Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َِّ - حديث رقم (٥٩٢٠) يتحنط، فقال: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله وس﴿، بئسما عوّدتم أقرانكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قُتل، وكان عليه دِرْعٌ نفيسةٌ، فمرّ به رجل مسلم، فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم، أتاه ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حُلُم، فتضيّعه، إني لما قُتلت أخذ درعي فلان، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس تستنّ، وقد كفأ على الدرع بُرْمَةً، وفوقها رَجْل، فائت خالداً، فُمُرْه، فليأخذها، وليقل لأبي بكر: إن عليّ من الدَّين كذا وكذا، وفلان عتيق، فاستيقظ الرجل، فأتى خالداً، فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحَدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته. ورواه البغويّ من وجه آخر، عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس، مطوّلاً، ذَكَره في ((الإصابة)) (١)، له في البخاريّ حديث واحد، وهو القصّة المذكورة، وليس له عند مسلم إلا ذكر فقط. وقوله: (وَفِي يَدِ النَّبِيِّ وَهِ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ) جملة حاليّة أيضاً، و((الجريدة)) بفتح الجيم، وكسر الراء: فعلية بمعنى مفعولة، قال الفيّوميّ تَظَّهُ: الجريد: سَعَفُ النخل، الواحدة جريدة، فعِيلة بمعنى مفعولة، وإنما تُسمَّى جَرِيدةً: إذا جُرّد عنها خُوصها. انتهى(٢). (حَتَّى وَقَفَ) بََّ (عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ)؛ أي: في جملتهم، أو معهم. (قَالَ) وَ ﴿ لَمّا سأله أن يجعل له الأمر من بعده (لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْئُكَهَا، وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللهِ فِيَكَ) قال النوويّ تَّتُهُ: هكذا وقع في جميع نُسخ مسلم، ووقع في البخاريّ: ((ولن تَعْدُو أمر الله فيك))، قال القاضي عياض: هما صحيحان، فمعنى الأول لن أَعْدُوَ أنا أمر الله فيك، من أني لا أجيبك إلى ما طلبته، مما لا ينبغي لك، من الاستخلاف، أو المشاركة، ومِن أني أُبَلِّغ ما أُنزل إليّ، وأدفع أمرك بالتي هي أحسن، ومعنى الثاني: ولن تعدو أنت أمر الله في خيبتك فيما أَمَلْته، من النبوة، وهلاكك دون ذلك، أو فيما سبق من قضاء الله تعالى وقَدَره في شقاوتك، والله أعلم. انتهى(٣). (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٩٥/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٩٦/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٣٣/١٥، و((إكمال المعلم)) ٢٣٣/٧. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله وَّله: ((ولن أتعدَّى أمر الله فيك)) كذا في جميع نُسخ كتاب مسلم، وفي البخاري: ((ولن تعدوَ أمر الله فيك»، وكلاهما صحیح، ومعنى الأول: أن الله تعالى أمر نبيَّه ◌َ﴿ أن يغلِّظ القولَ لمسيلمة، وأن يُصرِّح بتكذيبه، وأن يخبره بأنه لا يَبْلغ أَمَله مما يريده من التشريك في الرسالة، ولا في الأرض، فلم يتعدَّ النبيُّ وَ﴿ ذلك؛ إذ قد فعل كل ذلك. ويَحْتَمِل أن يريد بالأمر: ما كتب الله تعالى عليه من الشِّقوة، وما وَسَمه به من الكذب والتكذيب، والأفعال القبيحة؛ أي: لا أقدر أن أردّ ما كتب الله عليك من ذلك؛ غير أن هذا المعنى أظهر من لفظ البخاريّ منه من لفظ كتاب مسلم. انتهى(١). (وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ)؛ أي: خالفت الحقّ، (لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ) بالقاف؛ أي: ليُهلكنّك الله؛ أي: إن أدبرت عن طاعتي ليقتلنّك الله، والعَقْر: القتل، ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]: قتلوها، وقتله الله تعالى يوم اليمامة، وهذا من معجزات نبوة نبيّنا مَّ﴾، وصحّة رسالته. (وَإِنِّي لأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ) قال القرطبيّ تَظُّهُ: الرواية (لأراك)) بضم الهمزة؛ بمعنى أظنك، على ما قد حصل لهذه الصيغة من غلبة عُرف الاستعمال، وقد قررنا: أن أصل ((أُرَى)) من ((رَأَى))؛ بمعنى: عَلِم، أو أبصر، أُدخلت عليه همزة التعدية، وبُنِيَت لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، وعلى هذا فيصح أن تكون هنا بمعنى العلم، فيكون معناه: إني لأعلم أنك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا أَولى بحال النبيّ وَلَ﴿، فإنَّ رؤياه حقّ، وتأويله لا يجوز عليه الغلط، بخلاف غيره، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). وقوله: (أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ) بضم أوله، وكسر الراء، يأتي شرحه في كلام ابن عبّاس ﴿ّ. (وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي)))؛ أي: لأنه كان خطيب الأنصار، وكان النبيّ وَّ قد أعطي جوامع الكلم، فاكتفى بما قاله لمسيلمة، وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب، فهذا الخطيب يقوم عني في ذلك، ويؤخذ منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد، ونحو ذلك. (١) ((المفهم)) ٤٢/٦. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٤٣. ١٦٣ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َِّ - حديث رقم (٥٩٢٠) قال النوويّ: قال العلماء: كان ثابت بن قيس خطيب رسول الله وَّقه، يجاوب الوفود عن خطبهم، وتشدّقهم. وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: قوله وَّى: ((وهذا ثابت يجيبك عني)) يعني: ثابت بن قيس بن شماس، خطيب رسول الله ◌َ ، فكأن النبيّ وَّ وجد على مسيلمة في نفسه، فأعرض عنه إعراض المحتقر له، المصغّر لشأنه، وأحال على ثابت؛ لعلمه بأنه يقوم عنه بجواب كل ما يسألونه عنه؛ إذ كان من أفضل الناس، وأكملهم عقلاً، وأفصحهم لساناً، وكان مع ذلك جَهْوَريّ(١) الصوت، حسن النغمة، فكان يقوم بالحجة، ويبالغ في إيراد الخطبة. انتهى (٢). (ثُمَّ انْصَرَفَ)؛ أي: رجع النبيّ وَِّ (عَنْهُ)؛ أي: عن مسيلمة، (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) ﴿ّ (فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌ِّ)؛ أي: عن تفسيره، ((إِنََّكَ(٣) أُرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ))، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ)َهُ (أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنٍ)، وفي بعض النسخ: ((إسوارين))، قال في (الفتح)): قوله: ((إسواران)) بكسر الهمزة، وسكون المهملة: تثنية إسوار، وهي لغة في السِّوَار، والسوار بالكسر، ويجوز الضم، والأُسوار أيضاً صفة للكبير من الفُرْس، وهو بالضم، والكسر معاً، بخلاف الإسوار من الحلي، فإنه بالكسر فقط. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((بالكسر فقط)) فيه نظر؛ لأنه سيأتي في عبارة ((التاج)) أن فيه الكسر، والضمّ، فتنبّه. وقال القرطبيّ: السوار: ما تجعله المرأة في ذراعيها، مما تتحلَّى به من الذهب والفضة، وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وضمّها، وبهمزة مضمومة، فيقال: أُسوار، ويجمع أساورة، فأمَّا أساورة الفُرْسِ فقُوَّادهم. انتهى. وقال في ((التاج)): السّوَارُ ككِتَابٍ، وغُرَابٍ: القُلْبُ - بضمّ، فسكون - كالأُسْوارِ بالضَّمِّ، ونُقلِ عن بعضهم الكسر أيضاً، والكلُّ مُعَرَّب دستوار بالفَارسِية، وقد استعمَلَتْه العربُ، وهو ما تَسْتعمله المرأةُ في يَدَيْهَا، جَمْعه (١) الْجَهْوريّ: هو الصوت العالي. اهـ. (تاج العروس)). (٢) ((المفهم)) ٦/ ٤٣. (٣) وفي نسخة: ((إني لأراك الذي)). ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا أَسْوِرَةٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ أَساوِرُ، وأَسَاوِرَةٌ جمع أُسْوار. انتهى(١). (مِنْ ذَهَبٍ) ((مَن)) لبيان الجنس؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةِ﴾ [الإنسان: ٢١]، ووَهِم من قال: الأساور لا تكون إلا من ذهب، فإن كانت من فضة فهي القُلْب، قاله في ((الفتح)). (فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا)؛ لأنهما من حلية النساء، ومما يحرم على الرجال، وفي رواية: ((فكَبُرا عليّ))، وفي رواية للبخاريّ: ((ففظعتهما، وكرهتهما))، وهو بفاء، وظاء مشالة، مكسورة، بعدها عين مهملة، يقال: فَظُع الأمرُ، فهو فَظِيع: إذا جاوز المقدار، قال ابن الأثير: الفظيع الأمر الشديد، وجاء هنا متعدياً، والمعروف: فَظِعت به، وفَظِعت منه، فيَحْتَمِل التعدية على المعنى؛ أي: خِفتهما، أو معنى فظعتهما: اشتدّ عليّ أمرهما. (فَأُوحِي) بالبناء للمفعول، (إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ) قال القرطبيّ: ظاهره: أن هذا وحي من جهة المَلَك على غالب عادته، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك إلهاماً. انتهى(٢). وقوله: (أَنٍ) هي المفسّرة، (انْفُخْهُمَا) بالخاء المعجمة، (فَنَفَخْتُهُمَا، فَطَارَا) نَفْخِه ◌َ جّ إياهما، فطارا دليل لانمحاقهما، واضمحلال أمرهما، وكان كذلك، وهو من المعجزات. (فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي) وفي بعض النسخ: ((بعدي))؛ أي: بعد موتي، قال النوويّ: المراد بقوله ◌َلّ: ((يخرجان بعدي))؛ أي: يُظهران شوكتهما، أو محاربتهما، ودعواهما النبوة، وإلا فقد كانا في زمنه وَالر. انتهى. وقال القرطبيّ كَّهُ: قوله: ((يخرجان بعدي))؛ أي: يظهران، ويغلبان بعد موتي، وإلا فقد كانا موجودين في حياة النبيّ وَّ، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى: ((فأوَّلتهما الكذّابَيْن اللذين أنا بينهما))، ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء، وأهل اليمامة كانا قد أسلما، وكانا كالسَّاعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذَّابان، وتبهرجا لهما بترَّهاتهما، وزَخرفا أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبيّ وَل بمنزلة يديه؛ لأنَّه كان يعتضد بهما، والسِّواران فيهما هما: مسيلمة، وصاحب (١) ((تاج العروس)) ٢٩٧٥/١. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٤٣ - ٤٤. ١٦٥ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َِّه- حديث رقم (٥٩٢٠) صنعاء بما زَخْرفا من أقوالهما، ونَفْخُ النبيّ وَ ليو هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه، كما ذكرناه. انتهى(١). (فَكَانَ أَحَدُهُمَا)؛ أي: الكذّابين، (الْعَنْسِيَّ) بسكون النون، وحَكَى ابن التين جواز فتحها، قال الحافظ: ولم أر له في ذلك سلفاً، وقوله: (صَاحِبَ صَنْعَاءَ) صفة لـ((العنسيّ))؛ أي: الذي غلب على صنعاء البلد المعرف باليمن. والعنسي هذا هو الأسود، واسمه عَبْهلة بن كعب، وكان يقال له أيضاً : ذو الخمار، بالخاء المعجمة؛ لأنه كان يُخَمِّر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وكان الأسود قد خرج بصنعاء، واذَّعَى النبوة، وغَلَب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال: إنه مَرّ به، فلما حاذاه عثر الحمار، فادَّعَى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئاً، فقام. وروى يعقوب بن سفيان، والبيهقيّ في ((الدلائل)) من طريقه، من حديث النعمان بن بُزْرُج - بضم الموحدة، وسكون الزاي، ثم راء مضمومة، ثم جيم - قال: خرج الأسود الكذاب، وهو من بني عَنْس - يعني: بسكون النون - وكان معه شيطانان، يقال لأحدهما: سُحَيق - بمهملتين، وقاف، مصغراً - والآخر شُقَيق - بمعجمة، وقافين، مصغراً - وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبيّ وَ لير بصنعاء، فمات، فجاء شيطان الأسود، فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها دادويه، وفيروز، وغيرهما، حتى دخلوا على الأسود ليلاً، وقد سقته المرزبانة الخمر صِرْفاً، حتى سَكِر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار، حتى دخلوا، فقتله فيروز، واحتَزّ رأسه، وأخرجوا المرأة، وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة النبيّ وَله. قال أبو الأسود، عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبيّ وَّ بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر ◌ُه، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبيّ وَلَ(٢). (١) ((المفهم)) ٦/ ٤٣ - ٤٤. (٢) ((الفتح)) ٥٢٧/٩ - ٥٢٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٧٨). ١٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا (وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ) الكذّاب الذي تقدّمت ترجمته، (صَاحِبَ الْيَمَامَةِ)) البلدة المعروفة، وقد تقدّم بيانها قريباً، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًِّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢٠/٥] (٢٢٧٣)، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦٢٠ و٣٦٢١) و((المغازي)) (٤٣٧٣ و٤٣٧٤ و٤٣٧٨ و٤٣٧٩) و((التوحيد)) (٧٤٦١)، و(الترمذيّ) في ((الرؤيا)) (٢٢٩٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٣٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٥٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/ ٤٤٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٥/٨)، و((دلائل النبوّة)) (٣٣٤/٥ و٣٣٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الإمام يأتي بنفسه إلى من قَدِم يريد لقاءه من الكفار، إذا تعيَّن ذلك طريقاً لمصلحة المسلمين. ٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً للصدِّيق ◌َظله؛ لأن النبيّ ◌َّ تولى نفخ السِّوارين بنفسه، حتى طارا، فأما الأسود فقُتل في زمنه، وأما مسيلمة فكان القائم عليه حتى قتله أبو بكر الصديق رضيه، فقام مقام النبيّ ◌َ﴿ في ذلك. ٣ - (ومنها): بيان فضيلة ثابت بن قيس رضابه، حيث أقامه النبيّ وَله مقامه في محاورة مسيلمة الكذّاب، وكان خطيب الأنصار قبل الإسلام، ثم كان خطيبه وَسٍ * إذا قدِم الوفود، وهو الذي بشّره النبي ◌َّ بالجنّة. ٤ - (ومنها): أن السوار، وسائر آلات أنواع الحلي اللائقة بالنساء تُعَبّر للرجال بما يسوؤهم، ولا يسرّهم. ٥ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ وَّليل حيث أخبر أنه نفخهما، فطارا، فلم يلبث حتى قُتل كلّ منهما، كما أشار إليه ◌َّه، والله تعالى أعلم. ١٦٧ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَِّيِّ ◌َّرِ - حديث رقم (٥٩٢١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٢١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ، فَوَضَعَ فِي يَدَّ أُسْوَارَيْنٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرًا عَلَيَّ، وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَتَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذكروا في الباب، إلا هماماً، فتقدّم قبل أربعة أبواب. وقوله: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ ... إلخ) قد مرّ غير مرّة أن أصله ((بين))، فأشبعت الفتحة، فصارت ألفاً، وأنه ظرف مضاف إلى جملة ((أنا نائم))، وقد تدخل عليها ((ما))، فيقال: ((بينما))، وقوله: ((أنا)) مبتدأ، و((نائم)) خبره، وقوله: ((أُتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ)) ببناء الفعل للمفعول، وهو جواب ((بينا))، وعامل فيه (١). وقال النوويّ كَُّ: وفي الرواية الأخرى: ((فوضع في يديّ أسوارين)) قال أهل اللغة: يقال: ◌ُوار بكسر السين، وضمها، وأسوار بضم الهمز، ثلاث لغات(٢)، ووقع في جميع النسخ في الرواية الثانية: ((أسوارين))، فيكون ((وَضَعَ)) بفتح الواو، والضاد، وفيه ضمير الفاعل؛ أي: وضع الآتي بخزائن الأرض في يديّ أسوارين، فهذا هو الصواب، وضَبَطه بعضهم: ((فَوُضِعَ)) بضم الواو، وهو ضعيف، لنصب ((أسوارين))، وإن كان يتخرج على وجه ضعيف. وقوله: (يَدَيَّ) هو بتشديد الياء، على التثنية(٣). وقوله: (صَاحِبَ صَنْعَاءَ) هو الأسود الْعَنْسيّ، (وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ))) هو مسيلمة الكذّاب، وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٦/٢. (٢) تقدّم أن فيه أربع لغات، يزاد على الثلاث كسر الهمزة، فتنبّه. (٣) (شرح النوويّ)) ٣٤/١٥. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رع ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢١/٥] (٢٢٧٤)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٣٧٥) و((التعبير)) (٧٠٣٣ و٧٠٣٤ و٧٠٣٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ١٥٩١)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٣٩٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٨١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٩/٢ ٣٣٨ و٣٤٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٦٥٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٠/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٥/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٩٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَمُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٢] (٢٢٧٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قريباً. ٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠. ٣ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت١٧٠) بعدما اختَلَط، لكن لم يحدِّث في حال اختلاطه (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١. ٤ - (أَبُو رَجَاءِ الْعُطَارِدِيُّ) عمران بن مِلْحان - بكسر الميم، وسكون اللام، بعدها مهملة - ويقال: ابن تيم، مشهور بكنيته، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، مخضرمٌ، ثقةٌ مُعَمَّر [٢] مات سنة خمس ومائة، وله مائة وعشرون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٥/٦٢. ٥ - (سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ) بن هلال الفَزاريّ، حليف الأنصار، صحابيّ، مشهورٌ، له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ١٦٩ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َلــ حديث رقم (٥٩٢٢) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظُّ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه محمد بن بشّار أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد نظمتهم بقولي : ذَوُو الأَصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاةُ اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ الْحَافِظِينَ البَارِعِينَ الْبَرَرَةْ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيوُخِ الْمَهَرَهْ نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا شرح الحديث : (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) ﴿ُه، وفي رواية البخاريّ من طريق عوف الأعرابيّ، قال: ((حدّثنا أبو رجاء، حدّثنا سَمُرة بن جُندُب)). (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ) وفي رواية يزيد بن هارون عن أبي رجاء: ((إذا صلى صلاة الغداة))، وذكر ابن أبي حاتم من طريق زيد بن علي بن الحسين بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ قال: ((صلى بنا رسول الله وَلَه يوماً صلاة الفجر، فجلس ... )) الحديث بطوله نحو حديث سمرة، والراوي له عن زيد ضعيف، وأخرج أبو داود، والنسائيّ من حديث الأعرج، عن أبي هريرة: ((أن النبيّ وَّل ـ كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة رؤيا؟))، وأخرج الطبرانيّ بسند جيد، عن أبي أمامة، قال: ((خرج علينا رسول الله وير بعد صلاة الصبح، فقال: إني رأيت الليلة رؤيا، هي حقّ، فاعقلوها)»، فذكر حديثاً فيه أشياء، يُشْبِه بعضها ما في حديث سمرة، لكن يظهر من سياقه أنه حديث آخر، فإن في أوله: ((أتاني رجل، فأخذ بيدي، فاستتبعني، حتى أتى جبلاً طويلاً وَعْراً، فقال لي: ارْقَهْ، فقلت: لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك، فجعلتُ كلَّما وضعت قدمي وضعتها على درجة، حتى استويت على سواء الجبل، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء مُشَقَّقة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يقولون ما لا يعلمون ... )) ١٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا الحديث، ذكره في ((الفتح))(١) . (بِوَجْهِهِ) الشريف، (فَقَالَ: ((هَلْ (أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)؛ أي: على الصحابة رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟)) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم ((البارحة))، وفيه دليل لجواز إطلاق البارحة على الليلة الماضية، وإن كان قبل الزوال، وقول ثعلب وغيره: إنه لا يقال: البارحة إلا بعد الزوال يَحْتَمِل أنهم أرادوا أن هذا حقيقته، ولا يمتنع إطلاقه قبل الزوال مجازاً، ويَحْمِلون الحديث على المجاز، وإلا فمذهبهم باطل بهذا الحديث. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ نَذْتُ: بَرِحَ الشيءُ يَبْرَحِ، من باب تَعِبَ بَرَاحاً: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البَارِحَةَ، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلةَ كذا؛ لِقُربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البَارِحَةَ. (٣) انتهى(٣). وقال القرطبيّ ◌َظّثهُ: قوله: ((البارحة))؛ يعني به: الليلة البارحة؛ أي: الذاهبة، اسم فاعل من بَرَحَ الشيءُ: إذا ذهب. ومنه قولهم: برح الخفاء؛ أي: ذهب، وإذا دخل حرف النفي على برح صار من أخوات ((كان)) التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ووقع هذا اللفظ في غير كتاب مسلم: ((هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا)) بدل ((البارحة))، واستَدَلَّ به بعض الناس على أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هو من الليل، وليس بصحيح؛ لأنَّه: إنما أشار للَّيلة البارحة، لا للساعة الحاضرة، بدليل هذه الرواية الصحيحة التي قال فيها: ((البارحة))، ومعناها: الماضية بالاتفاق، فكأنه قال: الليلة الماضية، أو المنصرمة، ولمّا كانت قريبة الانصرام أشار إليها، ولمّا كان هذا معلوماً اكتفي بذكر الليلة عن صفتها، ولمّا كانت ((البارحة)) صفة معلومة لليلة استعملها غير تابعة استعمالَ الأسماء، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع، فيقال: الليلة البارحة، لكن جاز ذلك؛ لِمَا ذكرناه. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٤٢١/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٧). (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٥. (٤) ((المفهم)) ٢٩/٦ - ٣٠. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٢/١. ١٧١ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ نَّهِ - حديث رقم (٥٩٢٢) [تنبيه]: هذا الحديث اختصره مسلم، فإنه حديث طويل، وقد ساقه البخاريّ كَّثُ في ((كتاب التعبير)) من ((صحيحه))، فقال: (٧٠٤٧) - حدّثنا مؤمَّل بن هشام أبو هشام، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، ـه قال: كان حدّثنا عوف، حدّثنا أبو رجاء، حدّثنا سمرة بن جندب رسول الله وَل ـ يعني - مما يُكثر أن يقول لأصحابه: ((هل رأى أحد منكم من رؤيا؟))، قال: فَيَقُصّ عليه من شاء الله أن يقصّ، وإنه قال ذات غداة: ((إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيَتْلَغ(١) رأسه، فيتدهده الحجر، ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل به مرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مُستلقٍ لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بِكَلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقّي وجهه، فيشرشر (٢) شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال: وربما قال أبو رجاء: فيشق، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب، كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنُّور، قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لَغَطّ وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عُراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا(٣)، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر، حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر (٤) له فاه، (١) أي: يشدخ رأسه، والشدخ الكسر. (٣) أي: رفعوا أصواتهم مختلطةً. (٢) أي: يُشقّ. (٤) أي: يفتح. ١٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا فيلقمه حجراً، فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه، فغر له فاه، فألقمه حجراً، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه الْمَرآةَ (١)؛ كأكره ما أنت راء رجلاً مَرآةً، فإذا عنده نار يَحُشّها(٢)، ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعْتِمَةٍ(٣)، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظَهْري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قطّ، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قطّ أعظم منها، ولا أحسن، قال: قالا لي: ارْقَ فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلَبِن ذهب، ولَبِن فضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففُتح لنا، فدخلناها، فتلقّانا فيها رجال شَطْر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا، فقَعُوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض(٤) في البياض، فذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صُعُداً، فإذا قصر مثل الربابة (٥) البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني، فأدخله، قالا: أمّا الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أَمّا إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثْلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشَرْشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال (١) أي: كريه المنظر. (٢) أي: يوقدها . (٣) أي: مخضرّة. (٤) بالحاء المهملة: اللَّبَن الخالص من الماء. (٥) السحابة . ١٧٣ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٢٢) والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة، والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يَسبح في النهر، ويُلقَم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه الْمَرْآة الذي عند النار يَحُشّها، ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم وَّ، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة))، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله وَ له: ((وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطراً منهم حسنٌ، وشطراً منهم قبيحٌ، فإنهم قوم خلطوا عملاً صالِحاً، وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم)). انتهى (١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سمرة بن جُندب رَُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢٢/٥] (٢٢٧٥)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٨٤٥) و((الجنائز)) (١٣٨٦) و((التهجّد)) (١١٤٣) و((البيوع)) (٢٠٨٥) و((الجهاد)) (٢٧٩١) و((بدء الخلق)) (٣٢٣٦) و((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٥٤) و((التفسير)) (٤٦٧٤) و((الأدب)) (٦٠٩٦) و((التعبير)) (٧٠٤٧)، و(الترمذيّ) في ((الرؤيا)) (٢٢٩٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩١/٤ و٣٥٨/٦)، و(أحمد) في (مسنده)) (٨/٥ و٩ و١٠ و١٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٤٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٩٨٤ و٦٩٨٦ و٦٩٩٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٧/٢ و١٨٨ و٢٧٥/٥)، و(«شُعَب الإيمان)) (٣٣٥/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٠٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب إقبال الإمام بعد سلامه على أصحابه. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الإمام لا يمكث في موضع صلاته إذا (١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٥٨٣ - ٢٥٨٥. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا فرغ منها، وقد تقدَّم ذلك(١). ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَّتُهُ: إنما كان ونَ﴾ يسألهم عن الرؤيا؛ لِمَا كانوا عليه من الصلاح، والصدق، فكان قد علم أن رؤياهم صحيحة، وأنها يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليبيّن لهم بالفعل الاعتناء بالرؤيا، والتشوُّف لفوائدها، وليعلّمهم كيفية التعبير، وليستكثر من الاطلاع على علم الغيب. انتهى(٢). ٤ - (ومنها): بيان الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح؛ لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعاً، قاله في ((الفتح)) (٣). وقال النوويّ كَّتُهُ: فيه استحباب السؤال عن الرؤيا، والمبادرة إلى تأويلها، وتعجيلها أولَ النهار؛ لهذا الحديث، ولأن الذهن جَمْعٌ قبل أن يتشعب بأشغاله في معايش الدنيا، ولأن عهد الرائي قريب لم يطرأ عليه ما يهوش الرؤيا عليه، ولأنه قد يكون فيها ما يستحب تعجيله؛ كالحثّ على خير، أو التحذير من معصية، ونحو ذلك. ٥ - (ومنها): إباحة الكلام في العلم، وتفسير الرؤيا، ونحوهما بعد صلاة الصبح. ٦ - (ومنها): أن استدبار القبلة في جلوسه للعلم، أو غيره مباح، قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)): وفيه أن ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يُكره، بل يُشرع؛ كالخطيب. انتهى (٤). ٧ - (ومنها): أن فيه استقبالَ الإمام أصحابه بعد الصلاة، إذا لم يكن بعدها راتبةٌ، وأراد أن يعظهم، أو يفتيهم، أو يحكم بينهم. انتهى. [خاتمة]: قال الإمام البخاريّ تَظْلُهُ في ((صحيحه)): ((باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح))، قال في ((الفتح)): فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق، (١) ((المفهم)) ٢٩/٦. (٢) ((المفهم)) ٢٩/٦. (٣) ((الفتح)) ٤٣٠/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٧). (٤) ((الفتح)) ٤٣٠/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٧). ١٧٥ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ وَالــ حديث رقم (٥٩٢٢) عن معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن بعض علمائهم، قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الردّ على من قال من أهل التعبير: إن المستحبّ أن يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دالّ على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. قال المهلّب تَُّ: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات؛ لِحِفْظ صاحبها لها؛ لِقُرب عهده بها، وقبل ما يَعْرِض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر، وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائي ما يَعْرِض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير، ويَحْذَر من الشرّ، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير عن معصية، فيكفّ عنها، وربما كانت إنذاراً لأمر، فيكون له مترقباً، قال: فهذه عدّة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار. انتهى ملخصاً(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((الفتح)) ٤٣٠/١٦ - ٤٣١، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٧). ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ٤٥ - (كِتَابُ الْفَضَائِلِ) قال الجامع عفا الله عنه: المراد فضائل الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - خاصّةً، لا ما يشمل فضائل الصحابة ظمه؛ لأنه سيأتي بعد هذا ((كتاب ـة))، فتنبه . فضائل الصحابة و((الفضائل)): جمع فضيلة، وهي: خلاف النقيصة، وهي الدرجة الرفيعة في الفضل، والاسمُ من ذلك الفاضلة، والجمع الفواضل، وفَضّله على غيره تفضيلاً: مَزّاه؛ أي: أثبت له مَزِيّة؛ أي: خصلة تميزه عن غيره، أو فَضّله: حكم له بالتفضيل، أو صيّره كذلك، وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّعَنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] قيل في التفسير: إن فضيلة ابن آدم أنه يمشي قائماً، وأن الدواب، والإبل، والحمير، وما أشبهها تمشي مُنْكَبّة، وابن آدم يتناول الطعام بيديه، وسائر الحيوان يتناوله بفيه، قاله في ((التاج))(١). وقال أيضاً: الفضل معروف، وهو ضد النقص، جَمْعه: فضول، وفي ((التوقيف)) للمناويّ: الفضل: ابتداء إحسان بلا علّة، وفي ((المفردات)) للراغب: الفضل: الزيادة على الاقتصاد، وذلك ضربان: محمود؛ كفضل العلم، والحلم، ومذموم؛ كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضل في المحمود أكثر استعمالاً، والفضول في المذموم، والفضل إذا استُعْمِل بزيادة أحد الشيئين على الآخر، فعلى ثلاثة أضراب: فضلٌ من حيث الجنسُ، وفضلٌ من حيث النوعُ؛ كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، وفضلٌ من حيث الذات؛ كفضل رجل على آخر، فالأولان جوهريان، لا سبيل للناقص منهما أن يزيل نقصه، وأن يستفيد الفضل؛ كالفرس، والحمار، لا يمكنهما اكتساب (١) (تاج العروس)) ٧٤٠٨/١. ١٧٧ ٤٥ - كتاب الفضائل فضيلة الإنسان، والثالث قد يكون عَرَضيّاً فيوجد السبيل إلى اكتسابه، ومن هذا النحو التفضيل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النحل: ٧١]؛ أي: في الْمُكْنة، والمال، والجاه، والقوّة، وكلّ عطية لا يلزم إعطاؤها لمن تُعطى له، يقال لها: فضل، نحو: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَدُ﴾ [المائدة: ٥٤] متناول للأنواع الثلاثة من الفضائل. انتهى. وقد فَضِلَ؛ كنَصَر، وعَلِمَ، الأخيرة حكاها ابن السِّكِّيت، وأما فَضِلَ؛ كعَلِمٍ يَفْضُلُ؛ كيَنْصُرُ، فمركبة منهما؛ أي: من البابين شاذّة، لا نظير لها، قال سيبويه: هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين، قال: وكذلك نَعِمَ يَنْعُمُ، ومِتَّ تَمُوت، ودِمْتَ تَدُوم، وكِدتَ تَكُود، كما في ((الصحاح))، وعن ابن السيد: أن هذه اللغات الثلاث إنما هي في الفضل الذي يراد به الزيادة، فأما الفضل الذي هو بمعنى الشرف، فليس فيه إلا لغة واحدة، وهي فَضَلَ يَفْضُلُ؛ كقَعَد یَقْعُدُ. انتهى. وقال الصيمريّ في ((كتاب التبصرة)) له: فَضَل يَفْضُل؛ كنصر ينصر، من الفضل الذي هو السؤدد، وفَضِل يَفْضَل بكسرها في الماضي، وضمّها في المضارع، من الفضلة، وهي بقية الشيء. انتهى (١). وقال الخضريّ في ((حاشية السمرقنديّة)) في الاستعارة: ((الفواضل: جمع فاضلة، وهي الصفة التي لا تتحقّق إلا بتعدّي أثرها للغير؛ كالكرم)). و((الفضائل)): جمع فضيلة، وهي التي تتحقّق، وإن لم يتعدّ أثرها للغير؛ كالعلم، والعبادة، قال: وهذا مجرّد اصطلاح، وإلا ففضيلة فَعِيلة، بمعنى فاضلة، وكلّ من الاسمين من الفضل، وهو الزيادة، فكلّ صفة تستحقّ لغةً أن تسمّى فضيلة، وفاضلةً؛ لأنها زائدة على محلّها الذي قامت به. (٢) انتھی ٠ (١) (تاج العروس)) ٧٤٠٧/١ - ٧٤٠٨. (٢) ((حاشية الخضريّ على السمر قنديّة)) ص١٣. ١٧٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (١) - (بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُُّوَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٣] (٢٢٧٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْم، جَمِيعاً عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ، يَقُولُ: سَمِعَّتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) - بكسر الميم، وسكون الهاء - الْجَمّال - بالجيم - أبو جعفر، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في ((الإيمان)» ٢١٢/٢٦. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْم) هو: محمد بن عبد الرحمن بن حَكِيم بن سَهْم الأنطاكيّ، ثقةٌ يُغْرِّب [١٠] (ت٢٤٣) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الصلاة)) ٤٠ /١٠٦٩. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس، والتسوية [٨] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٨/١٠. ٤ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو، ثقةٌ فقيهٌ، جليلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٥ - (أَبُو عَمَّارٍ شَدَّادُ) بن عبد الله القرشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٣٧/٢٦. ٦ - (وَائِلَةُ بْنُ الأَسْقَع) - بالقاف - ابن كعب الليثيّ الصحابي المشهور نظُه، نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين، وله مائة وخمس سنين (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٩٣٠/٥٢. ١٧٩ (١) - بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَِّّوَِّ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٩٢٣) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَُّهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء منهما، ثم فصل بينهما؛ للاختلاف في ذلك، كما شرحناه غير مرّة، وأنه مسلسل بالشاميين، غير شيخيه، كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ) بالجرّ بدل، أو عَطْف بيان لِمَا قبله، (أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْفَعِ) رَّهِ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ اصْطَفَى) قال ابن العربيّ: الاصطفاء: أخذ الصافي من جملة معها غيره، وليس مثله، وقال القرطبيّ تَخْلَثُهُ: اصطفى: اختار. وصفوة الشيء: خياره، ووزنه: افتعل، والطاء فيه بدل من التاء؛ لِقُرب مخرجيهما. انتهى (١). (كِنَانَةَ) بكسر الكاف، وتخفيف النون؛ أي: بني كنانة، وهو كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، (مِنْ وَلَدٍ إِسْمَاعِيلَ) بفتح الواو واللام على أنه اسم جَمْع، أو بضمّ الواو، وسكون اللام، على أنه جَمْع وَلَد. وقال الفيّوميّ كَُّهُ: الوَلَدُ - بفتحتين -: كلُّ ما وَلَده شيء، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو مذكَّرٌ، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ وِزانُ قُفْل لغة فيه، وقيس تجعل المضموم جمع المفتوح، مثل أُسْدٍ جمع أَسَدٍ. انتهى(٢). قال: قال رسول الله المَله : وفي رواية الترمذيّ: عن واثلة بن الأسقع ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح(٣). وقال البغويّ كَُّ في ((شرح السُّنَّة)): هو: وَّ أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن (١) ((المفهم)) ٤٦/٦. (٣) ((سُنن الترمذيّ)) ٥٨٣/٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٧١/٢. ١٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان، ولا يصحّ حفظ النسب فوق عدنان، وقُريش هم أولاد النضر بن كنانة، كانوا تفرّقوا في البلاد، فجمعهم قُصيّ بن كلاب في مكة، فسُمّوا قريشاً؛ لأنه قَرَشهم؛ أي: جمعهم، ولكنانة ولد سوى النضر، وهم لا يُسمّون قريشاً؛ لأنهم لم يقرشوا. انتهى (١). (وَاصْطَفَى قُرَيْشاً) بصيغة التصغير مشتق من القَرْش، وهو الجمع، قال في ((التاج)): قَرَشَه يَقْرِشُه قَرْشاً، من باب ضَرَب، ويَقْرُشُهُ أيَضْاً من باب نَصَر: قَطَعَه، وقَرَشَهُ: جَمَعَه من ها هنا وها هنا، وضَمَّ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ، قال الفَرّاءُ: ومنه قُرَيْشٌ القَبِيلَةُ، وأَبُوهُمُ النَّصْرُ بنُ كِنَانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ الْيَاسِ بِنِ مُضَرَ، فَكُلُّ مَنْ كانَ مِنْ وَلَدِ النَّصْرِ فَهُوَ قُرَشِيٍّ، دُونَ وَلَدِ كِنَانَةَ، وَمَنْ فَوْقَه، كَذا في ((الصّحاح))، قَال المرتضى: وعِنْدَ أَئِمَّةِ النَّسَبِ كُلُّ مَنْ لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، قالهُ ابنُ الكَلْبِيِّ، وهو المَرْجُوعُ إِلَيْه في هذَا الشّأْنِ؛ لتَجَمُّعِهِمْ في الحَرَمِ مِنْ حَوَالَيْ مَكَّةَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِم في البِلَادِ، حينَ غَلَبَ عليها قُصَيُّ بنُ كِلَابٍ، ويُقَالَ: تَقَرَّشَ القَوْمُ: إِذا اجْتَمَعُوا، قالُوا: وبِهِ سُمِّيَ قُصَيٍّ مُجَمِّعاً، وقِيلَ: إِنَّمَا لُقِّبَ قُصَيٍّ مُجَمِّعاً؛ لِجَمْعِه قبائل قُرَيْشٍ بالرِّحْلَتَيْنِ، ولِكَوْنِهِ أَوّلَ مَنْ جَمّعَ يومَ الجُمُعَةِ، فخَطَب، وفِيه يَقُولُ مَظْرُود بنُ كَعْبِ الخُزاعِيُّ [من الطويل]: أَبُوكُمْ قُصَيٍّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعاً بِهِ جَمَّعَ اللَّهُ القَبَائِلِ مِنْ فِهْرٍ أَو لأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَرَّشُونَ البِيَاعَاتِ، فَيَشْتَرُونَهَا، أَوْ لأَنَّ النَّصْرَ بنَ كِنَانَةَ اجْتَمَعَ في ثَوْبِهِ يَوْماً، فقالوا: تَقَرَّشَ، فَغَلَبَ عليه اللَّقَبُ، أَوْ لأَنّه جاءَ إِلى قَوْمِه يَوْماً، فقالُوا: كَأَنَّهُ جَمَلٌ فَرِيشٌ؛ أَيْ: شَدِيدٌ، فلُقِّبَ به، أَوْ لأَنَّ قُصَيّاً كان يُقَالُ له: القُرَشِيُّ، وهُوَ الَّذِي سَمّاهم بِهذا الاسْمِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ونَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ في ((مُبْهم القُرْآنِ)، أَوْ لأَنَّهُمْ كَانُوا يُفَتِّشُونَ الَحَاجَ - بالتَّخْفِيفِ - جَمْعُ: حَاجَةٍ فَيَسُدُّونَ خَلَّتَها، فمَنْ كان مُحْتَاجاً أَغْنَوْهُ، ومَنْ كان عارِياً كَسَوْهِ، ومَنْ كان مُعْدِماً وَاسَوْهُ، ومَنْ كانَ طَرِيداً آوَوْهِ، ومَنْ كان خائِفاً حَمَوْه، ومَنْ كان ضالّاً (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٦٣٢/١١.