أبي حاتم من طريق
الربيع بن أنس قال: ((انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كُوّةً، فدخلها
موسى على أثر الحوت، فإذا هو بالخضر))، وروى ابن أبي حاتم من طريق
العوفي، عن ابن عباس قال: ((فرجع موسى حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت،
فجعل موسى يُقَدِّم عصاه، يفرج بها عنه الماء، ويتبع الحوت، وجعل الحوت
لا يمس شيئاً من البحر، إلا يبس، حتى يصير صخرة، فجعل موسى يعجب من
ذلك، حتى انتهى إلى جزيرة في البحر، فلقي الخضر))، ولابن أبي حاتم من
طريق السُّدّيّ قال: ((بلغنا عن ابن عباس أن موسى دعا ربه، ومعه ماء في سقاء
يصب منه في البحر، فيصير حجراً، فيأخذ فيه حتى انتهى إلى صخر،
فصعدها، وهو يتشوّف، هل يرى الرجل، ثم رآه)).
فوجده حال كونه (مُسَجَّى)؛ أي: مغَّى، (ثَوْباً)؛ أي: بثوب، وفي
رواية عبد بن حميد قال: ((رأى موسى الخضرَ على طنفسة خضراء، على وجه
الماء))، والطنفسة: فَرْش صغير، وهي بكسر الطاء والفاء، بينهما نون ساكنة،
وبضم الطاء والفاء، وبكسر الطاء، وبفتح الفاء لغات(١).
(١) (الفتح)) ٣٢٨/١٠.

٢٨٥
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٥)
وحال كونه (مُسْتَلْقِياً عَلَى الْقَفَا) قال الفيّومِيّ تَخْتُ: القَفَا مقصوراً: مؤخر
العنق، يُذَكَّر، ويؤنث، وجَمْعه على التذكير أَقْفِيَّةٌ، وعلى التأنيث أَقْفَاءٌ، مثل
أرجاء، قاله ابن السرّاج، وقد يُجمَع على قُفّيٍّ، والأصل مثل فُلُوس، وعن
الأصمعيّ أنه سمع ثلاثَ أَقْفٍ، قال الزجاج: التذكير أغلب، وقال ابن
السّكِّيت: القَفَا مذكَّر، وقد يؤنث، وألفه واو، ولهذا يثنّى قَفَوَيْنِ. انتهى(١).
والمعنى: مباشراً بظهره وقفاه الأرض، مستقبلاً بوجهه السماء؛ كالميت.
(أَوْ قَالَ) ((أو)) شكّ من الراوي؛ أي: أو قال: مستلقياً (عَلَى حَلَاوَةِ الْقَفَا)
هي: وسط القفا، ومعناه: لم يَمِل إلى أحد جانبيه، وهي بضم الحاء،
وفَتْحها، وكَسْرها، أفصحها الضمّ، وممن حكى الكسر صاحب ((نهاية
الغريب))، ويقال أيضاً: حلاواء بفتح الحاء والمدّ في آخره، وحُلاوى بضم
الحاء والقصر، وحكى أبو عبيد حَلْواء بالمدّ أيضاً (٢).
(قَالَ) موسى (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ) الخضر (الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ)، وفي
رواية للبخاريّ: ((فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر، مسجّى
بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى،
فكشف عن وجهه)). (قَالَ) الخضر (وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ) موسى (أَنَا
مُوسَى، قَالَ) الخضر (وَمَنْ مُوسَى؟) هذا دليل على أن الأنبياء لا يعلمون من
الغيب إلا ما أعْلَمَهم الله رشَك.
قال في ((الفتح)): وأما ما أخرجه عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس،
في هذه القصّة: ((فقال موسى: السلام عليك يا خضر، فقال: وعليك السلام يا
موسى، قال: وما يدريك أني موسى؟ قال: أدراني بك الذي أدراك بي))، وهذا
إن ثبت فهو من الحجج على أن الخضر نبيّ، لكن يُبعد ثبوته قوله في الرواية
التي في ((الصحيح)): ((من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: ومن موسى؟ قال:
موسى بني إسرائيل)) الحديث. انتهى(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٣/١٥، و((التكملة)) ٥٢/٥.
(٣) ((الفتح)) ٣٢٨/١٠.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(قَالَ) موسى: أنا (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: مَجِيءٌ مَا جَاءَ بِكَ؟) قال
القاضي عياض: ضبطناه ((مجيءٌ)) مرفوعاً غير منوّن عن بعضهم، وعن بعضهم
منوَّناً، قال: وهو أظهر؛ أي: أمر عظيم جاء بك.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((مجيء ما جاء بك)) قيَّدها ابن ماهان بالهمز
والتنوين، وعلى هذا تكون ((ما)) نكرة صفة لمجيء، وهي التي تكون للتفخيم
والتعظيم؛ كقولهم: لأمرٍ مّا يسوَّدُ من يسوَّدُ، ولأمرٍ مّا تدرَّعت الدروع، فيكون
معناه: مجيءٌ عظيمٌ، وأمرٌ مهمٌّ حملك على أن تركت ما كنت عليه من أمر بني
إسرائيل، واقتحمت الأسفار، وقطعتَ المفاوز والقفار، وقد زاد فيه بعض
الرواة: ((أن الخضر قال له: وعليك السلام، أنَّى بأرضنا يا نبي بني إسرائيل،
أما كان لك فيهم شغل؟! قال: بلى ولكني أمرت أن أصحبك، مستفيداً منك))،
فأجاب بجواب المتعلم المسترشد بين يدي العالم المرشد، ملازماً للأدب
والحرمة، ومعظِّماً لمن شرَّفه الله بالعلم، وأعلى رَسْمَه، فقال: ((جئتُك لتعلّمني
مما عُلّمت رُشْداً)).
