Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلِ ـ حديث رقم (٦١٢٣) ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مَهْديّ بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، حافظٌ، عارف بالرجال والحديث، قال ابن المدينيّ: ما رأيت أعلم منه [٩] (ت١٩٨) وهو ابن ثلاث وسبعين سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ◌ُكرا قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن حديث سفيان الثوريّ عن المختار مثل حديث علي بن مُسهر. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن المختار بن فُلْفُل هذه ساقها الإمام أحمد دَّثُ في ((مسنده))، فقال: (١٢٩٣) - حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المختار بن فلفل، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: قال رجل للنبيّ وَّه: يا خير البريّة، قال: ((ذاك إبراهيم ظلَّلا)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٣] (٢٣٧٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ◌ِلَهُ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عبد الله بن خالد بن حِزَام - بمهملة، وزاي - المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ، له غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله بباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّهُ، وفيه قوله: ((يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٨٤/٣. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الْحِزَامِيَّ))، وهو من قول المصنّف حيث لم ينسبه شيخه قتيبة، وأراد أن يعرّفه لمن يُحدّثهم، فزاد كلمة ((يعني)) فصلاً بين كلام شيخه، وبين ما زاده هو للتعريف، وإليه أشار السيوطيّ كَّتُهُ في ((ألفيّة الأثر)) حيث قال: فَوْقَ شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ بِنَحْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بـ(أَنَّ) أَوْ بـ(هُو)) وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُه قد سبق القول فيه قريباً . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اخْتَتَنَ) بالبناء للفاعل، (إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ◌َلَّهُ)، وقوله: (وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) جملة في محلّ النصب على الحال من الفاعل، (بِالْقَدُوم))) قال النوويّ رَّتُهُ: رُواةُ مسلم متفقون على تخفيف ((الْقَدُوم))، ووقع في روايَات البخاريّ الخلاف في تشديده، وتخفيفه، قالوا: وآلة النجار يقال لها: قَدُوم بالتخفيف، لا غير، وأما ((الْقَدُّوم)) مكان بالشام، ففيه التخفيف، فمن رواه بالتشديد أراد القرية، ومن رواه بالتخفيف يَحْتَمِل القرية، والآلة، والأكثرون على التخفيف، وعلى إرادة الآلة، وهذا الذي وقع هنا، وهو ابن ثمانين سنةً هو الصحيح، ووقع في ((الموطأ)): ((وهو ابن مائة وعشرين سنةً)) موقوفاً على أبي هريرة نَظُه، وهو متأوَّلٌ، أو مردودٌ. انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١) . وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((بالقدوم)) اختَلَف الرواة في تخفيف دال القدوم، وتشديدها، واختلفوا أيضاً في معناها، فالذي عليه أكثر الرواة التخفيف، ويعني به: آلة النَّجَّار، وهو قول أكثر أهل اللغة في آلة النجارة، ورواه بعضهم مشدّداً، وفسَّره بعض اللغويين بأنه موضع معروف بالشام، ومنهم من قال: بالسَّرَاة، وحُكي عن أبي جعفر اللُّغوي: قدُّوم: المكان مشدَّد، (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٥. ١٠٣ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلِ ـ حديث رقم (٦١٢٣) معرفة، لا يدخله الألف واللام. قال: ومن رواه في حديث إبراهيم وَل مخففاً، فإنما يعني بها: الآلة التي يُنْجَر بها، وفي ((الصحاح)): القدوم الذي يُنحت به مخففاً، قال ابن السِّكيت: لا تقل: قدُّوم بالتشديد، والجمع: قُدُم، قال الأعشى [من المتقارب]: أَقَامَ بِهِ شَاهَبُورُ الجنُو دِ حَوْلَينٍ يَضرِبُ فِيهَا القُدُمْ وجمع القُدُم: قدائم، مثل: قُلُص وقلائص، والقدوم أيضاً: اسم موضع مخفّف. قال القرطبيّ: ويحصل من أقوالهم أن القدوم إذا أريد به الآلة فهو مخفف، وإذا أريد به الموضع ففيه التشديد، والتخفيف، ويَحْتَمِل أن يراد بالقدوم في الحديث الآلة، والموضع. انتهى كلام القرطبيّ كَذَفُهُ(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((بالقدوم)) رَوَيناه بالتشديد عن الأصيليّ، والقابسيّ، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف، قال النوويّ: لم يَختلف الرواة عند مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد أصلاً. واختُلِف في المراد به، فقيل: هو اسم مكان، وقيل: اسم آلة النجار، فعلى الثاني هو بالتخفيف، لا غير، وعلى الأول ففيه اللغتان، هذا قول الأكثر، وعكسه الداوديّ، وقد أنكر ابن السِّكِّيت التشديد في الآلة. ثم اختُلِف، فقيل: هي قرية بالشام، وقيل: ثنية بالسَّرَاة، والراجح أن المراد في الحديث الآلة، فقد رَوَى أبو يعلى من طريق عليّ بن رَبَاحِ: ((قال: أُمر إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم، فاشتدّ عليه، فأوحى الله إليه، أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته، فقال: يا رب كَرِهت أن أؤخر أمرك)). قال: اتفقت الروايات على أنه كان ابن ثمانين سنةً عند اختتانه، ووقع في ((الموطأ)) موقوفاً على أبي هريرة، وعند ابن حبان مرفوعاً: ((أن إبراهيم اختتن، وهو ابن مائة وعشرين سنةً))، والظاهر أنه سقط من المتن شيء، فإن هذا القدر هو مقدار عمره، ووقع في آخر ((كتاب العقيقة)) لأبي الشيخ، من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، موصولاً، (١) ((المفهم)) ٦/ ١٨٢ - ١٨٣. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مرفوعاً مثله، وزاد: ((وعاش بعد ذلك ثمانين سنة))، فعلى هذا يكون عاش مائتي سنة، والله أعلم، وجَمعَ بعضهم بأن الأول حُسِب من مبدأ نبوّته، والثاني من مبدأ مولده. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) أيضاً في ((كتاب الاستئذان)) بعد ذكر رواية ((الموطأ)) بلفظ: ((إن إبراهيم أوّلُ من اختتن، وهو ابن عشرين ومائة، واختتن بالقدوم، وعاش بعد ذلك ثمانين سنةً)) ما نصّه: ورويناه في ((فوائد ابن السماك)) من طريق أبي أويس، عن أبي الزناد، بهذا السند مرفوعاً، وأبو أويس فيه لين، وأكثر الروايات على ما وقع في حديث الباب أنه ظلَّلا اختتن، وهو ابن ثمانين سنةً، وقد حاول الكمال بن طلحة في جزء له في الختان الجمع بين الروايتين، فقال: نُقِل في الحديث الصحيح أنه اختتن لثمانين، وفي رواية أخرى صحيحة أنه اختتن لمائة وعشرين، والجمع بينهما أن إبراهيم عاش مائتي سنة، منها ثمانين سنةً غير مختون، ومنها مائة وعشرين، وهو مختون، فمعنى الحديث الأول: اختتن ثمانين مضت من عمره، والثاني: لمائة وعشرين بقيت من عمره. وتعقبه الكمال ابن العديم في جزء سماه ((الملحة في الردّ على ابن طلحة)) بأن في كلامه وَهَماً من أوجه: أحدها: تصحيحه لرواية مائة وعشرين، وليست بصحيحة، ثم أوردها من رواية الوليد عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، مرفوعةً، وتعقبه بتدليس الوليد، ثم أورده من ((فوائد ابن المقرئ)) من رواية جعفر بن عون، عن يحيى بن سعيد، به موقوفاً، ومن رواية عليّ بن مُسهر، وعكرمة بن إبراهيم، كلاهما عن يحيى بن سعيد، كذلك. ثانيها: قوله في كل منهما: الثمانين، لمائة وعشرين، ولم يَرِد في طريق من الطرق باللام، وإنما ورد بلفظ: اختتن، وهو ابن ثمانين، وفي الأخرى: وهو ابن مائة وعشرين، وورد الأول أيضاً بلفظ: ((على رأس ثمانين))، ونحو ذلك. ثالثها: أنه صرح في أكثر الروايات أنه عاش بعد ذلك ثمانين سنةً، فلا (١) ((الفتح)) ١٤٦/٧ - ١٤٧، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٣٥٦). ١٠٥ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَِّ - حديث رقم (٦١٢٣) يوافق الجمع المذكور أن المائة وعشرين هي التي بقيت من عمره. رابعها: أن العرب لا تزال تقول: خَلَوْن إلى النصف، فإذا تجاوزت النصف قالوا: بَقِين، والذي جمع به ابن طلحة يقع بالعكس، ويلزم أن يقول فيما إذا مضى من الشهر عشرة أيام: لعشرين بقين، وهذا لا يُعرف في استعمالهم. ثم ذكر الاختلاف في سنّ إبراهيم علا، وجزم بأنه لا يثبت منها شيء، منها: قول هشام ابن الكلبيّ، عن أبيه، قال: دعا إبراهيم الناس إلى الحج، ثم رجع إلى الشام، فمات به، وهو ابن مائتي سنة. وذكر أبو حُذيفة البخاريّ، أحد الضعفاء في ((المبتدأ)) بسند له ضعيف، إن إبراهيم عاش مائة وخمساً وسبعين سنةً. وأخرج ابن أبي الدنيا من مرسل عُبيد بن عُمير في وفاة إبراهيم، وقصته مع ملَك الموت، ودخوله عليه في صورة شيخ، فأضافه، فجعل يضع اللقمة في فيه، فتتناثر، ولا تثبت في فيه، فقال له: كم أتى عليك؟ قال: مائة وإحدى وستون سنةً، فقال إبراهيم في نفسه، وهو يومئذ ابن ستين ومائة: ما بقي أن أصير هكذا إلا سنةٌ واحدةٌ، فكَرِه الحياة، فقبض ملك الموت حينئذ روحه برضاه. قال الحافظ: فهذه ثلاثة أقوال مختلفة، يتعسر الجمع بينها، لكن أرجحها الرواية الثالثة، وخطر لي بعدُ أنه يجوز الجمع بأن يكون المراد بقوله: وهو ابن ثمانين، أنه من وقت فارق قومه، وهاجر من العراق إلى الشام، وأن الرواية الأخرى: وهو ابن مائة وعشرين؛ أي: من مولده، أو أن بعض الرواة رأى مائة وعشرين، فظنها إلا عشرين، أو بالعكس، والله أعلم(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من وجه الجمع لا يخفى ما فيه من التكلّف، والتعسّف، فالحقّ أن ما في الصحيح أصحّ، وهو أنه الَّلا اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وما عداه من الروايات مرجوحة، فلا يُلتفت إليها، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٢٦٦/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٩٨). ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تَّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الأولى): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٢٣/٤١] (٢٣٧٠)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٥٦) و((الاستئذان)) (٦٢٩٨) وفي ((الأدب المفرد)) (٤٢٦/١ و٤٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٢/٢ و٤١٧ و٤٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٠٤ و٦٢٠٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٩٨١)، و(ابن أبي عاصم) في ((الأوائل)) (٢٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوائل)) (١١)، وفي ((مسند الشاميين) (٨٨/١ و٢٨٩/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٠٠/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٥/٨) و((شُعَب الإيمان)) (٣٩٥/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الختان، وأنه لا ينبغي تَرْكه، ولو كَبُر سنّه، وقد استوفيت البحث في اختلاف العلماء في حُكمه، وترجيح الراجح بدليله في أوائل ((كتاب الطهارة)) في شرح حديث الفطرة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): أن إبراهيم عليَّا هو أول من اختتن؛ لحديث أبي هريرة نَظ ◌ُه قال: قال رسول الله وَله: ((أول من اختتن إبراهيم ... )) الحديث، رواه الطبرانيّ، وابن أبي عاصم في ((أوائلهما)). وقال القرطبيّ تَظُّ ما حاصله: إن إبراهيم ظلَّهُ أَوَّل من اختتن، وأن ذلك لم يزل سُنَّة عامة معمولاً بها في ذريته، وأهل الأديان المنتمين إلى دينه، وهو حُكم التوراة على بني إسرائيل كلهم، ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون، حتى عيسى ظلّها، غير أن طوائف من النصارى تأوَّلِوا ما جاء في التوراة من ذلك، بأن المقصود زوال غُلْفَة القلب، لا جلدة الذَّكَر، فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان، وليس هذا بأوَّل جهالاتهم، فكم لهم منها وكم! ويكفيك من ذلك أنّهم زادوا على أنبيائهم في الفهم، وغلّطوهم فيما عملوا عليه، وقضوا به من الحُكم، وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب ((الإعلام)). ١٠٧ (٤١) - بَابُ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلِ - حديث رقم (٦١٢٤) انتهى كلام القرطبيّ كَّلُهُ(١). ٣ - (ومنها): ما قال المهلَّب تَظْتُ: ليس اختتان إبراهيم عليه بعد ثمانين مما يوجب علينا مثل فعله؛ إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين، وإنما اختتن وقت أوحى الله إليه بذلك، وأَمَره به، قال: والنظر يقتضي أنه لا ينبغي الاختتان إلا قرب وقت الحاجة إليه؛ لاستعمال العضو في الجماع، كما وقع لابن عباس حيث قال: ((كانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك))، ثم قال: والاختتان في الصغر؛ لتسهيل الأمر على الصغير؛ لِضَعف عضوه، وقلة فهمه. قال الحافظ: يُستدلّ بقصة إبراهيم علا لمشروعية الختان، حتى لو أُخّر المانع حتى بلغ السن المذكور لم يسقط طلبه، وإلى ذلك أشار البخاريّ بالترجمة - أي: حيث قال: ((باب الختان بعد الكِبَر)) - وليس المراد أن الختان يُشرع تأخيره إلى الكبر، حتى يحتاج إلى الاعتذار عنه، وأما التعليل الذي ذكره من طريق النظر ففيه نظر، فإن حكمة الختان لم تنحصر في تكميل ما يتعلق بالجماع، بل ولِمَا يُخشى من انحباس بقية البول في الغُرْلة، ولا سيما للمستجمر، فلا يؤمَن أن يسيل، فينجس الثوب، أو البدن، فكانت المبادرة لِقَطْعها عند بلوغ السن الذي يؤمر به الصبي بالصلاة أليق الأوقات، وقد بيّنت الاختلاف في الوقت الذي يُشرع فيه فيما مضى. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٤] (١٥١)(٣) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَِّّكْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ؛ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَ وَلَكِنْ لَيَظْمَيِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطاً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَيْثِ يُوسُفَ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيّ))). (١) ((المفهم)) ٦/ ١٨٣. (٢) ((الفتح)) ٢٦٧/١٤ - ٢٦٨، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٩٨). (٣) هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّرر، فتنبّه. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم سنداً ومتناً في ((كتاب الإيمان)) برقم [٣٨٩/٧٣] (١٥١)، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، فإن شئت، فارجع إليه، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّلِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) قال النوويّ تَظْتُ: اختَلَف العلماءُ في معنى: ((نحن أحقّ بالشك من إبراهيم)) على أقوال كثيرة، أحسنها، وأصحها ما قاله الامام أبو إبراهيم المزنيّ صاحب الشافعيّ، وجماعات من العلماء، ومعناه: أن الشك مستحيل في حقّ إبراهيم فعلّا، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرِّقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشكّ، فاعلموا أن إبراهيم ظلَّا لم يشك، وإنما خَصّ النبيّ وَلـ إبراهيم عليه؛ لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشكّ، وإنما رجَّح إبراهيم على نفسه بَ ﴿ تواضعاً، وأدباً، أو قبل أن يعلم واله أنه خير ولد آدم. وقال صاحب ((التحرير)): قال جماعة من العلماء: لمّا نزل قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ قالت طائفة: شكَّ إبراهيم، ولم يشكّ نبينا وَّه، فقال النبيّ وَّر: ((نحن أحق بالشك منه)»، فذكر نحو ما قدمته، ثم قال: ويقع لي فيه معنيان : أحدهما: أنه خرج مخرج العادة في الخطاب، فإن من أراد المدافعة عن إنسان قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلاً لفلان، أو فاعلاً معه من مكروه، فقله لي، وافعله معي، ومقصوده: لا تقل ذلك فيه. والثاني: أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكّاً أنا أولى به، فإنه ليس بشكّ، وإنما هو طلب لمزيد اليقين، وقيل غير هذا من الأقوال، فنقتصر على هذه لكونها أصحها، وأوضحها، والله أعلم، وقد تقدّم البحث بأطول مما هنا في الباب المذكور، فلتراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ) المراد بالركن الشديد هو الله ◌ُمََّ، فإنه أشد الأركان، وأقواها، وأمنعها، ومعنى الحديث - والله أعلم -: أن لوطاً وَل﴿ لَمّا خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين، ١٠٩ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ل - حديث رقم (٦١٢٥) ضاق ذرعه، واشتَدّ حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تَمْنع لَمَنعتكم، وقَصْد لوط وسط إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل وُسعه في إكرامهم، والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضاً منه * عن الاعتماد على الله تعالى، وانما كان لِما ذكرناه من تطيب قلوب الأضياف، وقد تقدّم البحث بأتمّ مما هنا في الباب المذكور، فراجعه تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَيْثِ يُوسُفَ ... إلخ) هذا من النبيّ وَل ثناء على يوسف علِّ*، وبيان لصبره، وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملِك الذي أخبر الله وَجَ أنه قال: ﴿وَقَالَ الْلِكُ أَثْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى ج [يوسف: ٥٠ رَيْكَ فَسْشَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ٥٠]، فلم يخرج يوسف عَلَّا مبادراً إلى الراحة، ومفارقة السجن الطويل، بل تثبّت، وتوقّر، وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجن بسببه، ولتظهر براءته عند الملِك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نُسب إليه، ولا خَجَل من يوسف، ولا غيره، فبيّن نبينا نَّه فضيلة يوسف لعلّ في هذا، وقوّة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحُسن نَظَرَه، وقال النبيّ وَّر عن نفسه ما قاله تواضعاً، وإيثاراً للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف وَّر، والله أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثْنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الحديث أيضاً في ((كتاب الإيمان)) برقم [٣٩٠/٧٣] (١٥١)، وقد استوفيت البحث فيه هناك، فلتراجعه، تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيد الضُّبَعيّ - بضم المعجمة، ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وفتح الموحّدة - أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧. ٢ - (جُوَيْرِيَةُ) - تصغير جارية - ابن أسماء بن عُبيد الضُّبَعيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في (الإيمان)) ٣٩٠/٧٣. ٣ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر [٧] (ت١٧٩)، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨. ٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ) سعد بن عُبيد الزهريّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) وقيل: له إدراك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٠/٧٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: قوله: ((إِنْ شَاءَ اللهُ)) قال النوويّ تَخْتُ: هذا مما قد ينكره على مسلم مَن لا علم عنده، ولا خِبْرة لديه؛ لكون مسلم: قال: وحدّثني به إن شاء الله تعالى، فيقول: كيف يحتجّ بشيء يشك فيه؟ وهذا خَيال باطلٌ من قائله، فإن مسلماً لم يحتج بهذا الإسناد، وإنما ذكره متابعةً، واستشهاداً، وقد قدّمنا أنهم يَحْتملون في المتابعات والشواهد ما لا يحتملون في الأصول، والله تعالى أعلم. انتهى(١) . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطٍ ، إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ (١) (شرح النوويّ)) ١٨٣/٢. ١١١ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَارِ ـ حديث رقم (٦١٢٦) [١٠] (ت٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، أصله من خُراسان، يقال: كان اسمه مروان، مولى بني فَزَارة، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم فى ((المقدمة)) ٤٠/٦. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عمر الْيَشْكُريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ، في حديثه عن منصور لِينٌ [٧] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٩٩/٣١. والباقون ذُكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهَ (عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ) أنه (قَالَ: ((بَغْفِرُ اللهُ لِلُوطٍ، إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ))؛ أي: إلى الله ◌َ، يشير وٍَّ إلى قوله تعالى: ﴿لَوَّ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، ويقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم من سَدُوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطاً إلى أهل