Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ (١٥) - بَابٌ التَّلْبِيَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٧٥٥) (تُذْهِبُ) بضمّ أوله من الإهاب رباعيّاً؛ أي: تُزيل (بَعْضَ الْخُزْنِ))) بضمّ، فسکون، أو بفتحتین: الهمّ، وجمعه أحزان. وقال ابن القيّم تَخْفُ: قوله: ((تذهب ببعض الحزن)) هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويُضْعفان الحرارة الغريزية؛ لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الْحَساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيل أكثر ما عرض له من الغمّ والحزن. قال: وقد يقال - وهو أقرب -: إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها، من جنس خواص الأغذية المفرِّحة، فإن من الأغذية ما يفرِّح بالخاصية، والله أعلم. وقد يقال: إن قُوَى الحزين تَضعف باستيلاء الييس على أعضائه، وعلى معدته خاصّة؛ لتقليل الغذاء، وهذا الْحَساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيراً ما يجتمع في معدته خلط مراريّ، أو بلغميّ، أو صديديّ، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة، ويَسْرُوه، ويَحْدُرُه، ويُميعه، ويُعَدِّل كيفيته، ويكسر سَوْرته، فيريحها، ولا سيما لمن عادَتُه الاغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة؛ إذ ذاك، وكان هو غالب قُؤْتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم، والله أعلم. انتهى(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٥٥/١٥] (٢٢١٦)، و(البخاريّ) في (الأطعمة)) (٤٥١٧) و((الطبّ)) (٥٦٨٩)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٤٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦١/٤ و٣٧٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٠/٦ و١٥٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦١/٤) و((شُعَب الإيمان)) (٩٤/٥)، والله تعالى أعلم. (١) ((زاد المعاد)) ١٢٠/٤ - ١٢١. ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز اجتماع الجيران عند أهل الميت؛ ليخفّفوا عنهم ألم الحزن، ويسلّوهم، ويحثّوهم على الصبر. [فإن قلت]: يعارض هذا ما أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (١ /٥١٤) عن جرير بن عبد الله البجليّ رظبه قال: ((كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصَنْعة الطعام من النياحة))، وهو حديث صحيح. [قلت]: يجاب عن ذلك بأن ما في حديث جرير ظلاله محمول على اجتماع غير الجيران، فلا ينبغي لغيرهم أن يجتمعوا عند أهل الميت، وأما هذا الحديث، فهو خاصّ بالجيران، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان استحباب صنع التلبينة للمريض، والمحزون. ٣ - (ومنها): بيان فائدة التلبينة، وهي أنها مَجَمّةٌ للفؤاد، وتُذهب بعض الحزن، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): حدّثنا فَرْوة بن أبي الْمَغْراء، حدّثنا عليّ بن مُسهر، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة: ((أنها كانت تأمر بالتلبينة، وتقول: هو الْبَغيض النافع)). قال في ((الفتح)): كذا فيه موقوفاً، وقد حذف الإسماعيليّ، هذه الطريق، وضاقت على أبي نعيم، فأخرجها من طريق البخاريّ هذه، عن فَرْوة، ووقع عند أحمد، وابن ماجه، من طريق كُلْثم، عن عائشة، مرفوعاً: ((عليكم بالبغيض النافع: التلبينة))؛ يعني: الْحَساء(١)، وأخرجه النسائيّ من وجه آخر، عن عائشة، وزاد: ((والذي نفس محمد بيده، إنها لتغسل بطن أحدكم، كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه بالماء))، وله، وهو عند أحمد، والترمذيّ من طريق محمد بن السائب بن بركة، عن أمه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله وَل﴿: ((إذا أخذ أهله الْوَعْك أمر بالْحَساء، فصُنِعٍ، ثم أمرهم، فحَسَوا منه، ثم قال: إنه يَرْتُو فؤاد الحزين، ويَسْرُو عن فؤاد السقيم، كما تَسْرو إحداكنّ الوسخَ عن وجهها بالماء)) . (١) ((الحَسَاءُ كسلام: الطبيخ الرقيق يُحسَى))، قاله في ((المصباح)). ٢٦٣ (١٥) - بَابُ التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٧٥٥) و((يَرْتُو)) بفتح أوله، وسكون الراء، وضم المثناة، و(يَسْرُو)) وزْنَهُ بسين مهملة، ثم راء، ومعنى (يرتو)): يُقَوِّي، ومعنى ((يسرو)): يكشف. و((البغيض)) بوزن عظيم، من البغض؛ أي: يبغضه المريضُ مع كونه ينفعه؛ کسائر الأدوية. وحَكَى عياض أنه وقع في رواية أبي زيد المروزيّ بالنون بدل الموحّدة، قال: ولا معنى له هنا . قال الموفق البغداديّ: إذا شئت معرفة منافع التلبينة، فاعرف منافع ماء الشعير، ولا سيما إذا كان نُخالة، فإنه يجلو، وينفذ بسرعة، ويُغَذِّي غذاءً لطيفاً، وإذا شُرِب حارّاً كان أجلى، وأقوى نُفُوذاً، وأنمى للحرارة الغريزية. قال: والمراد بالفؤاد في الحديث: رأس المعدة، فإن فؤاد الحزين يَضْعُف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصّة؛ لتقليل الغذاء، والْحَساء يرطبها، ويغذيها، ويقوّيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيراً ما يجتمع في معدته خلطٌ مراريّ، أو بلغميّ، أو صديديّ، وهذا الْحَساء يجلو ذلك عن المعدة، قال: وسمّاه البغيض النافع؛ لأن المريض يَعافه، وهو نافع له، قال: ولا شيء