Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِثْيَانِ الْكُمَّانِ
ثانيها: ما يُخبر الجنيّ به من يواليه بما غاب عن غيره، مما لا يَطّلع عليه
الإنسان غالباً، أو يَطّلع عليه مَن قَرُب منه، لا مَن بَعُد.
ثالثها: ما يستند إلى ظنّ، وتخمين، وحَدْس، وهذا قد يجعل الله فيه
لبعض الناس قُوَّةً، مع كثرة الكذب فيه.
رابعها: ما يستند إلى التجربة، والعادة، فيستدلّ على الحادث بما وقع
قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في
ذلك بالزجر، والطَّرْق، والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعاً، وورد في ذمّ الكهانة
څته ،
ما أخرجه أصحاب ((السنن))، وصححه الحاكم، من حديث أبي هريرة
رفعه: ((من أتى كاهناً، أو عَرّافاً، فصَدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على
محمد))، وله شاهد من حديث جابر، وعمران بن حصين ﴿، أخرجهما البزار
بسندين جيِّدين، ولفظهما: ((من أتى كاهناً ... ))، وأخرجه مسلم من حديث
امرأة من أزواج النبيّ وَلي، ومن الرواة من سمّاها حفصة، بلفظ: ((من أتى
عَرّافاً ... ))، وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود، بسند جيِّد، لكن لم
يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي، ولفظه: ((من أتى عرّافاً، أو ساحراً، أو
كاهناً ... ))، واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة، إلا حديث
مسلم، فقال فيه: ((لم يُقبل لهما صلاة أربعين يوماً))، ووقع عند الطبرانيّ من
حديث أنس، بسند لَيِّن، مرفوعاً، بلفظ: ((من أتى كاهناً، فصدّقه بما يقول،
فقد برئ مما أنزل على محمد بَّهِ، ومن أتاه غير مصدِّق له، لم تُقبل صلاته
أربعين يوماً)).
والأحاديث الأُوَل مع صحتها وكثرتها أَولى من هذا، والوعيد جاء تارةً
بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فَيُحْمَل على حالين من الآتي، أشار إلى
ذلك القرطبيّ.
و((العَرّاف)) - بفتح العين المهملة، وتشديد الراء -: من يستخرج الوقوف
على المغيّيات، بضرب من فعل، أو قول، ذَكَر هذا كلّه في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ١٩٠/١٣ - ١٩١، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٢).

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٩٩] (٥٣٧) (١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، قَالَا:
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ
أُمُوراً كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: ((فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ))، قَالَ:
قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ، قَالَ: ((ذَكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ) الصحابيّ المدنيّ (زم د س) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ٧/ ١٢٠٤.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلَتْهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء
السبعة على بعض الأقوال، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في
الكتب الستّة إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، والنسائيّ، وحديث
آخر في العُطاس في الصلاة عند أبي داود، راجع ((تحفة الأشراف))(٢).
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَم) بفتحتين، (السُّلَمِيِّ) بضمّ السين المهملة، وفتح
اللام: نسبة إلى سُليم بنَ منصور أحد أجداده، (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ
أُمُوراً) بالنصب على الاشتغال؛ أي: نصنع أموراً، (كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ)
هي ما قبل ورود الشرع، سُمُّوا جاهليّةً؛ لكثرة جهالاتهم، وفُحشهم (٣)، وقوله:
(كُنَّا نَأْتِي الْكُمَّانَ) بيان لِمَا كانوا يصنعونه في الجاهليّة.
و ((الْكُهّان)): بضم الكاف، وتشديد الهاء: جمع كاهن، يقال: كَهَنَ له،
كمنع، ونصر، وكَرُم كَهَانةً بالفتح، وتكهّن تكهّناً: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن،
(١) هذا مضى، وهو مكرّر.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٢/٥.
(٢) ((تحفة الأشراف)) ٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧.

٤٢٣
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٧٩٩)
وجَمْعِه كَهَنَةٌ، وكُهّانٌ، ككافر وكَفَرَة، وكُفّار، وحِرْفته الكِهانة بالكسر، أفاده في
((القاموس))(١).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: الكهان: جمع كاهن، ككُتّاب: جمع كاتب،
والكِهانة: ادِّعاء علم الغيب، وقد تكلَّمنا على حديث معاوية بن الحكم في
باب: ((نسخ الكلام في الصلاة)).
قال القاضي أبو الفضل: الكهانة كانت في العرب على أربعة أضرب:
أحدها: أن يكون للإنسان رَئِيٌّ من الجن يخبره بما يسترق من السمع،
وهذا القسم قد بَطَل منذ بعث الله محمداً ﴿ كما نصَّ الله تعالى عليه في
الكتاب.
والثاني: أن يخبره بما يطرأ، ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما
قرب، أو بعد، وهذا لا يَبْعُد وجوده، ونفت هذا كله المعتزلة، وبعض
المتكلمين، وأحالوه، ولا استحالة، ولا بُعد في وجود مثله، لكنهم بعدُ
يكذبون، والنهي عامّ في تصديقهم، والسماع منهم.
الثالث: التخمين والحزر، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدّة قوّة،
لكن الكذب في هذا الباب أغلب، قال: ومن هذا الباب: العِرَافة، وصاحبها
عَرَّاف، وهو الذي يستدلُّ على الأمور بأسباب، ومقدمات يدِّعي معرفتها، وقد
يعتضد بعض أهل هذا الفنّ في ذلك بالزَّجْر، والطَّرْق، والنجوم، وأسباب
معتادة في ذلك، وهذا الفن من العيافة - بالياء - وكلها ينطلق عليها اسم:
الكهانة .
قال القرطبيّ: وإذا كان كذلك فسؤالهم عن غيب لِيُخبروا عنه حرام، وما
يأخذون على ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنَّ حُلوان الكاهن المنهيّ عنه.
قال أبو عمر: ويجب على من وَلِيَ الحسبة أن يقيمهم من الأسواق،
وينكر عليهم أشدَّ النكير، ولا يَدَعُ أحداً يأتيهم لذلك، وإن ظهر صدق بعضهم
في بعض الأمور، فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإنَّ تلك الكلمة إما
خَطْفة جني، أو موافقة قَدَر؛ ليغترَّ به بعض الجهال، ولقد انخدع كثير من
(١) ((القاموس المحيط)) ٢٦٤/٤.

