Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
الشيطان، وكل ما ينسب إليه مذموم. انتهى(١).
(وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ) بتشديد الدال، (الْمَرْءُ) به (نَفْسَهُ)؛ أي: من الأشياء
التي يُحدّث بها الشخص في يقظته، قال القرطبيّ كَّهُ: يدخل فيه ما يلازمه
المرء في يقظته من الأعمال، والعلوم، والأقوال، وما يقوله الأطباء: من أن
الرؤيا تكون عن خلطٍ غالبٍ على الرائي، فيرى في نومه ما يناسب ذلك
الخلط؛ فمن يغلب عليه البلغم رأى السِّباحة في الماء، وما أشبهه؛ لمناسبة
الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران، والصعود في
الارتفاع؛ لمناسبة النَّار في الطبيعة طبيعة الصفراء، وهكذا يقولون في بقية
الأخلاط، ونحن ننازعهم في موضعين:
أحدهما: في أصل تأثير الطبيعة؛ فإنْ قالوا: إن الطبيعة سببٌ عاديّ،
والله تعالى هو الفاعل بالحقيقة، وهو مذهب المسلمين؛ فهو الحقّ، وإن قالوا:
إن الطبيعة تفعل ذلك بذاتها؛ حكمنا بتكفيرهم، وانتقل الكلام إلى علم الكلام.
والثاني: أن من أراد منهم أن الرؤيا لا تكون إلا عن الأخلاط؛ فهو
باطل بما قد ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث: أن الرؤيا منها ما
يكون من الله، وهي المبشرة، والمحذرّة، وهذا من باب الخير، وليس في قوة
الطبيعة أن تطلع على الغيب بالإخبار عن أمور مستقبلة تقع في المستقبل على
نحو ما اقتضته الرؤيا بالاتفاق بين العقلاء، ومن أراد منهم: أن الأخلاط قد
تكون سبباً لبعض المنامات، فقد يُسَلَّم ذلك على ما قرَّرناه، ثمَّ يبقى نظر آخر،
وهو أنه لو كان ما قالوه صحيحاً للزم عليه ألا يرى من غلب عليه خلط من
تلك الأخلاط إلا ما يناسبه، ونحن نشاهد خلافه، فيرى البلغمي النيران،
والصعود في الارتفاعات، وعكس ذلك في الصفراويّ، فبطل ما قالوه
بالمشاهَد، والله وليُّ المعاضدة. انتهى(٢).
(فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِب، (فَلْيَقُمْ) من
منامه (فَلْيُصَلِّ) ليس هذا مخالفاً لقوله وّله في الرواية الأخرى: ((فلينفث عن
يساره ثلاثاً، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه))؛ وإنما
(١) ((المفهم)) ١٨/٦.
(٢) ((المفهم)) ١٨/٦ - ١٩.

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
الأمر بالصلاة زيادة، فينبغي أن تزاد على ما في هذه الرواية، فيفعل الجميع،
ويَحْتَمِل أن يقال: إنما اقتصر في هذا الموضع على ذكر الصلاة وحدها؛ لأنَّه
إذا صلَّى تضمَّن فِعله للصلاة جميع تلك الأمور؛ لأنَّه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل
عن جنبه، وإذا تمضمض نَفَث، وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوَّذ، ودعا،
وتفرَّع لله تعالى في ذلك في حالٍ هي أقرب الأحوال إجابةً، كما قدَّمناه، والله
تعالى أعلم، قاله القرطبيّ كَظُّهُ(١).
(وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ) من التحديث، وفي الرواية الماضية: ((ولا يُخبر
بها أحداً))، قال القرطبيّ تَخْتُ: أي: لا يُعَلِّق نفسه بتأويلها؛ إذ لا تأويل لها،
فإنها من أُلْقيات(٢) الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن، إما بتحزين،
وإما بترويع، أو ما أشبه ذلك، وفِعْلُ ما ذُكر كافٍ في دفع ذلك، ومانعٌ من أن
يعود الشيطان لمثل ذلك، وهذا هو الذي فهمه أبو سلمة من الحديث - والله
تعالى أعلم - فقال: ((إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل، فما أباليها))،
وفي أصل كتاب مسلم قال: ((كنت لأرى الرؤيا أُعْرَى لها، غير أني لا أَزَّمَّل))؛
أي: تصيبي الْعُرَوَاء، وهي الرِّعْدة، وقال في رواية أخرى: ((إن كنت لأرى
الرؤيا، فَتُمْرِضني غير أنِّي لا أزَّمَّل لها))، والتزميل: اللفّ، والتَّدثير؛ يعني:
أنها ما كانت تدوم عليه، فيحتاج إلى أن يدَّثَّر، لكنه بنفس ما كان يفعل ما أمر
به النبيّ وَّ من النفث، والتعوُّذ، وغيره يزول عنه ذلك، ببركة الصدق،
والتصديق، والامتثال، وفائدة هذا أن لا يَشْغَل الرائي نفسه بما يَكره في نومه،
وأن يُعرِض عنه، ولا يلتفت إليه؛ فإنَّه لا أصل له، هذا هو الظاهر من
الأحاديث، والله تعالى أعلم. انتهى(٣).
(قَالَ: وَأُحِبُّ الْقَيْدَ) قال القرطبيّ كَذُ: ظاهره أنه من قول النبيّ وَّ،
غير أن أيوب السختيانيّ هو الذي رَوَى هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن
أبي هريرة، وقد أخبر عن نفسه أنه شكَّ: هل هو من قول النبيّ وَّر، أو من
(١) ((المفهم)) ١٩/٦.
(٢) ((الأُلْقية)) كأُغْنية: ما أُلقي من التحاجي. اهـ. ((القاموس)) ص ١١٨٥.
(٣) ((المفهم)) ١٩/٦ - ٢٠.