أنفع من الحساء لمن يغلب عليه في غذائه الشعير، وأما من يغلب على غذائه الحنطة فالأَولى به في مرضه حَسَاء الشعير، والله أعلم(١). وقال الإمام ابن القيّم ◌َّتُهُ: التلبين: هو الْحَساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتُقّ اسمه، قال الهرويّ: سُمّيت تلبينةً؛ لِشَبَهها باللبن، لبياضها، ورقّتها، وهذا الغذاء هو النافع للعليل، وهو الرقيق النضيج، لا الغليظ النيء، وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حَساءٌ متخذٌ من دقيق الشعير بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صِحاحاً، والتلبينة تطبخ منه مطحوناً، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن للعادات تأثيراً في الانتفاع بالأدوية، والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحوناً لا (١) ((الفتح)) ٧٦/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٩). ٢٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى صحاحاً، وهو أكثر تغذيةً، وأقوى فعلاً، وأعظم جَلاءً، وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحاً؛ ليكون أرقّ، وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن، ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون عليها، والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخاً صحاحاً ينفذ سريعاً، ويجلو جَلاءً ظاهراً، ويُغَذِّي غذاء لطيفاً، وإذا شُرب حارّاً كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. انتهى كلام ابن القيّم ◌َخْذُ(١)، وهو بحث نافع جدّاً، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٦) - (بَابُ التَّدَاوِي بِسَقْىٍ الْعَسَلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٦] (٢٢١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَهَ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بِ: ((اسْقِهِ عَسَلاً))، فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلاً، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّ اسْتِطْلَاقً، فَقَالَ لَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: ((اسْقِهِ عَسَلاً»، فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّ اسْتِطْلَاقاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيَكَ))، فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٢ - (أَبُو الْمُتَوَكِّلِ) الناجيّ، عليّ بن داود، ويقال: دُؤاد البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٨) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٥/ ٦٠٢. (١) ((زاد المعاد)) ١٢٠/٤ - ١٢١. ١ ٢٦٥ (١٦) - بَابُ التَّدَاوِي بِسَفْيِ الْعَسَلِ - حديث رقم (٥٧٥٦) ، ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابيّ ابن الصحابيّ مات سنة (٣ أو ٤ أو ٥٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. والباقون كلّهم تقدّموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكَّلِ) قال في ((الفتح)): كذا لشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وخالفهما شيبان، فقال عن قتادة، عن أبي الصدِّيق(١)، عن أبي سعيد، أخرجه النسائيّ، ولم يُرَجِّح، والذي يظهر ترجيح طريق أبي المتوكل؛ لاتفاق الشيخين عليها: شعبة، وسعيد أوّلاً، ثم البخاريّ ومسلم ثانياً، ووقع في رواية أحمد: ((عن حجاج، عن شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المتوكل)). انتهى (٢). (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبُهُ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، ولا اسم أخيه المستطلق بطنه. (إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ) ظاهر عبارة ((اللسان))، و(المصباح)) أنه بالبناء للفاعل، ونصّ الثاني: استَظْلَقَ بَطْنُهُ لازماً، وأطلقه الدواءُ. انتهى(٣)، وضَبَطه في ((الفتح)) بالبناء للمفعول، وعبارته: ((استُظْلِقِ بطنُه)) - بضم المثناة، وسكون الطاء المهملة، وكسر اللام، بعدها قاف -؛ أي: كَثُر خروج ما فيه، يريد الإسهال، ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة عند البخاريّ: ((إن أخي يشتكي بطنه))، ولمسلم من طريقه: ((قد عَرِبَ بطنه))، وهي بالعين المهملة، والراء المكسورة، ثم الموحّدة؛ أي: فسد هضمه؛ لاعتلال المعدة، ومثله ذَرِبَ بالذال المعجمة، بدل العين وزناً ومعنّى. انتهى(٤). (١) هو أبو الصدّيق الناجيّ بكرو بن عمرو. (٢) ((الفتح)) ١١٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). (٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٧٧/٢، و((لسان العرب)) ٢٢٩/١٠. (٤) ((الفتح)) ١١٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). ٢٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((استطلق بطنه)): قيَّدناه بضم التاء، وكسر اللام، مبنياً للمفعول، و((بطنه)) مرفوعٌ مفعولٌ لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، ومعناه أصيب بالإسهال، وقد عبّر عنه في الرواية الأخرى: ((عَرِبَ بطنه))؛ أي: تغيَّر عن حال الصحة إلى هذا المرض. انتهى(١). (فَقَّالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اسْقِهِ) بوصل