٤٢٤
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
المنتسبين للفقه والدِّين، فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين، فبهرجوا عليهم
بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السَّراب،
والآل(١)، ومن أديانهم على الفساد، والضلال. انتهى(٢).
(قَالَ) وَّهِ مجيباً عن سؤاله ((فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ))) هذا النهي للتحريم، قال
النوويّ كَُّهُ: قال العلماء: إنما نُهِيَ عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في
مُغَيَّيات قد يُصادف بعضها الإصابة، فيُخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك،
ولأنهم يُلَبِّسُون على الناس كثيراً من أمر الشرائع.
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهّان، وتصديقهم
فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الْحُلْوان، وهو حرام بإجماع المسلمين،
وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغويّ - رحمهم الله
تعالى -.
قال البغويّ: اتَّفَقَ أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أَخذه
المتكهِّن على كِهانته؛ لأن فعل الكِهانة باطل، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وقد
تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب الصلاة)).
(قَالَ) معاوية بن الحكم ◌َظُه (قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ)؛ أي: نتشاءم بالطيور،
يقال: تطيّر من الشيء، واطّر منه، والاسم: الطَّيَرة، وزانُ عِنَبَة، وهي
التشاؤم، وتقدّم البحث في هذا قريباً. (قَالَ) وَّ ((ذَاَ) إشارة إلى التطيّر
المفهوم من ((نتطيّر))، (شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ)؛ أي: ليس له أصلٌ يُستنَد
إليه، ولا له بُرهان يُعتمَد عليه، ولا هو في كتاب منزل من عند الله تعالى،
وقيل: معناه: أنه معفُوّ عنه؛ لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نَعَم المشي على
وفقه منهيّ عنه، فلذا قال: (فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ)))؛ أي: لا يمنعنّكم عما أنتم فيه.
وقال النوويّ كَّلُ: معناه: أن كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة،
ولكن لا تلتفتوا إليه، ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا، وقد صحّ عن
عروة بن عامر الصحابيّ رَظُبه قال: ذُكِرت الطَّيَرَة عند رسول الله وَّهِ، فقال:
(«أحْسَنُها الفأل، ولا تَرُدُّ مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يَكره، فليقل: اللهم لا
(١) الآل: السّرَابُ.
(٢) ((المفهم)) ٦٣٢/٥ - ٦٣٣.

٤٢٥
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَائَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٠)
يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول، ولا قوة إلا
بك))، رواه أبو داود بإسناد صحيح. انتهى(١).
والحديث من أفراد المصنّف كَثّلُهُ، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله
في ((كتاب المساجد ومواضع الصلاة)) [١٢٠٤/٧] (٥٣٧) فراجعه تستفد علماً
جمًا، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٠٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنِي حُجَيْنٌ - يَعْنِي: ابْنَ
الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً،
حَدَّثْنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثُّلَ مَعْنَى
حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكاً فِي حَدِيثِهِ ذَكَرَ الطِّيَرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْكُهَّانِ).
رجال هذه الأسانيد: أربعة عشر:
١ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) اليماميّ، أبو عُمير، سكن بغداد، وولي قضاء
خراسان، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٥) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧.
٢ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) الفزاريّ مولاهم، المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال:
اسمه مروان، ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤٠/٦.
٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن
الحارث بن أبي ذئب القُرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ
[٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح، أبو يعقوب ابن الطبّاع البغداديّ،
سكن أَذَنة، صدوق [٩] (ت٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في
((الكسوف)) ٢١١٠/٣.
والباقون تقدّموا في الأبواب الثلاثة الماضية.
(١) (شرح النوويّ)) ٢٢٣/١٤.