سدوم، فقال: لو أن لي مَنَعَةً، وأقارب، وعَشيرةً، لكنت أستنصر بهم عليكم؛ ليدفعوا عن ضيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث كما أخرجه أحمد، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلّ قال: ((قال لوط: لو أن لي بكم قوّةً، أو آوي إلى ركن شديد، قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه عَنَى عشيرته، فما بعث الله نبيّاً إلا في ذروة من قومه))، زاد ابن مردويه، من هذا الوجه: ((ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكٌ﴾ [هود: ٩١]؟)). وقيل: معنى قوله: ((لقد كان يأوي إلى ركن شديد))؛ أي: إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم، وأوى إلى الله. انتهى، قال الحافظ: والأول أظهر؛ لِمَا بيّناه. وقال النوويّ: يجوز أنه لَمّا اندَهَش بحال الأضياف قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف اعتذاراً، وسُمِّي العشيرة ١١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ركناً؛ لأن الركن يُستند إليه، ويُمتنع به، فشبَّههم بالرُّكن من الجبل؛ لشدّتهم، ومَنَعَتهم(١). وقال في ((العمدة)): قوله: ﴿إِن كَانَ﴾ كلمة ((إن)) هذه مخففة من المثقلة؛ أي: إنه كان، وقوله: ﴿إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: إلى الله تَعَلَّ، ويشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوَّ أَنَّ ◌ِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ [هود: ٨٠]؛ أي: إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم، ولكنه آوى إلى الله. (٢) انتھی(٢) . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رقُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٢٦/٤١] (١٥١)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٧٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٢/٢)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٣٥٤/٥)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٨٣/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٧] (٢٣٧١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَّهُ قَطُّ إِلََّ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ، قَوْلُهُ: ﴿إِنِّى سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وَوَاحِدَةً فِي شَأْنِ سَارَةَ، فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ، وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ، فَأَخْبِرِ بِهِ أَنَّكِ أُخْتِيٍ، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ مُسْلِماً غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهَّلِ الْجَبَّارِ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ (١) ((الفتح)) ٦٨٤/٧ - ٦٨٥ رقم (٣٣٧٥). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٧٠/١٥. ١١٣ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَ﴿ه- حديث رقم (٦١٢٧) إِلَيْهَا، فَأَتِيَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَّهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ بَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ علُِّ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْراً، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِماً))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ، يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦. ٢ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) - بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون - ابن أبي تَمِيمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، كبير القَدْر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٨. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين من جرير، إلا الصحابيّ، فمدنيّ، والباقيان مصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو ◌ُّ سبق القول فيه قريباً. هريرة , ١١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نِِّ قَالَ) هكذا رواية جرير بن حازم عن أيوب مرفوعة، ووقع في رواية حمّاد بن زيد عن أيوب عند البخاريّ غير مرفوع، قال في ((الفتح)): أورده البخاريّ من وجهين عن أيوب، وساقه على لفظ حماد بن زيد، عن أيوب، ولم يقع التصريح برفعه في روايته، وقد رواه في (النكاح)) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، فصرّح برفعه، لكن لم يَسُق لفظه، ولم يقع رَفْعه هنا في رواية النسفيّ، ولا كريمة، وهو المعتمَد في رواية حماد بن زيد، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، غير مرفوع، والحديث في الأصل مرفوع، كما في رواية جرير بن حازم، وكما في رواية هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عند النسائيّ، والبزار، وابن حبان، وكذا تقدم في ((البيوع)) من رواية الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعاً، ولكن ابن سيرين كان غالباً لا يصرّح برفع كثير من حديثه. انتهى(١). ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَّا قَطَّ)؛ أي: فيما مضى من الزمن، (إِلَّ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ) قال القرطبيّ تَظُّ: قد تقدَّم الكلام على هذه الكذبات في ((كتاب الإيمان))، وذكرنا هناك أنها أربع، زيد فيها قوله للكوكب: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ [الأنعام: ٧٧]، ولم يذكرها في هذا الحديث، مع أنه قد جاء بلفظ الحصر، فينبغي ألا يقال عليها كذبة في حق إبراهيم؛ إذ قد نفاها الرسول ◌َ* بهذا الحصر؛ وإنَّما لم تُعَدّ عليه كذبة، وهي أدخل في الكذب من هذه الثلاث؛ لأنَّه - والله أعلم - حين قال ذلك في حال الطفولية، وليست حال تكليف، ويقوي هذا المعنى قول من حكى عنه ذلك، كما تقدَّم في ((الإيمان)). انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((ثلاث كذبات))، قال أبو البقاء: الجيِّد أن يقال: بفتح الذال في الجمع؛ لأنه جمع كَذْبة بسكون الذال، وهو اسم، لا صفة؛ لأنك تقول: كَذَبَ كَذْبَةً، كما تقول: رَكَعَ رَكْعَةً، ولو كان صفة لسُّن في الجمع. (١) ((الفتح)) ٦٤٧/٧، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨). (٢) ((المفهم)) ١٨٤/٦. ١١٥ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلَ﴿ - حديث رقم (٦١٢٧) وقد أُورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة، في حديث الشفاعة الطويل، فقال في قصة إبراهيم: ((وذَكَرَ كذباته))، ثم ساقه من طريق أخرى، من هذا الوجه، وقال في آخره: وزاد في قصة إبراهيم، وذكر قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقوله لآلهتهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ [الصافّات: ٨٩]. انتهى. قال القرطبيّ: ذِكْر الكوكب يقتضي أنها أربع، وقد جاء في رواية ابن سيرين بصيغة الحصر، فيحتاج في ذِكر الكوكب إلى تأويل. قال الحافظ: الذي يظهر أنها وَهَمٌ من بعض الرواة، فإنه ذَكَر قوله في الكوكب، بدل قوله في سارة، والذي اتَّفَقَت عليه الطرق ذِكر سارة، دون الكوكب، وكأنه لم يُعَدّ مع أنه أدخلُ مِن ذِكر سارة؛ لِمَا نُقِل أنه قاله في حال الطفولية، فلم يَعُدّها؛ لأن حال الطفولية ليست بحال تكليف، وهذه طريقة ابن إسحاق، وقيل: إنما قال ذلك بعد البلوغ، لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يُقصد به التوبيخ، وقيل: قاله على طريق الاحتجاج على قومه؛ تنبيهاً على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية، وهذا قول الأكثر أنه قال توبيخاً لقومه، أو تهكّماً بهم، وهو المعتمد، ولهذا لم يُعَدّ ذلك في الكذبات. وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة، فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذباً، لكنه إذا حُقِّق لم يكن كذباً؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين فليس بكذب محض. فقوله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ يَحْتَمِل أن يكون أراد: إني سقيم؛ أي: سأسقم، واسم الفاعل يُستعمل بمعنى المستقبَل كثيراً، ويَحْتَمِل أنه أراد: إني سقيم بما قُدّر عليّ من الموت، أو سقيم الحجة على الخروج معكم. وحَكَى النوويّ عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت، وهو بعيد؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن كذباً، لا تصريحاً، ولا تعريضاً. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَّهُ كَبِرُهُمْ﴾ قال القرطبيّ: هذا قاله تمهيداً للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة، وقطعاً لقومه في قولهم: إنها تضرّ، وتنفع، وهذا الاستدلال يُتَجَوَّز فيه في الشرط المتصل، ولهذا أردف قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ. كَبِيُرُهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ﴾، قال ابن قتيبة: معناه: إن ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا، فالحاصل أنه مشترط بقوله: إن كانوا ينطقون، أو أنه أَسند إليه ذلك؛ لكونه السبب، وعن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾؛ أي: فعله من فعله كائناً من كان، ثم يبتدئ: ﴿كَبِيُهُمْ هَذَا﴾، وهذا خبر مستقلّ، ثم يقول: ﴿فَسْئَلُوهُمْ﴾ إلى آخره، ولا يخفى تكلفه. وقوله: ((هذه أختي)) يُعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الإسلام، كما سيأتي واضحاً، قال ابن عَقِيل: دلالة العقل تَصْرِف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قَطَع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به؛ ليُعْلَم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه؟ وإنما أُطلق عليه ذلك؛ لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدُر ذلك من إبراهيم علا؛ يعني: إطلاق الكذب على ذلك، إلا في حال شدّة الخوف؛ لعلوّ مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يَجُوز، وقد يجب؛ لتَحَمُّل أخفّ الضررين دفعاً لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات، فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب، وإن كان قبيحاً مُخِلّاً، لكنه قد يَحْسُن في مواضع، وهذا منها، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)(١). (ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ) قال القرطبيّ تَخَُّهُ: يعني به: وجود الله المنزه عن صفات المخلوقات، والمقدَّس عن ذوات المُحْدَثات، وفيه دليل على جواز إطلاق لفظ الذات على الله تعالى المقدس، فلا يُلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه من المتكلمين. وقال أيضاً: قوله: ((اثنتين في ذات الله))؛ أي: في الدفع عن وجود الله تعالى، وبيان حجته على أن المستحق للإلهية هو الله تعالى لا غيره، فاعتذر عمَّا دعوه إليه من الخروج معهم بأنه سقيم، فوَرَّى بهذا اللفظ، وهو يريد خلاف ما فهموا عنه - كما بيَّناه في الإيمان - حتى يخلو بالأصنام، فيكسرها، ففعل ذلك، وترك كبير الأصنام؛ لينسب إليه كَسْرها بذلك قولاً يقطعهم به، فإنَّهم لمّا رجعوا من عيدهم، فوجدوا الأصنام مكسَّرة: ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا [الأنبياء: ٥٩]، فقال بعضهم: ﴿سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ ◌ِخَالِهَتِنَآَ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١) ((الفتح)) ٦٤٧/٧ - ٦٤٩، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨). ١١٧ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلِ - حديث رقم (٦١٢٧) تَاللّهِ [الأنبياء: ٦٠]، وكان هذا الذكر هو قول إبراهيم لهم: أبْرَ ـَقَالَ لَهُ [الأنبياء: ٥٧]، فلما أحضروه: ﴿قَالُواْ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُم بَعْدَ أَنْ تُولُواْ مُدْبِرِينَ [الأنبياء: ٦٢]، فأجابهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ. ٦٢ ◌َأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا بَإِزَهِيمُ فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: كَبِرُهُمْ هَذَا فَشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ رجع بعضهم إلى بعض رجوع القطع عن حجَّته المتفطِّن لحجَّة خصمه: ﴿فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُهُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣، ٦٤]؛ أي: بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، فكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم البأس من لا يردُّ عن رأسه الفأس: ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمُ﴾ [الأنبياء: ٦٥]؛ أي: عادوا إلى جهلهم، وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فقال قاطعاً لِما به يهذون، ومفحماً لهم فيما يتقولون: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ ® أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١) [الأنبياء: ٦٦، ٦٧]. انتهى" وقال في ((الفتح)): خَصّ الثنتين بذات الله؛ لأن قصة سارة، وإن كانت أيضاً في ذات الله، لكن تضمنت حظّاً لنفسه، ونفعاً له، بخلاف الثنتين الأخيرتين، فإنهما في ذات الله محضاً، وقد وقع في رواية هشام بن حسان: ((إن إبراهيم لم يكذب قطّ إلا ثلاث كذبات، كل ذلك في ذات الله))، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: ((والله إن جادل بهنّ إلا عن دين الله)). (قَوْلُهُ: ﴿إِّ سَقِيمٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾) تقدّم ما يتعلّق بهاتين الخصلتين آنفاً، (وَوَاحِدَةً فِي شَأْنِ سَارَةَ) بتخفيف الراء، وتشديدها، وهي امرأة إبراهيم، والدة إسحاق بن إبراهيم ◌ِالتَّهِ. قال القرطبيّ تَخُّْ: هذه الواحدة هي من إبراهيم ◌َّ﴿ مدافعةٌ عن حكم الله تعالى الذي هو: تحريم سارة على الجبّار، والثنتان المتقدِّمتان مدافعة عن وجود الله تعالى، فافترقا، فلذلك فرَّق في الإخبار بين النوعين. انتهى (٢). [تنبيه]: اختلف في والد سارة حيّا، مع القول بأن اسمه هاران، فقيل: هو ملك حَرّان، وأن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حَرّان، (١) ((المفهم)) ٦/ ١٨٤ - ١٨٥. (٢) ((المفهم)) ٦/ ١٨٥. ١١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقيل: هي ابنة أخيه، وكان ذلك جائزاً في تلك الشريعة، حكاه ابن قتيبة، والنقّاش، واستُبْعِد، وقيل: بل هي بنت عمه، وتوافق الاسمان، وقد قيل في اسم أبيها: توبل، ذكره في ((الفتح))(١). (فَإِنَّهُ)؛ أي: إبراهيم ◌ُلُّ (قَدِمَ) بكسر الدال، (أَرْضَ جَبَّارٍ)، واسم الجبار المذكور: عمرو بن امرئ القيس بن سبأ، وأنه كان على مصر، ذكره السهيليّ، وهو قول ابن هشام في ((التيجان))، وقيل: اسمه صادوق، وحكاه ابن قتيبة، وكان على الأردنّ، وقيل: سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، حكاه الطبريّ، ويقال: إنه أخو الضحاك الذي مَلَك الأقاليم. وقوله: (وَمَعَهُ سَارَةُ) جملة حاليّة من الفاعل، وكذا قوله: (وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ) تقدّم في ((صحيح مسلم)) في حديث الإسراء الطويل من رواية ثابت، عن أنس في ذكر يوسف: ((أُعطيَ شطر الحُسْن))، زاد أبو يعلى من هذا الوجه: ((أُعطي يوسف، وأمه شطر الحُسْن))؛ يعني: سارة، وفي رواية للبخاريّ: ((هاجر إبراهيم بسارة، فدخل بها قرية، فيها ملك، أو جبار، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة، هي من أحسن النساء))، وفي رواية البخاريّ: ((فقيل له: إن ها هنا رجلاً، معه امرأة، من أحسن الناس)). (فَقَالَ) إبراهيم (لَهَا)؛ أي: لسارة، (إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ) ((إن)» شرطيّة، ولذا ◌ُزم الفعل بها