الهمزة، من سقاه ثلاثيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أو بقطع الهمزة، من أسقاه رباعيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَّهُ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. (عَسَلاً))) وعند الإسماعيليّ من طريق خالد بن الحارث، عن شعبة: ((اسقه العسل))، واللام عهديّة، والمراد عسل النحل، وهو مشهور عندهم، وظاهره الأمر بسقيه صِرْفاً، ويَحْتَمِل أن يكون ممزوجاً (٢)، (فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلاً، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقاً)، وفي رواية الترمذيّ: ((ثم جاء، فقال: يا رسول الله، إني قد سقيته عسلاً، فلم يزده إلا استطلاقاً))، (فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: قال الرجل للنبيّ وَّ: ((إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلاً، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِظْلَاقاً))، وعند أحمد عن يزيد بن هارون، عن شعبة: ((فذهب، ثم جاء، فقال: قد سقيته، فلم يزده إلا استطلاقاً، فقال: اسقه عسلاً، فسقاه، كذلك ثلاثاً، وفيه: فقال في الرابعة: اسقه عسلاً))، وعند الإسماعيليّ من رواية خالد بن الحارث: ((ثلاث مرات، يقول فيهنّ ما قال في الأُولى)). (ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ)؛ أي: جاء الرجل المرة الرابعة إليه بَّر، فأعاد عليه الكلام، (فَقَالَ) وَلهـ ((اسْقِهِ عَسَلاً)، فَقَالَ) الرجل (لَقَدْ سَقَيْتُهُ، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلََّ اسْتِطْلَاقاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِّ: ((صَدَقَ اللهُ)؛ أي: في قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ﴾ [النحل: ٦٩]، قال ابن القيّم تَخْتُ بعد أن ذكر منافع العسل ما نصّه: إذا عُرِف هذا فهذا الذي وَصَف له النبيّ وَّ العسل كان استطلاق بطنه عن تُخَمة أصابته عن امتلاء، فأَمَره بشرب العسل؛ لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة، والأمعاء، فإن العسل فيه جلاء، ودفع للفضول، (١) ((المفهم)) ٦٠٨/٥. (٢) ((الفتح)) ١١٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). ٢٦٧ (١٦) - بَابُ التَّدَاوِي بِسَفْىِ الْعَسَلِ - حديث رقم (٥٧٥٦) وكان قد أصاب المعدة أخلاط لَزِجة، تمنع استقرار الغذاء فيها؛ للزوجتها، فإن المعدة لها خَمْل كخمل القطيفة، فإذا عَلِقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جِلاءٌ، والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء، لا سيما إن مُزج بالماء الحارّ. قال: وفي تكرار سقيه العسل معنى طبيّ بديعٌ، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار، وكمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه لم يزله بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوى، فأحدث ضرراً آخر، فلما أمره وس * أن يسقيه العسل سقاه مقداراً لا يفي بمقاومة الداء، ولا يبلغ الغرض، فلما أخبره عَلِم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة، فلما تكرر ترداده إلى النبيّ وَّ ر أكد عليه المعاودة؛ ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها، ومقدار قوة المرض، والمريض من أكبر قواعد الطبّ. انتهى كلام ابن القيّم كَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ))) إسناد الكذب إلى البطن مجازٌ؛ لأن الكذب يختص بالأقوال، فجَعَل بطن أخيه حيث لم ينجع فيه العسل كذباً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ﴾، ويقال: العرب تستعمل الكذب بمعنى الخطأ والفساد، فتقول: كذب سمعي؛ أي: زَلّ، ولم يُدرك ما سمعه، فكذب بطنه حيث ما صلح للشفاء، فزَلّ عن ذلك، قاله في ((العمدة))(٢). وقال في (الفتح)): قال الخطابيّ وغيره: أهل الحجاز يُطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سَمْعُك؛ أي: زَلّ، فلم يُدرِك حقيقة ما قيل له، فمعنى كذب بطنه؛ أي: لم يصلح لقبول الشفاء، بل زَلّ عنه. انتهى (٣). وقال الإمام ابن القيّم كَّثُ: وفي قوله وَلافيه: ((صدق الله وكذب بطن أخيك))، إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكذب البطن، وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء؛ (١) ((زاد المعاد)) ٣٥/٤. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٣٤/٢١. (٣) ((الفتح)) ١١٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى لكثرة المادة، وليس طبه وَ﴿ كطب الأطباء، فإن طبّ النبيّ وَّ متيقنٌ، قطعيّ، إلهيّ، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وطبّ غيره أكثره حَدْسٌ، وظنون، وتجارب، ولا يُنْكَر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به مَن تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان، والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لِمَا في الصدور - إن لم يُتَلقّ هذا التلقي - لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رِجْساً إلى رجسهم، ومرضاً إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه؟ فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة، والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة؛ كإعراضهم عن طب الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن الخبث الطبيعة، وفساد المحلّ، وعدم قبوله، والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّتُهُ(١)، وهو تحقيق حسن جدّاً، والله تعالى أعلم. (فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ)، وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون: ((فقال في الرابعة: اسقه عسلاً، قال: فأظنه قال: فسقاه، فبرأ، فقال رسول الله وَّر في الرابعة: صدق الله، وكذب بطن أخيك))، كذا وقع ليزيد بالشكّ، وفي رواية خالد بن الحارث: ((فقال في الرابعة: صدق الله، وكذب بطن أخيك))، قال الحافظ تَّتُهُ: والذي اتَّفَق عليه محمد بن جعفر، ومن تابعه أرجح، وهو أن هذا القول وقع منه وَله بعد الثالثة، وأمره أن يسقيه عسلاً، فسقاه في الرابعة، فَبَرَأَ، وقد وقع في رواية سعيد بن أبي عروبة: ((ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه، فقال: قد فعلت، فسقاه، فبرأ)). انتهى(٢). وقوله: (فَبَرَأَ) قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: بَرَأ من المرض يَبْرأُ، من بابي نَفَعَ، وتَعِبَ، وبَرُؤَ بُرْءاً، من باب قَرُبَ لغةٌ. انتهى. وقال في (الفتح)): ((فبرأ)) - بفتح الراء، والهمز، بوزن قرأ - وهي لغة أهل الحجاز، وغيرُهم يقولها بكسر الراء، بوزن عَلِم، وقد وقع في رواية أبي (١) ((زاد المعاد)) ٣٥/٥ - ٣٦. (٢) ((الفتح)) ١١٣/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). ٢٦٩ (١٦) - بَابُ التَّدَاوِي بِسَفْىِ الْعَسَلِ - حديث رقم (٥٧٥٦) الصديق الناجيّ في آخره: ((فسقاه، فعافاه الله))، قاله في ((الفتح))(١). وقال في ((العمدة)): يقال: أَبْرَأُ من المرض بَرْءاً، بالفتح، فأنا بارىء، وأبرأني من المرض، وغير أهل الحجاز يقولون: بَرِئت بالكسر بُرْءاً بالضم، وقال الجوهريّ: يقول: برئت منك، ومن الديون، والعيوب، بَرَاءةً، وبَرِئت من المرض بُرْءاً بالضم، وأهل الحجاز يقولون: برأت من المرض بَرَءاً بالفتح، وأصبح فلان بارئاً من المرض، وأبرأه الله من المرض، وبرأ الله الخلق بَرْأَ أيضاً؛ يعني: بالفتح (٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٥٦/١٦ و٥٧٥٧] (٢٢١٧)، و(البخاريّ) في («الطبّ)) (٥٦٨٤ و٥٧١٦)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٨٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٣/٤ و٣٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٩/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩/٣ و٩٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥١/٢)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٢٩٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٤/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون العسل شفاء لمن استُطلق بطنه، بل لكثير من الأمراض المزمنة، ولقد أجاد الإمام ابن القيّم ◌َثُ حيث ذكر منافع العسل، فقال: والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق، والأمعاء، وغيرها، مُحَلِّل للرطوبات أكلاً، وطلاءً، نافع للمشايخ، وأصحاب البلغم، ومن كان مزاجه بارداً رطباً، وهو مُغَذٍّ مليّن للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين، ولِمَا استُودع فيه، مُذهِبٌ لكيفيات الأدوية الكريهة، مُنَقٍّ للكبد، والصدر، مُدِرّ للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شُرِب حارّاً بدهن (١) ((الفتح)) ١١٣/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٣٤/٢١. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى الورد نفع من نهش الهوامّ، وشُرْب الأفيون، وإن شُرِب وحده ممزوجاً بماء نفع من عَضّة الكلب الكَلِب، وأَكْلِ الفُطُر (١) القتال، وإذا جُعل فيه اللحم الطريّ حَفِظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جُعل فيه القثاء، والخيار، والقرع، والباذنجان، ويَحفظ كثيراً من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين، وإذا لُطِخ به البدن المقمل، والشعر قتل قمله، وصِئْبانه(٢)، وطَوَّل الشعر، وحسَّنه، ونَعَّمه، وإن اكتُحِل به جلا ظلمة البصر، وإن استُنّ به بَيَّض الأسنان، وصَقَلها، وحَفِظ صحتها، وصحة اللِّثَة، ويَفتح أفواه العروق، ويُدِرّ الطمث، ولَعْقه على الريق يُذهب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويُسَخِّنها تسخيناً معتدلاً، ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد، والكلى، والمثانة، وهو أقل ضرراً لسدد الكبد، والطحال من كل حلو. وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضارّ، مُضِرّ بالعرض للصفراويين، ودفعها بالخلّ ونحوه، فيعود حينئذ نافعاً له جدّاً. وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومُفْرِح مع المفرحات، فما خُلق لنا شيء في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَهُ، ولا قريباً منه، ولم يكن مُعَوّل القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذِكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنه حديث العهد حَدَث قريباً، وكان النبيّ ◌َّ يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة، لا يدركه إلا