٤٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ... إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة: عقيلٌ،
ومعمر، وابن أبي ذئب، ومالك رووا هذا الحديث عن الزهريّ بسنده السابق؛
أي: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكم السُّلميّ تَظُّْهُ.
[تنبيه]: رواية عُقيل عن الزهريّ هذه ساقها أحمد تَخُّْهُ في ((مسنده))، فقال:
(١٥٧٠١) - حدّثنا حجّاج، ثنا ليثٌ، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن معاوية بن الحكم السُّلَميّ، أنه قال
لرسول الله : أرأيت أشياء كنا نفعلها في الجاهلية؟، كنا نتطير، قال
رسول الله وقر: ((ذلك شيء تجده في نفسك، فلا يصدنك))، قال: يا رسول الله
كنا نأتي الكهان، قال: ((فلا تأت الكهان)). انتهى (١).
ورواية معمر، عن الزهريّ ساقها عبد الرزّاق في ((مصنّفه))، فقال:
(١٩٥٠٠) - أخبرنا عبد الرزاق(٢)، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي
سلمة، عن معاوية بن الحكم، أن أصحاب النبيّ وَّ قالوا: يا رسول الله منّا
رجال يتطيرون، قال: ((ذاك شيء تجدونه في أنفسكم، فلا يصدنكم))، قال:
ومنا رجال يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتوا كاهناً)). انتهى(٣).
ورواية ابن أبي ذئب عن الزهريّ، ساقها أحمد تَُّ في ((مسنده))، فقال:
(٢٣٨١٤) - حدّثنا هاشم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي
سلمة، عن معاوية بن الْحَكَم السُّلَميّ، قال: قلت: يا رسول الله أشياءُ كنا
نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، فقال النبيّ وَله: ((لا تأتوا الكهان))،
قال: وكنا نتطيّر، قال: ((ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنّكم)).
(٤)
انتھی (٤).
ورواية مالك عن الزهريّ ساقها أبو بكر الإسماعيليّ تَُّ في ((معجم
شيوخه))، فقال:
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٤٣/٣.
(٢) قائل أخبرنا: تلميذ عبد الرزّاق، فتنبّه.
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٠/ ٤٠٢.
(٤) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٤٧/٥.

٤٢٧
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠١)
(٨٤) - أبو عبد الله(١) محمد بن الحسن بن محمد بن الحارث الأنباريّ
بها يُعرف بالقرنجليّ، حدّثنا محمد بن الحسن الأنباريّ، حدّثنا إسحاق بن
بهلول، حدّثنا إسحاق بن الطبّاعِ، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، عن أبي
سلمة، عن معاوية بن الْحَكّم، أنه سأل النبيّ ◌َلهم عن الطيرة، قال: «ذلك شيء
يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٠١] (.) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ حَجَّاجِ(٣) الصَّوَّافِ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثُّنَا الأَوْزَاعِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ
يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ
الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
مُعَاوِيَةً، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ،
قَالَ: ((كَانَ نَبِيٍّ مِنَ الأَنِْيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ))).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذان الإسنادان في ((كتاب المساجد
ومواضع الصلاة)) برقم [١٢٠٤/٧] (٥٣٧) وأورد الحديث هناك مطوّلاً، وقد
استوفيت شرحه، ومسائله هناك، ولله الحمد والمنّة.
وقوله: (كِلَهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الضمير يرجع إلى حجّاج
الصّاف، والأوزاعيّ؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير،
عَنْ هِلَالِ بْنٍ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ،
عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةً، المذكور قبله.
وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) فاعل ((زاد)) ضمير يعود إلى
الراوي المفهوم من المقام، وهو حجّاج، والأوزاعيّ، فتنبّه.
(١) هكذا نُسخة الكتاب، ويقدّر قبله لفظ: حدّثنا، فتنبّه.
(٢) ((معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيليّ)) ٤٢٣/١.
(٣) وفي نسخة: ((عن الحجّاج)).

٤٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقوله: (وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ)؛ أي: يستعملون خطّاً معروفاً عندهم يدّعون
به التوصّل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة.
وقال في ((النهاية)): قال ابن عباس ظ﴿ها: ((الخط)): هو الذي يَخُظُّه
الحازي، وهو عِلْم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي، فيُعطيه
حُلْواناً، فيقول له: اقعُد حتى أَخُطّ لك، وبين يدي الحازي غلام له، معه مِيلٌ
له، ثم يأتي إلى أرض رِخْوَة، فيخط الأستاذ خطوطاً كثيرة بالعجلة؛ لئلا
يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مَهَلِ خطين خطين، فإن بقي من
الخطوط خطان، فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو،
وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَي عِيَان أَسْرِعًا البيان، قال ابن عباس: فإذا محا
الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة.
قال: وكانت العرب تُسَمِّي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي
الأَسْحَم، وكان هذا الخط عندهم مشؤوماً(١)، وتقدّم تمام البحث في هذا في
(كتاب المساجد ومواضع الصلاة))، فراجعه تستفد.
وقوله: (كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال.
(يَخُطُ) بالبناء للفاعل، من باب نصر؛ أي: يستعمل الخطّ معجزةً له.
وقوله: (فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ) يَحْتمل الرفع على الفاعليّة، والمفعول
محذوفٌ، والنصب على المفعوليّة، والفاعل الضمير المستتر في ((وافق)) يعود
إلى النبيّ على حذف مضاف؛ أي: خطّ ذلك النبيّ؛ يعني: أن من وافق من
الناس خظُهُ خطّ ذلك النبيّ (فَذَاَ) خبر مبتدأ محذوف، واختُلف في تقديره،
فقيل: فذاك مباٌ، وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، والجملة
جواب الشرط .
وقال في ((المنهل)): قوله: ((فذاك))؛ أي: فهو مُصيبٌ، وعالمٌ مثل ذلك
النبيّ، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، وامتَنَعت الموافقة؛ لأن
خطّه كان معجزةً، ولأنه كان يَعرِف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَق
به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخطّ؛ لقوّة فراسته، وكمال علمه
(١) ((النهاية)) ٢/ ٤٧.

