Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ الشَِّيِّ ◌َلِ - حديث رقم (٥٩٣٢) وفي هذه الأحاديث تخصيص حديث الأوقات التي بيَّنها جبريل منظُّ للنبيّ وَّه، وبيَّنها النبيّ وَّر للأعرابيّ بقوله في آخرها: ((الوقت ما بين هذين)). انتھی(١). وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: وظاهره أنه أخّر الصلاتين إلى آخر وقتهما المشترك، وهو حجَّة لمالك، فإنَّه يقول بجواز كل ذلك، على تفصيل له في الأفضل من ذلك، كما قدَّمناه، وهو أيضاً حجة للشافعيّ عليه في اشتراطه في جواز الجمع بين الصلاتين استعجال السير، والشافعي لا يشترطه، وقد تقدَّم كلّ ذلك في (٢) (كتاب الصلاة)). انتهى" . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((إلى آخر وقتهما المشترك)) فيه نَظَر، بل الظاهر أنه أخَّر إلى وقت الثانية، فهو حجة ظاهرة لمن يقول بالجمع الحقيقيّ في وقت إحداهما، وهو الصحيح، وقد قدّمنا تحقيق ذلك في ((كتاب صلاة المسافرين))، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. (ثُمَّ قَالَ) وَ ((إِنَّكُمْ) أيها الصحابة (سَتَأْتُونَ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ) قاله تبرّكاً، وامتثالاً لقوله ريق: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. (عَيْنَ تَبُوَكَ) قال القرطبيّ: ظاهره: أن هذا منه وَّل إخبار عن غيب بوحي، ويَحْتَمِل غير ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد الاحتمال الثاني، فلا تبصّر. وفيه ردّ لقول من قال: إن سبب تسميتها تبوك قوله ﴿ للرجلين اللذين سبقا إلى العين: ((ما زلتما تبوكونها منذ اليوم))؛ لأن هذا القول قاله قبل أن يصل إلى تبوك بيوم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ)؛ أي: يكون النهار وقت الضحى، يقال: أضحى فلان: إذا صار في وقت الضحى. (فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (يَمُّسَّ) بفتح الميم، وضمّها، مضارع مسّ يَمَسّ، ويَمُسُ، من بابي تَعِبَ، وقَتَل، فعلى الأول يجوز كسر السين على أصل التخلّص من (١) (شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤١٥/١. (٢) ((المفهم)) ٥٤/٦ _ ٥٥. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل التقاء الساكنين، وفَتْحها؛ للتخفيف، وعلى الثاني، يجوز فيه ثلاثة أوجه، الكسر، والفتح؛ لِمَا ذُكر، والضمّ؛ إتباعاً لضمّة العين. (مِنْ مَائِهَا شَيْئاً) قال القرطبيّ ◌َخْتُ: إنما نهاهم عن ذلك؛ ليظهر انفراده بالمعجزة، وتتحقق نِسبتها إليه، واختصاصه بها، فإنَّه إذا شاركه غيره في مسٌّ مائها، لم يتمحض اختصاصه بها، ولذلك لمّا وجد الرجلين عليها؛ أمر أن يُغْرَف له من مائها، وكأنه كان أراد أن يباشر الماء، وهو في موضعه، لكن لمَّا سبقه غيره إليها، جمعوا له من مائها، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أمر أن يعاد ذلك الماء فيها، فلما فعلوا ذلك جاءت العين بماء منهمر، وسُمِع له حِسّ كحس الصواعق. (١) انتھی . (حَتَّى آتِيَ))) بالمد؛ أي: أجيء، قال الباجيّ: وفيه أن للإمام المنعّ من الأمور العامة؛ كالماء، والكلأ؛ للمصلحة (٢). (فَجِتْنَاهَا، وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانٍ) لا يُعرفان. (وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ) بكسر الشين المعجمة: سَيْرُ النعل الذي على ظهر القدم، والمراد: أن ماءها قليلٌ جدّاً، (تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: الرواية المشهورة: ((تَبِضُّ)) بالضاد المعجمة؛ أي: تسيل بماء قليل رقيق مثل شراك النعل، وقد رُوي بالصاد المهملة، وكذلك وقع في البخاريّ؛ أي: تبرق. يقال: بصَّ يبصُّ بصيصاً، ووَبَص يبص وبيصاً بمعناه. (٣) انتھی(٣). وقال ابن عبد البرّ تَخْلُهُ: معنى قوله: ((والعين تَبِضّ بشيء من ماء)) أنها كانت تسيل بشيء من ماء ضعيف، قال حميد بن ثور [من الطويل]: مُنَغَّمَةٍ لَوْ يُصْبِحُ الذَّرُّ سَارِياً عَلَى جِلْدِهَا بَضَّتْ مَدَارِجُهُ دَمَا وتقول العرب للموضع حين يُنَدِّي: قد بَضَّ، وتقول: ماءٌ بَضَّ بقطرة، وهذه الرواية الصحيحة المشهورة في ((الموطأ)): ((تَبِضُّ)) بالضاد المنقوطة، ومن رواه بالصاد، وضمّ الباء، فمعناه: أنه كان يُضيء فيها شيء من الماء، ويَبْرُق، (١) ((المفهم)) ٥٤/٦ _ ٥٥. (٢) (شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤١٥/١. (٣) ((المفهم)) ٥٤/٦ _ ٥٥. ٢٢٣ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ الَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٣٢) ويُرَى له بَصِيصٌ، أو شيء من بصيص، وعلى الرواية الأولى الناسُ. انتهى(١). (قَالَ) معاذ (فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هَلْ مَسَسْتُمَا) تقدّم أنه من باب تَعِبَ، وقَتَل، (مِنْ مَائِهَا شَيْئاً؟))