(قَالَ) موسى (جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) قرأ أبو عمرو بفتحتين،
والباقون كلهم بضم أوله، وسكون ثانيه، والجمهور على أنهما بمعنى؛
كالْبَخَلِ، والْبُخْل، وقيل: بفتحتين: الدِّين، وبضم، ثم سكون: صلاح النَّظَر،
وهو منصوب على أنه مفعول ثان ((لتعلمني))، وأبعد من قال: إنه لقوله:
(عُلِّمت))(١).
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: قرأه الجماعة بضم الراء، وسكون الشين، وقرأه
يعقوب، وأبو عمرو بالفتح فيهما، وهما لغتان، ويقال: رَشَدَ: بالفتح يرشُد
رُشداً بالضم، ورَشِد بالكسر يَرشَد رَشداً بالفتح، ومعنى الرشد: الاستقامة في
الأمور، وإصابة وجه السّداد، والصواب فيها، وضده الغي، وهو منصوب على
المصدر، ويكون في موضع الحال، ويصح أن يكون مفعولاً من أجله.
وفيه من أدب الفقه التذلل، والتواضع للعالم، وبين يديه، واستئذانه في
(١) ((الفتح)) ٣٢٨/١٠.

٢٨٧
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٥)
سؤاله، والمبالغة في احترامه وإعظامه، ومن لم يفعل هكذا فليس على سنة
الأنبياء، ولا على هديهم، كما قال نبينا وَّ: ((ليس منا من لم يُجِلّ كبيرنا،
ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه))(١).
(قَالَ) الخضر (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) كذا أطلق بالصيغة الدالة على
استمرار النفي لِمَا أطلعه الله عليه من أن موسى لا يصبر على ترك الإنكار، إذا
رأى ما يخالف الشرع؛ لأن ذلك شأن عصمته، ولذلك لم يسأله موسى عن
شيء من أمور الديانة، بل مشى معه ليشاهد منه ما اطّلع به على منزلته في
العلم الذي اختص به. (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟) استفهام عن
سؤال، تقديره: لِمَ قلت إني لا أصبر، وأنا سأصبر، قال: كيف تصبر؟ قال
الخضر (شَيْءٌ)؛ أي: هذا الذي أفعله مما تراه أنت مخالفاً للشرع شيء (أُمِرْتُ
بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: أمرني الله تعالى (أَنْ أَفْعَلَهُ)؛ أي: فِعْله، (إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ
تَصْبِرْ) لمخالفته ما عندك من الشرع. (قَالَ) موسى (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِراً،
وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً) قيل: استثنى في الصبر، فصبر، ولم يستثن في العصيان،
فعصاه، قال الحافظ: وفيه نظرٌ، وكأن المراد بالصبر أنه صبر على اتّباعه،
والمشي معه، وغير ذلك، لا الإنكار عليه فيما يخالف ظاهر الشرع. (قَالَ)
الخضر (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً)، وفي
رواية: ((حتّى أبيّن لك شأنه)).
(فَانْطَلَقَا)؛ أي: ذهبا على ساحل البحر، وفي رواية: ((فانطلقا يمشيان
على ساحل البحر، ليست لهما سفينة، فمرّت بهما سفينة، فكلّموهم أن
يحملوهما، فعُرف الخضر، فحملوهما بغير نَوْل))، وفي رواية ابن أبي حاتم
قال: ((فناداهم خضر، وبيّن لهم أن يعطي عن كل واحد ضُعف ما حَمَلوا به
غيرهم، فقالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالاً في مكان مخوف، نخشى أن يكونوا
لصوصاً، فقال: لأحملنّهم، فإني أرى على وجوههم النور، فحملهم بغير
أجرة))، وذكر النقاش في ((تفسيره)): ((أن أصحاب السفينة كانوا سبعةً، بكل
واحد زمانة، ليست في الآخر)).
(١) رواه أحمد بإسناد حسن، والطبرانيّ، والحاكم.

٢٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا)، وفي رواية: ((فخرَقها، ووَتَّد فيها))
بفتح الواو، وتشديد المثناة؛ أي: جعل فيها وَتَداً، وفي رواية: ((فلما ركبوا في
السفينة، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم))، ويُجمع
بين الروايتين أنه قلع اللوح وجعل مكانه وتداً، وفي رواية: ((فخرق السفينة،
فلم يره أحد إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك)).
(قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا)؛ أي: اعتمد على السفينة، وقصد خرقها، واستَدَلّ
به العلماء على النظر في المصالح عند تعارض الأمور، وأنه إذا تعارضت
مفسدتان، دُفع أعظمهما بارتكاب أخفّهما، كما خَرَق السفينة لِدَفْع غَصْبها،
وذهاب جملتها(١).
(قَالَ لَهُ)؛ أي: للخضر، (مُوسَى عََّ: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ لَقَدْ جِئْتَ
شَيْئاً إِمْراً)؛ أي: منكراً، أو عَجَباً، أو عظيماً، وفي رواية عند ابن أبي حاتم:
((أن موسى لما رأى ذلك امتلأ غضباً، وشدّ ثيابه، وقال: أردت إهلاكهم،
ستعلم أنك أول هالك، فقال له يوشع: ألا تذكر العهد؟ فأقبل عليه الخضر،
فقال: ألم أقل لك؟ فأدرك موسى الحلم، فقال: لا تؤاخذني، وأن الخضر لمّا
خلصوا قال لصاحب السفينة: إنما أردت الخير، فحمدوا رأيه، وأصلحها الله
على يده)).
