Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَِّّ ◌ِ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) عند فقد الحجج كلها في باب المباح، وعن بعض المبتدعة أنه حجةٌ، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿فَأَهَمَهَا مُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨]، وبقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]؛ أي: ألهمها حتى عرفت مصالحها، فيؤخذ منه مثل ذلك للآدميّ بطريق الأولى، وذكر فيه ظواهر أخرى، ومنه الحديث قوله وَليقول: (اتقوا فراسة المؤمن))(١)، وقوله لوابصة: ((ما حاك في صدرك فَدَعْه، وإن أفتوك))(٢)، فجعل شهادة قلبه حجةً مقدمةً على الفتوى، وقوله: ((قد كان يكون في الأمم مُحَدَّثون))(٣)، فثبت بهذا أن الإلهام حقّ، وأنه وحي باطن، وإنما حُرِمَه العاصي؛ لاستيلاء وحي الشيطان عليه، قال: وحجة أهل السُّنَّة الآيات الدالة على اعتبار الحجة، والحث على التفكر في الآيات، والاعتبار، والنظر في الأدلة، وذم الأماني، والهواجس، والظنون، وهي كثيرةٌ، مشهورةٌ، وبأن الخاطر قد يكون من الله تعالى، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون من النفس، وكل شيء احْتَمَل أن لا يكون حقّاً لم يوصف بأنه حقّ. قال: والجواب عن قوله: ﴿فَهُمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنَهَا (٣)﴾ أن معناه: عَرَّفها طريق العلم، وهو الحجج، وأما الوحي إلى النحل فنظيره في الآدميّ فيما يتعلق بالصنائع، وما فيه صلاح المعاش، وأما الفراسة فنسلّمها، لكن لا نجعل شهادة القلب حجةً؛ لأنّا لا نتحقق كونها من الله، أو من غيره. انتهى ملخصاً . قال ابن السمعانيّ: وإنكار الإلهام مردود، ويجوز أن يفعل الله بعبده ما يُكرمه به، ولكن التمييز بين الحقّ والباطل في ذلك أن كل ما استقام على الشريعة المحمدية، ولم يكن في الكتاب والسُّنَّة ما يردّه، فهو مقبول، وإلا فمردود، يقع من حديث النفس، ووسوسة الشيطان، ثم قال: ونحن لا ننكر أن الله يُكرم عبده بزيادة نور منه، يزداد به نظره، ويَقْوَى به رأيه، وإنما ننكر أن يرجع إلى قلبه بقول لا يَعْرِف أصله، ولا نزعم أنه حجة شرعيةٌ، وإنما هو نور (١) حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ، وفي سنده عطيّة العوفي، كثير الخطأ، مشهور بالتدليس، وقد عنعنه، فتنبّه. (٢) حديث حسن، أخرجه أحمد. (٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا يختص الله به من يشاء من عباده، فإن وافق الشرع كان الشرع هو الحجة. (١) انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن السمعانيّ في هذا البحث، وخلاصته: أننا لا ننكر أن يخصّ الله تعالى بعض عباده بكرامة يُكرمه بها، وذلك أن ينوّر قلبه فينكشف له بعض الأمور، ولكنا ننكر أن يصلح ذلك تشريعاً، بل نقول: ما وافق الشرع الذي صحّ لدينا بالكتاب والسُّنَّة، فهو مقبول، وكرامة محضة، ومُقَوّ لإيمان العبد، وما خالف ذلك فمردود، لا يُلتفت إليه؛ لأنه من إلقاء الشيطان، ومن حديث النفس، فإن القاعدة المستمرّة في شرع نبيّنا وَّ أن دينه قد اكتمل في حياته، فلا يقبل الزيادة عليه، قال الله رَك: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، بل يكون ما خالفه من الفحشاء والمنكر، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٨]، ﴿رَبَّنَ لَ تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ ﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَضَّابُ الحقّ حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ، فَسَيَرَانِ فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ، لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي))، وَقَالَ: فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، و((أبو الطاهر)) هو: أحمد بن عمرو المصريّ، و((ابن وهب)) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، و(يونس)) هو: ابن یزید الأيليّ. (١) ((الفتح)) ٣٢٩/١٦ - ٣٣٧، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٩٣). ١٠٣ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٦) شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفَ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َبه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام)؛ أي: في حال نومه، (فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ) - بفتح القاف - أي: يوم القيامة رؤَيةً خاصّةً في القرب منه، أو من رآني في المنام، ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة إليّ، والتشرّف بلقائي، ويكون الله تعالى جعل رؤيته في المنام عَلَماً على رؤياه في اليقظة، وعلى القول الأول ففيه بشارة لرائيه وَله بأنه يموت على الإسلام، وكفى بها بشارةً، وذلك لأنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصّة باعتبار القُرب منه، إلا من تحققت منه الوفاة على الإسلام، كذا قال القسطلانيّ(١). (أَوْ) للشكّ من الراوي، (لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ) قال في ((مرقاة الصعود)): هذا شك من الراوي، ومعناه غير الأول؛ لأنه تشبيه، وهو صحيحٌ؛ لأن ما رآه في المنام مثاليّ، وما يُرى