٤٣
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النَّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
قول ابن سيرين؟ فلا يُعَوَّل على ذلك الظاهر، غير أن هذا المعنى صحيح في
العبارة؛ لأن القيد في الرجلين، وهو يُئبِّت الإنسان في مكانه، فإذا رآه من هو
على حالٍ مّا على رجليه كان ذلك دليلاً على ثبوته على تلك الحالة، فإذا رآه
من هو من أهل الدين والعلم كان ثباتاً على تلك الحال، ولو رأى المريض
قیداً في رجليه کان ذلك دليلاً على دوام مرضه.
(وَأَكْرَهُ الْغُلَّ) بضم الغين المعجمة، وتشديد اللام: طَوْقٌ من حديد يُجعل
فِي الْعُنُق، والجمع أغلالٌ، مثلُ: قُفْل وأقفال.
قال القرطبيّ كَُّهُ: وإنما كَرِهَ الْغُلّ؛ لأنَّه لا يُجعل إلا في الأعناق
نِكايةً، وعُقوبةً، وقهراً، وإذلالاً، فَيُسحب على وجهه، ويجرّ على قفاه، كما
قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿ فِ الْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ
يُسْجَرُونَ (٣)﴾ [غافر: ٧١، ٧٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾
[المائدة: ٦٤]، و﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ
[يس: ٨].
وعلى الجملة فهو مذموم شرعاً، وعادة، فرؤيته في النوم دليلٌ على وقوع
حالة سيئة بالرائي تلازمه، ولا ينفك عنها، وقد يكون ذلك في دينه؛ كواجبات
فرَّط فيها، أو معاصٍ ارتكبها، أو ديونٍ، وحقوقٍ لازمة له، وقد يكون ذلك في
دنياه من شدائد تصيبه، أو أنكاد تلازمه.
وبالجملة فالمعتبَر في أعظم أصول العِبارة النظر إلى أحوال الرائي،
واختلافها، فقد يرى الرائيان شيئاً واحداً، ويدلّ في حق أحدهما على خلاف
ما يدلّ عليه في حقّ الآخر. انتهى(١).
(وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ))) قال النوويّ تَّتُهُ: قال العلماء: إنما أحب
القيد؛ لأنه في الرِّجلين، وهو كفّ عن المعاصي والشرور، وأنواع الباطل،
وأما الغلّ فموضعه العنق، وهو صفة أهل النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ
أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا﴾ [يس: ٨]، وقال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَعْظَلُ فِيَّ أَعْنَقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]،
وأما أهل العبارة فنزّلوا هاتين اللفظتين منازل، فقالوا: إذا رأى القيد في
(١) ((المفهم)) ١٩/٦ - ٢٠.

٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
رجليه، وهو في مسجد، أو مشهد خير، أو على حالة حسنة، فهو دليل لثباته
في ذلك، وكذا لو رآه صاحب ولاية، كان دليلاً لثباته فيها، ولو رآه مريضٌ،
أو مسجونٌ، أو مسافرٌ، أو مكروبٌ، كان دليلاً لثباته فيه، قالوا: ولو قارنه
مكروه بأن يكون مع القيد غُلٌّ غلب المكروه؛ لأنها صفة المعذَّبين، وأما الغُلّ
فهو مذموم إذا كان في العنق، وقد يدلّ للولايات، إذا كان معه قرائن، كما أن
كل وال يُحشر مغلولاً حتى يُطلقه عَدْله، فأما إن كان مغلول اليدين دون العنق،
فهو حسنٌ، ودليلٌ لكفهما عن الشرّ، وقد يدل على بُخلهما، وقد يدلّ على منع
ما نواه من الأفعال. انتهى(١).
قال أيوب: (فَلَا أَدْرِي هُوَ)؛ أي: قوله: ((قال: وأحبّ القيد، وأكره
الغُلّ، والقيد ثبات في الدين))، (فِي الْحَدِيثِ) المرفوع (أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟) من
عند نفسه، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨٩١/١ و٥٨٩٢ و٥٨٩٣ و٥٨٩٤] (٢٢٦٣)،
و(البخاريّ) في ((التعبير)) (٧٠١٧)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٠١٩)،
و(الترمذيّ) في ((الرؤيا)) (٢٢٧٠)، و(ابن ماجه) في ((الرؤيا)) (٣٨٩٤)،
و(مالك) في ((الموطّأ)) (٩٥٦/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٣٥٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠/١١ - ٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٣/٢
و٢٦٩ و٣١٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٥/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٠٤٠)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٩٠/٤)، و(الطحاويّ) في ((مشكل
الآثار)) (٤٦/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٢٣/١)، و(البيهقيّ) في («شُعب
الإيمان)) (١٨٩/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٧٨ و٣٢٧٩)، والله تعالى
أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣/١٥ - ٢٤.

٤٥
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه إذا اقترب الزمان لا تكاد رؤيا المسلم تكذب، وقد
تقدّم الخلاف في المراد باقتراب الزمان، فلا تنس، والله تعالى وليّ التوفيق.
٢ - (ومنها): بيان أن من كان أصدق في حديثه كان أصدق في رؤياه.
٣ - (ومنها): أن رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوّة،
وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): أن الرؤيا ثلاثة أنواع: الأولى: الرؤيا الصالحة، وهي
بُشرى من الله تعالى لعبده المسلم، والثانية: رؤيا هي تحزين من الشيطان
للمؤمن، ولا تضرّه، والثالثة: رؤيا من نوع ما يُحدّث المرء به نفسه.
٥ - (ومنها): أن من آداب من رآى رؤيا يكرهها أن يقوم من منامه،
فيصلي، وأن لا يحدّث بها الناس، فإنها لا تضرّه.
٦ - (ومنها): أن المسلم إذا رآى القيد في منامه كان خيراً له؛ لأنه يدلّ
على ثباته في دينه.
٧ - (ومنها): أن رؤيا الغُلّ مذموم؛ لأنه من صفة أهل النار، كما
أخبر الله عنهم في قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَلُ فِي أَعْنَفِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ
(٧)﴾ [غافر:
٧١]، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في إدراج قوله: ((وأحبّ القيد،
وأكره الغلّ ... إلخ)):
قال أبو بكر الخطيب البغداديّ كَُّ في كتابه ((الفصل للوصل المدرج))
بعد إيراده الحديث من طرق ما نصّه: جاء في هذه الأحاديث التي ذكرناها أن
جميع هذا المتن قول رسول الله ◌َّ﴿ إلا ذكر القيد، والغُلّ، فإنه من قول أبي
هريرة، أدرجه هؤلاء الرواة في الحديث، وبيَّنه معمر بن راشد في روايته عن
أيوب، عن محمد بن سيرين، ثم ساقه بسنده من طريق معمر، عن أيوب، عن
ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَل قال: ((في آخر الزمان لا تكاد رؤيا
المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، والرؤيا ثلاثة: الرؤياء الحسنة
بشرى من الله، والرؤيا يحدّث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان،
وإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها، فلا يحدّث بها أحداً، وليقم، فليصلّ، قال:

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وقال أبو هريرة: يعجبني القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين)). انتهى (١).
وقال البخاريّ تَخْتُهُ في ((صحيحه)): ((باب القيد في المنام)):
(٦٦١٤) - حدّثنا عبد الله بن صَبّاح، حدّثنا معتمر، سمعت عوفاً، حدّثنا
محمد بن سيرين، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله: ((إذا اقترب
الزمان لم تَكَدْ رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً
من النبوة))، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب، قال محمد: وأنا أقول هذه.
قال: وكان يقال: الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى
من الله، فمن رأى شيئاً يكرهه، فلا يقصُّه على أحد، وليقم، فليصلّ، قال:
وكان يُكْرَه الغُلّ في النوم، وكان يُعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين.
ورَوَى قتادة، ويونس، وهشام، وأبو هلال، عن ابن سيرين، عن أبي
هريرة، عن النبيّ وََّ، وأدرجه بعضهم كلَّه في الحديث، وحديث عوف أبْيَن.
وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبيّ وَّر في القيد.
قال أبو عبد الله: لا تكون الأغلال إلا في الأعناق. انتهى.
ولنذكر شرحه من ((الفتح))؛ لأن فيه تحقيقات كثيرة يتبيّن بها ما وقع في
الحديث من الإدراج على وجه التفصيل، قال:
قوله: ((باب القيد في المنام))؛ أي: من رأى في المنام أنه مقيَّد ما يكون
تعبيره؟ وظاهر إطلاق الخبر أنه يعبّر بالثبات في الدين في جميع وجوهه، لكن
أهل التعبير خَصُّوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قرينة أخرى، كما لو كان
مسافراً، أو مريضاً، فإنه يدلّ على أن سفره، أو مرضه يطول، وكذا لو رأى في
القيد صفة زائدةً، كمن رأى في رجله قيداً من فضة، فإنه يدلّ على أنه يتزوج،
وإن كان من ذهب، فإنه لأمر يكون بسبب مال يتطلبه، وإن كان من صُفْر، فإنه
الأمر مكروه، أو مال فات، وإن كان من رصاص، فإنه لأمر فيه وَهْن، وإن
كان من حَبْل، فلأمر في الدين، وإن كان من خشب، فلأمر فيه نفاق، وإن كان
من حطب، فلتهمة، وإن كان من خرقة، أو خيط فلأمر لا يدوم.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى مخالفة ما قاله أهل التعبير من
(١) ((الفصل للوصل المدرج)) ١٦٧/١ - ١٧١.

٤٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
التفصيلات لإطلاق حديث الباب، فليُتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((إذا اقترب الزمان لم يَكَد رؤيا المؤمن تَكْذِب)) كذا للأكثر، ووقع
في رواية أبي ذرّ عن غير الكشميهنيّ بتقديم ((تكذب)) على ((رؤيا المؤمن))، وكذا
في رواية محمد بن يحيى، وكذا في رواية عيسى بن يونس، عن عوف عند
الإسماعيليّ، قال الخطابيّ في ((المعالم)) في قوله: ((إذا اقترب الزمان)) قولان:
أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت
استوائهما أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالباً، وكذلك هو في
الحديث، والمعبِّرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار،
وإدراك الثمار، ونقله في غريب الحديث عن أبي داود السجستانيّ، ثم قال:
والمعبِّرون يزعمون أن أصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الأزهار،
وإدراك الثمار، وهما الوقتان اللذان يعتدل فيهما الليل والنهار.
والقول الآخر: أن اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة.
قال الحافظ: يُبعد الأول التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه
الطبائع لا يختصّ به، وقد جزم ابن بطال بأن الأول(١) هو الصواب، واستند
إلى ما أخرجه الترمذيّ من طريق معمر، عن أيوب في هذا الحديث، بلفظ:
((في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً))، قال:
فعلى هذا فالمعنى إذا اقتربت الساعة، وقُبض أكثر العلم، ودَرَست معالم
الديانة بالهرْج والفتنة، فكان الناس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكِّر، ومجدِّد
لِمَا دَرَس من الدين، كما كانت الأمم تُذَكَّر بالأنبياء، لكن لمّا كان نبيّنا وَهـ
خاتم الأنبياء، وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة، عُوِّضوا بما مُنِعوا من
النبوة بعده بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار.
انتھی .
ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعيّ، عن محمد بن سيرين،
بلفظ: ((إذا قرب الزمان))، وأخرج البزار من طريق يونس بن عبيد، عن محمد بن
(١) هكذا نسخة ((الفتح)) ((بأن الأول))، والظاهر أن الصواب: ((بأن الثاني هو
الصواب)). فليُتأمل.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
سيرين، بلفظ: ((إذا تقارب الزمان))، وفي حديث آخر عن أبي هريرة: ((يتقارب
الزمان، ويُرفع العلم ... )) الحديث، والمراد به اقتراب الساعة قطعاً.
وقال الداوديّ: المراد بتقارب الزمان: نَقص الساعات والأيام والليالي.
انتهى، ومراده بالنقص سرعة مرورها، وذلك قرب قيام الساعة، كما ثبت في
الحديث الآخر عند مسلم وغيره: ((يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر،
والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعَفَة))،
وقيل: إن المراد بالزمان المذكور: زمان المهديّ عند بسط العدل، وكثرة الأمن،
وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يُستقصَر لاستلذاذه، فتتقارب أطرافه.
وأما قوله: ((لم تكد ... إلخ)) فيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا،
وإن أمكن أن شيئاً منها لا يصدق، والراجح أن المراد: نفي الكذب عنها
أصلاً؛ لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله، والنافي لقرب
حصول الشيء أدلّ على نفيه نفسه، ذكره الطيبيّ.
وقوله: ((ورؤيا المؤمن جزء)) الحديث هو معطوف على جملة الحديث
الذي قبله، وهو: ((إذا اقترب الزمان)) الحديث، فهو مرفوع أيضاً، وقد تقدم
شرحه مستوفى قريباً .
وقوله: ((وما كان من النبوة فإنه لا يكذب)) هذا القدر لم يتقدم في شيء
من طرق الحديث المذكور، وظاهر إيراده هنا أنه مرفوع، ولئن كان كذلك فإنه
أولى ما فُسِّر به المراد من النبوة في الحديث، وهو صفة الصدق، قال
الحافظ: ثم ظهر لي أن قوله بعد هذا: ((قال محمد: وأنا أقول هذه)): الإشارة
في قوله: ((هذه)) للجملة المذكورة، وهذا هو السرّ في إعادة قوله: ((قال)) بعد
قوله: ((هذا))، ثم رأيت في (بُغية النقاد)) لابن المواق أن عبد الحق أغفل التنبيه
على أن هذه الزيادة مدرجة، وأنه لا شك في إدراجها، فعلى هذا فهي من قول
ابن سيرين، وليست مرفوعة.
قوله: ((وأنا أقول هذه)) كذا لأبي ذرّ وفي جميع الطرق، وكذا ذكره
الإسماعيليّ، وأبو نعيم، في ((مستخرجيهما))، ووقع في (شرح ابن بطال))(١):
(١) راجع: ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٩/ ٥٣٧.

