Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَله: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِخْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٩) أجوره، كما سبق، وللكافر عقوبةً، وانتقاماً، وإنما طَلَب ابن عمر كشفه مع ما فيه من الثواب؛ لمشروعية طلب العافية من الله سبحانه؛ إذ هو قادر على أن يُكَفِّر سيئات عبده، ويُعظم ثوابه من غير أن يصيبه شيء يَشُقّ عليه، والله تعالى (١) أعلم(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ـ (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٣٩/١١ و٥٧٤٠ و٥٧٤١ و٥٧٤٢] (٢٢٠٩)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٦٤)، و((الطبّ)) (٥٧٢٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٧٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٤٥/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨١/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١/٢ و٨٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٣٤٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٦٦ و٦٠٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الخطابيّ، ومن تبعه: اعتَرَض بعض سُخفاء الأطباء على هذا الحديث بأن قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسامّ، ويحقن الْبُخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سبباً للتلف. قال القرطبيّ كَّتُهُ: وجوابه أن هذا إن صدر عمَّن ارتاب في صدق النبيّ وَّز، فجوابه بالمعجزات الدَّالة على صدقه وَّه التي تدل قطعاً على صحة قوله، وصواب فعله، فإنْ حصل له التصديق والإيمان، وإلا فقد يفعل الله بالسيف والسِّنان ما لا يُفعل بالبرهان، وإن صدر عن مصدِّقٍ له، ومؤمن برسالته - وما أقله فيمن يتعاطى صنعة الأطباء ! - قيل له: تفهّم مراده من هذا الكلام؛ فإنَّه لم ينصَّ على كيفية تبريد الحمى بالماء، وإنَّما أرشد إلى تبريدها بالماء مطلقاً، فإنْ أظهر الوجودُ، أو صناعة الطبّ أن غمس المحموم في (١) ((الفتح)) ١٢٧/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٣). البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ٢٠٢ الماء، أو صبَّه على جميع بدنه يضرُّه، فليس هو الذي قصد النبيّ ◌َّ إليه، وإنما قصد استعمال الماء على وجه ينفع، فيُبْحث عن ذلك الوجه، وتُجرَّب الوجوه التي لا ضرر فيها، فإنَّه سيظهر نفعه قطعاً، وقد ظهر هذا المعنى في أمره للعائن بالغسل، فإنَّه وإن كان قد أمره بأن يغتسل مطلقاً، فلم يكن مقصوده أن يغسل جميع جسده، بل بعض ذلك، كما تقدَّم. وإذا تقرَّر هذا، فلا يبعُد أن يكون مقصوده أن يُرشَّ بعض جسد المحموم، أو يفعل كما كانت أسماء تفعل، فإنَّها كانت تأخذ ماءً يسيراً ترش به في جيب المحموم، أو يُنضح به وجهه، ويداه، ورجلاه، ويذكر اسم الله تعالى، فيكون ذلك من باب النُّشْرة الجائزة، كما تقدَّم. وقد يجوز أن يكون ذلك من باب الطبّ، فقد ينفع ذلك في بعض الحميات، فإنَّ الأطباء قد سلّموا أن الحمى الصفراوية يُبَرّد(١) صاحبها بسقي الماء الشديد البرودة، حتى يسقوه الثلج، وتغسل أطرافه بالماء البارد، وعلى هذا فلا بُعد في أن يكون هذا المقصودَ بالحديث، والله أعلم. ولئن سلَّمنا: أنه أراد جميع جسد المحموم؛ فجوابه: أنه يَحْتَمِل أن يريد بذلك استعماله بعد أن تُقلع الحمَّى، وتسكن حرارتها، ويكون ذلك في وقت مخصوص، وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من باب الخواص التي قد اطلع عليها النبيّ وَّر، كما قد رَوَى قاسم بن ثابت: أن رجلاً شكا إلى رسول الله وَله الحمى، فقال له: ((اغتسل ثلاثاً قبل طلوع الشمس، وقل: باسم الله، اذهبي یا أم مِلْدَم(٢)، فإنْ لم تذهب، فاغتسل سبعاً)). انتهى(٣). وقال الخطابيّ: غَلِط بعض من يُنسب إلى العلم، فانغمس في الماء لمّا أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة، كادت تُهلكه، فلما خرج من علته قال قولاً سيّئاً، لا يَحْسُن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنی الحدیث. (١) وقع في النسخة: ((يُدبّر))، والظاهر أنه تصحيف، فليُحرّر. (٢) بكسر الميم، وسكون اللام: هي الحمّى. (٣) ((المفهم)) ٦٠٠/٥ - ٦٠١. ٢٠٣ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِخْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٩) والجواب: أن هذا الإشكال صَدَر عن صَدْر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له: أوّلاً من أين حَمَلت الأمر على الاغتسال، وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية، فضلاً عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء؟ فإن أظهر الوجودُ، أو اقتضت صناعةُ الطبّ أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضرّه، فليس هو المراد، وإنما قَصَد ◌َ﴿ استعمال الماء على وجه ينفع، فليُبحث عن ذلك الوجه؛ ليحصل الانتفاع به، وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال، وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يُرِد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة. وأَولى ما يُحْمَل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق ﴿يَا، فإنها كانت تَرُشّ على بدن المحموم شيئاً من الماء بين يديه، وثوبه، فيكون ذلك من باب النُّشْرة المأذون فيها، والصحابيّ، ولا سيما مثلُ أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبيّ ◌َّ أعلم بالمراد من غيرها، ولعل هذا هو السرّ في إيراد البخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر المذكور، وهذا من بديع ترتيبه. وقال المازريّ: ولا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها؛ لعارض يَعْرِض له من غضب يُحْمِي مزاجه مثلاً، فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فُرِض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالةٍ مّا لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السنّ، والزمان، والعادة، والغذاء المتقدم، والتأثير المألوف، وقوّة الطباع، ثم ذكر نحو ما تقدم. قالوا: وعلى تقدير أن يَرِدَ التصريح بالاغتسال في جميع الجسد، فيجاب بأنه يَحْتَمِل أن يكون أراد أنه يقع بعد إقلاع الحمى، وهو بعيد، ويَحْتَمِل أن يكون في وقت مخصوص بعدد مخصوص، فيكون من الخواص التي اطَلَع ◌ِـ عليها بالوحي، ويضمحلّ عند ذلك جميع كلام أهل الطبّ. وقد أخرج الترمذيّ من حديث ثوبان مرفوعاً: ((إذا أصاب أحدكم ٢٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى الحمى، وهي قطعة من النار، فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جارٍ، ويستقبل جَرْيَته، وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصَدِّق رسولك، بعد صلاة الصبح، قبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً، بإذن الله))، قال الترمذيّ: غريبٌ، قال الحافظ: وفي سنده سعيد بن زُرعة، مختلف فيه . قال: ويَحْتَمِل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، في بعض الأماكن دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض، وهذا أوجه، فإن خطابه وَله قد يكون عامّاً، وهو الأكثر، وقد يكون خاصّاً، كما قال: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط، ولا بول، ولكن شرِّقوا، أو غرِّبوا))، فقوله: (شرِّقوا، أو غرِّبوا)) ليس عاماً لجميع أهل الأرض، بل هو خاصّ لمن كان بالمدينة النبوية، وعلى سَمْتها، كما تقدم تقريره في ((كتاب الطهارة))، فكذلك هذا يَحْتَمِل أن يكون مخصوصاً بأهل الحجاز، وما والاهم؛ إذ كان أكثر الحميات التي تَعْرض لهم من العرضية الحادثة عن شدّة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شرباً، واغتسالاً؛ لأن الحمى حرارة غريبة، تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق، إلى جميع البدن، وهي قسمان: عَرَضية، وهي الحادثة عن وَرَم، أو حركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد، ونحو ذلك، ومَرَضية، وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادّة، ثم منها ما يُسَخِّن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح، فهي حمى يوم؛ لأنها تقع غالباً في يوم، ونهايتها إلى ثلاثة، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دقّ، وهي أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط، سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة، بسبب الإفراد، والتركيب. وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول، فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج، وبغيره، ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر، وقد قال جالينوس في كتاب ((حيلة البرء)): لو أن شابّاً حسن اللحم، خِصْبَ البدن ليس في أحشائه وَرَمٌ، استَحَمّ بماء بارد، أو سَبَحَ فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى، لانتفع بذلك. ٢٠٥ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٩) وقال أبو بكر الرازيّ: إذا كانت القُوَى قويّة، والحمى حادّة، والنُّصْجُ بَيِّن، ولا وَرَمَ في الجوف، ولا فَتْقَ، فإن الماء البارد ينفع شربه، فإن كان العليل خِصْب البدن، والزمانُ حارّاً، وكان معتاداً باستعمال الماء البارد اغتسالاً، فليُؤْذَن له فيه، وقد نَزَّل ابن القيّم حديث ثوبان على هذه القيود، فقال: هذه الصفة تنفع في فصل الصيف، في البلاد الحارّة، في الحمى العرضية، أو الغِبّ الخالصة التي لا وَرَم معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لِبُعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القُوَى في ذلك الوقت؛ لكونه عقب النوم والسكون، وبرد الهواء، قال: والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحرارة الأمراض الحادّة غالباً، ولا سيما في البلاد الحارّة، والله أعلم. قالوا: وقد تكرر في الحديث استعماله ول﴿ الماء البارد في علته، كما قال: ((صُبُّوا عليّ من