٤٢٩
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٢)
وورعه. انتهى(١)، وقد تقدّم تمام البحث في هذا بالرقم المتقدّم، ولله الحمد
والمنّة.
[٥٨٠٢] (٢٢٢٨) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا(٢) بِالشَّيْءِ، فَنَجِدُهُ حَقّاً، قَالَ:
(تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنٍ وَلِيِّهِ، وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ
كَذْبَةٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عروة المدنيّ،
ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه محمد، وأخوه هشام، والزهريّ، ومحمد بن
عقبة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وابن عجلان، وأيوب السختيانيّ،
وغيرهم.
قال ابن سعد في الطبقة الرابعة: أمه أم يحيى بنت الحكم بن أبي
العاص، وكان قليل الحديث، قال مصعب الزبيريّ: كان يقول: أنا أكرم
العرب، اختَلَفت العرب في عمي وخالي؛ يعني: مروان بن الحكم، وابن
الزبير، وقال أبو حاتم: يقال: كان أعلم من أخيه هشام بن عروة، وقال
النسائيّ: ثقةٌ، وقال الزبير: كان من أشراف بني عروة، وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحديث، وأعاده بعده.
٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ُها، تقدّمت أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب.
(١) ((المنهل العذب المورود)) ٣٢/٦.
(٢) وفي نسخة: ((يحدّثونا)).

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سباعيّات المصنّف تَخْلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ،
وروايته عن يحيى من رواية الأكابر عن الأصاغر، وفيه عروة أحد الفقهاء
السبعة، وفيه رواية الراوي عن أبيه عن خالته، وفيه عائشة ها من المكثرين
السبعة .
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) قال في ((الفتح)): كأنّ هذا مما فات
الزهريّ سماعه من عروة، فحَمَله عن ولده عنه، مع كثرة ما عند الزهريّ عن
عروة، وقد وصفه الزهريّ بسعة العلم، ووقع في رواية مَعْقِل بن عبيد الله التالية
عن الزهريّ، أخبرني يحيى بن عروة، أنه سمع عروة، وكذا هو عند البخاريّ
في ((التوحيد)) من طريق يونس، وفي ((الأدب)) من طريق ابن جريج، كلاهما عن
ابن شهاب، قال الحافظ: ولم أقف ليحيى بن عروة في البخاريّ إلا على هذا
الحدیث.
قال الجامع: قد أسلفت آنفاً أنه ليس له عند مسلم إلا هذا الحديث،
وأعاده بعده، فتنبّه.
قال: وقد رَوَى بعضَ هذا الحديث محمدُ بنُ عبد الرحمن أبو الأسود،
عن عروة، وهو عند البخاريّ موصولاً في ((بدء الخلق))، وكذا هشام بن عروة،
عن أبيه، به. انتهى(١).
(عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا أنها (قَالَتْ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) هكذا في هذه الرواية أن السائلة هي عائشة حظ ◌ّا، وفي
الرواية التالية: ((سأل أناسٌ رسول الله وَلٍ ... ))، وفي رواية للبخاريّ: ((سأل
ناس رسول الله (وَ ))، قال في ((الفتح)): وقد سُمِّ ممن سأل عن ذلك معاويةُ بن
الحكم السُّلَميّ، كما في الحديث الماضي، وقال الخطابيّ: هؤلاء الكهان فيما
عُلِم بشهادة الامتحان قوم لهم أذهان حادّةٌ، ونفوس شِرِّيرةٌ، وطبائع ناريّة، فهم
(١) ((الفتح)) ١٩٣/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٢).

٤٣١
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٢)
يفزعون إلى الجنّ في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيُلقون إليهم
الكلمات، ثم تَعَرَّض إلى مناسبة ذِكر الشعراء بعد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿هَلْ
[الشعراء: ٢٢١]. (إِنَّ الْكُھَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا)
أُبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ
وفي بعض النسخ: ((يُحدّثونا)) بنون واحدة، (بِالشَّيْءِ) من المغيّبات، (فَتَجِدُهُ
حَقّاً)؛ أي: ثابتاً واقعاً كما أخبروا، وليس المراد أنه ضدّ الباطل، قاله في
((العمدة)) (١). (قَالَ) وَرِ ((تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ) التي وقعت كما أخبروا،
(يَخْطِفُهَا) بفتح الطاء، وكسرها، قال الفيّوميّ تَظُهُ: خَطِفَه يَخطَّفه، من باب
تَعِبَ: استلبه بسُرْعة، وخَطَفه خَطْفاً، من باب ضَرَب لغةٌ، واختَطَفَ، وتخطّف
مثله، والْخَطْفة مثلُ تَمْرة: الْمَرّة. انتهى(٢).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): خَطِفَ الشَّيْءَ، كَسَمِعَ يَخْطَفُه خَطْفاً،
وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ، كما في ((الصِّحاح))، وفي ((التَّهْذِيبِ)): وهي القِرَاءَةُ الجَيِّدَةُ،
وفيه لُغَةٌ أُخْرَى، حَكَاهَا الأَخْفَشُ، وَهي: خَطَفَ يَخْطِفُ، مِنْ باب ضَرَبَ، أَو
هذِهِ قَلِيلَةٌ، أَو رَدِيئَةٌ، لا تَكادُ تُعْرَفُ، كما في ((الصِّحاح))، قال: وقد قَرَأَ بها
يُونُسُ، ويَحْيَى بنٍ وَثَّابٍ، ومُجَاهِد، وأَبو رَجاء، في قُّوْلِهِ تَعَالَى: (يَخْطِفُ
أَبْصَارَهُمْ) ومعناه: اسْتَلَبَهُ، وقيل: أَخَذَهُ فِي سُرْعَةٍ واسْتِلابٍ. انتهى (٣).
(الْجِنِّيُّ) مفرد الجنّ؛ أي: يختلسها الجنيّ من أخبار السماء، وقال في
((الفتح)): وفي رواية السرخسيّ: ((يخطفها من الجنيّ؛ أي: الكاهن يخطفها من
الجنيّ، أو الجنيّ الذي يلقي إلى الكاهن يخطفها من جني آخر فوقه،
و((يخطفها)) بخاء معجمة، وطاء مفتوحة، وقد تُكسر، بعدها فاء، ومعناه:
الأخذ بسرعة، وفي رواية الكشميهنيّ: ((يحفظها)) بتقديم الفاء، بعدها ظاء
معجمة، والأول هو المعروف. انتهى(٤).
(فَيَقْذِفُهَا) بكسر الذال المعجمة، من باب ضرب؛ أي: يرميها (فِي أُذُنِ
وَلِيِّهِ)؛ أي: صاحِبه الكاهن من الإنس، وأطلق على الكاهن وليّ الجنيّ؛ لكونه
(١) ((عمدة القاري)) ٢٧٧/٢١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٧٤/١.
(٣) ((تاج العروس)) ٥٨٠٩/١.
(٤) ((الفتح)) ١٩٣/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٢).

٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
يواليه، أو عَدَل عن قوله: ((الكاهن)) إلى قوله: ((وليّه))؛ للتعميم في الكاهن
وغيره، ممن يوالي الجنّ.
قال الخطابيّ كَُّهُ: بَيَّنَ أن إصابة الكاهن أحياناً إنما هي؛ لأن الجنيّ
يُلقي إليه الكلمة التي يسمعها استراقاً من الملائكة، فيزيد عليها أكاذيب يقيسها
على ما سَمِع، فربما أصاب نادراً، وخطؤه الغالب. انتهى(١).
(وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةً كَذْبَةٍ))) وفي الرواية التالية: ((فيخلطون فيها أكثر من مائة
كذبة)) في رواية البخاريّ: ((فيخلطون معها مائة كذبة))، وفي رواية: ((أكثر من مائة
كذبة))، قال في ((الفتح)): وهو دالّ على أن ذِكْر المائة للمبالغة، لا لتعيين العدد.
وقوله: ((كَذبة)) هنا بالفتح، وحُكِي الكسر، وأنكره بعضهم؛ لأنه بمعنى
الهيئة والحالة، وليس هذا موضعه. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨٠٢/٢٠ و٥٨٠٣ و٥٨٠٤] (٢٢٢٨)،
و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢١٠) وعلّقه في (٣٢٨٨) و((الطبّ)) (٥٧٦٢)
و((الأدب)) (٦٢١٣) و((التوحيد)) (٧٥٦١) وفي ((الأدب المفرد)) (٣٠٤/١)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٨٧/٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٣٤٧)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٣٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٠٧/١)، و(ابن
منده) في ((الإيمان)) (٧٠٢/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٨/٨)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٣٢٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
من السؤال عن أمر دينهم
١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة
حتى لا يتمسّكوا بالأمور الجاهليّة.
(١) ((الأعلام)) للخطّابيّ ٢٢١٩/٣.
(٢) ((الفتح)) ١٩٦/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٢).

٤٣٣
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٣)
٢ - (ومنها): بيان بقاء استراق الشياطين السمع، لكنه قلّ وندر، حتى
كاد يضمحلّ بالنسبة لِمَا كانوا فيه من الجاهلية.
٣ - (ومنها): بيان النهي عن إتيان الكهان، قال القرطبيّ تَخْشُهُ: يجب
على من قَدَر على ذلك من محتسِب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئاً من ذلك
من الأسواق، ويُنْكِر عليهم أشدّ النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغترّ
بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم، ممن يُنسب إلى العلم،
فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور.
انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٠٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا
مَعْقِلٌ - وَهْوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ
عُرْوَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللهِ لَهُ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسُوا بِشَيْءٍ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَاناً
الشَّيْءَ يَكُونُ حَقّاً، قَالَ رَسُولُ اللهِ لَله: ((تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ،
فَيَقُرُّهَا (١) فِي أُذُنٍ وَلِيِّهِ، قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ كَذْبَةٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار
[١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦٠/٦.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الْحَرّانيّ، أبو
عليّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ
يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
(١) وفي نسخة: ((تلك الكلمة من الجنّ يخطفها، فيقرّها)).