بعدها، (أَنَّكِ امْرَأَتِي)؛ أي: زوجتي، (يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ) ظاهر هذا أن هذا القول قاله إبراهيم عظلّه قبل أن يلقى الجبّار، ويتكلّم معه، وفي رواية البخاريّ: ((فأرسل إليه، فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض ... إلخ))، وهذا ظاهر في أنه سأله عنها أوّلاً، ثم أعلمها بذلك؛ لئلا تكذّبه عنده. ووجه الجمع بينهما - كما في ((الفتح)) - أن يقال: إن إبراهيم علَّلا أحسّ بأن الملك سيطلبها منه، فأوصاها بما أوصاها، فلما وقع ما حَسِبه أعاد عليها الوصية. (١) ((الفتح)) ٦٤٧/٧ - ٦٤٩، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨). ١١٩ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَله - حديث رقم (٦١٢٧) واختُلِف في السبب الذي حَمَل إبراهيم على هذه الوصية، مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها أختاً كانت، أو زوجةً، فقيل: كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، كذا قيل، ويحتاج إلى تَتِمَّة، وهو أن إبراهيم أراد دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، وذلك أن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة، لكن إن عَلِم أن لها زوجاً في الحياة حملته الغيرة على قتله، وإعدامه، أو حَبْسه، وإضراره، بخلاف ما إذا عَلِم أن لها أخاً، فإن الغيرة حينئذ تكون من قِبَل الأخ خاصّة، لا من قِبَل الملك، فلا يبالي به. وقيل: أراد: إن عَلِم أنك امرأتي ألزمني بالطلاق. قال الحافظ: والتقرير الذي قررته أولاً جاء صريحاً عن وهب بن منبه، فيما أخرجه عبد بن حميد في ((تفسيره) من طريقه. وقيل: كان من دِين الملِك أن الأخ أحقّ بأن تكون أخته زوجته من غيره، فلذلك قال: هي أختي؛ اعتماداً على ما يعتقده الجبار، فلا ينازعه فيها. وتُعُقّب بأنه لو كان كذلك لقال: هي أختي، وأنا زوجها، فلم اقتصر على قوله: هي أختي، وأيضاً فالجواب إنما يفيد لو كان الجبار يريد أن يتزوجها، لا أن يغتصبها نفسها . وذكر المنذريّ في ((حاشية السنن)) عن بعض أهل الكتاب أنه كان من رأي الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها، حتى يقتل زوجها، فلذلك قال إبراهيم: ((هي أختي))؛ لأنه إن كان عادلاً خطبها منه، ثم يرجو مدافعته عنها، وإن كان ظالماً خلص من القتل. قال الحافظ: وليس هذا ببعيد مما قررته أوّلاً، وهذا أُخذ من كلام ابن الجوزي في ((مشكل الصحيحين))، فإنه نقله عن بعض علماء أهل الكتاب، أنه سأله عن ذلك، فأجاب به. وقال القرطبيّ : ((يَغْلِبْنِي عَلَیْكِ)) قیل: إن ذلك الجبّار کانت سيرته أنه لا يغلبُ الأخ على أخته، ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزوج على زوجته، وعلى هذا يدلّ مساق هذا الحديث، وإلا فما الذي فرَّق بينهما في حق جبَّار ظالم؟ انتهى (١). (١) ((المفهم)) ١٨٥/٦. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (فَإِنْ سَأَلَكِ، فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسْلَام)؛ أي: لا في النسب، فلا يكون كذباً في الحقيقة، قال القرطبيّ تخلّثُهُ: هذا صحيح، ليس فيه من الكذب شيء، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]، لكن لما كان الأسبق للفهم من لفظ الإخوة إنما هي أخوَّة النسب، كان من باب المعاريض؛ لأنَّ ظاهر اللفظ يوهم شيئاً، ومراد المتكلم غيره، وأُطلق عليه كذب توسُّعاً، وأطلق النبيّ وَّ عليها كذباً؛ لأنَّ الله تعالى قد أعلمه أن إبراهيم يُطلق ذلك على نفسه يوم القيامة كما تقدم في ((كتاب الإيمان))، وأيضاً: فليُنَّه بذلك على أن الأنبياء لا منزَّهون عن الكذب الحقيقيّ؛ لأنَّهم إذا كانوا يَفْرَقُون من مثل هذه المعاريض التي يجادلون بها عن الله تعالى، وعن دينه، وهي من باب الواجب، كان أحرى، وأَولى أن لا يصدر عنهم شيء من الكذب الممنوع. انتهى(١) . (فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ مُسْلِماً غَيْرِي وَغَيْرَكِ) هذا يُشكل عليه كون لوط كان معه، كما قال تعالى: ﴿فَامَنَ لَهُ، لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض: الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن معه لوط إذ ذاك . (فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ)؛ أي: أرض الجبّار، (رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ)، وفي ((كتاب التيجان)) أن قائل ذلك رجل كان إبراهيم يشتري منه الْقَمْح، فَنَمّ عليه عند الملك، وذكر أن من جملة ما قاله للملك: إني رأيتها تطحن، وهذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر في آخر الأمر، وقال: إن هذه لا تصلح أن تخدُم نفسها(٢)، فـ (أَتَاهُ)؛ أي: الجبّار، (فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ)؛ أي: لأنها من أحسن الناس، وأجملهم، (فَأَرْسَلَ) الجبّار (إِلَيْهَا)؛ أي: إلى سارة، (فَأَتِيَ بِهَا) بالبناء للمفعول، (فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَّا إِلَى الصَّلَاةِ)؛ أي: ليتضرّع إلى الله ◌ُّولة، ويستعين بها على دفع ما وقع له من تسلّط الجبّار على زوجته، كما قال الله رَك: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]، (١) («المفهم)) ١٨٦/٦. (٢) ((الفتح)) ٦٤٩/٧.