[تنبيه]: قال الزمخشريّ: فإن قلت: لم قيل: ((حتى إذا ركبا في السفينة
خرقها)) بغير فاء، و((حتى إذا لقيا غلاماً فقتله)) بالفاء؟.
قلت: جعل ((خرقها)) جزاء الشرط، وجعل ((قتله)) من جملة الشرط
معطوفاً عليه، والجزاءُ: ((قال: أقتلت)).
فإن قلت: لِمَ خُولف بينهما؟.
قلت: لأن الخرق لم يتعقّب الركوب، وقد تعقّب القتل لقاء الغلام.
انتھی(٢).
(قَالَ) الخضر (أَلَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟ قَالَ) موسى (لَا
تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) زاد في رواية: ((كانت الأُولى: نسياناً، والوسطى: شرطاً،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٣/١٥ - ١٤٤.
(٢) ((الدرّ المصون)) ٥٢٩/٧.

٢٨٩
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل * - حديث رقم (٦١٤٥)
والثالثة: عمداً))، وروى ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً:
((قال: الأُولى: نسيان، والثانية: عُذْر، والثالثة: فراقٌ))، وعند ابن أبي حاتم:
((قال الخضر لموسى: إن عجلت عليّ في ثلاث، فذلك حين أفارقك))، وروى
الفراء عن أُبيّ بن كعب قال: ((لم ينس موسى، ولكنه من معاريض الكلام»،
وإسناده ضعيف، والأول هو المعتمَد، ولو كان هذا ثابتاً لاعتذر موسى عن
الثانية، وعن الثالثة بنحو ذلك، قاله في ((الفتح)) (١).
(وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَاناً بَلْعَبُونَ، قَالَ:
فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ) بالهمز، وتَرْكه، فمَن هَمَزه معناه: أول الرأي،
وابتداؤه؛ أي: انطَلَق إليه، مسارعاً إلى قتله، من غير فكر، ومن لم يهمز
فمعناه: ظهر له رأي في قَتْله، من البدء، وهو ظهور رأي لم يكن، قال
القاضي عياض: ويُمدّ البدء، ويُقْصر(٢). (فَقَتَلَهُ)، وفي رواية: ((فأخذ غلاماً
كافراً ظريفاً))، في رواية: ((غلاماً وَضِيء الوجهِ، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين))،
وفي رواية: ((فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعه بيده، فقتله))، ويُجمع بينهما بأنه
ذبحه، ثم اقتلع رأسه، وفي رواية أخرى عند الطبريّ: ((فأخذ صخرة، فثلغ
رأسه))، وهي بمثلثة، ثم معجمة، والأول أصحّ، ويمكن أن يكون ضَرَب رأسه
بالصخرة، ثم ذبحه، وقَطع رأسه، قاله في ((الفتح))(٣).
(فَذُعِرَ) بضمّ الذال، مبنيّاً للمفعول؛ أي: أصابه الفزع، يقال: ذَعَرته
ذَعْراً، من باب نفع: أفزعته، والذُّعْر بالضمّ اسم منه(٤). (عِنْدَهَا)؛ أي: عند
هذه الفعلة التي هي قَتْله الغلام. (مُوسَى عَلَّا ذَعْرَةً) بفتح الذال المرة من
الذعر، (مُنْكَرَةً) صفة لـ((ذَعْرة))؛ أي: شديدةً، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن
بادر بالإنكار تاركاً للاعتذار، فقال: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا
[الكهف: ٧٤].
(قَالَ) موسى (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً) قال السمين دَّثُ: قرأ («زاكية)» بألف،
وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف، وتشديد الياء
(١) ((الفتح)) ٣٣٢/١٠.
(٣) ((الفتح)) ٣٣٢/١٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/١٥.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٠٨/١.

٢٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الباقون، فمن قرأ (زاكية)) فهو اسم فاعل على أصله، ومن قرأ ((زكيّةً)) فقد
أخرجه إلى فَعِيلة للمبالغة. انتهى(١).
(بِغَيْرِ نَفْسٍ)؛ أي: بلا قتل نفس معصومة؛ يعني: أنك قتلته ظلماً، وليس
قصاصاً لقتله نفساً معصومةً. (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً))) قرأ نافع وأبو بكر، وابن
ذكوان بضمّتين، والباقون بضمّة، فسكون، وهما لغتان، أو أحدهم أصل،
و(شيئاً)) يجوز أن يراد به المصدر؛ أي: مجيئاً نُكراً، وأن يراد به المفعول به؛
أي: جئت أمراً منكراً، وهل النُّكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمر
أبلغ؛ لأن قَتْل أنفس بسبب الخرق أعظم من قَتْل نفس واحدة، وقيل: بل النكر
أبلغ - وهذا هو الصحيح -؛ لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه
يمكن تداركه، ولذلك قال: ((ألم أقل لك))، ولم يأت بـ(لك)) مع ((إمراً))(٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ: ((رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى مُوسَى)
قال النوويّ تَخْدَثُ: قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في
الدعاء، وشِبْهه من أمور الآخرة، وأما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار،
وتقديم غيره على نفسه، واختَلَف العلماء في الابتداء في عنوان الكتاب،
فالصحيح الذي قاله كثيرون من السلف، وجاء به الصحيح أنه يبدأ بنفسه،
فيقدِّمها على المكتوب إليه، فيقال: من فلان إلى فلان، ومنه حديث كتاب
النبيّ ◌َّر: ((من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم))، وقالت طائفة:
يبدأ بالمكتوب إليه، فيقول: إلى فلان من فلان، قالوا: إلا أن يكتب الأمير
إلى من دونه، أو السيد إلى عبده، أو الوالد إلى ولده، ونحو هذا. انتهى(٣).
(لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ) يَحْتمل أن يكون بفتح العين، وكسر الجيم مخفّفةً، أو
بتشديدها مفتوحة، يقال: عَجِل، كفَرِحَ، وعجّل تعجيلاً بالتشديد، وتعجّل: إذا
أسرع. (لَرَأَى الْعَجَبَ)؛ أي: ما يُتعجّب منه، (وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ)
بفتح الذال المعجمة؛ أي: استحياء؛ لتكرار مخالفته، وقيل: ملامة، والأول
هو المشهور.
(١) ((الدرّ المصون)) ٥٢٨/٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/١٥.
(٢) ((الدرّ المصون)) ٧/ ٥٣٠.

٢٩١
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٥)
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: هو بالذال المعجمة المفتوحة، وهي بمعنى: المذمَّة
- بفتح الذال، وكسرها - وهي: الرقة، والعار مِن تَرْك الحرمة، يُقال: أخذتني
منه مذمّةٌ ومذِمَّة، وذمامة، بمعناه، وكأنه استحيا من تكرار مخالفته، ومما صدر
عنه من تغليظ الإنكار(١).
(قَالَ) موسى (إِنْ سَأَلْتُكَ) هذه مشارطة، والمسلمون عند شرطهم، (عَنْ
شَيْءٍ بَعْدَهَا)؛ أي: بعد هذه المرّة، (فَلَا تُصَاحِبْنِي)؛ أي: لا تتركني أصحبك،
وقوله: (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) تعليل لعدم مصاحبته، ومعناه: بلغت مبلغاً
تُعذر به في ترك مصاحبتي، قال ◌َ له: (وَلَوْ صَبَرَ) موسى (لَرَأَى الْعَجَبَ)؛ أي:
شيئاً كثيراً مما يفعله الخضر من الغرائب. (قَالَ) أُبيّ بن كعب (وَكَانَ) ◌ِ ◌ِّهِ (إِذَا
ذَكَرَ أَحَداً مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ) وََّ، فيقول: ((رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَخِي
كَذَا) كناية عن اسم الشخص الذي يذكره في الدعاء، وقوله: (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا)
تأكيد للأول، ورواه أبو داود بلفظ: ((وكان إذا دعا بدأ بنفسه، وقال: رحمة الله
علينا، وعلى موسى))، قال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((رحمة الله علينا، وعلى
موسى)) قال الراوي: وكان إذا ذَكَر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه، هذا إنما كان
يفعله النبيّ ◌َ﴿ في الأدعية، وأشباهها، مما يعود عليه بالثواب والأجر
الأخرويّ، حرصاً على تحصيل المنازل الرفيعة عند الله تعالى، كما قال في
الوسيلة: ((إنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون
أنا هو))، رواه مسلم.
وحاصله: أن القرب من الله تعالى، وثوابه ليس مما يُؤثَر الغير به، بل
تنبغي المنافسة فيه، والمسابقة إليه، بخلاف أمور الدنيا، وحظوظها؛ فإنَّ
الفضل في تَرْكها، وإيثار الغير بما يحوز منها. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): وقد ترجم البخاريّ في ((الدعوات)): ((من خَصَّ أخاه
بالدعاء دون نفسه))، وذكر فيه عدة أحاديث، وكأنه أشار إلى أن هذه الزيادة،
وهي: ((كان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه))، لم تثبت عنده، وقد سئل أبو
حاتم الرازي عن زيادة، وقعت في قصّة موسى والخضر من رواية أبي إسحاق
(١) ((المفهم)) ٦/ ٢٠٦.
(٢) ((المفهم)) ٢٠٦/٦.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
هذه عن سعيد بن جبير، وهي قوله في صفة أهل القرية: ((أتيا أهل القرية لئاماً،
فطافا في المجالس)»، فأنكرها، وقال: هي مُدرَجة في الخبر، فقد يقال: وهذه
الزيادة مدرجة فيه أيضاً، والمحفوظ رواية ابن عيينة المذكورة (١)، والله أعلم.
(فَانْطَلَقًا)؛ أي: موسى والخضر، (حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي: أنطاكية،
وقيل غيرها، والأول أصحّ، وقال في ((الفتح)): قيل: هي الأُبُلّة، وقيل:
أنطاكية، وقيل: أذربيجان، وقيل: بَرْقة، وقيل: ناصرة، وقيل: جزيرة
الأندلس، قال الحافظ: وهذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمجمع
البحرين، وشدة المباينة في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيء من ذلك. انتهى (٢).
(لِئَاماً)، وفي نسخة: ((لئام)) بالجرّ صفة لقرية، و((اللئام)): جمع لئيم،
وهو: الشحيح، يقال: لؤُم بضمَّ الهمزة؛ ككرُم لُؤماً، فهو لئيم، يقال ذلك
للشحيح، والدَّنِيء النفسِ، والمَهين، ونحوهم؛ لأن اللؤم: ضدّ الكرم(٣).