٤٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
((وأنا أقول هذه الأمة، وكان يقال ... إلخ)) قال الحافظ: وليست هذه اللفظة
في شيء من نُسخ ((صحيح البخاري))، ولا ذكرها عبد الحق في ((جمعه))، ولا
الحميديّ، ولا من أخرج حديث عوف، من أصحاب الكتب، والمسانيد، وقد
تقلّده عياض، فذكره كما ذكره ابن بطال، وتبعه في ((شرحه))، فقال: خشي ابن
سيرين أن يتأول أحد معنى قوله: ((وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً))، أنه إذا
تقارب الزمان لم يصدق إلا رؤيا الرجل الصالح، فقال: وأنا أقول هذه الأمة
- يعني: رؤيا هذه الأمة - صادقة كلها، صالحها وفاجرها؛ ليكون صدق
رؤياهم زاجراً لهم، وحجةً عليهم؛ لدروس أعلام الدين، وطموس آثاره بموت
العلماء، وظهور المنكر. انتهى.
قال الحافظ: وهذا مرتَّب على ثبوت هذه الزيادة، وهي لفظة: ((الأمة))،
ولم أجدها في شيء من الأصول، وقد قال أبو عوانة الإسفرائينيّ بعد أن
أخرجه موصولاً مرفوعاً، من طريق هشام، عن ابن سيرين: هذا لا يصحّ
مرفوعاً عن ابن سيرين، قلت: وإلى ذلك أشار البخاريّ في آخره بقوله:
((وحديث عوف أبْيَن))؛ أي: حيث فَصَل المرفوع من الموقوف.
قوله: قال: وكان يقال: ((الرؤيا ثلاث ... إلخ)) قائل ((قال)) هو محمد بن
سيرين، وأبهم القائل في هذه الرواية، وهو أبو هريرة، وقد رفعه بعض الرواة،
ووقفه بعضهم، وقد أخرجه أحمد عن هَوْذة بن خليفة، عن عوف، بسنده
مرفوعاً: ((الرؤيا ثلاث ... )) الحديث مثله، وأخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من
طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله وَله: ((الرؤيا ثلاث: فرؤيا حقّ، ورؤيا يُحَدِّث بها الرجل نفسه،
ورؤيا تحزين من الشيطان))، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ من طريق
عبد الوهاب الثقفيّ، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، مرفوعاً أيضاً بلفظ:
((الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله))، والباقي نحوه.
قوله: ((حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله))، وقع في
حديث عوف بن مالك عند ابن ماجه بسند حسن، رفعه: ((الرؤيا ثلاث: منها
أهاويل من الشيطان؛ ليحزن ابن آدم، ومنها ما يَهُمّ به الرجل في يقظته، فيراه
في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)).

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
قال الحافظ: ((وليس الحصر مراداً من قوله: ((ثلاث))؛ لثبوت نوع رابع
في حديث أبي هريرة في الباب، وهو حديث النفس، وليس في حديث أبي
قتادة، وأبي سعيد الماضيين سوى ذِكر وَصْف الرؤيا بأنها مكروهة، ومحبوبة،
أو حسنة وسيئة.
وبقي نوع خامس، وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث
جابر قال: ((جاء أعرابيّ، فقال: يا رسول الله رأيت في المنام؛ كأن رأسي
قُطِع، فأنا أتبعه))، وفي لفظ: ((فقد خرج، فاشتددت في أثره، فقال: لا تُخبر
بتلاعب الشيطان بك في المنام))، وفي رواية له: ((إذا تلاعب الشيطان بأحدكم
في منامه، فلا يُخبر به الناس)).
ونوع سادس: وهو رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة؛ كمن كانت عادته أن
يأكل في وقت، فنام فيه، فرأى أنه يأكل، أو بات طافحاً من أكل، أو شرب،
فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص.
وسابع: وهو الأضغاث.
قوله: ((فمن رأى شيئاً يكرهه، فلا يقصه على أحد، ولْيَقُم، فليصلّ))، زاد
في رواية هَوْذة: ((فإذا رأى أحدكم رؤيا تُعجبه، فليقصها لمن يشاء، وإذا رأى
شيئاً يكرهه ... )) فذكر مثله، ووقع في رواية أيوب عن محمد بن سيرين:
((فليصلّ، ولا يحدِّث بها الناس))، وزاد في رواية سعيد بن أبي عروبة، عن ابن
سيرين عند الترمذيّ: ((وكان يقول: لا تقص الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح))،
وهذا ورد معناه مرفوعاً في حديث أبي رزين، عند أبي داود، والترمذيّ، وابن
ماجه: ((ولا يقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأي)).
قوله: ((قال: وكان يَكره الْغُلّ في النوم، ويعجبهم القيد، ويقال: القيد
ثبات في الدين)) كذا ثبت هنا بلفظ الجمع في ((يعجبهم))، والإفراد في ((يَكرَه))،
و(يقول))، قال الطيبيّ: ضمير الجمع لأهل التعبير، وكذا قوله: ((وكان يقال))،
قال المهلَّب: الغل يُعَبَّر بالمكروه؛ لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل
النار بقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْذَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ﴾ الآية [غافر: ٧١]، وقد يدلّ على
الكفر، وقد يعبّر بامرأة تؤذي.
وقال ابن العربيّ: إنما أحبوا القيد؛ لِذِكر النبيّ ◌َ* له في قسم