الفطن الفاضل. وفي ((سنن ابن ماجه)) مرفوعاً من حديث أبي هريرة ◌َظُه: ((مَن لَعِقَ العسل ثلاث غدوات، كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء))(٣)، وفي أثر آخر: ((عليكم بالشفاءين: العسل، والقرآن)) (٤)، فجَمَع بين الطب البشريّ والإلهيّ، (١) الْفُطُر بضمّتين: نوع من الكمأة قتّال. (٢) الصُّؤَابة، كغُرابة: بيضة القمل والبُرْغُوث، جمعه صُؤَابٌ، وصِثْبانٌ. اهــ ((ق)). (٣) ضعيف في سنده راو ليّن الحديث، وآخر مجهول. (٤) حديث صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، إلا أن البيهقيّ يصحح كونه موقوفاً على ابن مسعود ٢٧١ (١٦) - بَابُ التَّدَاوِي بِسَقْيِ الْعَسَلِ - حديث رقم (٥٧٥٦) وبين طب الأبدان، وطب الأرواح، وبين الدواء الأرضيّ، والدواء السمائيّ. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّفُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن قوله وَله: ((صدق الله ... إلخ)) فيه تنبيه: على أنه انتزع هذا العلاج بالعسل من قول الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِِّ﴾ الآية [النحل: ٦٩]، قال القرطبيّ تَظُّهُ: والصحيح أن ضمير قوله: ﴿فِيهِ﴾ عائدٌ على العسل؛ بدليل هذا الحديث، ولأنه ليس في الآية ذكرٌ لغيره، وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وقتادة، وقال مجاهد: هو عائد إلى القرآن، والأوَّل أَولى لِمَا ذكرناه. قال: ومقتضى الآية أن العسل فيه شفاءٌ، لا كلُّ شفاءٍ؛ لأنَّ ﴿شِفَآءٌ﴾ نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللِّسان، ومحققي أهل الأصول، لكن قد حملتها طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم، فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع، والأمراض، وكانوا يستشفون من عللهم ببركة القرآن، وبصحة التصديق، والإيقان، وقد كان ابن عمر طًا لا يشكو قرحة، ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً، حتى الدُّمَّلَ إذا خرج عليه طلاه عسلاً، فقيل له في ذلك؟ فقال: أليس الله سبحانه يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِِّ﴾. ورُوي: أن عوف بن مالك الأشجعيّ رَُّهِ مَرِضَ، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بماء، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكًا﴾ [ق: ٩]، ثم قال: ائتوني بعسل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ﴾، ثم قال: ائتوني بزيت، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنٍَ﴾ [النور: ٣٥]، فجاؤوه بذلك كله، فخلطه جميعاً، ثم شربه، فبَرَأَ. وحَكَى النقّاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل، ويستمشي بالعسل، ويتداوى بالعسل، فهذا كله عَمَلٌ بمطلق القرآن الكريم، وأصله صِدْق النية، وصحة الإيمان (٢). وقال ابن القيّم تَخُّْ: وقد اختَلَف الناس في قوله تعالى: ﴿يَخْرِجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ﴾ [النحل: ٦٩] هل الضمير في ﴿فِهِ﴾ (١) ((زاد المعاد)) ٣٣/٥ - ٣٣٥. (٢) ((المفهم)) ٦٠٩/٥ - ٦١٠. ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى راجع إلى الشراب، أو راجع إلى القرآن؟ على قولين: الصحيح رجوعه إلى الشراب، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأكثرين، فإنه هو المذكور، والكلام سيق لأجله، ولا ذِكر للقرآن في الآية، وهذا الحديث الصحيح، وهو قوله: ((صدق الله)) كالصريح فيه، والله تعالى أعلم. (١) . انتھی ٣ - (ومنها): أن القرآن الكريم حاوٍ لأنواع من الطبّ والأدوية، فهو جامع لمصالح العباد الدنيويّة والأخرويّة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ ◌ِبْيَنَّا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن في قوله وَله: ((وكذب بطن أخيك)) إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمَرَه بمعاودة شرب العسل؛ لاستفراغها، فكان كذلك، وبرأ بإذن الله تعالى. قال الخطابيّ: والطب نوعان: طب اليونان، وهو قياسيّ، وطب العرب، والهند، وهو تجاربيّ، وكان أكثر ما يصفه النبيّ وَل﴿ لمن يكون عليلاً على طريقة طبّ العرب، ومنه ما يكون مما اطَّلَع عليه بالوحي. وقد قال صاحب (كتاب المائة في الطبّ)): إن العسل تارةً يَجري سريعاً إلى العروق، وينفذ معه جل الغذاء، ويُدِرّ البول، فيكون قابضاً، وتارةً يبقى في المعدة، فيهيجها بلذعها حتى يدفع الطعام، ويسهل البطن، فيكون مُسهلاً، فإنكار وصفه للمسهل مطلقاً قصور من المنكرِ. وقال غيره: طبّ النبيّ وَّ﴿ متيقن البرء؛ لصدوره عن الوحي، وطبّ غيره أكثره حَدْسٌ، أو تجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل، من ضَعْف اعتقاد الشفاء به، وتلقيه بالقبول، وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن الذي هو شفاء لِمَا في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره؛ لقصوره في الاعتقاد، والتلقي بالقبول، (١) ((زاد المعاد)) ٣٦/٥. ٢٧٣ (١٦) - بَابُ التَّدَاوِي بِسَفْئِ الْعَسَلِ - حديث رقم (٥٧٥٦) بل لا يزيد المنافق إلا رِجْساً إلى رجسه، ومَرَضاً إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا القلوب الطيبة، والله أعلم. وقال ابن الجوزيّ كَُّهُ(١): في وصفه وَّر العسل لهذا المنسهل