في عالم الحسّ حسّيّ، فهو تشبيه خياليّ. انتھی. وقال في ((الفتح)): هو تشبيه، ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول حقّاً وحقيقةً، والثاني حقّاً وتمثيلاً. وقيل: معنى قوله: ((فسيراني في اليقظة)) يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة، وصحتها، وخروجها على الحقّ، وليس المراد أنه يراه في الآخرة؛ لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة جميع أمته، من رآه في النوم، ومن لم يره منهم. وقيل: المراد من آمن به في حياته، ولم يره؛ لكونه حينئذ غائباً عنه، فيكون بهذا مبشِّراً لكل من آمن به، ولم يره أنه لا بدّ أن يراه في اليقظة قبل موته، قاله القزاز. وقال المازريّ(٢): إن كان المحفوظ: ((فكأنما رآني في اليقظة))، فمعناه (١) ((عون المعبود)) ٢٤٩/١٣. (٢) ((المعلم)) ١١٩/٣. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا ظاهر، وإن كان المحفوظ: ((فسيراني في اليقظة)) احْتَمَلَ أن يكون أراد أهل عصره، ممن يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جُعِل ذلك علامةً على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى الله بذلك إليه وَله. انتهى، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة من مسائل الحديث [٥٩٠٥]، ولله الحمد والمنّة. وقوله: (لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي))) جملة تعليليّة، أراد بها بيان كونه رؤيته حقّاً، وأنه سيراه في اليقظة، وقال القسطلانيّ: هو كالتتميم للمعنى، والتعليل للحكم؛ أي: لا يحصل له؛ أي: للشيطان مثال صورتي، ولا يتشبه بي، فكما منع الله الشيطان أن يتصور بصورته الكريمة في اليقظة كذلك منعه في المنام؛ لئلا يشتبه الحقّ بالباطل. انتهى(١). (وَقَالَ) ابن شهاب (فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة، وقيل غير ذلك في اسمه، الأنصاريّ الصحابيّ الشهير المتوفّى سنة (٥٤) وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨. (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ))؛ أي: ضدّ الباطل؛ يعني: أن رؤيته على حقيقتها، وليست من تسويلات الشيطان، وفي رواية أحمد: ((فقد رآني الحقّ))، بنصب الحقّ؛ أي: المنام الحقّ؛ أي: الصدق، قال الطيبيّ: (الحقّ)) هنا مصدر مؤكّد؛ أي: فقد رأى رؤية الحقّ. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((فقد رأى الحقّ))؛ أي: رؤية الحقّ، لا الباطل، وهو يردّ ما تقدم من كلام من تكلّف في تأويل قوله: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة))، قال: والذي يظهر لي أن المراد: من رآني في المنام على أيّ صفة كانت فليستبشر، ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحقّ التي هي من الله، لا الباطل الذي هو الحلم، فإن الشيطان لا يتمثل بي. انتهى(٣)، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم. (١) ((عون المعبود)) ٢٤٩/١٣. (٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٠٠٠/٩. (٣) ((الفتح)) ١٦/ ٣٣٧. ١٠٥ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَّهِ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٧) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة اته متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه قبله . (المسألة الثانية): حديث أبي قتادة نظ ◌ُبه، متّفق عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٠٦/٢ و٥٩٠٧] (٢٢٦٧)، و(البخاريّ) في ((التعبير)) (٦٩٩٥ و٦٩٩٦)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٤١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٦/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٦/٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَمِّي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعاً، بِإِسْنَادَيْهِمَا سَوَاءً، مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٢ - (ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٧] (ت١٥٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعاً) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير ابن أخي الزهريّ؛ أي: ذكر ابن أخي الزهريّ حديث أبي هريرة ◌ُبه، وحديث أبي قتادة وقوله: (بِإِسْنَادَيْهِمَا)؛ أي: إسنادي الحديث، وهما: ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﴿ه، وابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة ـه . [تنبيه]: رواية ابن أخي الزهريّ، عن عمه الزهري هذه ساقها أحمد تَخْذّتُهُ في ((مسنده))، فقال: ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا (٢٢٦٥٩) - حدثنا يعقوب، حدّثني ابن أخي ابن شهاب، عن محمد بن شهاب، حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله * يقول: ((من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة، أو: فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي))، فقال أبو سلمة: قال أبو قتادة: قال رسول الله ◌َّ﴾: ((من رآني، فقد رآني الحقَّ)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٨] (٢٢٦٨) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ، فَقَدْ رَآنِي، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِي))، وَقَالَ: ((إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُخْبِرْ أَحَدَاً بِتَلَغُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ)). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف كَّتُهُ، وهو (٤٥٢) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضيّ، لا يقال: فيه عنعنة أبي الزبير؛ لأن الراوي عنه هنا الليث بن سعد، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر نظُته، فتنبّه. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ)؛ أي: في حالة نومه، (فَقَدْ رَآنِي) تقدّم شرحه بما يكفي، ويشفي، ولله الحمد. (إِنَّهُ) هذا الضمير هو المسمَّى بضمير الشأن، وهو ضمير تفسّره جملة بعده، قال ابن مالك تَخّْلهُ في ((الكافية الشافية» : بِجُمْلَةٍ كَـ ((إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى» وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا إِذَا أَتَى مُرْتَفِعاً أَوِ انْتَصَبْ لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ حَتْماً وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ كَـ((إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ)) فِي بَابٍ ((إِنَّ)) اسْماً كَثِيراً يُحْذَفُ وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا أُنِّثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٠٦/٥. ١٠٧ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَّهِ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٨) وَقَبْلَ مَا أُنْثَ عُمْدَةً فَشَا تَأْنِيثُهُ كَـ«إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا)) (لَا يَنْبَغِي)؛ أي: لا يجوز، ولا يُمكن، قال الفيّوميّ كَُّ: وقد عدّوا (يَنْبَغِي)) من الأفعال التي لا تَتَصَرَّف، فلا يقال: انبغى، وقيل في توجيهه: إن انْبَغَى مطاوع بغى، ولا يُستعمل انفعل في المطاوعة، إلا إذا كان فيه علاج وانفعال، مثل: كسرته فانكسر، وكما لا يقال: طلبته فانطلب، وقصدته فانقصد، لا يقال: بَغَيْتُهُ فَانْبَغَى؛ لأنه لا علاج فيه، وأجازه بعضهم، وحُكِي عن الكسائيّ أنه سمعه من العرب. انتهى(١). (لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ)؛ أي: يتصوّر (فِي صُورَتِي)))؛ يعني: أن الله تعالى حَمَى صورته وَّه، أن يتلاعب بها الشيطان، فلا يقدر أن يتمثّل بها. (وَقَالَ) وَه ((إِذَا حَلَمَ)؛ أي: رأى في منامه رؤيا، يقال: حَلَمَ يَحْلُمُ، من باب قتل حُلْماً، بضمّتين، وبإسكان الثاني تخفيفاً، واحْتَلَمَ: إذا رأى ذلك(٢). (أَحَدُكُمْ فَلَا) ناهية، ولذا ◌ُزم بها قوله: (يُخْبِرْ) بضمّ أوله، من الإخبار؛ أي: لا يُحدّث (أَحَداً) من الناس (بِتَلَغُبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ))) فيه إشارة إلى أن الحلم نوعان، كما فصّله في الحديث الآخر: ((الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان))، فالنوع الأول يُخبره حبيباً، أو لبيباً، والنوع الثاني لا يُخبِر به أحداً، ولو حبيبه؛ إذ هو من تلاعب الشيطان؛ ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ظبه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٠٨/٢ و٥٩٠٩] (٢٢٦٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩١/٤)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (١٢٨٧/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥٠/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨٠/٤)، و(عبد بن حميد) في (مسنده)) (٣١٩/١)، والله تعالى أعلم. (١) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٧. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١٤٨/١. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخّلُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا رَوْحُ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدَّ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ : ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ، فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبََّ بِي))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ، ربما وَهِم، وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمِي بالقدر [٦] (ع) تقدم في (الإيمان)) ٧/ ١٣٠. والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث، وبيان مسألتيه تقدّما في الحديث الماضي. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣) - (بَابٌ لَا يُخْبِرْ بِتَلَغُبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال: [٥٩١٠] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ قَالَ لأَعْرَّابِيِّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، فَأَنَا أَتَّبِعُهُ، فَزَجَرَهُ النَِّّ وَّهِ، وَقَالَ: (لَا تُخْبِرْ بِتَلَّغُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل حديث، وهو من رباعيّات المصّنف تَخْتُ، وهو (٤٥٣) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) تَظُه، تقدّم أن عنعنة أبي الزبير هنا لا تضرّ؛ لأن الراوي عنه ١٠٩ (٣) - بَابٌ لَا يُخْبِرْ بِتَلَغُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ - حديث رقم (٥٩١٠) الليث بن سعد، فتنبّه. (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ لأَعْرَابِيٍّ) لا يُعرف(١)، قال الفيّوميّ كَُّهُ: الأَعْرَابُ، بالفتح أهل البدو، من العرب، الواحد أَغْرَابِيٌّ، بالفتح أيضاً، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَةٍ وارتياد للكَلإِ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواءً كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البَادِين، وظَعَن بِظَعْنِهم، فهم أَعْرَابٌ، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن الْمُدُن، والقُرى العربية، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فُصحاء، ويقال: سُمُّوا عَرباً؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمَّى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ هم الذين تكلموا بلسان يَعْرَب بن فَحْطان، وهو اللسان القديم، والعَرَبُ المُسْتَعْرِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - وهي لغات الحجاز، وما والاها، والعَرَبُ: اسم مؤنَّث، ولهذا يوصف بالمؤنّث، فيقال: العَرَبُ العَارِبَةُ، والعَرَبُ العَرْبَاءُ، وهم خلاف العجم، ورجل عَرَبِيٌّ ثابت النسب في العرب، وإن كان غير فصيح، وأَعْرَبَ، بالألف: إذا كان فَصِيحاً، وإن لم يكن من العرب، والعُرْبُ، وزانُ قُفْل لغة في العَرَب، ويجمع العَرَبُ على أَعْرُبٍ، مثل زَمَن وأَزْمُن، وعلى عُرُبٍ، بضمتين، مثل أَسَد وأُسُد. انتهى(٢). (جَاءَهُ)؛ أي: جاء ذلك الأعرابيُّ النبيّ وَِّ (فَقَالَ: إِنِّي حَلَمْتُ) من باب نصر؛ أي: رأيت في نومي (أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ) بالبناء للمفعول، (فَأَنَا أَتَّبِعُهُ) يَحْتَمِل أن يكون مضارع تَبع، من باب تَعِب، ثلاثيّاً، فيكون بسكون التاء، وفتح الموحّدة، وأن يكون من الاتّباع، فيكون بتشديد التاء، وكسر الموحّدة، وفي لفظ: ((فقد خرج، فاشتددت في أثره، فقال: لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام))، وفي رواية: ((إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يخبر به الناس)). (فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ وَّه)؛ أي: مَنَعه من الإخبار بما وقع له في حلمه (وَقَالَ) وَّرِ (لا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تُخْبِرْ)؛ أي: لا تحدث (بِتَلَغُّبٍ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ))؛ أي: في حال نومك، قال المازريّ: يَحْتَمِل أن (١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٨٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٠٠/٢. ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا النبيّ وَّ عَلِمَ أن منامه هذا من الأضغاث بوحي، أو بدلالة من المنام دلّته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذي هو من تحزين الشياطين، وأما العابرون فيتكلمون في كتبهم على قطع الرأس، ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النِّعم، أو مفارقة مَن فوقه، ويزول سلطانه، ويتغير حاله في جميع أموره، إلا أن يكون عبداً، فيدلّ على عتقه، أو مريضاً فعلى شفائه، أو مديوناً فعلى قضاء دَينه، أو من لم يحجّ فعلى أنه يحجّ، أو مغموماً فعلى فرحه، أو خائفاً فعلى أمنه. انتهى. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: فيه دليلٌ على مَنْع أن يُخبِر الإنسان بما يراه في منامه مما يكرهه، مما يَظُنّ أنه من الشيطان، وقد تقدَّم بيان ذلك، وهذه المنام على مساق هذا الحديث ليس في ظاهرها ما يدلّ على أنها من الشيطان؛ غير أنّ النبيّ وََّ عَلِم أنها من الشيطان بطريق آخر غير ظاهرها، فإمَّا أن يكون ذَكَر الرائي ما يدلّ على ذلك، ولم ينقله الراوي، وإمَّا أن يكون ذلك من باب الوحي، وهو الظاهر. وقد ذكر أهل العلم بالعبارة قطع الرأس في النوم، وذكروا: أنه يدل على زوال نِعَم الرائي، أو سلطانه، أو تغيُّر حاله، أو مفارقة من هو فوقه، فإنْ كان عبداً دلَّ على عتقه، أو مريضاً فعلى شفائه، أو مِدْياناً فعلى قضاء دَيْنه، أو صرورة فعلى حَجِّه، أو مغموماً فعلى فَرَجه، أو خائفاً فعلى أمنه، إلى غير ذلك مما وسَّعوا القول فيه. وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب ((أصول العبارة)) أن رجلاً قال: يا رسول الله! رأيت فيما يرى النائم كأن رأسي قُطع، فجعلت أنظر إليه بإحدى عيني! فضحك النبيّ ◌َّة، وقال: ((بأيتهما كنت تنظر إليه؟))، فلَبِثَ ما شاء الله، ثم قُبِض النبيّ وَّه، فعبَّر الناسُ أن الرأس كان النبيّ وَّل، وأن النظر إليه كان اتباع السُّنَّة (١). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. (١) لم أر من أخرجه، ولا من تكلّم في درجته، والله تعالى أعلم. (٢) ((المفهم)) ٢٧/٦ - ٢٨. ١١١ (٣) - بَابٌ لَا يُخْبِرْ بِتَلَغُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ - حديث رقم (٥٩١١) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ظُبه هذا من أفراد المصنّف نَّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩١٠/٣ و٥٩١١ و٥٩١٢] ( ... )، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩١/٤ و٢٢٦/٦) و((عمل اليوم والليلة)) (٩١٢)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٩١٢ و٣٩١٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٥/٣ و٣٥٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٨٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٥٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨٤٠ و١٨٥٨ و٢٢٧٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/ ٣٩٢)، و(ابن السنّيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٧٦)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (١٩٠/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٨٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٥٩١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَائِيٌّ إِلَى النَّبِّ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ، فَتَدَحْرَجَ، فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِلأَعْرَابِيِّ: ((لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِتَلَقُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَتَامِكَ))، وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ بَعْدُ يَخْطُبُ، فَقَالَ: ((لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَغُّبٍ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العَبْسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، وله أوهام، [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط - بضم القاف، وسكون الراء، بعدها طاء مهملة - الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب. ١١٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا ٤ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، أبو سفيان الإسكاف، نزل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. و((جَابِرٌ ◌َُبه)) ذُكر قبله. وقوله: (كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ) بالبناء للمجهول، وفي الرواية السابقة: ((إني حَلَمتُ أن رأسي قُطع)). وقوله: (فَتَدَحْرَجَ) يقال: دَخْرَجَ الشيءَ دَخْرَجَةً، ودِحْرَاجاً، فتدحرج؛ أي: تتابع في حُدُور، والْمُدَحْرَج: الْمُدَوَّرُ، والدُّخْرُوجة: ما تَدَحْرَج من الْقِدر، قال النابغة (من البسيط]: أَضْحَتْ يُنَفِّرُهَا الْوِلْدَانُ مِنْ سَبٍَ كَأَنَّهُمْ تَحْتَ دَفَّيْهَا دَحَارِيجُ(١) وقوله: (فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ)؛ أي: أسرعت جَرْياً إِثْرَهُ(٢)؛ أي: بعده، يقال: جئتُ في أَثَرِهِ، بفتحتين، وإِثْرِهِ، بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة؛ أي: تبعته من قُرْبٍ، قاله الفيّوميّ(٣). وقوله: (وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ بَعْدُ يَخْطُبُ) فاعل ((قال)) ضمير جابر رَظُه، و((بعدُ)) مبنيّ على الضمّ؛ لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: سمعت النبيّ ◌َ﴿ بعد واقعة الأعرابيّ يخطب الناس، ويقول: ((لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ)) الحديث، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّل الكتاب قال: [٥٩١٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَِّيُّ ◌َِّ، وَقَالَ: ((إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: ((إِذَا لُعِبَ بِأَحَدِكُمْ))، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّيْطَانَ). (١) ((لسان العرب)) ٢٦٥/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٤/١. (٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٤٦/٢. ١١٣ (٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصَين الْكِنديّ، أبو سعيد الأشجّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ١٧. ٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ - بضم الراء، وهمزة، ثم مهملة - أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ، حافظٌ، عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) وله سبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِذَا لُعِبَ بِأَحَدِكُمْ) بناء الفعل للمفعول. والحديث تقدّم شرحه، ومسألتاه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤) - (بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٩١٣] (٢٢٦٩) - (حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، أَخْبَرَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ نَّهِ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَالْمُسْتَكْثِرُ، وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَباً وَاصِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدَِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، فَانْقَطَعَ بِهِ(١)، ثُمَّ (١) وفي نسخة: ((فقُطع، ثم وُصل)). ١١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا وُصِلَ لَهُ فَعَلَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَاللهِ لَتَدَعَنِّي، فَلأَعْبُرَنَّهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اعْبُرْهَا))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ، حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفَُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، تَأْخُذُ بِهِ، فَيُعْلِيكَ اللهُ بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ، فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ(١)، فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ، أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: ((أَصَبْتَ بَعْضاً، وَأَخْطَأْتَ بَعْضاً))، قَالَ: فَوَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ؟ قَالَ: (لَا تُقْسِمْ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤدِّب الشاميّ، نزيل بغداد، ثقة(٢) [١٠] (ت٢٢٨) (م كد) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤]. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش - بالمعجمة - ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤]. ٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر الزُّبيديّ - بالزاي، والموحّدة، مصغراً - أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ، ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت ٦ أو ٧ أو ١٤٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤]. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ، فقيهٌ، ثبتٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عمّ رسول الله وَله، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ◌ّ﴾ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال (١) وفي نسخة: ((ثم يوصل به)). (٢) فقوله في ((التقريب)): صدوقٌ، فيه نظر، راجع ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)). ١١٥ (٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣) عمر ظُه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد، مات نظُئه سنة ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، من فقهاء الصحابة ظم (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. والباقون ذكروا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس، وأبو هريرة ﴿ه من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)، وفي الرواية التالية: ((أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره))، (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ) هكذا في رواية الزبيديّ هذه بالشكّ، وفي رواية يونس التالية: ((أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ)) بدون شكّ، وهي التي عند البخاريّ، قال في ((الفتح)): قوله: ((أن ابن عباس كان يحدث)) كذا لأكثر أصحاب الزهريّ، وتردّد الزُّبَيديّ، هل هو عن ابن عباس، أو أبي هريرة؟ واختُلف على سفيان بن عيينة، ومعمر، فأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أو أبي هريرة، قال عبد الرزاق: كان معمر يقول أحياناً: عن أبي هريرة، وأحياناً يقول: عن ابن عباس، وهكذا ثبت في ((مصنف عبد الرزاق)) رواية إسحاق الدبريّ، وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، عن محمد بن يحيى الذَّهْليّ، عن عبد الرزاق، فقال فيه: عن ابن عباس، قال: كان أبو هريرة يحدّث، وهكذا أخرجه البزار، عن سَلَمة بن شَبِيب، عن عبد الرزاق، وقال: لا نعلم أحداً قال: عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن أبي هريرة، إلا عبد الرزاق، عن معمر، ورواه غير واحد، فلم يذكروا أبا هريرة. انتهى. وأخرجه الذُّهْليّ في ((العلل)) عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، عن عبد الرزاق، فاقتصر على ابن عباس، ولم يذكر أبا هريرة، وكذا قال أحمد في ((مسنده))، قال إسحاق عن عبد الرزاق: كان معمر يتردّد فيه، حتى جاءه زَمْعَة بکتاب فيه عن الزهريّ، كما ذكرناه، وكان لا يشكّ فيه بعد ذلك. ١١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الرؤيا وأخرجه مسلم من طريق الزُّبَيديّ أخبرني الزهريّ، عن عبيد الله أن ابن عباس، أو أبا هريرة، هكذا بالشكّ. وأخرجه مسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، مثل رواية يونس، وذكر الحميديّ أن سفيان بن عيينة كان لا يذكر فيه ابن عباس، قال: فلما كان في آخر زمانه أثبت فيه ابن عباس، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق الحميديّ هكذا . قال الذُّهْليّ: المحفوظ رواية الزُّبَيديّ، قال الحافظ: وصنيع البخاريّ يقتضي ترجيح رواية يونس، ومن تابعه، وقد جزم بذلك في ((الأيمان والنذور)) حيث قال: ((وقال ابن عباس: قال النبيّ وََّ لأبي بكر: لا تُقْسِم))، فجزم بأنه عن ابن عباس. انتهى. وقال البخاريّ كَّتُهُ في ((بابُ رؤيا بالليل)): (٧٠٠٠) - حدّثنا يحيى، حدّثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس كان يحدِّث أن رجلاً أتى رسول الله وَّ، فقال: إني أُريت الليلة في المنام، وساق الحديث، وتابعه سليمان بن كثير، وابن أخي الزهريّ، وسفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبيّ وََّ، وقال الزُّبيديّ عن الزهريّ، عن عبيد الله، أن ابن عباس، أو أبا هريرة، عن النبيّ بيَّة، وقال شعيب، وإسحاق بن يحيى، عن الزهريّ: كان أبو هريرة يحدّث، عن النبيّ وَّ، وكان معمر لا يُسنده، حتى کان بعدُ. انتهى(١). قال في ((الفتح)): قوله: ((وكان معمر لا يسنده حتى كان بعدُ)) وصله إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ؛ كرواية يونس، ولكن قال: عن ابن عباس: كان أبو هريرة يحدِّث، قال إسحاق: قال عبد الرزاق: كان معمر يحدّث به، فيقول: كان ابن عباس؛ يعنى: ولا يذكر عبيد الله بن عبد الله في السند، حتى جاءه زمعة بكتاب فيه: عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، فكان لا يشك فيه بعدُ، وأخرجه (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٦٩/٦. ١١٧ (٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣) مسلم عن محمد بن رافع، وأفاد الإسماعيليّ فيه اختلافاً آخر عن الزهريّ، فساقه من رواية صالح بن كيسان عنه، فقال: عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، والمحفوظ قول من قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح هو ما مال إليه البخاريّ من أنه عن ابن عبّاس، عن النبيّ وَ ﴿، وليس فيه ذكر لأبي هريرة ظُه؛ لكثرة من رواه كذلك، فقد اتّفق يونس، وسليمان بن كثير، وابن أخي الزهريّ، وسفيان بن حسين، كلهم عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ وَّة، والله تعالى أعلم. (أَنَّ رَجُلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. [تنبيه]: وقع بيان الوقت الذي وقع فيه ذلك في رواية سفيان بن عيينة التالية، ولفظه: ((جاء رجل إلى النبيّ وَلَهُ مُنْصَرفه من أحد))، وعلى هذا فهو من مراسيل الصحابة، سواء كان عن ابن عباس، أو عن أبي هريرة، أو من رواية ابن عباس عن أبي هريرة؛ لأن كلّ منهما لم يكن في ذلك الزمان بالمدينة، أما ابن عباس فكان صغيراً مع أبويه بمكة، فإن مولده قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، وأحد كانت في شوال في السنة الثالثة، وأما أبو هريرة، فإنما قَدِم المدينة زمن خيبر، في أوائل سنة سبع، قاله في ((الفتح)(٢). (أَتَّى رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ) كذا في رواية ابن وهب بلفظ: ((أرى))؛ كأنه لقوّة تحققه الرؤيا كانت ممثَّلَةً بين عينيه، حتى كأنه يراها حينئذ، ووقع في رواية الأكثرين بلفظ: ((إني رأيت)). (ظُلَّةً) - بضم الظاء المعجمة - أي: سحابةً لها ظلّ، وكل ما أظل من سقيفة، ونحوها، يُسَمّى ظلة، قاله الخطابيّ، وقال ابن فارس: الظلة أول شيء يظل، زاد سليمان بن كثير في روايته عند الدارميّ، وأبي عوانة، وكذا في رواية سفيان بن عيينة عند ابن ماجه: ((بين السماء والأرض)). (تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ) - بنون، وطاء مكسورة، ويجوز ضمها - ومعناه: تَقطر - بقاف، وطاء، (١) ((الفتح)) ٣٤١/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٠٠). (٢) ((الفتح)) ٤٠٩/١٦ - ٤١٠، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٦). ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا مضمومة، ويجوز كسرها - يقال: نطف الماء: إذا سال، وقال ابن فارس: ليلة نطوفٌ: أمطرت إلى الصبح (١) . (فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّقُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ)؛ أي: يأخذون بأكُفّهم، قال الخليل: تكفف: بَسَط كفه ليأخذ، ووقع في رواية الترمذيّ من طريق معمر: ((يَسْتَقُون)) - بمهملة، ومثناة، وقاف ــ أي: يأخذون في الأسقية، قال القرطبيّ: يَحْتَمِل أن يكون معنى ((يتكففون)): يأخذون كفايتهم، وهو أَلْيَق بقوله بعد ذلك: ((فالمستكثر، والمستقل)). وتعقّبه الحافظ، وأجاد فيه، حيث قال: وما أدري كيف جَوَّز أَخْذ كَفَى من كففه؟ ولا حجة فيما احتجّ به؛ لِمَا سيأتي. انتهى. (فَالْمُسْتَكْثِرُ، وَالْمُسْتَقِلُّ)؛ أي: فمنهم الآخذ كثيراً، ومنهم الآخذ قليلاً، ووقع في رواية سليمان بن كثير بغير (أل) فيهما، وفي رواية سفيان بن حسين عند أحمد: ((فمن بين مستكثر، ومستقلّ، وبين ذلك)). (وَأَرَى سَبَباً)؛ أي: حبلاً (وَاصِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ)، وفي رواية البخاريّ: ((وإذا سببٌ واصلٌ من الأرض إلى السماء))، وفي رواية سليمان بن كثير: ((ورأيت لها سبباً واصلاً))، وفي رواية سفيان بن حسين: ((وكأنّ سبباً دُلِّي من السماء)). (فَأَرَاَ أَخَذْتَ بِهِ)؛ أي: بذلك السبب (فَعَلَوْتَ) وفي رواية سليمان بن كثير: ((فأعلاك الله)). (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدَِ(٢) فَعَلَا) وفي رواية: ((فعلا به))، وفي رواية سليمان بن كثير: ((فأعلاه الله)). (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، فَانْقَطَعَ بِهِ) وفي بعض النُّسخ: ((فقُطع به))، وفي رواية سفيان بن حسين: (ثم جاء رجل من بعدكم، فأخذ به، فقُطِع به)). (ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا)، وفي رواية سليمان: ((فقُطِع به، ثم وُصِل له، فاتّصل)). (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيقِ رَبِهِ (يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ) زاد