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقوله: (سَأَلَ أَنَاسٌ رَسُولَ اللهِ نَّهِ) هم معاوية بن الحكم السَّلَميّ، ومن
معه، كما تقدّم في الحديث الماضي.
(عَنِ الْكُهَّانِ)؛ أي: عن إتيانهم، وسؤالهم عن أشياء.
وقوله: ((لَيْسُوا بِشَيْءٍ)) قال النوويّ تَخُّْهُ: معناه بطلان قولهم، وأنه لا
حقيقة له، وفيه إطلاق هذا اللفظ على ما كان باطلاً. انتهى(١).
وقال في ((الفتح))؛ أي: ليس قولهم بشيء يُعتمد عليه، والعرب تقول لمن
عَمِل شيئاً، ولم يُحْكِمْه: ما عَمِل شيئاً، قال القرطبيّ: كانوا في الجاهلية
يترافعون إلى الكهان في الوقائع، والأحكام، ويرجعون إلى أقوالهم، وقد
انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم، وثبت
النهي عن إتيانهم، فلا يحل إتيانهم، ولا تصديقهم. انتهى(٢) .
وقال الخطابيّ: معنى قوله: ((ليسوا بشيء)) فيما يتعاطونه من علم الغيب؛
أي: ليس قولهم بشيء صحيح يُعتمد كما يُعتمد قول النبيّ وَّ الذي يخبر عن
الوحي، وهو كما يقال لمن عَمِل عملاً غير مُثْقَنٍ، أو قال قولاً غير سديد: ما
عَمِلت، أو ما قلت شيئاً، وقال ابن بطال نحوه، وزاد: إنهم يريدون بذلك
المبالغة في النفي، وليس ذلك كذباً، وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى:
[الإنسان: ١]، والمراد
﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا (﴿ـ
بالذكر هنا: القَدْر والشرف؛ أي: كان موجوداً ولكن لم يكن له قَدْر يُذكر به،
إما وهو مصوَّر من طين على قول من قال: إن المراد به آدم، أو في بطن أمه
على قول من قال: إن المراد به الجنس. انتهى(٣).
وقوله: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانً الشَّيْءَ يَكُونُ حَقّاً) هذا
أورده السائل إشكالاً على عموم قوله: ((ليسوا بشيء))؛ لأنه فَهِم منه أنهم لا
يَصْدُقون أصلاً، فأجابه وَّه عن سبب ذلك الصدق، وأنه إذا اتفق أن يصدُق لم
يتركه خالصاً، بل يشوبه بالكذب (٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٣/١٤.
(٣) ((الفتح)) ٥٩٥/١٠.
(٢) ((الفتح)) ١٣/ ١٩٤.
(٤) ((الفتح)) ١٣/ ١٩٤.

٤٣٥
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٣)
وقوله: (تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ) وفي رواية البخاريّ: ((تلك الكلمة من
الحقّ)) بمهملة، وقاف؛ أي: الكلمة المسموعة التي تقع حقّاً.
وقال النوويّ: قوله: (تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ) كذا في نُسخ بلادنا
بالجيم، والنون؛ أي: الكلمة المسموعة من الجنّ، أو التي تصح مما نقلته
الجنّ، قال: وذكر عياض في ((المشارق)) أنه رُوي هكذا، وروي أيضاً: ((من
الحقّ)) بالحاء والقاف. انتهى(١).
وقوله: (فَيَقُرُّهَا (٢) فِي أُذُنٍ وَلِيِّهِ، قَرَّ الدَّجَاجَةِ) قال النوويّ تَُّ: قوله:
((فيقرّها)) هو بفتح الياء، وضم القاف، وتشديد الراء، و((قَرّ الدجاجة)) بفتح
القاف، والدجاجة - بالدال ـ الدجاجة المعروفة، قال أهل اللغة، والغريب:
القَرّ: ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه، يقول: قَرَرْته فيه أَقُرّه قَرّاً،
وقَرُّ الدجاجة صوتها إذا قطعته، يقال: قَرَّت تَقُرّ قَرّاً، وقَرِيراً، فإن ردّدته قلت:
قَرْقَرَت قَرْقَرَةً.
قال الخطابيّ وغيره: معناه: أن الجنيّ يَقذِف الكلمة إلى وليّه الكاهن،
فتسمعها الشياطين، كما تُؤْذِن الدجاجة بصوتها صواحبها، فتتجاوب، قال:
وفيه وجه آخر، وهي أن تكون الرواية كَقَرّ الزجاجة، تدلّ عليه رواية البخاريّ:
((فيقُرّها في أذنه كما تقرّ القارورة))، قال: فذِكْر القارورة في هذه الرواية يدلّ
على ثبوت الرواية بالزجاجة.
قال القاضي: أما مسلم فلم تختلف الرواية فيه أنه الدجاجة بالدال، لكن
رواية القارورة تصحح الزجاجة، قال القاضي: معناه: يكون لِمَا يُلقيه إلى وليّه
حِسّ كحسّ القارورة عند تحريكها، مع اليد، أو على صَفَا. انتهى (٣).
· وقال في ((الفتح)): قوله: ((فيقرها)) بفتح أوله وثانيه(٤)، وتشديد الراء؛
أي: يصبّها، تقول: قررت على رأسه دلواً: إذا صببته، فكأنه صُبّ في أذنه
(١) (شرح النوويّ)) ٢٢٥/١٤.
(٢) وفي نسخة: ((تلك الكلمة من الجنّ يخطفها، فيقرّها)).
(٣) (شرح النوويّ)) ٢٢٥/١٤ - ٢٢٦.
(٤) الظاهر أنه بضمّ ثانيه، كما تقدّم عن النوويّ، فتأمل.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
ذلك الكلام، وقال القرطبيّ: ويصحّ أن يقال المعنى: ألقاها في أذنه بصوت،
يقال: قَرّ الطائر: إذا صَوّت. انتهى.
ووقع في رواية يونس: ((فيقرقرها)»؛ أي: يردّدها، يقال: قرقرت الدجاجة
تُقَرْقِر قَرْقَرَةً: إذا رددت صوتها، قال الخطابيّ: ويقال أيضاً: قَرَّت الدجاجة تَقُرّ
قَرّاً، وقريراً: إذا رجعت في صوتها، قيل: قرقرت قرقرةً، وقرقريرةً، قال:
والمعنى أن الجني إذا ألقى الكلمة لوليّه تسامع بها الشياطين، فتناقلوها، كما
إذا صوّتت الدجاجة، فسمعها الدجاج فجاوبتها .
وتعقبه القرطبيّ بأن الأشبه بمساق الحديث أن الجني يُلقي الكلمة إلى
وليّه بصوت خفيّ، متراجع، له زمزمة، ويرجّعه له، فلذلك يقع كلام الكهان
غالباً على هذا النمط.
وقوله: ((كقرقرة الدجاجة))؛ يعني: الطائر المعروف، ودالها مثلّثة،
والأشهر فيها الفتح، ووقع في رواية المستملي: ((الزجاجة)) بالزاي المضمومة،
وأنكرها الدارقطنيّ، وعدّها في التصحيف، لكن وقع في حديث الباب بلفظ:
((فيقرّها في أذنه كما تقر القارورة))، وشرحوه على أن معناه كما يسمع صوت
الزجاجة، إذا حُلّت على شيء، أو أُلقي فيها شيء، وقال القابسيّ: المعنى أنه
يكون لِمَا يُلقيه الجني إلى الكاهن حسّ كحسّ القارورة إذا حُرِّكت باليد، أو
على الصفا .
وقال الخطابيّ: المعنى: أنه يُطبِّق به كما يُطَبَّق رأس القارورة برأس
الوعاء الذي يُفْرَغ فيه منها ما فيها .
وأغرب شارح ((المصابيح)) النوربشتيّ، فقال: الرواية بالزاي أحوط؛ لِمَا
ثبت في الرواية الأخرى: ((كما تُقَرُّ القارورة، واستعمال قَرّ في ذلك شائع،
بخلاف ما فَسَّروا عليه الحديث، فإنه غير مشهور، ولم نجد له شاهداً في
كلامهم، فدلّ على أن الرواية بالدال تصحيف، أو غلط من السامع.
وتعقبه الطيبيّ، فقال: لا ريب أن قوله: ((قَرَّ الدجاجة)) مفعول مطلق،
وفيه معنى التشبيه، فكما يصحّ أن يُشبَّه إيراد ما اختطفه من الكلام في أُذُن
الكاهن بصب الماء في القارورة، يصحّ أن يُشبّه ترديد الكلام في أذنه بترديد
الدجاجة صوتها في أذن صواحباتها، وهذا مشاهَدٌ، ترى الديك إذا رأى شيئاً