(فَطَاقَا فِي الْمَجَالِسِ)؛ أي: مجالس أهل تلك القرية، (فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا)؛ أي:
طلبا منهم أن يأتوهم بالطعام.
فقوله: ((استطعما أهلها)) جواب ((إذا))، وفي تكرير ((أهلها)) وجهان:
أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المُضمَر، والحكمة في
ذلك أنه لو قال: استطعماها لم يصحّ؛ لأنهما لم يستطعما القرية، أو
استطعماهم فكذلك؛ لأن جملة ((استطعما أهلها)) صفة لقرية.
والثاني: أنه للتأسيس، وذلك أن الأهل المأتيين ليسوا جميع الأهل،
وإنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتيا جميع الأهل في العادة في وقت واحد،
فلما ذَكَر الاستطعام ذَكَره بالنسبة إلى جميع الأهل، كأنهما تتبّعا الأهل واحداً
واحداً، فلو قيل: استطعماهم لاحتمل أن يعود الضمير على ذلك البعض
المأتيّ دون غيره، فكُرّر الأهل لذلك(٤).
(فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا)؛ أي: امتنعوا عن ضيافتهما، (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً)
(١) يعني قوله: ((يرحم الله موسى لوددنا لو صبر)).
(٢) ((الفتح)) ٣٣٣/١٠.
(٤) ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٣٨/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦١.

٢٩٣
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُله - حديث رقم (٦١٤٥)
يقال: ارتفاعه مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً، وامتداده على وجه الأرض
خمسمائة ذراع، (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)؛ أي: يقرب أن يسقط لِمَيَلانه، (فَأَقَامَهُ)
الخضر بيده، وفي رواية: ((مسحه بيده))، وفي رواية: ((أشار إليه بيده، فاستقام)).
(قَالَ) موسى (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ)، وفي نسخة: (لَتَخِذْتَ))، وتقدّم أنهما قراءتان
سبعيّتان. (عَلَيْهِ أَجْراً)، وفي رواية: ((فقال موسى: قوم أتيناهم، فلم يطعمونا،
ولم يضيّفونا، لو شئت لا تخذت عليه أجراً)). (قَالَ) الخضر (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي
وَبَيْنِكَ، وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ)، وفي رواية: ((قال: هذا فراق بيني وبينك، فأخذ موسى
بطرف ثوبه، فقال: حدّثني))، وذكر الثعلبيّ: ((أن الخضر قال لموسى: أتلومني
على خرق السفينة، وقَتْل الغلام، وإقامة الجدار، ونسيت نفسك حين أُلقيت في
البحر، وحين قتلت القبطيّ، وحين سَقيت أغنام ابنتَيْ شعيب احتساباً)). (قَالَ)
الخضر (﴿سَأُنْبِتُكَ﴾) قبل فراقي لك (﴿ِنَأْوِيلٍ﴾)؛ أي: تفسير (﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعِ
عَلَيَّهِ صَبْرً ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾) قيل: كانوا عشرة، خمسة زَمْنى،
وخمسة أصحّاء، وهم الذين يعملون في البحر، وقيل فيهم غير ذلك. (﴿يَعْمَلُونَ
فِى الْبَحْرِ﴾) وقوله (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) متعلّق بمقدّر؛ أي: اقرأ إلى آخرها، (فَإِذَا
جَاءَ) الملِك (الَّذِي يُسَخِّرُهَا) من التسخير؛ أي: يستعملها غاصباً من أهلها،
(وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً) بسبب خَرْق الخضر لها، (فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ)؛ أي:
جعلوا مكان الخرق خشبة تمنع دخول الماء إليها. (وَأَمَّا الْغُلَامُ) المقتول (فَطُبعَ
يَوْمَ طُبعَ كَافِراً)؛ أي: ختم الله عليه بأنه كافر لا يؤمن أبداً.
قال القاضي عياض كَّتُهُ: في هذا حجة بيّنة لأهل السُّنَّة لصحة أصل
مذهبهم في الطبع، والرَّيْن، والأكنّة، والأغشية، والحجب، والسّدّ، وأشباه
هذه الألفاظ الواردة في الشرع في أفعال الله تعالى بقلوب أهل الكفر
والضلال، ومعنى ذلك عندهم: خلق الله تعالى فيها ضد الإيمان، وضد
الهدى، وهذا على أصل أهل السُّنَّة أن العبد لا قدرة له إلا ما أراده الله تعالى،
ويسّره له، وخلقه له؛ خلافاً للمعتزلة، والقدرية القائلين بأن للعبد فعلاً من قِبَل
نفسه، وقدرةً على الهدى والضلال، والخير والشر، والإيمان والكفر، وأن
معنى هذه الألفاظ نسبة الله تعالى لأصحابها، وحُكمه عليهم بذلك.
وقالت طائفة منهم: معناها: خَلَقه علامة لذلك في قلوبهم، والحقّ الذي

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
لا شكّ فيه أن الله تعالى يفعل ما يشاء، من الخير والشر، ﴿لَا يُسَْلُ عَمَّا يَفْعَلُ
﴾ [الأنيباء: ٢٣]، وكما قال تعالى في الذرّ: ((هؤلاء للجنة،
(٢٣)
وَهُمْ يُسْتَلُونَ
ولا أبالي، وهؤلاء للنار، ولا أبالي)»، فالذين قضى لهم بالنار طبع على
قلوبهم، وخَتم عليها، وغَشّاها، وأكنّها، وجعل من بين أيديها سَدّاً، ومن
خلفها سَدّاً، وحجاباً مستوراً، وجعل في آذانهم وقراً، وفي قلوبهم مرضاً؛ لتتمّ
سابقته فيهم، وتمضي كلمته، لا رادّ لحكمه، ولا معقّب لِأَمْره وقضائه، وبالله
تعالى التوفيق.
وقد يَحتجّ بهذا الحديث من يقول: أطفال الكفار في النار، وقد سبق
بيان هذه المسألة، وأن فيهم ثلاثةَ مذاهب: الصحيح أنهم في الجنة، والثاني:
في النار، والثالث: يُتوقف عن الكلام فيهم، فلا يُحكم لهم بشيء، وتقدّمت
دلائل الجميع، وللقائلين بالجنة أن يقولوا في جواب هذا الحديث: معناه:
عَلِم الله لو بلغ لكان كافراً. انتهى (١).
(وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ)؛ أي: أحبّاه حبّاً شديداً، (فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرََ)؛
أي: بلغ مبلغ الرجال، وفيه أنه كان غير بالغ. (أَرْهَقَهُمَا)؛ أي: كلّفهما
(طُغْيَاناً)؛ أي: مجاوزة للحدّ، فقوله: (وَكُفْراً) بيان للطغيان.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفراً)): أن
يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه.
وقال النوويّ تَخْذُ: قوله: ((أرهقهما طغياناً وكفراً))؛ أي: حَمَلهما
عليهما، وألحقهما بهما، والمراد بالطغيان هنا: الزيادة في الضلال، وهذا
الحديث من دلائل مذهب أهل الحق في أن الله تعالى أعلمُ بما كان وبما
يكون، وبما لا يكون لو كان كيف كان يكون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِ قِرْطَاسِ
فَلَمَسُوهُ بِأَيَدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ [الأنعام: ٧]، وقوله
تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ
٩
[الأنعام: ٩]، وغير ذلك من الآيات(٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/١٥.
(٢) ((شرح النوويّ) ١٤٥/١٥ - ١٤٦.

٢٩٥
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٥)
(﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾) قال السمين تَخْلَقُ: قرأ أبو عمرو، ونافع بفتح
الباء، وتشديد الدال من بدّل هنا، وفي ((التحريم)): ((أنْ يُبْدِلَه))، وفي ((القلم)):
((أنْ يُبْدِلَنا))، والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من أبدل في المواضع
الثلاثة، فقيل: هما بمعنى واحد. انتهى(١).
وَرَّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةٌ﴾)؛ أي: صلاحاً وتُقَى، (﴿وَأَقْرَبَ رُحْمَا﴾) بضمّ
الراء، وسكون الحاء المهملة، وضمّها؛ أي: رُحْمة، وهي البرّ بوالديه.
وقال النوويّ: قيل: المراد بالزكاة الإسلام، وقيل: الصلاح، وأما
الرُّحم، فقيل: معناه الرحمة لوالديه، وبِرّهما، وقيل: المراد: يرحمانه، قيل:
أبدلهما الله بنتاً صالحة، وقيل: ابناً، حكاه القاضي. انتهى (٢).
وقال السمين الحلبيّ نَّثُ: قرأ ابن عامر: (رُحْمًا) بضمّتين، والباقون
بضمّة، وسكون، وهما بمعنى الرحمة، قال رؤبة [من الرجز]:
يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إِذْرِيسَا وَمُنْزِلَ اللَّعْنِ عَلَى إِبْلِيسَا
وقيل: الرُّحْمُ بمعنى الرحيم، وهو لائق هنا من أجل القرابة بالولادة،
ويؤيّده قراءة ابن عبّاس: ((رَحِماً)) بفتح الراء، وكسر الحاء، و((زكاةً))، و((رُحماً))
منصوبان على التمييز. انتهى(٣) .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأقرب رحماً)) هما به أرحم منهما بالأول
الذي قَتَل خَضِر.
وأخرج النسائيّ عن ابن عباس: ((فأبدلهما ربهما خيراً منه زكاةً، قال:
أبدلهما جاريةً، فولدت نبيّاً من الأنبياء))، وللطبريّ نحوه، ولابن المنذر: قال:
((أبدلهما مكان الغلام جاريةً ولدت نبيَّين))، ولابن أبي حاتم: قال: ((ولدت
جاريةً، فولدت نبيّاً، وهو الذي كان بعد موسى، فقالوا له: ابعث لنا ملِكاً
نقاتل في سبيل الله))، واسم هذا النبي شمعون، واسم أمه حنة، وعند ابن
مردويه من حديث أبيّ بن كعب: أنها ولدت غلاماً لكن إسناده ضعيف،
وأخرجه ابن المنذر بإسناد حسن، عن عكرمة، عن ابن عباس نحوه، وفي
(١) ((الدرّ المصون)) ٥٣٨/٧.
(٣) ((الدرّ المصون)) ٥٣٩/٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/١٥ - ١٤٦.

٢٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
تفسير ابن الكلبيّ: ((ولدت جارية، ولدت عدة أنبياء، فهدى الله بهم أمماً))،
وقيل: عدة من جاء مِنْ وَلَدها من الأنبياء سبعون نبيّاً، ذكره في ((الفتح))(١).
(﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾) قال القرطبيّ المفسّر: هذان الغلامان
صغيران، بقرينة وَصْفهما باليُتم، واسمهما أصرم، وصريم، وقد قال ◌َله: ((لا
يتم بعد البلوغ)» هذا هو الظاهر، وقد يَحْتَمِل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد
البلوغ، إن كانا يتيمين، على معنى الشفقة عليهما. واليتم في الناس من قِبَل فَقْد
الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قِبَل فَقْد الأم. انتهى (٢).
وقوله: (﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾) يدلّ على أن القرية تسمى مدينةً، ومنه الحديث:
((أُمرت بقرية تأكل القرى))، وفي حديث الهجرة: ((لمن أنت؟ فقال: لرجل من
أهل المدينة؛ يعني: مكة))(٣).
(﴿وَكَانَ تَحْتَهُ﴾) وقوله: (إِلَى آخِرِ الآيَةِ)؛ أي: اقرأ الآية إلى آخرها.
قال القرطبيّ: اختَلَف الناس في الكنز، فقال عكرمة وقتادة: كان مالاً
جسيماً، وهو الظاهر من اسم الكنز؛ إذ هو في اللغة: المال المجموع، وعن
ابن عباس: كان عِلْماً في صحف مدفونة، وعنه قال: كان لوحاً من ذهب
مكتوباً فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، عجبتُ لمن يؤمن بالقدر كيف يَحْزَن،
عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يَتْعَب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يَفْرَح،
عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفُل، عجبت لمن يؤمن بالدنيا وتقلّبها بأهلها
كيف يطمئنّ لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله))(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعدُ ما نُقل عن ابن عبّاس ◌َّ، بل
الصواب أنه كنز من المال المدفون، كما هو ظاهر النصّ، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، ومسائله في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه]: قال النوويّ تَخْلُهُ: وفي هذه القصّة أنواع من القواعد،
(١) ((الفتح)) ٣٣٦/١٠.
(٣) ((تفسير القرطبيّ)) ٣٨/١١.
(٢) ((تفسير القرطبيّ)) ٣٨/١١.
(٤) ((تفسير القرطبيّ)) ٣٨/١١.

٢٩٧
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ علا - حديث رقم (٦١٤٥)
والأصول، والفروع، والآداب، والنفائس المهمة، سبق التنبيه على معظمها،
سوى ما هو ظاهر منها، ومما لم يسبق أنه لا بأس على العالم والفاضل أن
يخدُمه المفضول، ويقضي له حاجة، ولا يكون هذا من أخْذ العِوَض على تعليم
العلم والآداب، بل من مروءات الأصحاب، وحسن العشرة، ودليله من هذه
القصة حَمْل فتاه غداءهما، وحَمْل أصحاب السفينة موسى والخضر بغير أجرة؛
لمعرفتهم الخضر بالصلاح، والله أعلم.
ومنها: الحثّ على التواضع في عِلمه وغيره، وأنه لا يدّعِي أنه أَعْلمُ
الناس، وأنه إذا سئل عن أعلم الناس يقول: الله أعلم، ومنها بيان أصل عظيم
من أصول الإسلام، وهو: وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان
بعضه لا تظهر حكمته للعقول، ولا يفهمه أكثر الناس، وقد لا يفهمونه كلهم؛
كالقَدَر، وموضع الدلالة: قتل الغلام، وخرق السفينة، فإن صورتهما صورة
المنكر، وكان صحيحاً في نفس الأمر، له حِكَمٌ بينةٌ، لكنها لا تظهر للخلق،
فإذا أعلمهم الله تعالى بها عَلِموها، ولهذا قال: ﴿وَمَا فَعَلَئُهُ عَنْ أَمْرِئٍ﴾؛ يعني:
بل بأمر الله تعالى. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): في الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: استحباب
الحرص على الازدياد من العلم، والرحلة فيه، ولقاء المشايخ، وتجشم المشاقّ
في ذلك، والاستعانة في ذلك بالأتباع، وإطلاق الفتى على التابع، واستخدام
الحرّ، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناسي، وقبول الهبة من غير المسلم،
واستُدِلّ به على أن الخضر نبيّ؛ لعدة معانٍ، قد تقدّم التنبيه عليها؛ كقوله:
﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾، وكاتّباع موسى رسول الله له؛ ليتعلّم منه، وكإطلاق أنه
أعلم منه، وكإقدامه على قتل النفس لِمَا شَرَحه بعدُ، وغير ذلك، وأما من
استَدَلّ به على جواز دَفْع أغلظ الضررين بأخفّهما، والإغضاء على بعض
المنكرات؛ مخافة أن يتولد منه ما هو أشدّ، وإفساد بعض المال لإصلاح
معظمه، كخصاء البهيمة للسِّمَن، وقَطْع أُذُنها؛ لتتميَّز، ومن هذا مصالحة ولي
اليتيم السلطان على بعض مال اليتيم؛ خشيةً ذهابه بجميعه، فصحيح، لكن فيما
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٥ - ١٤٧.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
لا يعارض منصوص الشرع، فلا يَسُوغ الإقدام على قتل النفس، ممن يتوقع منه
أن يقتل أنفساً كثيرة قبل أن يتعاطى شيئاً من ذلك، وإنما فَعَل الخضر ذلك؛
الإطلاع الله تعالى عليه.
وقال ابن بطال: قول الخضر: ((وأما الغلام فكان كافراً)) هو باعتبار ما
يؤول إليه أمره أن لو عاش حتى يَبْلُغ، واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه
إلا الله، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء قبل البلوغ وبعده. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون جواز تكليف المميَّز قبل أن يبلغ كان في تلك الشريعة،
فيرتفع الإشكال.