في رواية معمر: ((وأمي))، والمعنى: أنت مفديّ بأبي وأمي من المكاره والمساوي، (وَاللهِ (١) ((الفتح)) ٤٠٩/١٦ - ٤١٠، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٦). (٢) قال صاحب ((التنبيه)) ص٣٨٩: هو الصدّيق، والآخر بعده عمر، والثالث عثمان، والرابع عليّ ١١٩ (٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣) لَتَدَعَنِّ) - بتشديد النون - وفي رواية سليمان: ((ائذن لي)). (فَلأَعْبُرَنَّهَا) هكذا باللام، ونون التوكيد المشدّدة، وللبخاريّ: ((فأعبُرها))، يقال: عَبَرتُ الرؤيا، من باب نصر عَبْراً، وعِبَارةً: فسّرتها، وبالتثقيل مبالغة، وفي التنزيل: ﴿إِن كُتُمْ لِلُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣](١). وقال القرطبيّ نَّهُ: قوله: ((والله لتدعني فلأعبرها)) هذه الفاء زائدة، و((أعبرها)) منصوب بلام ((كي))، ويصح أن تكون لام الأمر، فتجزم، ولا تكون لام القسم لِمَا يلزم مِن فَتْحها، ومن دخول النون في فِعْلها . وفيه من الفقه: جواز الحلف على الغير، وإبرار الحالف، فإنَّه وَلِّ أجاب طَلِبَتَه، وأبرَّ قَسَمه، فقال له: ((اعبُر))، ويدل على تمكُّن أبي بكر ظُه من علم عبارة الرؤيا، ووجه عبارة أبي بكر لهذه الرؤيا واضحة، ومناسباتها واقعة، غير أن النبيّ وَ﴿ لمّا قال له: ((أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً))، ولم يبيِّن له ما الذي أخطأ فيه، اختلف الناس فيه، على ما سيأتي بعد ذلك. انتهى(٢). (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اعْبُرْهَا))) بوصل الهمزة، وضمّ الموحّدة، من باب نصر، كما أسلفته آنفاً، وفي رواية سفيان عند ابن ماجه: ((عَبِّرها)) بالتشديد، وفي رواية سفيان بن حسين: ((فَأَذِنَ له))، زاد سليمان: ((وكان من أعبر الناس للرؤيا بعد رسول الله وَالنت)). (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رَبُهُ (أَمَّ الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسْلَام) وفي رواية للبخاريّ: ((وأما الظلة فالإسلام))، قال الحافظ: وفي رواية لابن وهب، وكذا لمعمر، والزُّبيديّ: ((فظلة الإسلام))، ورواية سفيان كرواية الليث، وكذا سليمان بن كثير، وهي التي يظهر ترجيحها. انتهى. (وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ) بضمّ الطاء، وكسرها، قال المجد تَظُّ: نَطَفَ الماءُ؛ كَنَصَرَ، وضَرَبَ نَظْفاً، وتَنْطافاً، بفتحِهِما، ونَطَفاناً، ونِطافَةً بالكسر: سالَ. (٣) انتهى(٣). (مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ، حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فالقرآن (١) ((المصباح المنير)) ٣٨٩/٢. (٣) ((القاموس المحيط)) ١١٠٨/١. (٢) ((المفهم)) ٣١/٦ - ٣٢. ١٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا حلاوته تَنْطِف))، وفي رواية سليمان بن كثير: ((وأما العسل والسمن فالقرآن في حلاوة العسل، ولين السمن)). (وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْمُسْتَقِلُّ)، وفي رواية سفيان: ((فالآخذ من القرآن كثيراً وقليلاً))، وفي رواية سليمان بن كثير: ((فَهُم حَمَلة القرآن)). (وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، تَأْخُذُ بِهِ، فَيُعْلِيكَ اللهُ بِهِ) وفي رواية سفيان بن حسين: ((وأما السبب، فما أنت عليه، تعلو، فيُعليك الله)). (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدَِ) زاد سفيان بن حسين: ((على مناهجك))، (فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، فَيَعْلُو بِهِ) وفي رواية سفيان بن حسين: ((ثم يكون من بعدكما رجلٌ يأخذ مَأْخَذَكما)»، (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَه)، وفي بعض النسخ: ((به)). (فَيَعْلُو بِهِ) زاد سفيان بن حسين: ((فُعلیه الله)). (فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ الهِ بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ، أَمْ أَخْطَأْتُ؟) وفي رواية سفيان: ((هل أصبت يا رسول الله، أو أخطأت؟)) (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((أَصَبْتَ بَعْضاً، وَأَخْطَأْتَ بَعْضاً))) وفي رواية سليمان بن كثير، وسفيان بن حسين: ((أصبت، وأخطأت)). (قَالَ) أبو بكر رَبُه (فَوَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَتُحَدِّثَنِي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ؟) وفي رواية: ((التحدّثني بالذي أخطأت))، وفي رواية: ((ما الذي أخطات؟))، وفي رواية سفيان بن عيينة عند ابن ماجه: فقال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرنّي بالذي أصبت من الذي أخطأت))، وفي رواية معمر مثله، لكن قال: ((ما الذي أخطات؟))، ولم يذكر الباقي. (قَالَ) رسول الله وَّهِ: (لَا تُقْسِمْ))) بضمّ أوله، من الإقسام؛ أي: لا تحلف، وفي رواية ابن ماجه: ((فقال النبيّ ◌َّ: ((لا تُقسم يا أبا بكر))، ومثله لمعمر، لكن دون قوله: ((يا أبا بكر))، وفي رواية سليمان بن كثير: ((ما الذي أصبتُ، وما الذي أخطأت؟، فأبى أن يخبره)). قال الداوديّ: قوله: ((لا تُقسِم))؛ أي: لا تكرر يمينك، فإني لا أخبرك. وقال القرطبيّ: قوله وَلَه لأبي بكر رَظُه: ((لا تُقسم)) مع أنه قد أقسم،