، قَالَا: نَعَمْ) قال الباجيّ ◌َُّهُ: لأنهما لم يعلما نهيه، أو حملاه على الكراهة، أو نسياه، إن كانا مؤمنين، وروى أبو بشر الدُّولابيّ أنهما كانا من المنافقين(٢). (فَسَبَّهُمَا)؛ أي: شتمهما (النَّبِيُّ ◌َّ) لإساءتهما بمخالفة نهيه عن مسّ مائها قبله، (وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ)؛ أي: من التعنيف والتوبيخ. قال القرطبيّ ◌َّتُ: وسبُّ النبيّ وَّهِ لهما يَحْتَمِل أن يكون: لأنهما كانا منافقين قصدا المخالفة، فصادف السبُّ محلَّه، ويَحْتَمِل أن كانا غير منافقين، ولم يعلما بنهي النبيّ وَّ، ويكون سبَّه لهما لم يصادف محلّاً، فيكون ذلك لهما رحمةً، وزكاةً، كما قاله ◌َّ: ((اللهم من لعنته، أو سببته وليس لذلك بأهل، فاجعل ذلك له زكاة، ورحمة، وقربة تقرِّبه بها إليك يوم القيامة))، رواه مسلم . (قَالَ) معاذ (ثُمَّ غَرَفُوا) بفتح الراء، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، يقال: غَرَف الماء يَغْرِفُهُ، بالكسر، ويَغْرُفه بالضمّ: أخذه بيده؛ كأغترفه، أفاده المجد ◌َُّ(٣). (بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ)، وقوله: (قَلِيلاً قَلِيلاً) بالتكرار دليلٌ على نهاية القلة، (حَتَّى اجْتَمَعَ) الماء الذي غرفوه (فِي شَيْءٍ) من الأواني التي كانت معهم، قال الزرقانيّ: ولا قلب فيه، وأن أصله: غَرَفُوا في شيء حتى اجتمع ماء كثير، كما تُوُهِّم (٤). (قَالَ) معاذ (وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فِيهِ)؛ أي: في الماء الذي في الشيء (يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ)؛ أي: أعاد الماء الذي غسل فيه يديه ووجهه (فِيهَا)؛ أي: في تلك البئر، (فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) الكثير الانصباب والدفع، (أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ - شََكَ أَبُو عَلِيٍّ) الحنفيّ (أَيُّهُمَا قَالَ -) شيخه مالك بن أنس (حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ)، وفي بعض النسخ: ((فاستقى الناس))؛ أي: شَرِبوا، وسَقَوا دوابهم، فهو إخبار عن كثرة الماء، وَهُمْ جيش كثير عددهم. (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٠٨/١٢. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٩٤٤. (٢) (شرح الزرقانيّ)) ٤١٥/١. (٤) ((شرح الزرقانيّ)) ٤١٦/١. ٢٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (ثُمَّ قَالَ) وَِّ ((يُوشِك)؛ أي: يقرب، ويُسرع من غير بطء، (يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ)؛ أي: إن أطال الله عمرك، ورأيت هذا المكان (أَنْ تَرَى) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل ((يوشك))، (مَا) موصولة بمعنى الذي، (هَا هُنَا) إشارة للمكان، (قَدْ مُلِىَ) بالبناء للمفعول، (جِنَاناً)) منصوب على التمييز، وهو بكسر الجيم، وتخفيف النون: جمع جنّة، وهي الحديقة، ذات الشجر، وقيل: ذات النخل، وتُجمع أيضاً على جنّات، على لفظها، قاله الفيّوميّ تَّثُ(١)، وقال القرطبيّ تَخْذُ: ((الْجِنَان)»: البستان، من النخل وغيره، سُمِّي بذلك؛ لأنه يَجُنّ أرضه، وما تحته؛ أي: يستر ذلك. انتهى (٢). والمعنى: أنه يكثر ماؤه، ويُخصب أرضه، فيكون بساتين، ذات أشجار كثيرة، وثمار، قال الباجيّ: وهذا إخبار بغيب قد وقع، وخَصّ معاذاً بذلك؛ لأنه استوطن الشام، وبها مات، فعَلِم بالوحي أنه سيرى ذلك الموضع، كما ذَكَرَ، وأنه يمتلىء جِناناً ببركته بَّله، ولو لم يكن له معجزة غير هذه لتبيّن صِدْقه، وظهرت حجته. وقال ابن عبد البرّ: قال ابن وضاح: أنا رأيت ذلك الموضع كلّه حوالي تلك العين جِناناً خَضِرةً نَضرةً، ولعله يتمادى إلى قيام الساعة، وهكذا النبوة، وأما الشجر فلا يبقى بعد مفارقة صاحبه. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: نَظُه هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل المصنّف نَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٣٢/٣] (٧٠٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٠٦)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٨٥/١)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (١/ ١٤٣)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١١٧/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١١٢. (٣) ((شرح الزرقانيّ)) ٤١٦/١. (٢) ((المفهم)) ٥٦/٦. ٢٢٥ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٣٢) (٤٣٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٧/٥ - ٢٣٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٥٦/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٢/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٥٨ و١٥٩١ و١٥٩٣ و١٥٩٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ١٦٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٢/٢٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/ ١٦٢٩)، و((دلائل النبوّة)) (٢٣٦/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٠٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه قد اشتَمَل هذا الحديثُ على معجزتين عظيمتين: إحداهما: نَبْع الماء المذكور. والثانية: تعريفه بكثير من علم الغيب، فإنَّ تبوك من ذلك الوقت سُكِنت لأجل ذلك الماء، وغُرِست بساتين، كما قال النبيّ وَله. ٢ - (ومنها): بيان أن الإمام يغزو بنفسه العدوّ مع عسكره. ٣ - (ومنها): غزو الروم؛ لأن غزوة تبوك كانت إلى الروم بأرض الشام، وهي غزاةٌ لم يَلْقَ فيها رسول الله وَ لَ﴿ل كيداً، ولا قتالاً، وانصرف، وقد قيل: إن غزو الروم، وسائر أهل الكتاب أفضل من غيرهم؛ لِمَا أخرجه أبو داود في (سننه)): جاءت امرأة إلى النبيّ وَل﴿ يقال: لها أم خلاد، وهي منتقبة، تسأل عن ابنها، وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب رسول الله وَله: تسألين عن ابنك، وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أُرْزَأُ ابني، فلن أُرزا حيائي، فقال رسول الله وَلَّه: ((ابنك له أجر شهيدين))، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: ((لأنه قتله أهل الكتاب))(١). ٤ - (ومنها): أن فيه الجمعَ بين صلاتي النهار، وبين صلاتي الليل للمسافر، وإن لم يجدّ به السير. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ كَّلهُ: وفي قوله في هذا الحديث: ((فَأَخَّر الصلاة يوماً، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعاً)) دليل على أنه جَمَع بين الصلاتين، وهو نازل، غير سائر، ماكث في خبائه وفسطاطه يخرج، فيقيم الصلاة، ثم ينصرف (١) الحديث ضعيف؛ لجهالة عبد الخبير بن قيس. ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل إلى خبائه، ثم يخرج، فيقيمها، ويجمع بين الصلاتين، من غير أن يجدّ به السير. قال: وفي هذا الحديث أوضح الدلائل، وأقوى الحجج في الردّ على من قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين، إلا إذا جَدّ به السير، واختلف الفقهاء في ذلك(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم بيان مذاهب العلماء، وأدلّتهم في هذه المسألة في ((كتاب صلاة المسافرين))، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّقُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٣] (١٣٩٢ (٢)) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ(٣)، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ غَزْوَةَ تَبُوَكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى، عَلَى حَدِيقَةٍ لِمْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اخْرُصُوهَا))، فَخَرَ صْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ: ((أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللهُ)، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَ يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ))، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّىٍ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ صَاحِبٍ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْداً، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: ((كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟))، فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ))، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: ((هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلِّ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأَنَّصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٩٦/١٢. (٣) وفي نسخة: ((سهل الساعديّ)). (٢) هذا الرقم مكرّر، تقدّم ٢٢٧ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٣٣) عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ))، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَيَّرَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِرَاً؟ فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِرً (١)، فَقَالَ: ((أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبِيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عمارة بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقة [٦] مات بعد الثلاثين، ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٤/٨٨. ٤ - (عَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) المدنيّ، ثقة [٤] مات في حدود العشرين ومائة، وقيل: قبل ذلك (خ م د ت ق) تقدم في ((الحج)) ٩٠/ ٣٣٧٢. ٥ - (أَبُو حُمَيْدٍ) الساعديّ الصحابي المشهور، اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو، شَهِد أُحُداً وما بعدها، وعاش إلى أول خلافة يزيد سنة ستين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٧/ ٩١٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من أوله إلى آخره. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) وفي رواية وُهيب التالية: ((حدّثنا عمرو بن يحيى)) (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ)، وفي رواية الإسماعيليّ: ((من طريق وُهيب، حدّثنا عمرو بن يحيى، حدّثنا عبّاس بن سهل الساعديّ)) (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) الساعديّ ◌َه، تقدّم الخلاف في اسمه آنفاً، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ غَزْوَةَ تَبُوَكَ) تقدم البحث فيها في الحديث الماضي. (فَأَتَيْنَا وَادِيَ (١) وفي نسخة: ((فجعلتنا آخر)). ٢٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الْقُرَى) هي مدينة قديمة بين المدينة والشام، وأغرب ابن قرقول، فقال: إنها من أعمال المدينة (١). وقال الفيّوميّ: وادي القرى: موضع قريبٌ من المدينة على طريق الحاجّ من جهة الشام. انتهى (٢). (عَلَى حَدِيقَةٍ) - بفتح الحاء المهملة - هي: البستان، يكون عليه حائط، فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أَحْدَقَ بها؛ أي: أحاط، ثم توسعوا، حتى أطلقوا الحَدِيقَةَ على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع: الحَدَائِقُ، قاله الفيّوميّ تَظّهُ(٣). وقال في ((العمدة)): قال ابن سِيده: هي من الرياض، كل أرض استدارت، وقيل: الحديقة كل أرض ذات شجرة بثمر ونخل، وقيل: الحديقة البستان والحائط، وخَصّ بعضهم به الجنة من النخل والعنب، وقيل: الحديقة حُفْرة تكون في الوادي، يحتبس فيها الماء، فإذا لم يكن فيه ماء فهو حديقة، ويقال: الحديقة أعمق من الغدير، والحديقة: القطعة من الزرع؛ يعني: أنه مشترك، وكله في معنى الاستدارة، وفي ((الغريبين)): يقال للقطعة من النخل: حديقة. انتهى (٤). (لِمْرَأَةٍ) قال الحافظ: ولم أقف على اسمها في شيء من الطرق. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((اخْرُ صُوهَا))) بضمّ الراء، من باب نصر، والخرص: الحزر، والتخمين، وقال النوويّ: بضمّ الراء، وكسرها، والضمّ أشهر؛ أي: احزروا كم يجيء من تمرها. انتهى (٥). وقال في (التاج)): الخَرْصُ: الحَزْرُ، والحَدْسُ، والتَّخْمِينُ، هذا هُوَ الأَصْلُ في مَعْنَاه، وقِيلَ: هُوَ التَّظَنِّي فِيما لا تَسْتَيْقِنُه، يُقَال: خَرَصَ العَدَدَ يَخْرِصُهُ - بالكسر - ويَخْرُصُه بالضمّ خَرْصاً، وخِرْصاً: إِذَا حَزَرَه، ومِنْهُ: خَرْصُ النَّخْلِ، والتَّمْرِ؛ لأَنَّ الخَرْصَ إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرٌ بِظَنٍّ، لا إِحَاطَة. وقِيلَ: الاسْمُ (١) ((الفتح)) ٣٣١/٤، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٨١). (٣) ((المصباح المنير)) ١٢٥/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٥٤. (٤) ((عمدة القاري)) ٩/ ٦٥، بزيادة من ((الفتح)) ٣٣٤/٤ - ٣٣٥. (٥) ((شرح النوويّ)) ٤٣/١٥. ٢٢٩ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٣٣) بالكَسْرِ، والمَصْدَرُ بالفَتْحِ، يُقَالُ: كَمْ خِرْصُ أَرْضِكَ؟ وكَمْ خِرْصُ نَخْلِكَ؟ وفَاعِلُ ذلِكَ الخَارِصُ، وَالجَمْعُ: الخُرّاصُ، وقال ابنُ شُمَيْلِ: الخِرْصُ بالكَسْرِ: الحَزْرُ، مِثْل: عَلِمْتُ عِلْماً، قالَ الأَزْهَرِيُّ: هذَا جَائِزٌ؛ لأَنَّ الاسْمَ يُوضَع مَوْضِعَ المَصْدَرِ. انتهى(١) . وقال النوويّ: فيه استحباب امتحان العالِم أصحابه بمثل هذا التمرين. (فَخَرَصْنَاهَا)، ولم أقف على أسماء من خَرَصٍٍ منهم، (وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللهِنَّهِ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ) على وزن أَفْعُل بضم العين، جَمْع وَسْق بفتح الواو، وهو ستون صاعاً، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلاً، عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلاً عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصاع والمدّ، قاله في ((العمدة))(٢). (وَقَالَ) وَيِّ للمرأة («أَحْصِيهَا)؛ أي: احفظي عدد كيلها، وأصل الإحصاء: العدد بالحصى؛ لأنهم كانوا لا يُحسنون الكتابة، فكانوا يضبطون العدد بالحصى. (حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ الله)) قاله تبرّكاً، عملاً بقوله رؤمن: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣، ٢٤]. (وَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا (حَتَّى قَدِمْنَا) بكسر الدال، (تَبُوَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ٍِّ: (سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ)؛ أي: المستقبلة، (رِيحٌ شَدِيدَةٌ) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: هذا من المعجزات الغيبية، وهي من معجزاته وَ ﴿ ذات الكثرة، بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعيّ بأن النبيّ وَ ﴿ كان يعلم كثيراً من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، أو من ارتضاه من الرسل، فأطلعه الله عليه، والنبيّ وَله قد أطلعه الله عليه، فهو رسول من أفضل الرسل. انتهى(٣). (فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ))) بالكسر؛ أي: حَبْله، وفي رواية ابن إسحاق في ((المغازي)) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عباس بن سهل: ((ولا يخرُجَنّ أحد منكم الليلةَ، إلا ومعه صاحب له)). قال القرطبيّ تَخّثه: فيه دليل على الأخذ بالحزم، والحذر في النفوس، (١) (تاج العروس)) ٤٤٣١/١. (٣) ((المفهم)) ٥٨/٦. (٢) ((عمدة القاري)) ٦٥/٩. ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل والأموال، ومن أهمل شيئاً من الأسباب المعتادة، زاعماً أنه متوكل، فقد غلط، فإنَّ التوكل لا يناقض التحرز، بل حقيقته لا تتم إلا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سُنَّة الله، وبين التفويض إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله وَاليه. انتهى(١). (فَهَبَّتْ) من باب قعد؛ أي: هاجت (رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه. (فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّىٍ)، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عفّان، عن وُهيب: ((ولم يَقُم فيها أحدٌ غير رجلين، ألقتهما بجبل طي))، وفيه نظرٌ، بيَّنته رواية ابن إسحاق، ولفظه: ((ففعل الناس ما أمرهم إلا رجلين، من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج آخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته، فإنه خُنِقٍ على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيّئ، فأخبر رسول الله وَلِّ، فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه، فَشُفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله بَّهول حين قَدِم من تبوك)). والمراد بجبلي طيئ المكان الذي كانت القبيلة المذكورة تنزله، واسم الجبلين المذكورين: ((أَجَأَ)) بهمزة، وجيم مفتوحتين، بعدهما همزة، بوزن قَمَر، وقد لا تهمز، فيكون بوزن عَصَا، و((سلمى))، وهما مشهوران، ويقال: إنهما سمّيا باسم رجل وامرأة من العماليق. قال الحافظ: ولم أقف على اسم الرجلين المذكورين، وأظنّ تَرْك ذِكرهما وقع عمداً، فقد وقع في آخر حديث ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر حدّثه أن العباس بن سهل سَمَّى الرجلين، ولكنه استكتمني إياهما، قال: وأبى عبد الله أن يسمِّيهما لنا. انتهى(٢). (وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ) - بفتح العين المهملة، وسكون اللام، والمدّ ـ وهو تأنيث الأعلم، وهو المشقوق الشفة العليا، والأفلح: هو المشقوق الشفة السفلى. (صَاحِبٍ أَيْلَةَ)؛ يعني به: مَلِكها. (١) ((المفهم)) ٥٨/٦. (٢) ((الفتح)) ٣٣١/٤ - ٣٣٢، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٨١). ٢٣١ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ بَّهِ - حديث رقم (٥٩٣٣) و((أيلة)) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام مفتوحة -: بلدة قديمة بساحل البحر، وإليها تُنسب عَقَّبة أيلة. (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِكِتَابٍ) وفي مغازي ابن إسحاق: ولمّا انتهى رسول الله وَله إلى تبوك أتاه يُوحَنّا بن رُوبة، صاحب أيلة، فصالح رسول الله وَل﴿، وأعطاه الجزية، وكذا رواه إبراهيم الحربيّ في الهدايا، من حديث عليّ ◌َُّه، فاستفيد من ذلك اسمه، واسم أبيه، فلعل الْعَلْماء اسم أمه، و(يوحَنّا)) بضم التحتانية، وفتح المهملة، وتشديد النون، و((روبة)) بضم الراء، وسكون الواو، بعدها موحّدة. (وَأَهْدَى) ابن الْعَلْماء صاحب أيلة (لَهُ) وَِّ (بَغْلَةً بَيْضَاءَ) قال النوويّ: هذه البغلة هي دُلْدُل بغلة رسول الله وَّ ر المعروفة، لكن ظاهر لفظه هنا أنه أهداها للنبيّ ◌َير في غزوة تبوك، وقد كانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند رسول الله وَلجر قبل ذلك، وحضر عليها غَزاة حُنين، كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة، وكانت حُنين عقب فتح مكة سنة ثمان، قال القاضي: ولم يُرْوَ أنه كان للنبي وَِّ بغلة غيرها، قال: فَيُحْمَل قوله على أنه أهداها له قبل ذلك، وقد عَطَف الإهداء على المجيء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، والله أعلم. انتهى(١). وتعقّب في ((الفتح)) كلام النوويّ هذا، فقال: هكذا جزم النوويّ، ونَقَل عن العُلَماء أنه لا يُعْرَف له بغلة سواها، وتُعُقّب بأن الحاكم أخرج في ((المستدرك)) عن ابن عباس أن كسرى أهدى للنبيّ وَّهِ بغلةً، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه ... الحديث، وهذه غير دُلْدُل، ويقال: إن النجاشيّ أهدى له بغلةً، وأن صاحب دُومة الْجَنْدَل أهدى له بغلةً، وأن دُلْدُل إنما أهداها له الْمُقَوْقِس، وذكر السهيليّ أن التي كانت تحته يوم حنين تُسَمَّى فِضّةً، وكانت شهباء، ووقع عند مسلم في هذه البغلة أن فَرْوَة أهداها له. انتهى. (فَكَتَبَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ابن العَلْماء صاحبٍ أيلة، (رَسُولُ اللهِ وَعِ) ذَكَر ابن إسحاق نصّ الكتاب، وهو بعد البسملة: ((هذه أَمَنَةٌ من الله، ومحمد النبيّ رسول الله ◌َ﴿ لِيُوَحّنا بن رُوبة، وأهل أيلة، سُفُنهم وسيارتهم، في البر، (١) ((شرح النوويّ)) ٤٣/١٥ -٤٤. ٢٣٢ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل والبحر، لهم ذمّة الله، ومحمد النبيّ ... ))، وساق بقية الكتاب. وفي رواية البخاريّ: (وكَتَبَ له ببحرهم))؛ أي: ببلدهم، أو المراد: بأهل بحرهم؛ لأنهم كانوا سُكاناً بساحل البحر؛ أي: أنه أقرّه عليهم بما التزموه من الجزية، وفي بعض الروايات: ((ببحرتهم))؛ أي: بلدتهم، وقيل: البحرة: الأرض، وكان ◌َّ أَقطع هذا المَلِك من بلاده قطائع، وفَوَّض إليه حكومتها(١). (وَأَهْدَى) النبيّ ◌َّ (لَهُ)؛ أي: لابن العَلْماء، (بُرْداً) قال القرطبيّ كَُّهُ: إنما أهدى له النبيّ ◌َّ البُرد؛ مكافأةً، ومواصلةً، واستئلافاً ليدخل في دين الإسلام، وكأن النبيّ وَّ لم يحضره في ذلك الوقت إلا ذلك البرد، والله أعلم. انتهى(٢). (ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا)؛ أي: تَمْر حديقتها، (كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) بنصب (عشرةَ)) مفعولا به لـ((بَلَغَ)) محذوفاً؛ أي: بلغ عشرة أوسق. وفي رواية البخاريّ: ((فجاء عشرةَ أوسق، خَرْصَ رسول الله وَلَ))، فقال في ((العمدة)): قوله: ((عشرة أوسق)) نُصب بنزع الخافض؛ أي: جاء بمقدار عشرة أوسق، أو نُصِب على الحال، ويجوز أن يُعْطَى لقوله: ((جاء)) حُكم الأفعال الناقصة، فيكون ((عشرةً)) خبراً له، والتقدير: جاءت عشرة أوسق. وقوله: (خَرْص رسول الله وَّ) خَرْصَ مصدر بالنصب على أنه بدل من قوله: ((عشرة أوسق))؛ لأنه ◌َّ كان قد خَرَصها عشرة أوسق لَمّا جاء وادي القرى، أو عظْف بيان لعشرة، ويجوز الرفع في ((عشرةٌ))، وفي ((خرص))، والتقدير: الحاصل عشرة أوسق خرص رسول الله وَّر، ويجوز الرفع في (خرص)) وحده على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي خرص رسول الله وَّ؛ أي: العشرة خرص رسول الله وَلِينَ(٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: (إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي)، وفي رواية البخاريّ: ((إني متعجل إلى المدينة، فمن أحب فليتعجل معي))، وأخرج (١) ((الفتح)) ٣٣٢/٤ - ٣٣٣، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٨١)، و((عمدة القاري)) ٦٦/٩. (٣) ((عمدة القاري)) ٦٦/٩. (٢) ((المفهم)) ٥٩/٦. ٢٣٣ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّهـــ حديث رقم (٥٩٣٣) عليّ بن خزيمة في ((فوائده)) من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال بسنده إلى أبي حميد: ((قال: أقبلنا مع رسول الله وَّ حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُراب؛ لأنها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى، فساق الحديث، ولم يذكر أوله، قال في ((الفتح)): واستفيد منه بيان قوله: ((إني متعجل إلى المدينة، فمن أحب فليتعجل معي))؛ أي: إني سالك الطريق القريبة، فمن أراد فليأت معي؛ يعني: ممن له اقتدار على ذلك، دون بقية (١) الجيش. انتهى (وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ)))؛ أي: فليتأخّر، ولا يتعجّل معي، قال أبو حميد: (فَخَرَجْنَا) مسرعين معه ◌ِِّ (حَتَّى أَشْرَفْنَا)؛ أي: قاربنا، واطّلعنا (عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ) وَهِ (هَذِهِ طَابَةُ) اسم