وفيه: جواز الإخبار بالتعب، ويُلحَق به الألم، من مرض، ونحوه،
ومحل ذلك إذا كان على غير سَخَط من المقدور.
وفيه: أن المتوجه إلى ربه يُعان، فلا يُسرع إليه النَّصَب والجوع، بخلاف
المتوجه إلى غيره، كما في قصة موسى منظلّله في توجهه إلى ميقات ربه، وذلك
في طاعة ربه، فلم يُنقل عنه أنه تَعِبَ، ولا طلب غداء، ولا رافق أحداً، وأما
في توجهه إلى مَذْين، فكان في حاجة نفسه، فأصابه الجوع، وفي توجهه إلى
الخضر لحاجة نفسه أيضاً، فتعب، وجاع.
وفيه: جواز طلب القوت، وطلب الضيافة.
وفيه: قيام العذر بالمرّة الواحدة، وقيام الحجة بالثانية، قال ابن عطية:
يُشبه أن يكون هذا أصل مالك في ضرب الآجال في الأحكام إلى ثلاثة أيام،
وفي التلوّم ونحو ذلك.
وفيه: حسن الأدب مع الله تعالى، وأن لا يضاف إليه ما يُستهجن لفظه،
وإن كان الكل بتقديره وخَلْقه؛ لقول الخضر عن السفينة: ﴿فَأَرَدِّثُّ أَنْ أَعِبَهَا﴾،
وعن الجدار: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، ومثل هذا قوله وَّ: ((والخير بيديك، والشرّ ليس
إليك)). انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، كِلَاهُمَا

٢٩٩
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَلا - حديث رقم (٦١٤٦)
عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِإِسْنَادِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم الْفِرْيابيّ، نزيل
قَيْسارية، من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ يقال: أخطأ في شيء من حديث سفيان،
وهو مقدَّم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق [٩] (٢١٢) (ع) تقدم
في ((القسامة)) ٤٣٤٩/٢.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن باذامِ الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان
يتشيع، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستُصغِر في
سفيان الثوريّ [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٥ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف
الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلُّم فيه بلا حجة [٧] (ت١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٥٤٢/٢.
و((أبو إسحاق)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ) الضمير لمحمد بن يوسف، وعبيد الله بن موسى.
[تنبيه]: رواية محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق ساقها أبو
داود تَخْتُهُ في ((سننه))، مختصرةً، فقال:
(٤٧٠٦) - حدّثنا محمود بن خالد، ثنا الفريابيّ، عن إسرائيل، ثنا أبو
إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ثنا أَبَيّ بن كعب، قال:
سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَهُ مُؤْمِنَّيْنٍ﴾ [الكهف:
٨٠]: ((وكان طُبع يوم طبع كافراً)). انتهى(١).
وساقها أيضاً النسائيّ في ((الكبرى)) مختصرةً، فقال:
(١١٣١٠) - أنا محمد بن عليّ بن ميمون، نا الفريابيّ، نا إسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أَبَيّ بن كعب، قال:
(١) ((السُّنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٩١/٦.

٣٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
كان رسول الله ◌َ* إذا ذَكَر أحداً، فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم:
((رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو لَبِث مع صاحبه لأبصر العجب العاجب،
ولكنه قال: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا﴾ [الكهف:
٧٦])). انتهى(١).
وأما رواية عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، فقد
ساقها النسائيّ ◌َُّهُ في ((الكبرى)) مطوّلةً، فقال:
(٥٨٤٤) - أنبأ أحمد بن سليمان، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال:
أنبأ إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:
حدّثني أُبَيّ بن كعب، أنه سمع رسول الله وَل و يقول: ((رحمة الله علينا وعلى
موسى، لولا أنه عجل، واستحيا، وأخذته ذَمَامةٌ من صاحبه، فقال: ﴿إِن
سَأَلْتُكَ عَن شَىْ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى﴾ لرأى من صاحبه عجباً))، قال: وكان النبيّ وَّه
إذا ذكر نبيّاً من الأنبياء بدأ بنفسه، فقال: ((رحمة الله علينا وعلى أخي صالح،
رحمة الله علينا وعلى أخي عاد (٢) - ثم قال - إن موسى ◌َله بينما هو يخطب
قومه ذات يوم؛ إذ قال لهم: ما في الأرض أعلم مني، فأوحى الله إليه أن في
الأرض من هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزوّد حوتاً مالِحاً، فإذا فقدته فهو
حيث فقدته، فانطلق هو وفتاه، حتى بلغ المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا
إلى الصخرة انطلق موسى وَل﴾ يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة،
فاضطرب، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فقال فتاه: إذا جاء نبيّ الله وَلقوله
حدثته، فأنساه الشيطان، فانطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النَّصَب
والكلال، ولم يكن يصيبه ما يصيب المسافر من النصب والكَلال، حتى جاز ما
أمر به، قال موسى لفتاه: ﴿َائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:
٦٢]، فقال له فتاه: يا نبيّ الله أرأيت إذا أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت
(١) ((سنن أبي داود)) ٢٢٧/٤.
(٢) المراد بأخي عاد هو: هود ظلّا؛ أي: صاحب عاد، كما قال الله ثلاث: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا
عَادٍ﴾ الآية، وأما قوله: ((أخي صالح)) فأخي مضاف إلى ضمير النبيّ بَّ، وصالح
بدل منه، فليُتنبّه.