أربعة أقوال: [أحدها]: أنه حَمْل الآية على عمومها في الشفاء، وإلى ذلك أشار بقوله: ((صدق الله))؛ أي: في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ﴾، فلمّا نبّهه على هذه الحكمة، تلقاها بالقبول، فشُفي بإذن الله تعالى. [الثاني]: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم، من التداوي بالعسل، في الأمراض كلها . [الثالث]: أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة (٢)، كما تقدم تقريره. [الرابع]: يَحْتَمِل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أوّلاً بغير طبخ. انتهى. قال الحافظ: والثاني، والرابع ضعيفان. قال: وفي كلام الخطابيّ احتمال آخر (٣)، وهو أن يكون الشفاء يحصل للمذكور ببركة النبيّ وَّله، وبركة وصفه، ودعائه، فيكون خاصّاً بذلك الرجل دون غيره، وهو ضعيف أيضاً. قال: ويؤيد الأول حديث ابن مسعود نظره: ((عليكم بالشفاءين: العسل، والقرآن))، أخرجه ابن ماجه، والحاكم، مرفوعاً، وأخرجه ابن أبي شيبة، والحاكم موقوفاً، ورجاله رجال الصحيح. وأثر عليّ: ((إذا اشتكى أحدكم، فليستوهب من امرأته من صداقها، فليشتر به عسلاً، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئاً، مريئاً، شفاءً مباركاً))، أخرجه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) بسند حسن. (١) ((كشف المشكل)) ١٥٩/٣. (٢) ((الهَيضة)): مرض من أعراض القيء الشديد، والإسهال، والْهُزال (الكوليرا). انتهى. من هامش ((المفهم)) ٦٠٩/٥. (٣) ((الأعلام)) ٢١١/٣. ٢٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ٥ - (ومنها): ما قال ابن بطال ◌َظْذُهُ(١): يؤخذ من قوله: ((صدق الله، وكذب بطن أخيك)) أن الألفاظ لا تُحْمَل على ظاهرها؛ إذ لو كان كذلك لبرىء العليل من أول شربة، فلمّا لم يبرأ إلا بعد التكرار دَلّ على أن الألفاظ تُقتَصر على معانيها . وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى تكلف هذا الانتزاع(٢). ٦ - (ومنها): ما قال ابن بطال أيضاً: فيه أن الذي يَجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتمّ المدة التي قدّر الله تعالى فيها الداء. انتهى. (المسألة الرابعة): قد اعترض بعض الملاحدة على هذا الحديث، فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟ والجواب: أن ذلك جَهْل من قائله، بل هو كقوله تعالى: ﴿بَلَ كَذَّبُواْ بِمَا لَ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، فقد اتَّفَق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السنّ، والعادة، والزمان، والغذاء المألوف، والتدبير، وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يَحدُث من أنواع، منها الهيضة التي تنشأ عن تُخَمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة، وفعلها، فإن احتاجت إلى مُسهل مُعِيْن أعينت ما دام بالعليل قوّة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تُخَمة أصابته، فوَصَف له النبيّ ◌َّ العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة، والأمعاء؛ لِمَا في العسل من الجلاء، ودَفْع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لَزِجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خَمْل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لا سيما إن مُزِج بالماء الحارّ، وإنما لم يُفِذْه في أول مرة؛ لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار، وكمية، بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوّة، وأحدث ضرراً آخر، فكأنه شرب منه أوّلاً مقداراً لا يفي (١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٤١٦/٩. (٢) ((الفتح)) ١١٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). ٢٧٥ (١٦) - بَابُ التَّدَاوِي بِسَفْيِ الْعَسَلِ - حديث رقم (٥٧٥٦) بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء، بَرَأْ بإذن الله تعالى، قاله في ((الفتح)) (١) . وقال القرطبيّ ◌َُّ: قوله وَلِّ: ((اسقه عسلاً)) قد اعتَرَض بعضُ زنادقة الأطباء على هذا، فقال: قد أجمعت الأطباء على أن العسل يُسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ !. فجوابه: أن يقال: إن هذا الطعن صدر عن جهل بأدلة صدق النبيّ وَّر، وبصناعة الطبّ. أما الأول: فلو نظر في معجزاته ويله نظراً صحيحاً لعلم على القطع أنه يستحيل عليه الكذب، والخلف، ومن حصل له هذا العلم فحقّه شرعاً وعقلاً؛ إذا وجد من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يَعلَم أن ذلك القول حقّ في نفسه، وأن يضيف القصور إلى نفسه، فإنْ أرشده هذا الصادق إلى فعل ذلك الشيء على وجه، فيستعمله على الوجه الذي عيَّنه، وفي المحل الذي أمره بعقد نيَّة، وحسن طويَّة؛ فإنَّه يرى منفعته، ويدرك بركته، كما قد اتَّفَق لصاحب هذا العسل، وإن لم يعيَّن له كيفية، ولا وجهاً، فسبيل العاقل ألا يُقْدِم على استعمال شيء حتى يعرف كيفية العمل به، فليبحث عن وجه العمل اللائق بذلك الدواء، فإذا انكشف له ذلك فهو الذي أراده الصادق، وهذا البحث إنما يكون مع العلماء بالطبّ من المسلمين الموثوق بعلمهم، وصحَّة تجربتهم. وأما جهل هذا الطاعن بصناعة الطبّ، فقد جازف في النقل حيث أطلق في موضع التقييد، وحَكَى إجماعاً لا