سبع قِرَب، لم تُحْلَل أوكيتهن)). وقال سمرة: ((كان رسول الله وَله إذا حُمّ دعا بقربة من ماء، فأفرغها على قَرْنه، فاغتسل))، أخرجه البزّار، وصححه الحاكم، ولكن في سنده راو ضعيف. وقال أنس: ((إذا حُمّ أحدكم، فلْيَشُنّ عليه من الماء البارد، من السَّحَر، ثلاث ليال))، أخرجه الطحاويّ، وأبو نعيم في ((الطب))، والطبرانيّ في (الأوسط))، وصححه الحاكم، وسنده قويّ، وله شاهد من حديث أم خالد بنت سعيد، أخرجه الحسن بن سفيان في ((مسنده))، وأبو نعيم في ((الطب))، من طريقه . وقال عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: ((الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض، فبرّدوا لها الماء في الشنان، وصبوه عليكم، فيما بين الأذانين المغرب والعشاء، قال: ففعلوا، فذهب عنهم))، أخرجه الطبرانيّ. وهذه الأحاديث كلها تَرُدّ التأويل الذي نقله الخطابيّ عن ابن الأنباريّ أنه قال: المراد بقوله: ((فأبردوها)) الصدقة به، قال ابن القيّم: أظن الذي حَمَل قائلَ هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى، فعدل إلى هذا، وله وجه حسنٌ؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه لمّا أحمد لهيب العطشان بالماء، أخمد الله لهيب الحمى عنه، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث، وإشارته، وأما ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى المراد به بالأصل فهو استعماله في البدن حقيقةً، كما تقدم، والله أعلم. انتھی. (المسألة الرابعة): قال الإمام ابن القيّم تَّثُ: ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس به يرفعه: ((إذا حُمّ أحدكم، فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال، من السَّحَر))(١). وفي ((سنن ابن ماجه)) عن أبي هريرة ظه يرفعه: ((الحمى كير من كير جهنم، فنحّوها عنكم بالماء البارد))(٢). وعن الحسن، عن سمرة ربه يرفعه: ((الحمى قطعة من النار، فأبردوها عنكم بالماء البارد، وكان رسول الله وَ ﴿ إذا حُمَّ دعا بقربة من ماء، فأفرغها على رأسه، فاغتسل)). انتهى))(٣). وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله ﴿ها أن رسول الله وَ﴿ دخل على أم السائب، أو أم المسيّب، فقال: ((ما لك يا أم السائب، أو يا أم المسيّب تُزفزفين؟» قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: ((لا تسبي الحمى، فإنها تُذهب خطايا بني آدم، كما يُذهب الكير خَبَث الحديد)). وفي ((سنن ابن ماجه)): من حديث أبي هريرة ظبه قال: ذُكرت الحمى عند رسول الله ◌َ﴾، فسبّها رجل، فقال رسول الله ويليهو: ((لا تسبّها، فإنها تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد)» (٤). قال: لَمّا كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، وتناول الأغذية، والأدوية النافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن، ونفي أخبائه، وفضوله، (١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٠٠/٤ وصححه، ووافقه الذهبيّ، وقال في ((الفتح)): سنده قويّ. (٢) رواه ابن ماجه (٣٤٧٥) وقال البوصيريّ: إسناده صحيح. (٣) قال الهيثميّ في ((مجمع الزائد)) ٩٤/٥: رواه الطبرانيّ، والبزّار، وفيه إسماعيل بن مسلم: متروك. انتهى. (٤) رواه ابن ماجه (٣٤٦٩) وفي سنده موسى بن عُبيدة، وهو ضعيف، لكن يقوّيه حديث مسلم المذكور قبله، فتنبّه. ٢٠٧ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِخْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٩) وتصفيته من مواده الرديئة، وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد، في نفي خبثه، وتصفية جوهره، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تُصَفِّي جوهر الحديد، وهذا القَدْر هو المعلوم عند أطباء الأبدان. وأما تصفيتها القلب من وسخه، ودَرَنه، وإخراجها خبائثه، فأمْرٌ يعلمه أطباء القلوب، ويجدونه، كما أخبرهم به نبيهم رسول الله وَل قر، ولكن مرض القلب إذا صار ميؤوساً من برئه لم ينفع فيه هذا العلاج، فالحمى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبّه ظلم، وعدوان. قال: وذكرت مرةً وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبّها [من الكامل]: زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ وَوَدَّعَتْ تَبّا لَهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدِّعِ مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْتُ أَنْ لَا تَرْجِعِي قَالَتْ وَقَدْ عَزَمْت عَلَى تَرْحَالِهَا فقلت: تبّاً له؛ إذ سبّ ما نَهَى رسول الله وَّه عن سبّه، ولو قال: زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ لِصَبِّهَا أَهْلاً بِهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدِّعٍ مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْتُ أَنْ لَا تُقْلِعِي قَالَتْ وَقَدْ عَزَمَتْ عَلَى تَرْحَالِهَا. لكان أولى به، ولأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعاً. قال: وقد رُوي في أثر لا أعرف حاله: ((حُمَّى يوم كفارةُ سنة))، وفيه قولان : أحدهما: أن الحمى تدخل في كل الأعضاء، والمفاصل، وعدّتها ثلاثمائة وستون مَفْصِلاً، فتكفّر عنه - بعدد کل مَفْصِل ـ ذنوب يوم. والثاني: أنها تؤثّر في البدن تأثيراً لا يزول بالكلية إلى سنة، كما قيل في قوله ◌َله: ((من شَرِب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً)): إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد، وعروقه، وأعضائه، أربعين يوماً، والله أعلم. قال أبو هريرة رضيبه: ما من مرض يصيبني أحبّ إلي من الحمى؛ لأنها تدخل في كل عضو مني، وإن الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر. وقد روى الترمذيّ في ((جامعه)) من حديث ثوبان ظُهُ(١)، يرفعه: ((إذا (١) وقول ابن القيّم من حديث رافع بن خديج لعله غلط، فإن الحديث عن الترمذيّ، وأحمد عن ثوبان، فتنبّه. ٢٠٨ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى أصابت أحدكم الحمى - وإن الحمى قطعة من النار - فليطفئها بالماء البارد، ويستقبل نَهْراً جارياً، فليستقبل جرية الماء بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصَدِّق رسولك، وينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن برئ، وإلا ففي خمس، فإن لم يبرأ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن الله))(١). قال ابن القيّم: وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارّة على الشرائط التي تقدمت، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القوى في ذلك الوقت؛ لِمَا أفادها النوم والسكون، وبرد الهواء، فتجتمع فيه قوة القوى، وقوة الدواء، وهو الماء البارد على حرارة الحمى العرضية، أو الغِبّ الخالصة؛ أعني: التي لا وَرَمَ معها، ولا شيءٍ من الأعراض الرديئة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، وهي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادّة كثيراً، سيما في البلاد المذكورة؛ لرقة أخلاط سكانها، وسرعة انفعالهم عن الدواء النافع. انتهى كلام ابن القيّم ◌َذَتُهُ(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ شِدَّةَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. (١) راوه الترمذيّ (٢٠٨٥)، وأحمد ٢٨١/٥، وفي سنده رجل مجهول. (٢) ((زاد المعاد)) ٢٣/٤. ٢٠٩ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٤١ - ٥٧٤٢) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِك (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَُّ - يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ - كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَبْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِتُوهَا بِالْمَاءِ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَبْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣)، وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِي قُدَيْكَ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في (الحيض)) ١٦/ ٧٧٥. ٥ - (الضَّخَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧٧٤/١٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فأطفئوها بالماء) هو بهمزة قطع، ثم طاء مهملة، وفاء مكسورة، ثم همزة: أمْر بالإطفاء. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبلُ، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ نَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِتُوهَا بِالْمَاءِ))). ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم) بن أبي فَرْوة الهاشميّ، يُعرف بابن الْكُرْدِيّ، أبو الحسين البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٧) (م ت س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٧٨/١٥. ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال، تقدّم قريباً. ٣ - (رَوْحُ) بنُ عُبادة القيسيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٤ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٣/٣١. ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٢/٥. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٣] (٢٢١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالًا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوَّهَا بِالْمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل خمسة أبواب، و((ابن نُمير)) هو: عبد الله بن نمير الهمدانيّ، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق. وفيه مسألتان تتعلّقان به : (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٤٣/١١ و٥٧٤٤] (٢٢١٠)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٦٣) و((الطبّ)) (٥٧٢٥)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٧٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٧١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٤٥/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٥٠/٦ و٩٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩٧/٨)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣٥١/٢)، و(ابن ٢١١ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَلهى: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِخْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٤٤ - ٥٧٤٥) الجعد) في («مسنده)) (٣٩٢/١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٤٣٤/١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ هِشَام)؛ يعني: أن كلّاً من خالد بن الحارث، وعبدة بن سليمان روى عن هشام بن عروة. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن هشام بن عروة هذه ساقها إسحاق بن راهويه نَظُّ في ((مسنده))، فقال: (٨٨٣) - أخبرنا خالد بن الحارث الْهُجَيميّ، قال: سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَلايقول: ((إن الحمى من فيح جهنم، فابْرُدوها بالماء)). انتهى(١). وأما رواية عبدة بن سليمان عن هشام، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٥] (٢٢١١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ، فَتَدْعُو بِالْمَاءِ، فَقُصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا، وَتَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((ابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ))، وَقَالَ: ((إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))). (١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٣٥١/٢. ٢١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (فَاطِمَةُ) بنت المنذر بن الزبير بن العوّام، زوج هشام بن عروة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في ((الطهارة)) ٣٣/ ٦٨١. ٢ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر الصدّيق، زوج الزبير بن العوام ﴿ه، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدمت في ((الطهارة)) ٦٨١/٣٣. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَنْ هِشَام) بن عروة (عَنْ) بنت عمّه، وزوجته (فَاطِمَةَ) بنت المنذر (عَنْ) جدّتهما لأبويهَما معاً (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر ظَهَا (أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى) بالبناء للمفعول، (بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ)؛ أي: التي أصابها الوَعْك، قال ابن الأثير تَخْذُ: قد تكرّر ذِكر الوعك في الحديث، وهو الْحُمَّى، وقيل: ألمها، وقد وعكَه المرضُ وَعْكاً، ووُعِك، فهو معوك. انتهى(١). وقال في ((التاج)): الوَعْكُ - بالفَتْحِ، وأَجازَ بعضُهم فَتْحَ العين، قِيلَ: لمَكانٍ حَرفِ الحَلْقِ، وهي لُغَةٌ مَشْهورة ـ. سُكُونُ الريح، وشِدَّةُ الحرّ، هذا هو الأَصْلُ في الوَعْكِ، كما قالَهُ ابنُ دُرَيْد، والرّاغِبُ؛ كالْوَعْكَةِ، وقد سُمّيَ أَذَى الحُمَّى، وقِيل: وَجَعُها، وقِيلَ: مَغْثُها في البَدَنِ وَعْكاً بهذا الاعْتِبارِ، وقد وَعَكَتْهُ الحُمَّى وَعْكاً، وقِيلَ: الوَعك: أَلَمٌ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ، وقد يُرادُ بهِ المَرَضُ الخَفِيفُ مُطْلَقاً، وقالَ الحافظ أبو عَمْرِو بْنُ عبد البر: الوَعْكُ لا يَكُونُ إِلا من الحُمَّى، دُونَ سائِرِ الأمْراضِ، ورَجُلٌ وَعْكٌ، تَسمِيَة بالمَصْدَرِ، ووَعِك ككَتِفٍ، وهذه الصِّيغَةُ على تَوَهُم فَعِلَ؛ كأَلِمَ، أَو على النَّسَب؛ كطَعِم، ووُعِكَ فهو مَوْعوكٌ: مَحْمُومٌ، ووَعَكَةً؛ كوَعَدهُ وَعْكاً: دَّه دَكّاً، وهو مَجازٌ. انتهى(٢). (فَتَدْعُو بِالْمَاءِ)؛ أي: تطلب الماء (فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا) - بفتح الجيم، وسكون التحتانية، بعدها موحّدة - هو ما يكون مُفَرّجاً من الثوب؛ كالكم، والطوق(٣)، (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ص٩٨١. (٢) ((تاج العروس)) ٦٨١١/١. (٣) ((الفتح)) ١٢٧/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٤). ٢١٣ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٤٥) وفي رواية البخاريّ: ((كانت إذا أُتيت بالمرأة قد حُمّت تدعو لها، أخذت الماء، فصبّته بينها وبين جيبها)). (وَتَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ قَالَ: ((ابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ)) تقدّم أن الصحيح بوصل الهمزة، وضمّ الراء، من برد يبرُد، من باب نصر، ويجوز أن يكون بقطع الهمزة، وكسر الراء، من الإبراد، وفي رواية البخاريّ: ((وقالت: كان رسول الله ﴿ يأمرنا أن نَبْرُدها بالماء))، قال في ((الفتح)): بفتح أوله، وضم الراء الخفيفة، وفي رواية لأبي ذرّ بضم أوله، وفتح الموحّدة، وتشديد الراء، من التبريد، وهو بمعنى رواية: أَبْرَدَ، بهمزة مقطوعة. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): قال الكرمانيّ: ((نبردها)) من التبريد، والإبراد؛ يعني: إما من باء التفعيل نُبَرِّدها بالتشديد، وإما من باب الإفعال نُبْرِدها بضم النون، وسكون الباء، وقال الجوهريّ: لا يقال: أبردته؛ يعني: من باب الإفعال، إلا في لغة رديئة، واللغة الفصيحة هي التي ضبطناها أوّلاً، وقال الجوهريّ: بَرَدَ الشيءُ بالضم، وبَرَدته أنا فهو مبرود، وبَرّدته تبريداً. انتهى(٢). (وَقَالَ) وَِّ: ((إِنَّهَا)؛ أي: الحمّى (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))) - بفتح الفاء، وسكون الياء آخر الحروف، وبحاء مهملة، وفي حديث آخر: ((من فوح)) بالواو، وفي آخر: ((فور)) بالراء بدل الحاء، والكل بمعنى واحد، وقال الجوهريّ: الفيح، والفوح لغتان، يقال: فاحت رائحة المسك تفيح، وتفوح، فَيْحاً، وفَوْحاً، وفُؤُوحاً، ولا يقال: فاحت ريح خبيئة، ويجوز أن يكون قوله: ((من فيح جهنم)) حقيقةً، وهو الصواب، ويكون اللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدّر الله ظهورها بأسباب تقتضيها؛ ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة، من نعيم الجنة، أظهرها الله في هذه الدار عبرةً، ودلالةً، ويجوز أن يكون من باب التشبيه، على معنى أن حرّ الحمى شبيه بحرّ جهنم؛ تنبيهاً للنفوس على شدّة حر النار. وقال الطيبيّ: ((مِنْ)) ليست بيانية، حتى يكون تشبيهاً، وإنما هي إما ابتدائية؛ أي: الحمى نشأت، وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية؛ أي: بعض (١) ((الفتح)) ١٢٧/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٤). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٥٥/٢١. ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى منها، ويدل على هذا ما ورد في ((الصحيحين)): ((اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربِّ أكل بعضي بعضاً، فأَذِن لها بنَفَسين: نفسٍ في الشتاء، ونفس في الصيف ... )) الحديث، فكما أن حرارة الصيف أثر من فيحها، كذلك الحمى. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسماء ◌ِّنا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٤٥/١١ و٥٧٤٦] (٢٢١١)، و(البخاريّ) في ((الطبّ)) (٥٧٢٤)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٧٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٧٤)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢/ ٩٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٧/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/ ٣٤٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٣/٢٤ و١٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن شدّة الحمّى من فيح جهنّم، وهو شدّة فورانها. ٢ - (ومنها): أن فيه التبركَ بدعاء الإنسان الصالح رجاءَ الشفاء في دعائه . ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الدعاء يَصرف البلاء، وهذا مما لا يشك فيه مسلم. ٤ - (ومنها): أن فيه تفسيراً لقوله وَله: ((إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء))؛ لأن أسماء ظَّا حَكَت في فعلها ذلك ما يدلّ على أن التبريد بالماء - والله أعلم - هو الصبّ بين المحموم وبين جيبه، وذلك أن يُصَبّ الماء بين طوقه وعنقه حتى يصل إلى جسده، فمن فَعَل كذلك، وكان معه يقين صحيحٌ رجونا له الشفاء من الحمى - إن شاء الله. قاله ابن عبد البرّ كَذَتُهُ(٢). ٥ - (ومنها): ما قال القاضي عياضٌ كَظّتُهُ: هذا يردّ قول الأطباء، (١) ((عمدة القاري)) ٢٥٤/٢١. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٢٧/٢٢. ٢١٥ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٤٦) ويصحح حصول البرء باستعمال المحموم الماء، وأنه على ظاهره، لا على ما سبق من تأويل المازريّ، قال: ولولا تجربة أسماء، والمسلمين لمنفعته لَمَا استعملوه. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ ثُمَيْرِ: صَبَّتِ الْمَاءَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا، وَلَمْ يَذْكُرُّ فِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: ((أَنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))، قَالَ أَبُو أَحْمَدَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم ذُكروا في الباب، وفي الباب الماضي، و(ابن نُمير)) هو: عبد الله بن نُمير، و((أبو أسامة)) هو: حماد بن أسامة. وقوله: (قَالَ أَبُو أَحْمَدَ) هو: محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الْجُلُوديّ المتوفّى في ذي الحجة سنة (٣٦٨هـ) تقدّمت ترجمته في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٦٣. وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سُفيان الفقيه الزاهد النيسابوريّ راوية مسلم المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨هـ) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦. وقوله: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ) السلميّ قاضي نيسابور، صدوقٌ، لم يصحّ أن مسلماً روى عنه، وإنما روى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الراوي عن مسلم في مواضع علا فيها إسناده، في ((الوصايا))، و((الإمارة))، وغيرهما [١١] (ت٢٤٤) تقدم في ((الطلاق)) ٣٦٧٩/٣. وقوله: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بالإسناد الماضي، وهو عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء پا. قال الجامع عفا الله عنه: الغرض من إيراد هذا الإسناد بيان علوّ إسناد (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١٤ - ١٩٩. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان، تلميذ مسلم في هذا على إسناده الماضي عن مسلم؛ إذ كان بينه وبين أبي أسامة هنا واسطة واحدة، وهو الحسن بن بشر، بخلاف سند مسلم، فإن بينه وبين أبي أسامة واسطتين: مسلم، وأبي كُريب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير عن هشام بن عروة ساقها أحمد رَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٢٦٩٧١) - حدّثنا ابن نُمير، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، أنها كانت إذا أُتيت بالمرأة؛ لتدعو لها، صَبّت الماء بينها وبين جيبها، وقالت: إن رسول الله ﴿ ﴿ أمرنا أن نَبْرُدها بالماء، وقال: ((إنها من فيح جهنم)). (١) انتهى(١). وأما رواية أبي أسامة عن هشام، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٧] (٢٢١٢) - (حَدَّثَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْحُمَّى فَوْرٌ مِنْ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو السريّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو الأَخْوَصِ) سلام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦] (ت١٢٦) أو بعدها (ع) تقدّم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧٣٨/١٩. ٤ - (عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ) بن رافع بن خَدِيج الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو رفاعة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٤٣/٤٤. ٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٤٦/٦. ٢١٧ (١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٤٨) الجليل، أول مشاهده أُحُدٌ، ثم الخندق، مات سنة (٣ أو ٧٤)، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٩، وشرح الحديث يُعلم مما سبق. وقوله: (إِنَّ الْحُمَّى فَوْرٌ مِنْ جَهَنَّمَ)، وفي رواية للبخاريّ: ((من فيح جهنّم)، وفي لفظ له: ((من فور))، وكلّها بمعنى واحد، وقد تقدّم بيانه قريباً. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث رافع بن خديج طـ (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٤٧/١١ و٥٧٤٨] (٢٢١٢)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٦٢) و((الطبّ)) (٥٧٢٦)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٧٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٨/٤)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٨/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٦٣/٣ و١٤١/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٧٤/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيِّهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفََّعَةَ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيج، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ))، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ: ((عَنْكُمْ))، وَقَالَ: قَالَ: أَخْبَرَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، تقدّم قريباً . ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، تقدّم قبل بابین. والباقون ذُكروا في الباب، و((سفيان)) هو: ((الثوريّ)). وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ: ((عَنْكُمْ))) هو: ابن أبي شيبة، والله تعالى أعلم. ٢١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى [تنبيه]: رواية سفيان عن أبيه ساقها البخاريّ رَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٣٠٨٩) - حدّثني عمرو بن عباس، حدّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عَباية بن رِفاعة، قال: أخبرني رافع بن خَدِيج، قال: سمعت النبيّ وَّه يقول: ((الحمى من فور جنهم، فابْرُدُوها عنكم بالماء)). انتهى (١). ورواية أبي بكر بن أبي شيبة التي أشار إليها المصنّف ساقها هو في ((مصنّقه))، فقال: (٢٣٦٧٠) - حدّثنا ابن مهديّ، عن سفيان، عن أبيه، عن عباية بن رِفاعة، قال: أخبرني رافع بن خَدِيج، أن رسول الله وَلو قال: ((الحمى من فور جهنم، فابْرُدُوها بالماء)). انتهى(٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٢) - (بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِاللَّدُودِ) (اللَّدود)) بفتح اللام، وبمهملتين: هو الدواء الذي يُصبّ في أحد جانبي فم المريض، واللَّدُود بضمّ اللام الفعل، ولَدَدتُ المريضَ: فعلتُ ذلك به(٣). وقال النوويّ: قال أهل اللغة: اللَّدُود بفتح اللام: هو الدواء الذي يُصَبّ في أحد جانبي فم المريض، ويُسقاه، أو يُدْخَل هناك بأصبع، وغيرها، ويُحَنَّك به، ويقال منه: لددته أَلُدّه، وحَكَى الجوهريّ أيضاً: ألددته رُبَاعِيّاً، والتددتّ أنا، قال الجوهريّ: ويقال للَّدُود: لَدِيد أيضاً. انتهى (٤). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٩] (٢٢١٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي مَرَضِهِ، فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ (١) ((صحيح البخاريّ)) ١١٩٠/٣. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٨/٥. (٣) ((الفتح)) ١٠٩/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٠٩). (٤) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١٤. ٢١٩ (١٢) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الَّدَاوِي بِاللَّدُودِ - حديث رقم (٥٧٤٩) الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ((لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّ لُدَّ، غَيْرُ الْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الْهَمْدانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، وكان يرسل [٥] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٢/ ٩٤١. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و((محمد بن حاتم)) هو: ابن ميمون، و(يحيى بن سعيد)) هو: القطّان، و((سفيان)) هو: الثوريّ، و((عائشة)) هي: أم ها. المؤمنین [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تََّثُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة ﴿يا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُها أنها (قَالَتْ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ وَّ)؛ أي: جعلنا في جانب فمه دواءً بغير اختياره، وهذا هو اللَّدود، فأما ما يُصب في الحلق، فيقال له: الْوَجور، والذي يُصَبّ في الأنف يسمى السَّعُوط(١)، وقد وقع عند الطبرانيّ من حديث العباس به أنهم أذابوا قُسْطاً؛ أي: بِزَيْتٍ، فلدُّوه به (فِي مَرَضِهِ) الذي مات فيه. أخرج محمد بن سعد، من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ◌ُها، قالت: كانت تأخذ رسول الله صل* الخاصرة، فاشتدّت به، فأُغمي عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: ((هذا مِن فِعْل نساء جئن من هنا))، وأشار إلى الحبشة، ((وإن كنتم ترون أن الله يسلط عليّ ذات الجنب، ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطاناً، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لُدّ»، فما (١) ((عمدة القاري)) ١٨/ ٧٣. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى بقي أحد في البيت إلا لُدّ، ولددنا ميمونة، وهي صائمة. ومن طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، أن أم سلمة، وأسماء بنت عُميس أشارتا بأن يَلُدُّوه. ورواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن أسماء بنت عُميس، قالت: ((إن أول ما اشتكى رسول الله وَّل في بيت ميمونة، فاشتدّ مرضه، حتى أُغمي عليه، فتشاورن في لَدّه، فلَدّوه، فلما أفاق قال: هذا فعل نساء جئن من هنا، وأشار إلى الحبشة، وكانت أسماء منهنّ، فقالوا: كنا نَتّهِم بك ذات الجنب، فقال: ما كان الله ليعذبني به، لا يبقى أحد في البيت إلا التدّ، إلا عمّ رسول الله وَلّه؛ يعني: عبّاساً، قال: فلقد التّت ميمونة يومئذ، وهي صائمة)). قال الحافظ: وفي رواية ابن أبي الزناد هذه بيان ضعف ما رواه أبو يعلى، بسند فيه ابن لَهِيعة من وجه آخر، عن عائشة، أن النبيّ وَّ مات من ذات الجنب، قال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بينهما، بأن ذات الجنب تُطلق بإزاء مرضين: أحدهما: وَرَمُ حارٌ يَعْرِض في الغِشَاء المستبطن، والآخر: ريح مُحتقِن بين الأضلاع، فالأول هو المنفيّ هنا. وقد وقع في رواية الحاكم في ((المستدرك)): ((ذات الجنب من الشيطان))، والثاني هو الذي أثبت هنا، وليس فيه محذور كالأول. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفريق الذي ذكره الحافظ فيه نظر لا يخفى، فإنه ◌َّيّ نفى بنصّه الصريح أن لا يسلط الله تعالى عليه ذات الجنب دون تفريق بين نوع ونوع، وهذا ثبت بسند صحيح، وأما حديث موته بذات الجنب، فسنده ضعيف، فلا داعي إلى التكلّف بالجمع بينهما، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَأَشَارَ) ◌َّهِ (أَنْ لَا تَلُدُّونِي) بضمّ اللام، وكسرها. (فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) قال القاضي عياض: ضبطناه بالرفع؛ أي: هذا منه كراهيةُ المريض، وقال أبو البقاء: هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا الامتناع كراهية المريض، وهو معنى ما قاله عياض، ويجوز نصبه على أنه مفعول لأجله؛ أي: (١) ((الفتح)) ٦١٥/٩ - ٦١٦.