٤٣٧
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَائَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٣)
ينكره يُقَرْقِرُ، فتسمعه الدجاج، فتجتمع، وتقرقر معه، وباب التشبيه واسع، لا
يفتقر إلى العلاقة، غير أن الاختطاف مستعار للكلام من فعل الطير، كما قال الله
تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، فيكون ذِكر الدجاجة هنا أنسب من ذِكر
الزجاجة؛ لحصول الترشيح في الاستعارة.
قال الحافظ: ويؤيده دعوى الدارقطنيّ، وهو إمام الفنّ أن الذي بالزاي
تصحيف، وإن كنا ما قبلنا ذلك، فلا أقلّ أن يكون أرجح.
وقوله: (فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ كَذْبَةٍ)) هذا يدلّ على أن ذكر المائة
للمبالغة، لا لتعيين العدد، وفي الرواية الماضية: ((ويزيدون فيها مائة كذبة))،
والكذبة هنا بفتح الكاف، وحُكي كسرها، وأنكره بعضهم؛ لأنه بمعنى الهيئة
والحالة، وليس هذا موضعها.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((تلك الكلمة يخطفها الجنيّ، فيقذفها في أذن
وليّه))؛ أي: يرميها في أذنه، ويُسمعه إياها. وفي الرواية الأخرى: ((فيقرها في
أذن وليه قرّ الدجاجة))؛ أي: يضعها في أذنه. يقال: قررت الخبر في أذنه أقره
قرّاً. ويصحّ أن يقال: ألقاها في أذنه بصوت. يقال: قرَّ الطائر: صوَّت.
و((قرُّ الدجاجة)) - بكسر القاف ــ حكاية صوتها. قال الخطابيّ: قرَّت
الدجاجة، تقرُّ قرّاً، وقريراً: إذا رجَّعت فيه؛ قيل: قرقرت قرقرةً، وقَرقريراً،
قال الشاعر [من الطويل]:
وَمَا ذَاتُ طَوْقٍ فَوْقَ عُودٍ أَرَاكَةٍ وَإِنْ قَرْقَرَتْ هَاجَ الْهَوَى قَرْقَرِيرُهَا
قال: والمعنى أن الجنيّ يقذف الكلمة إلى وليّه الكاهن، فيتسامع بها
الشياطين، كما تُؤذِن الدجاج بصوت صواحباتها، فتتجاوب.
قال القرطبيّ: والأشبه بمساق الحديث أن يكون معناه أن الجنِّي يُلقي
إلى وليّه تلك الكلمات بصوت خفي، متراجع يُزَمْزِمُهُ، ويُرَجِّعه له، كما يلقيه
الكهان للناس، فإنَّهم تسمع لهم زمزمة، وإسجاع، وترجيع، على ما عُلم من
حالهم بالمشاهدة والنقل.
ولم يختلف أحدٌ من رواة مسلم أن الرواية في هذا اللفظ: ((قرَّ
الدجاجة))؛ يعني به: الطائر المعروف. واختلف فيه عن البخاري. فقال بعض
رواته: ((كقرِّ الزجاجة)) بالزاي. قال الدارقطنيّ: هو مما صحَّفوا فيه.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
والصواب: الدجاجة - بالدال -. وقيل: الصواب الزجاجة؛ بدليل ما قد رواه
البخاريّ: فيقرها في أذنه، كما تُقَرّ القارورة، وهي بمعنى الزجاجة؛ أي: كما
يسمع صوت الزجاجة إذا حكَّت على شيء، أو إذا أُلقي فيها ماء، أو شيء.
(١) .
انتھی
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٠٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ رِوَايَةٍ
مَعْقِلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) اليافعيّ المصريّ الرُّعينيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩].
رَوَى عن ابن جريج، والثوريّ، وعنه ابن وهب، قال ابن أبي حاتم:
سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: شيخ لابن وهب، وقال ابن يونس: روى عنه
ابن وهب وحده، وهو قريب السنّ من ابن وهب، حدَّث بغرائب، وذكره ابن
حبان في (الثقات))، وقال ابن عديّ: له مناكير، وأورد له حديثاً، واستنكره،
وذكره الساجيّ في ((الضعفاء))، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال: غيره أقوى
منه، وقال ابن القطان: لم تثبت عدالته.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث
متابعةً، وله عند النسائيّ حديث واحد فقط.
والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن جريج عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٨٥٩) - حدّثنا محمد بن سلام، أخبرنا مخلد بن يزيد، أخبرنا ابن
(١) ((المفهم)) ٦٣٤/٥ - ٦٣٥.