٥١
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
المحمود، فقال: ((قَيَّدَ الإيمانُ الْفَتْكَ)) (١)، وأما الغُلّ فقد كُرِه شرعاً في
[الحاقة: ٣٠]، و﴿إِذِ الْأَعْظَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ﴾،
٣٠
المفهوم؛ كقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُوهُ
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، و﴿غُلَّتْ أَيَدِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]،
وإنما جُعل القيد ثباتاً في الدين؛ لأن المقيَّد لا يستطيع المشي، فضُرب مثلاً
للإيمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل.
وقال النوويّ: قال العلماء: إنما أحبّ القيد؛ لأن محله الرِّجل، وهو
كفّ عن المعاصي، والشرّ، والباطل، وأبغضَ الغُلَّ؛ لأن محله العنق، وهو
صفة أهل النار، وأما أهل التعبير فقالوا: إن القيد ثبات في الأمر الذي يراه
الرائي، بحسب من يُرَى ذلك له، وقالوا: إن انضم الغلّ إلى القيد دلّ على
زيادة المكروه، وإذا جُعل الغلّ في اليدين حُمِد؛ لأنه كفّ لهما عن الشرّ، وقد
يدلّ على البخل بحسب الحال، وقالوا أيضاً: إن رأى أن يديه مغلولتان فهو
بخيل، وإن رأى أنه قُيِّد وغُلّ، فإنه يقع في سجن، أو شدّة.
قال الحافظ: وقد يكون الغلّ في بعض المرائي محموداً كما وقع لأبي
بكر الصديق ربه، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة، بسند صحيح، عن مسروق
قال: ((مَرَّ صهيب بأبي بكر، فأعرض عنه، فسأله، فقال: رأيت يدك مغلولة
على باب أبي الحشر، رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جُمِع لي ديني إلى
يوم الحشر)).
وقال الكرمانيّ: اختُلِف في قوله: ((وكان يقال)) هل هو مرفوعٌ، أو لا؟
فقال بعضهم: من قوله: ((وكان يقال))، إلى قوله: ((في الدين)) مرفوعٌ كلّه، وقال
بعضهم: هو كله كلام ابن سيرين، وفاعل «كان يَكره)) أبو هريرة.
قال الحافظ: أخذه من كلام الطيبيّ، فإنه قال: يَحْتَمِل أن يكون مقولاً
للراوي عن ابن سيرين، فيكون اسم ((كان)) ضميراً لابن سيرين، وأن يكون
(١) قوله: ((قَيَّدَ الإيمانُ الْفَتْكَ))؛ أي: الإيمان يمنع عن الفتك، كما يمنع القيد عن
التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيداً، قال في ((النهاية)): الفتك أن يأتي الرجل
صاحبه، وهو غارّ، غافلٌ، فيشدّ عليه، فيقتله، والغِيلة أن يخدعه، ثم يقتله في
موضع خفيّ. انتهى.

٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
مقولاً لابن سيرين، واسم ((كان)) ضمير أبي هريرة، أو النبيّ وَّه، وقد أخرجه
مسلم من وجه آخر عن ابن سيرين، وقال في آخره: ((لا أدري هو في
الحديث، أو قاله ابن سيرين؟)).
قوله: ((ورواه قتادة، ويونس، وهشام، وأبو هلال، عن ابن سيرين، عن
أبي هريرة، عن النبيّ وَّ))؛ يعني: أصل الحديث، وأما من قوله: ((وكان يقال))
فمنهم من رواه بتمامه مرفوعاً، ومنهم من اقتصر على بعضه، كما سيأتي.
قوله: ((وأدرجه بعضهم كله في الحديث))؛ يعني: جعله كله مرفوعاً،
والمراد به رواية هشام، عن قتادة، كما سيأتي.
قوله: ((وحديث عوف أبين))؛ أي: حيث فَصَلَ المرفوع من الموقوف،
ولا سيما تصريحه بقول ابن سيرين: ((وأنا أقول هذه))، فإنه دالّ على
الاختصاص(١)، بخلاف ما قال فيه: ((وكان يقال))، فإن فيها الاحتمال بخلاف
أول الحديث، فإنه صَرَّح برفعه، وقد اقتصر بعض الرواة عن عوف على بعض
ما ذكره معتمر بن سليمان عنه، كما بُيِّن من رواية هَوْذة، وعيسى بن يونس.
قال القرطبيّ: ظاهر السياق أن الجميع من قول النبيّ وَّ غير أن أيوب
هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وقد أخبر
عن نفسه أنه شكّ أهو من قول النبيّ وََّ، أو من قول أبي هريرة؟ فلا يُعَوَّل
على ذلك الظاهر.
قال الحافظ: وهو حصر مردودٌ، وكأنه تكلم عليه بالنسبة لرواية مسلم
خاصّةً، فإن مسلماً ما أخرج طريق عوف هذه، ولكنه أخرج طريق قتادة، عن
محمد بن سيرين، فلا يلزم من كون أيوب شكّ أن لا يُعَوَّل على رواية من لم
يشكّ، وهو قتادة مثلاً، لكن لمّا كان في الرواية المفصّلة زيادةٌ، فَرُجِّحت.
قوله: ((وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبيّ وَّل في القيد))؛ يعني: أنه
شكّ في رفعه.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاريّ، وقوله: ((لا تكون الأغلال إلا في
الأعناق))؛ كأنه يشير إلى الردّ على من قال: قد يكون الغُلّ في غير العنق؛
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعله: ((على التنصيص))، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