للمدينة، وهو غير منصرف؛ للعَلَمية والتأنيث، ومعناها: الطيّبة، وسمّاها رسول الله وَ﴿ بهذا الاسم، وكان اسمها في الجاهليّة يثرب. (وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ)) قيل: يعني به: أهل الجبل، وهم الأنصار؛ لأنه لهم، فيكون مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. والصحيح أنه يحبه ◌َ﴿ وأصحابه حقيقة، فلا حاجة إلى دعوى المجاز بتقدير مضاف، وقد ثبت أنه ارتجّ تحته وَّه، فقال له: ((اثبُت، فليس عليك إلا نبيّ، وصديق، وشهيدان))، وحَنّ الجذع اليابس إليه، حتى نزل، فضمّه، وقال: (لو لم أضمّه لحنّ إلى يوم القيامة))، وكلّمه الذئب، وسَجَد له البعير، وسلّم عليه الحَجَر، وكلّمه اللحم المسموم أنه مسموم، فلا يُنْكَر حبّ الجبل له وحبّ النبيّ وَّرَ إياه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) وَ ((إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأَنْصَارِ) وفي رواية البخاريّ: ((ألا أخبركم بخير دور الأنصار))، وكلمة ((ألا)) للتنبيه، والخطابُ لمن كان معه من الصحابة، والدور: جمع دار، نحو أَسَد وأُسْد، ويريد به القبائل الذين يسكنون الدور؛ يعني: المحالّ، قاله في ((العمدة)). وقال القرطبيّ كَّثُهُ: ((الدُّور)): جَمْع دار، وهو في الأصل: المحلة، (١) ((الفتح)) ٣٣٢/٤ - ٣٣٣، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٨١). ٢٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل والمنزل، وعَبَّر به هنا عن القبائل، وهذا نحو قوله: ((أمر رسول الله وَل ببناء المساجد في الدور، وأن تُنظّف، وتُطيّب))(١)؛ أي: في القبائل، والمحلات. انتھی(٢) . (دَارُ بَنِي النَّجَّارِ) هم من الخزرج، وهو - بفتح النون، وتشديد الجيم، وبالراء - وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، قيل: سمّي النجار؛ لأنه اختتن بِقَدُوم، وقيل: بل نَجَر وجه رجل بالقدوم، فسُمّي النجار. وقال القاضي عياض: المراد: أهل الدور، والمراد: القبائل، وإنما فُضِّل بني النجار؛ لِسَبْقهم في الإسلام، وآثارهم الجميلة في الدِّين. (ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) هم من الأوس، وهو عبد الأشهل - بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة - ابن جُشَم بن الحارث بن الخزرج الأصغر ابن عمرو، وهو النبيت بن مالك بن الأوس، والأوس أحد جِذْمي الأنصار؛ لأنهم جِذمان: الأوس، والخزرج، وهما أخوان، وأمهما قَيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وقيل: قيلة بنت كاهل بن عديّ بن سعد بن قُضَاعة(٣). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): قوله: ((ثم بنو عبد الأشهل)) هم من الأوس، كذا وقع في هذه الطريق، ولكن وقع في رواية معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة: ((قال رسول الله وَ له : ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلى، قال: بنو عبد الأشهل، وهم رهط سعد بن معاذ، قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: ثم بنو النجار))، فذكر الحديث، وفي آخره: قال معمر: وأخبرني ثابت وقتادة، أنهما سمعا أنس بن مالك يذكر هذا الحديث، إلا أنه قال: ((بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل))، أخرجه أحمد، وأخرجه مسلم من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ دون ما بعده، من رواية معمر، عن ثابت وقتادة، وأخرج مسلم أيضاً من طريق أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن أبي أُسيد مثل رواية أنس، عن أبي أسيد، فقد اختُلف على أبي سلمة في إسناده، هل شيخه فيه أبو أسيد، أو أبو هريرة؟ (١) حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. (٣) ((عمدة القاري)) ٩/ ٦٧. (٢) ((المفهم)) ٥٩/٦. ٢٣٥ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ نَّهِ - حديث رقم (٥٩٣٣) ومتْنِهِ، هل قَدَّم عبد الأشهل على بني النجار، أو بالعكس؟ وأما رواية أنس في تقديم بني النجار فلم يُختَلف عليه فيها، ويؤيدها رواية إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن أبي أُسيد، وهي عند مسلم أيضاً، وفيها تقديم بني النجار على بني عبد الأشهل، وبنو النجار هم أخوال جدّ رسول الله وَ الر؛ لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لَمّا قَدِم المدينة، فلهم مزية على غيرهم، وكان أنس منهم، فله مزيد عناية بحفظ فضائلهم. انتهى(١). (ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ)؛ أي: الأكبر؛ أي: ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة. قال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((بني عبد الحارث)) هكذا هو في النُّسخ، وكذا نقله القاضي، قال: وهو خطأ من الرواة، وصوابه: بني الحارث، بحذف لفظة (عبد) . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقوله: ((ثم دار بني عبد الحارث)) كذا وقع للعذريّ، والفارسيّ، وهو وَهْمٌ، والصواب: ((بني الحارث))، بإسقاط ((عبد))، والله أعلم. (ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ) هو من الخزرج أيضاً، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج الأكبر، (وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ)))؛ أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار، وإن تفاوتت مراتبه. (فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ)، وهو من بني ساعدة أيضاً، وكان كبيرهم يومئذ، وهو سعد بن عبادة بن دُليم بن حارثة الأنصاريّ، مات بالشام سنة خمس عشرة، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الصلاة)) ١٧/ ٩١٢. (فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) بضم الهمزة، مصغّراً الساعديّ، واسمه مالك بن ربيعة بن الْبَدَن، صحابيّ مشهور بكنيته، شهد بدراً، وغيرها، ومات سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٥٢/١١. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَيَّرَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِراً؟ فَأَدْرَكَ سَعْدٌ)؛ أي: ابن معاذ، (رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِراً) (١) ((الفتح)) ٤٩١/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٨٩). ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل قال القرطبيّ كَّتُهُ: وقع في بعض النُّسخ: ((آخر)) بغير تنوين، ولا ألف، جَعَله غير منصرف، وليس بصحيح الرواية، ولا المعنى؛ إذ لا مانع من صرفه؛ لأنَّ آخراً هنا: هو الذي يقابل: أولاً، وكلاهما مصروف، وهو منصوبٌ على أنه المفعول الثاني لـ((جَعَلَ))؛ لأنَّها بمعنى: صيَّر. ويَحْتَمِل أن يُتأوَّل في معنى جعل: معنى أنزل، فيكون ظرفاً؛ أي: أنزلتنا منزلاً متأخراً. وعلى الوجهين فلا بدَّ من صرفه، وكذا وَجَدْنا من تقييد المحققين. انتهى كلام القرطبيّ تَذْتُهُ(١). وفي رواية أبي الزناد: ((فَوَجَدَ سعد بن عبادة في نفسه، فقال: خُلِّفنا، فكنا آخر الأربعة، وأراد كلام رسول الله بَّر في ذلك، فقال له ابن أخيه سهل: أتذهب لتردّ على رسول الله ﴿ ﴿ أَمْره، ورسول الله وَّ أعلم، أوَ ليس حسبك أن تكون رابع أربعة، فرجع)). انتهى. (فَقَالَ) بَرِ ((أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ) بإسكان السين المهملة؛ أي: كافيكم، قال في ((الفتح)): وهذا يعارض ظاهر الرواية المتقدمة، فإن فيها أن سعداً رجع عن إرادة مخاطبة النبيّ وَ ﴿ في ذلك لَمّا قال له ابن أخيه. ويمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قَصْد رسول الله وَل ◌َو لذلك خاصّة، ثم إنه لمّا لقي رسول الله وَّ في وقت آخر ذَكَر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار، والذي صدر منه وَرَدَ مورد المعاتبة المتلطفة، ولهذا قال له ابن أخيه في الأول: أتردّ على رسول الله وَلو أمره؟ قاله في (٢) ((الفتح))(٢). (أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟))) ويُروى ((من الأخيار))؛ أي: الأفاضل؛ لأنهم بالنسبة إلى مَنْ دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحَسَب السَّبْق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي حُميد الساعديّ ◌َّهِ هذا متّفقٌ عليه. (١) ((المفهم)) ٦/ ٦٠. (٢) ((الفتح)) ٤٩٢/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٨٩). ٢٣٧ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِّ يَّهِ - حديث رقم (٥٩٣٣) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٣٣/٣ و٥٩٣٤] (١٣٩٢)، وتقدّم في ((الحجّ)) بهذا الرقم، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٨١) و((الجزية)) (٣١٦١) و((فضائل المدينة)) (١٨٧٢) و((مناقب الأنصار)) (٣٧٩١) و((المغازي)) (٤٤٢٢)، و(أبو داود) في ((الخراج)) (٣ - ٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٣٩/١٤ - ٥٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٤/٥ - ٤٢٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٣١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٠١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ١٢٢)، و((دلائل النبوّة)) (٢٣٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه أشياءَ من أعلام النبوة؛ كالإخبار عن الريح، وما ذُكر في تلك القصّة. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة تدريب الأتباع، وتعليمهم، وأَخْذ الحذر مما يُتوقَّع الخوف منه. ٣ - (ومنها): بيان فضل المدينة، والأنصار. ٤ - (ومنها): مشروعية المفاضلة بين الفضلاء بالإجمال، والتعيين، قال القرطبيّ تَّتُهُ: هذا الحديث يدلُّ على جواز تفضيل بعض المعيَّنين على بعض من غير الأنبياء، وإن سَمِع ذلك المفضول، وقد تقدَّم القول في تفضيل الأنبياء(١). ٥ - (ومنها): مشروعية قبول الهديّة، والمكافأة عليها . ٦ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز المدح إذا قُصِد به الإخبار بالحقّ، ودعت إلى ذلك حاجة، وأُمنت الفتنة على الممدوح. ٧ - (ومنها): جواز المنافسة في الخير، والدِّين، والثواب، كما قال سعد: ((يا رسول الله خَيَّرت دور الأنصار، فجعلتنا آخراً))، طلب أن يُلحقهم بالطبقة الأولى، فأجابه و * بأن قال: ((أوَ ليس حسبكم أن تكونوا من الخيار؟))، وإنما يعني بذلك: أن تفضيلهم إنما هو بحسب سَبْقهم إلى الإسلام، (١) ((المفهم)) ٥٩/٦. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وظهور آثارهم فيه، وتلك الأمور وقعت في الوجود مرتبة على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل، وإذا كان كذلك لم يتقدَّم متأخِّر منهم على منزلته، كما لا يتأخر متقدِّم منهم عن مرتبته؛ إذ تلك مراتب معلومة على قَسْم مقسومة، وقد سبق لسعادتهم القضاء، ﴿يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤](١). ٨ - (ومنها): بيان جواز الخرص إذا احتيج إليه، وأنه طريق معتبر شرعاً. ٩ - (ومنها): أن خروج ثمرة هذه الحديقة على مقدار ما خَرَصه رسول الله وَ له دليل على صحة حَدْسه وَله، وقوة إدراكه، وإصابته وجه الصواب فيما كان يحاوله، ولا يُعارَض هذا بحديث إِبَار النخل، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عادة ثابتة متكررة في إِبَار النخل لم يعلمها النبيّ وََّ، فقال: ((ما أرى هذا يُغني شيئاً))؛ يعني: الإِبَار، وصَدَق، فإنَّ الله تعالى هو الذي يمسك الثمرة، ويطيّبها إذا شاء، لا الإِبَار، ولا غيره، بخلاف الوصول إلى المقادير بالخرص، فإنَّ الغالب فيه من الممارسين له التقريب، لا التحقيق، وقد أخبر النبيّ بمقدار ذلك على التحقيق، فوُجد كما أخبر، فإنْ كان هذا منه عن حَدْس وتخمين، كان دليلاً على أنه قد خُصَّ من ذلك بشيء لم يَصِل إليه غيره، وإن كان ذلك بالوحي، كان ذلك من شواهد نبوته وَله، قاله القرطبيّ تَخْذُ(٢). [تنبيه]: ((الْخَرْص)) - بفتح الخاء المعجمة، وحُكِي كسرها، وبسكون الراء، بعدها مهملة - هو حَزْرُ ما على النخل من الرُّطَب تمراً، حَكَى الترمذيّ عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أَدْرَكت من الرُّطَب، والعنب، مما تجب فيه الزكاة بَعَث السلطان خارصاً ينظر، فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيباً، وكذا وكذا تمراً، فيُحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيُثْبته عليهم، ويُخَلِّي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الْجِذَاذ أخذ منهم العُشر. انتهى. وفائدة الخرص: التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زَهْوِها، وإيثار الأهل، والجيران، والفقراء؛ لأن في مَنْعهم منها تضييقاً لا يخفى . وقال الخطابيّ: أنكر أصحاب الرأي الخرص، وقال بعضهم: إنما كان (١) ((المفهم)) ٥٩/٦ - ٦٠. (٢) ((المفهم)) ٥٧/٦ - ٥٨. ٢٣٩ (٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ يَّرِ - حديث رقم (٥٩٣٣) يُفعل تخويفاً للمزارعين؛ لئلا يخونوا، لا لِيَلْزَم به الحكم؛ لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا، والقمار. وتعقبه الخطابيّ بأن تحريم الربا والمَيْسِر متقدِّم، والخرص عُمِل به في حياة النبيّ وَّر حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تَرْكه، إلا عن الشعبيّ، قال: وأما قولهم: إنه تخمين وغرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. وحَكَى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصّاً بالنبيّ وَّهِ؛ لأنه كان يوفَّق من الصواب ما لا يوفَّق له غيره. وتعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يُسَدَّد لِمَا كان يسدَّد له سواه أن تَثْبت بذلك الخصوصية، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدّد فيه؛ كتسديد الأنبياء لسَقَط الاتباع. وتُرَدّ هذه الحجة أيضاً بإرسال النبيّ وَّهِ الْخَرَاص في زمانه، والله أعلم. واعتَلَّ الطحاويّ بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة، فتُتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذاً بدلاً مما لم يَسْلَم له. وأجيب بأن القائلين به لا يُضَمِّنون أرباب الأموال ما تَلَف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يُحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ، فلا ضمان. واختَلَف القائلون به، هل هو واجب، أو مستحبّ؟ فحَكَى الصيمُريّ من الشافعية وجهاً بوجوبه، وقال الجمهور: هو مستحبّ، إلا إن تَعَلَّق به حقّ المحجور مثلاً، أو كان شركاؤه غير مؤتمَنين، فيجب؛ لِحِفظ مال الغير. واختُلِف أيضاً هل يختص بالنخل، أو يُلحق به العنب، أو يعمّ كل ما يُنتفع به رَظْباً، وجافّاً؟ وبالأول قال شُريح القاضي، وبعض أهل الظاهر، والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاريّ. قال الجامع عفا الله عنه: ما نحا إليه البخاري تَّثُ من التعميم هو الأظهر؛ لعموم العلّة، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وهل يمضي قول الخارص، أو يُرجع إلى ما آل إليه الحال بعد ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الجفاف؟، الأول قول مالك، وطائفة، والثاني قول الشافعيّ، ومن تبعه. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله مالك وطائفة هو الأقرب؛ لأنه نتيجة مشروعيّة الخرص، والله تعالى أعلم. وهل يكفي خارص واحد عارف ثقةٌ، أو لا بدّ من اثنين؟، وهما قولان للشافعي، والجمهور على الأول. واختُلف أيضاً هل هو اعتبار أو تضمين؟ وَهُما قولان للشافعيّ، أظهرهما الثاني. وفائدته جواز التصرف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أُخذت منه الزكاة بحساب ما خُرِص، والله تعالى أعلم. [تكميل]: في ((السنن))، و((صحيح ابن حبان)) من حديث سهل بن أبي حَثْمَة رَظُّه مرفوعاً: ((إذا خَرَصتم فخذوا، ودَعُوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع))، وقال بظاهره الليث، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وفَهِم منه أبو عبيد في ((كتاب الأموال)) أنه القَدْر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه، فقال: يُترك قدر احتياجهم، وقال مالك، وسفيان: لا يُترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعيّ، قال ابن العربيّ: والمتحصل من صحيح النظر أن يُعْمَل بالحديث، وهو قدر المؤنة، ولقد جَرَّبناه، فوجدناه كذلك في الأغلب، مما يؤكل رُطَباً. انتهى، ذكر هذا كله في ((الفتح)) (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّنُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: ((وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ، مِنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: ((فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ بِبَحْرِهِم)). وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: ((فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ إِ))). (١) ((الفتح)) ٣٣٠/٤ - ٣٣٤، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٨٢). ٠