يصح له، وبيان ذلك بما قاله الإمام أبو عبد الله، قال: ينبغي أن يُعْلَم أن الإسهال يَعْرِض من ضروب كثيرة؛ فمنها: الإسهال الحادث عن التُّخم، والهيضات، والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفِعْلها، وإن احتاجت إلى مُعِين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية، فأما حَبْسها: فضرر، فإذا وضح هذا؛ قلنا: فيمكن (١) ((الفتح)) ١١٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٦). ٢٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى أن يكون هذا الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة، فأمره النبيّ وَ ل بشرب العسل، فزاده، فزاده، إلى أن فنيت تلك المادة، فوقف الإسهال، فوافقه شرب العسل، فإذا خرج هذا على صناعة الطب أَذِنَ ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة. قال: ولسنا نستظهر على قول نبيِّنا وَّل ◌َه بأن يصدقه الأطبّاء، بل لو كذّبوه لكذّبناهم، وكفّرناهم، وصدَّقناه وَ لَّ، فإنْ أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه، فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله وَعليه، وتخريجه على ما يصح؛ إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب. انتهى كلام القرطبيّ تَذْتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ كَُّهُ بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ. وخلاصته أن اعتراض هذا المعترض مبنيّ على جهل فلا قيمة له، ولو فرضنا كونه عن علم إلا أن واجبنا أن نكذّبه، ونردّ عليه علمه القاصر، ونصدّق ما قاله نبيّنا وَّة؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّ وَتَّىٌ يُوحَى ﴾﴾ [النجم: ٤]، فلا يكون خلافَ الواقع، ولا يُعارَض بالحدس والتخمين، والظنون الكاسدة، فهذا هو الحقّ الذي يجب على المسلم تجاه الكتاب والسُّنَّة، ونسأل الله تعالى الثبات عليهما إلى الممات، ﴿رََّا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم. لَنَا مِن لَّدُّنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَابُ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَفُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٧] (.) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ - عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ، فَقَالَ لَهُ: ((اسْقِهِ عَسَلاً))، بِمَعْنَى حَدِيثٍ شُعْبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٨) (خ م س) تقدم في ((القسامة)) ٤ /٤٣٦٥. (١) ((المفهم)) ٦٠٨/٥ - ٦٠٩. ٢٧٧ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٥٨) ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ) الخفّاف، أبو نصر العجليّ مولاهم البصريّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، أنكروا عليه حديثاً في فضل العبّاس ◌َ﴿به، يقال: دلّسه عن ثور [٩] (ت٤ أو ٢٠٦) (عخ م ٤) تقدم في ((الجهاد والسِّيَر)) ٢٧/ ٤٦٠١. ٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مهران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت٦ أو١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة هذه ساقها البخاريّ تَكَّلُهُ في ((صحیحه))، فقال: (٥٣٦٠) - حدّثنا عيّاش بن الوليد، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن رجلاً أتى النبيّ وَّز، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: ((اسقه عسلاً))، ثم أتاه الثانية، فقال: ((اسقه عسلاً))، ثم أتاه الثالثة، فقال: ((اسقه عسلاً))، ثم أتاه، فقال: قد فعلت، فقال: ((صدق اللهُ، وكَذَب بطن أخيك، اسقه عسلاً))، فسقاه، فَبَرَأَ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ (١٧) - (بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيْرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٨] (٢٢١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَأَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الطَّاعُونُ رِجْزٌ، أَوْ عَذَابٌ، أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ»، وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ: ((لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ (٢) مِنْهُ)). (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٥٢/٥. (٢) وفي نسخة: ((إلا فراراً منه)). ٢٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٤ - (أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) هو: سالم بن أبي أميّة التيميّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥١. ٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤ (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٦ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، وأبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، مات بالمدينة سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّهُ(١)، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وأن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وأن أسامة صحابيّ ابن صحابيّ ◌َّ، حِبّ رسول الله ◌َّ، وابن حبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات تَّتُهُ بالعقيق، ثم نُقل إلى المدينة سنة (٥٥) على المشهور، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة، ومناقبه جمّة ظُه، تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ٧١/٦. (١) وليس من سُداسيّاته؛ لأن عامر بن سعد سمعه من أسامة، فهو يرويه عنه، لا عن أبيه، وإنما أبوه هو السائل لأسامة، فتنبّه، فقول بعض الشرّاح: إنه من سُداسيّاته، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابي، غير صحيح، فتنبّه. ٢٧٩ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٥٨) (أَنَّهُ)؛ أي: أن عامراً (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع أباه سعداً نظراته (يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) ﴿هَا (مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِّهِ فِي الطَّاعُونِ؟)؛ أي: في شأنه، هل يجوز الدخول إلى موضع وقع فيه، أم لا؟، وهل الخروج من (قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الطَّاعُونُ موضع وقع فيه جائز أم لا؟ (فَقَالَ أُسَامَةُ) رِجْزٌ) قال ابن عبد البرّ كَثْلُهُ: وأما الرجز، فالعذاب لا يختلف في ذلك أهل العلم باللسان، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٥]، وهو كثير، وقد يكون الرجس والرجز سواءً، والرجز النجاسة، والرجز أيضاً عبادة الأوثان، ودليل ذلك قوله دمك: ﴿وَاُلُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدّثّر: ٥]، ولا وجه لذكر الرجز في هذا الحديث إلا العذاب، وكلُّ ما ابتُلِي به الإنسان، من الأوجاع، والْمِحَن، والشيب، وغير ذلك فهو من العذاب، والله أعلم. انتهى(١). (أَوْ) للشك من الراوي، (عَذَابٌ، أُرْسِلَ) بالبناء للمفعول، (عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ) للشكّ من الراوي أيضاً، (عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) قال ابن عبد البرّ كَُّ: قوله: ((أو على من كان قبلكم)) الشك من المحدّث، هل قال رسول الله وقال: ((على بني إسرائيل))، أو قال: ((أرسل على من قبلكم))؟ والمعنى - والله أعلم - أن الطاعون أول ما نزل في الأرض، فعلى طائفة من بني إسرائيل قبلنا. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): كذا وقع بالشكّ، ووقع بالجزم عند ابن خزيمة، من طريق عمرو بن دينار، عن عامر بن سعد، بلفظ: ((فإنه رجزٌ سُلِّط على طائفة من بني إسرائيل))، وأصله عند مسلم، ووقع عند ابن خزيمة بالجزم أيضاً من رواية عكرمة بن خالد، عن ابن سعد، عن سعد، لكن قال: ((رجزٌ أصيب به من كان قبلكم)). [تنبيه]: وقع الرجس بالسين المهملة موضع الرجز بالزاي، والذي بالزاي هو المعروف، وهو العذاب، والمشهور في الذي بالسين، أنه الخبيث، أو النجس، أو القذَر، وجزم الفارابيّ، والجوهريّ بأنه يُطلق على العذاب أيضاً، (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٥٨/١٢. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٥٨/١٢. ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ومنه قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرّجْسَ عَلىَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وحكاه الراغب أيضاً، والتخصيص على بني إسرائيل أخصّ، فإن كان ذلك المراد، فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام، فأخرج الطبريّ من طريق سليمان التيميّ، أحد صغار التابعين، عن سيّار أن رجلاً كان يقال له: بلعام كان مجاب الدعوة، وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه، فقالوا: ادع الله عليهم، فقال: حتى أؤامر ربي، فمُنع، فأتوه بهدية، فقبلها، وسألوه ثانياً، فقال: حتى أؤامر ربي، فلم يُرجع إليه بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل، فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء في عسكرهم، ومُرُوهنّ أن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا، فيهلكوا، فكان فيمن خرج بنت الملك، فأرادها رأس بعض الأسباط، وأخبرها بمكانه، فمكّنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً في يوم، وجاء رجل من بني هارون، ومعه الرمح، فطعنهما، وأيده الله، فانتظمهما جميعاً. وهذا مرسل جيّد، وسيّار شاميّ موثّقٌّ، وقد ذكر الطبريّ هذه القصة من طريق محمد بن إسحاق، عن سالم أبي النضر، فذكر نحوه، وسمّي المرأة كَشْتاً - بفتح الكاف، وسكون المعجمة، بعدها مثناة - والرجل زِمْرِي - بكسر الزي، وسكون الميم، وكسر الراء - رأس سبط شمعون، وسمّي الذي طعنهما فِنْخَاص - بكسر الفاء، وسكون النون، بعدها مهملة، ثم مهملة - ابن هارون، وقال في آخره: فحُسِب مَن هلك من الطاعون سبعون ألفاً، والمقلِّل يقول: عشرون ألفاً، وهذه الطريق تعضد الأُولى. وقد أشار إليها عياض، فقال: قوله: ((أُرسل على بني إسرائيل)) قيل: مات منهم في ساعة واحدة عشرون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً. وذكر ابن إسحاق في ((المبتدأ)) أن الله أوحى إلى داود أن بني إسرائيل كثُر عصيانهم، فخيّرهم بين ثلاث: إما أن أبتليهم بالقحط، أو العدوّ شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفاً، وقيل: مائة ألف، فتضرع داود إلى الله تعالی، فرفعه.