٥٣
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
كاليد، والرجل، والْغُلّ - بضم المعجمة، وتشديد اللام - واحد الأغلال، قال:
وقد أطلق بعضهم الغُلّ على ما تُربط به اليد، وممن ذكره أبو علي القاليّ،
وصاحب ((المحكم))، وغيرهما، قالوا: الغُلّ جامعة تُجْعَل في العنق، أو اليد،
والجمع أغلال، ويدٌ مغلولةٌ جُعِلت في الغلّ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ
أَيَدِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، كذا استشهد به الكرمانيّ، وفيه نظرٌ؛ لأن اليد تُغَلّ في
العنق، وهو عند أهل التعبير عبارة عن كفّهما عن الشرّ، ويؤيده منام صهيب في
حقّ أبي بكر الصديق، كما تقدم قريباً .
فأما رواية قتادة المعلّقة فوَصَلها مسلم، والنسائيّ من رواية معاذ بن
هشام بن أبي عبد الله الدستوائيّ، عن أبيه، عن قتادة، ولفظ النسائيّ بالسند
المذكور: عن النبيّ ◌َ أنه كان يقول: ((الرؤيا الصالحة بشارة من الله،
والتحزين من الشيطان، ومن الرؤيا ما يُحَدِّث به الرجل نفسه، فإذا رأى أحدكم
رؤيا يَكرهها، فليقم، فليصلّ، وأكره الغُلّ في النوم، ويُعجبني القيد، فان القيد
ثبات في الدین)».
وأما مسلم فإنه ساقه بسنده عقب رواية معمر، عن أيوب التي فيها: قال
أبو هريرة: ((فيعجبني القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين))، قال مسلم:
فأدرج؛ يعني: هشاماً عن قتادة في الحديث قوله: ((وأكره الغُلّ ... إلخ))، ولم
يذكر: ((الرؤيا جزء ... )) الحديث، وكذلك رواه أيوب، عن محمد بن سیرین،
قال: قال أبو هريرة: ((أحب القيد في النوم، وأكره الغُلّ، القيد في النوم ثبات
في الدين))، أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) من رواية سفيان بن عيينة عنه،
وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، من رواية عبد الوهاب الثقفيّ، عن
أيوب، فذكر حديث: ((إذا اقترب الزمان ... )) الحديث، ثم قال: ((ورؤيا
المسلم جزء من ... )) الحديث، ثم قال: ((والرؤيا ثلاث ... )) الحديث، ثم
قال بعده: ((قال: وأُحِبّ القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين، فلا أدري
هو في الحديث، أو قاله ابن سيرين؟))، هذا لفظ مسلم، ولم يذكر أبو داود،
ولا الترمذيّ قوله: ((فلا أدري ... إلخ))، وأخرجه الترمذيّ، وأحمد،
والحاكم، من رواية معمر، عن أيوب، فذكر الحديث الأول، ونحوَ الثاني، ثم
قال بعدهما: ((قال أبو هريرة: يعجبني القيد ... إلخ))، قال: وقال النبيّ وَالاول:

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
(رؤيا المؤمن جزء ... إلخ))، وقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ من طريق سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، حديث: ((الرؤيا ثلاثة ... )) مرفوعاً، ثم قال بعده:
((وكان يقول: يعجبني القيد ... )) الحديث، وبعده: ((وكان يقول: من رآني،
فإني أنا هو ... )) الحديث، وبعده: ((وكان يقول: لا تقصّ الرؤيا إلا على
عالم، أو ناصح))، وهذا ظاهر في أن الأحاديث كلها مرفوعة.
وأما رواية يونس، وهو ابن عبيد، فأخرجها البزار في ((مسنده)) من طريق
أبي خَلَف - وهو: عبد الله بن عيسى الخزاز، بمعجمات، البصريّ - عن
يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: ((إذا تقارب الزمان
لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأُحب القيد، وأكره الغُلّ))، قال: ولا أعلمه إلا
وقد رفعه عن النبيّ وَّ، قال البزار: رُوِي عن محمد من عِدّة أوجه، وإنما
ذكرناه من رواية يونس لِعِزَّة ما أَسند يونس عن محمد بن سيرين.
قال الحافظ: وقد أخرج ابن ماجه من طريق أبي بكر الْهُذَليّ، عن ابن
سيرين حديثَ القيدِ موصولاً مرفوعاً، ولكن الهذليّ ضعيفٌ.
وأما رواية هشام فقال أحمد: حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام - هو
ابن حسان - عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((إذا
اقترب الزمان ... )) الحديث، و((رؤيا المؤمن ... )) الحديث، و((أحب القيد في
النوم ... )) الحديث، و((الرؤيا ثلاث ... )) الحديث، فَسَاقَ الجميع مرفوعاً،
وهكذا أخرجه الدارميّ من رواية مخلد بن الحسين، عن هشام، وأخرجه
الخطيب في ((المدرج)) من طريق عليّ بن عاصم، عن خالد، وهشام، عن ابن
سيرين مرفوعاً، قال الخطيب: والمتن كله مرفوع، إلا ذِكر القيد، والغُلّ، فإنه
قول أبي هريرة، أُدْرِج في الخبر، وبيّنه معمر، عن أيوب.
وأخرج أبو عوانة في (صحيحه)) من طريق عبد الله بن بكر، عن هشام
قصة القيد، وقال: الأصح أن هذا من قول ابن سيرين، وقد أخرجه مسلم من
طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، وأيوب جميعاً، عن محمد بن
سيرين، عن أبي هريرة قال: ((إذا اقترب الزمان ... )) قال: وساق الحديث،
ولم يذكر فيه النبيّ وَس18، وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة،
عن هشام موقوفاً، وزاد في آخره: قال أبو هريرة: اللبن في المنام الفطرة.

٥٥
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النَّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
وأخرج أحمد في ((الزهد)) عن عثمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب،
قال: رأيت ابن سيرين مقيّداً في المنام، وهذا يُشعر بأن ابن سيرين كان يعتمد
في تعبير القيد على ما في الخبر، فأُعطي هو ذلك، وكان كذلك. انتهى ما في
((الفتح)) (١) بطوله، وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): في ذِكر ما قاله أهل العلم في قوله اَلر: ((جزء من
خمسة وأربعين جزءاً من النبوّة)):
قال القرطبيّ تَظْثُهُ: قوله: ((رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من
النبوة))، وفي حديث عبادة: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً))، وفي
رواية عن أبي هريرة: ((رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين))، وفي أخرى
عنه: ((الرؤيا الصالحة))، وفي رواية: ((رؤيا الرجل الصالح ستة وأربعون جزءاً
من النبوة))، وفي حديث ابن عمر ◌ًّا: ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين))، وفي
غير كتاب مسلم عن ابن عباس: ((جزء من أربعين))، وعن عبد الله بن
عمرو طفيًا: ((جزء من سبعة وأربعين))، وفي حديث العباس ظُه: ((من
خمسين))، وعن أنس ظلُله: ((من ستة وعشرين))، وعن عبادة بن الصامت
څته :
((من أربعة وأربعين)).
قال أبو عبد الله المازريّ: والأكثر والأصح عند أهل الحديث: ((من ستة
وأربعين)). وحُكي عن بعض الناس: أنه نَزّل هذا الحديث بهذه الرواية على مدّة
الوحي للنبيّ وَّر، وذلك أنه ◌َّ أقام يوحى إليه ثلاثاً وعشرين سنة، منها ستة
أشهر يوحى إليه في نومه، وذلك في أول أمره.
وقد اعتُرِض عليه بأن هذه المدة لم يصحَّ نقل تحديدها، ولا هو
معروف، فتقدیرہ تحكّم.
قال القرطبيّ: القَدْر الذي اختَلَف الرواة فيه من هذا الحديث أمران:
أحدهما: من أضيفت الرؤيا إليه، فتارة سكت عنه، وأخرى قيل فيه:
((المسلم))، وفي أخرى: ((المؤمن))، وفي أخرى: ((الصالح))، وهذا الأمر
الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني، وذلك أنه حيث سكت عنه لم
(١) ((الفتح)) ٣٦٣/١٦ - ٣٧٢، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠١٧).

٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
يضر السكوت عنه، مع العلم بأن الرؤيا مضافة إلى راءٍ ما، فإذا صُرِّح به في
موضع آخر فهو المعنيُّ، وأما حيث نُطِق به فالمراد به واحد، وإن اختلفت
الألفاظ، وذلك أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم
صادق صالح، وهو الذي يناسب حاله حالَ النبيّ ◌َّرِ فَأُكرم بنوع مما أُكرم به
الأنبياء لمثله، وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب، كما قال ◌َّ: ((إنه لم
يبق من مبشِّرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم، يراها الرجل الصالح، أو
تُرى له))(١)، فإنَّ الكافر، والكاذب، والمخلِّط - وإن صدقت رؤياهم في بعض
الأوقات - لا تكون من الوحي، ولا من النبوّة؛ إذ ليس كل من صَدَق في
حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة. وقد قدّمنا: أن الكاهن يُخبر بكلمة
الحقّ، وكذلك المنجِّم قد يحدِّس(٢)، فيصدق، لكن على الندور والقلَّة،
وكذلك: الكافر، والفاسق، والكاذب. وقد يرى المنام الحق، ويكون ذلك
المنام سبباً في شرِّ يلحقه، أو أمرٍ يناله، إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة
المقصودة به.
وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة صادقة؛ كمنام الملِك الذي
رأى سبع بقرات، ومنام الفَتَيَيْن في السجن، ومنام عاتكة عمَّة رسول الله وَّل،
وهي كافرة، ونحوه كثير، لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة
والفاسدة، فهذا هو الأمر الأول.
وأما الأمر الثاني: وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جُعلت رؤيا الرجل
الصالح واحداً منها: فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى سبعين، كما قد
ذكرناه، وأكثرها في ((الصحيحين))، وكلها مشهورٌ فلا سبيل إلى أخذ أحدها،
وطَرْح الباقي، كما قد فعل أبو عبد الله المازريّ، فإنَّه قد يكون بعض ما ترك
أَولى مما قَبِل إذا بحثنا عن رجال أسانيدها، ولمّا ترجَّح عند غيره غير ما
اختاره هو، فإذاً: الوجه الذي يتعيَّن المصير إليه أن يقال: إن هذه الأحاديث
- وإن اختلفت ألفاظها - متفقة على أن الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء
(١) رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائيّ.
(٢) من بابي نصر، وضرب، من الْحَدْس، وهو الظنّ والتخمين.

٥٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
من أجزاء النبوة. فهذه شهادة صحيحة من النبيّ وَّ لها بأنها وحي من الله
تعالى، وأنها صادقة لا كذب فيها. ولذلك قال مالك وقد قيل له: أيُفَسِّر الرؤيا
كل أحد؟ فقال: أيُلْعَب بالوحي؟ !. وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن
يعتني بها، ويسعى في تفهُّمها، ومعرفة تأويلها، فإنَّها إما مبشِّرة له بخير، أو
محذرة له من شر، فإنْ أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهليَّة ذلك،
وهو اللبيب الحبيب. ولذلك كان النبيّ وَ ل﴿ يقول إذا أصبح: ((هل رأى أحدٌ
منكم الليلة رؤيا فليقصها، أُعبِّرها؟))، فكانوا يقصُّون عليه، ويَعْبُرُ. وقد سلك
أصحابه ذلك المسلك في حياته، وبعد وفاته، وقد كان يقتبس الأحكام من
منامات أصحابه، كما فعل في رؤيا الأذان، وفي رؤيا ليلة القدر. وكل ذلك
بناءً على أنها وحي صحيح. وإذا تقرَّر هذا فلا يضرنا الاضطراب الذي وقع في
عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير؛ غير أن علماءنا قد راموا
إزالة ذلك الاضطراب، وتأوَّلوه تأويلات، فلنذكرها، وننِّه على الأقرب منها؛
وهي أربع:
الأول: ما صار إليه أبو عبد الله. وقد ذكرناه، وما وَرَدَ عليه.
والثاني: أن المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصلة من خصال
النبوة، كما جاء في الحديث الآخر: ((التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء
من ستة وعشرين جزءاً من النبوة))(١)؛ أي: النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها
ستة وعشرون، هذه الثلاثة الأشياء جزء واحدٌ منها، وعلى مقتضى هذه
التجزئة: كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة
في ستة وعشرين صحَّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية
وسبعون. ويصحُّ أن يسمَّى كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءاً وخصلة،
فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين جزءاً، ويصحُّ أن يسمَّى كل أربعة
منها جزءاً، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءاً ونصف جزء،
(١) حديث صحيح، رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (١٨٣/١)، والطبرانيّ في
((الأوسط)) (٣٠٣/١)، والضياء في ((المختارة)) (٤٠٥/٩) وكلهم بلفظ: ((جزء من
أربعة وعشرين جزءاً من النبوّة)).