٤٣٩
(٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِثْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٥)
جريج، قال ابن شهاب: أخبرني يحيى بن عروة، أنه سمع عروة يقول: قالت
عائشة: سأل أناس رسول الله و ﴿ عن الكهان، فقال لهم رسول الله وَله :
((ليسوا بشيء))، قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقّاً،
فقال رسول الله وَله: ((تلك الكلمة من الحقّ يخطفها الجنيّ، فيقرها في أذن
وليه قَرّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٠٥] (٢٢٢٩) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
قَالَ حَسَنٌّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ
قَالَ: أَخْبَرَنِي رَّجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَلِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ (٢) جُلُوسٌ
لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ رُمِيَ بِنَجْمٍ، فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَاذَا كُنْتُمْ
تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟))، قَالُوا : - اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - كُنَّا
نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((فَإِنَّهَا لَا
يُرْمَى بِهَا لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرَأَ
سَبَّعَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ
هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ
رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ. قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ بَعْضاً، حَتَّى يَبْلُغَ
الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ
بِهِ، فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ، وَيَزِيدُونَ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بن عليّ بن أبي طالب زين العابدين المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] (ت٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٨١٨/٣٠.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٩٤/٥.
(٢) وفي نسخة: ((بينا هم)).

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﴿ّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ مِنَ الأَنْصَارِ) لا يعرف، ولكن لا تضرّ
جهالته؛ لأنهم کلّهم عدول.
والباقون كلهم تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثُمانيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخيه، وفيه
ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ صَالِحٍ) بن كيسان الغفاريّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم
الزهريّ، أنه قالَ: (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ) الملقّب بزين العابدين، (أَنَّ
(قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ مِنَ الأَنْصَارِ)
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ)
كلّهم عدول.
تقدّم أنه لم يُعرَّف اسمه، ولكنه لا يضرّ؛ لأن الصحابة
(أَنَّهُمْ)؛ أي: هو وأصحابه من الأنصار، (بَيْنَمَا هُمْ) وفي بعض النُّسخ: ((بينا
هم)، قال في ((اللسان))(١): أَصلُ بَيْنا: بَيْنَ، فأُشبِعتْ الفتحة، فصارت أَلفاً،
ويقال: بَيْنا، وبَيْنما، وهما ظرفا زمانٍ، بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة
منِ فعلٍ وفاعلٍ، ومبتدٍ وخبر، ويحتاجان إلى جواب، يَتِمُّ به المعنى،
والأَفصَحَ في جوابهما أَن لا يكون فيه ((إِذْ)، و((إذا))، وقد جاءا في الجواب
كثيراً، تقول: بَينا زيدٌ جالسٌ دخَل عليه عمرٌو، وإذ دخَل عليه، وإذا دخل
عليه، ومنه قول الحُرَقة بنت النُّعمان [من الطويل]:
فَبَيْنا نَسُوسُ الناسَ والأَمرُ أَمْرُنا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
(جُلُوسٌ) جمع جالس، وهو خبر ((هم)). (لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ نََّ)
الظرفان متعلّقان بـ(جُلوس))، ويَحْتَمِل أن يكون الثاني حالاً. (رُمِيَ بِنَجْم) قال
الطيبيّ كَّثُ: هو جواب ((بينما))، ولم يؤتَ بـ((إذا))، كما يستفصحه الأصمعيّ،
وأنشد [من الوافر]:
(١) ((لسان العرب)) لابن منظور ٦٢/١٣.