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
فتختلف أسماء العدد المجزَّأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا: فلا
يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوّة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطراباً؛ وإنَّما
هو اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة. والله تعالى أعلم.
الثالث: ما أشار إليه الطبريّ، وهو: أن هذا الاختلاف راجعٌ إلى
اختلاف حال الرائي. فالمؤمن الصَّالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، وغيرُ
الصالح من سبعين، ولهذا لم يشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما
اشترطه في وصفه في رواية: ((ستة وأربعين))، فإنَّه شرط فيها الصَّلاح في
الرائي، وسكت عن اشتراطه في رواية السبعين.
قال القرطبيّ: وهذا فيه بُعدٌ؛ لِمَا قدَّمناه من صحَّة احتمال حمل مطلق
الرِّوايات على مقيّدها، وبما قد رُوي عن ابن عباس: ((الرؤيا الصالحة جزء من
أربعين))، وسكت فيه عن ذِكر وصف الرائي. وكذلك حديث عبد الله بن عمرو
حين ذَكَر سبعة وأربعين. وحديث العبّاس حين ذكر خمسين.
الرابع: قيل: يَحْتَمِل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي؛ إذ منه ما
سُمِع من الله تعالى دون واسطة، كما قال تعالى: ﴿مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى:
٥١]، ومنه بواسطة المَلَك، كما قال: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، ومنه ما
يُلقى في القلب، كما قال: ﴿إِلَّا وَحْيَا﴾ [الشورى: ٥١]؛ أي: إلهاماً، ثمَّ منه ما
يأتيه المَلَك على صورته، ومنه ما يأتيه على صورة آدمي يعرفه، ومنه ما يتلقاه
منه وهو لا يعرفه، ومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يسمعه من
الملك قولاً مُفضَّلاً، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على
النبيّ وَّ في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتها
انتهت إلى سبعين.
قال القرطبيّ: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد والتساهل؛ فإنَّ تلك
الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبؤَّة، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست
من النبوة في شيء؛ ككونه يعرف المَلَك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته،
أو على غير صورته، ثمَّ مع هذا التكلف العظيم لم يَقْدِر أن يبلغ عدد ما ذكر
إلى ثلاثين.
قال: وأشبه ما ذكر في ذلك: الوجه الثاني؛ مع أنَّه لم تَثْلَجُ النفسُ به،

٥٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
ولا طاب لها. وقد ظهر لي وجه خامس - وأنا أستخير الله في ذكره - وهو: أن
النبوّة معناها: أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه:
إما بالمشافهة، وإما بواسطة مَلَك، أو بإلقاء في القلب، لكن هذا المعنى
المسمَّى بالنبوّة لا يخلق الله به إلا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف،
والعلوم، والفضائل، والآداب، ونزّهه عن نقائص ذلك. ولذلك قال سبحانه:
﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى لمّا ذكر الأنبياء:
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿كُلَّ هَدَيْنَا﴾
[الأنعام: ٨٤]، وقال النبيِّه وَّهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]، فقد
حصل من هذا: أن النبوّة لم يخصّ الله بها إلا أكمل خلقه، وأبعدهم عن
النقائص. ثم: إنه لمّا شرّفهم بالنبؤَّة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم
الخصوصية، فلمّا كانت النبوّة لا يخصّ الله بها إلا من حصلت له خصال
الكمال أطلق على تلك الخصال نبوّة، كما قال ◌َله: ((التؤدة والاقتصاد،
والسَّمت الحسن جزء من النبوة))(١)؛ أي: من خصال الأنبياء، لكن الأنبياء في
هذه الخصال متفاضلون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ التَِّيِْنَ عَلَى بَعْضٍ﴾
[الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،
فتفاضلهم بحسب ما وُهب لكل واحد منهم من تلك الصفات، وشُرِّف به من
تلك الحالات، وكلٌّ منهم الصدق أعظم صفته في نومه ويقظته، وكانوا تنام
أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فنائمهم يقظان، ووحيهم في النوم واليقظة سيَّان؛
فمن ناسبَهُم في الصِّدق حصل من رؤياه على الحق؛ غير أنه لمّا كان الأنبياء
في مقاماتهم وأحوالهم متفاضلين، وكان كذلك أتباعهم من الصَّادقين، وكان
أقل خصال كمال الأنبياء ما إذا اعتُبر كان ستّاً وعشرين جزءاً، وأكثر ما يكون
ذلك سبعين، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ تلك
الأحاديث. وعلى هذا: فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة
تناسب كمال نبيٍّ من الأنبياء، كانت رؤياه جزءاً من نبوّة ذلك النبيّ،
(١) تقدّم أنه صحيح باللفظ الماضي.

٦٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وكمالاتهم متفاضلة كما قرَّرناه، فنسبة أجزاء منامات الصَّادقين متفاوتة على ما
فصَّلناه. وبهذا الذي أظهر لنا يرتفع الاضطراب. وبالله تعالى التوفيق. انتهى
كلام القرطبيّ تَُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأَولى تفويض العلم في ذلك إلى العليم
الخبير، كما أسلفته في كلام السيوطيّ كَّتُهُ، فلا يخفى ما في هذه الأقوال من
التكلّفات والتعسّفات، ولنذكر ما كتبه الحافظ في ((الفتح))، وإن كان كثير منه
تقدّم، إلا عنده زيادات تحقيق، وتوضيح، قال كثّثه :
قوله: ((جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) كذا وقع في أكثر
الأحاديث، ولمسلم من حديث أبي هريرة: ((جزء من خمسة وأربعين))، أخرجه
من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين عنه، وللبخاريّ من طريق عوف، عن
محمد بلفظ: (ستة)) كالجادة، ووقع عند مسلم أيضاً من حديث ابن عمر: ((جزء
من سبعين جزءاً))، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود موقوفاً،
وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عنه مرفوعاً، وله من وجه آخر عنه: ((جزءٌ من
ستة وسبعين))، وسندها ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، من رواية
حُصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفاً كذلك، وأخرجه أحمد مرفوعاً،
لكن أخرجه مسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح كالجادّة، ولابن ماجه
مثل حديث ابن عمر مرفوعاً، وسنده لَيِّنٌّ، وعند أحمد، والبزار عن ابن عباس
بمثله، وسنده جيِّد، وأخرج ابن عبد البرّ من طريق عبد العزيز بن المختار، عن
ثابت، عن أنس مرفوعاً: ((جزء من ستة وعشرين))، والمحفوظ من هذا الوجه
كالجادّة، وهو للبخاري أيضاً، ومثله لمسلم من رواية شعبة، عن ثابت،
وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والطبريّ في ((تهذيب الآثار))، من طريق الأعرج،
عن سليمان بن عَرِيب - بمهملة، وزانُ عظيم - عن أبي هريرة كالجادّة، قال
سليمان: فذكرته لابن عباس، فقال: ((جزء من خمسين))، فقلت له: إني سمعت
أبا هريرة، فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول:
سمعت رسول الله 18 يقول: ((الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين
(١) ((المفهم)) ١٢/٦ - ١٨.