Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالْحُمَّةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١١)
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن
عبد الله بن نُمير، و((سفيان)) هو: الثوريّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١١] (٢١٩٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ
عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، فِي الرُّقَى، قَالَ:
رُخِّصِّ فِي الْحُمَةِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالْعَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ الإمام، ذُكر في
الباب.
٢ - (أَبُو خَيْئَمَةً) زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٢/٦.
٣ - (عَاصِمُ الأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٤ - (يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الحارث الأنصاريّ مولاهم، أبو الوليد
البصريّ، ثقةٌ [٥] (م « ت س ق) تقدم في ((البيوع) ٤١٣٢/٥٢.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) خُه، تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّلهُ، وأنه مسلسل بالبصريين من عاصم،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، وفيه
أنس رُه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَُّه (فِي الرُّقَى) بضمّ الراء، وفتح القاف مقصوراً:
جمع رُقية بضمّ، فسكون، وهي العوذة التي يُرْقَى بها صاحبُ الآفة، كالْحُمَّى،

٨٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
والصَّرْع، وغير ذلك، من الآفات(١)، وهو متعلّق بـ(قَالَ)؛ أي: قال في شأن
الرُّقَى، وفي بيان حكمه. (رُخِّصَ) بالبناء للمفعول، والمرخّص هو النبيّ ◌َِّ،
كما بيّنه في الرواية التالية، فقال: ((رَخّص رسول الله وَ ﴿ في الرقية .... ))،
وفيه إشارة إلى أنه كان منهيّاً عنه، ثم رُخّص بعده، وقد جاء مصرّحاً في حديث
جابر ظُه الآتي: ((قال: كان لي خالٌ يَرقِي من العقرب، فنَهَى رسول اللهَ وَّل
عن الرُّقَى، قال: فأتاه، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرُّقَى، وأنا أرقي
من العقرب، فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)).
وقال التوربشتيّ كَثِّثُهُ: الرخصة إنما تكون بعد النهي، وكان بَ ل* قد نَهَى
عن الرُّقَى لِمَا عَسَى أن يكون فيها من الألفاظ الجاهلية، فانتهى الناس عن
الرُّقَى، فَرَخَّص لهم فيها، إذا عَرِيت عن الألفاظ الجاهلية. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((رُخِّص في الرقية من العين، والْحُمَة،
والنملة)): ليس معناه تخصيص جوازها بهذه الثلاثة، وإنما معناه: سئل عن هذه
الثلاثة، فأَذِن فيها، ولو سئل عن غيرها لَأَذِن فيه، وقد أَذِن لغير هؤلاء، وقد
رَقَى هو ◌َ لّ في غير هذه الثلاثة، والله أعلم. انتهى(٣).
(فِي الْحُمَّةِ) قال ابن منظور كَُّهُ: الْحُمَة: السّمّ، قاله اللِّحيانيّ، وقال
بعضهم: هي الإبرة التي تَضرب بها الحية، والعقرب، والزُّنبور، ونحو ذلك،
أو تَلْدَغ بها، وأصله حُمَوٌ، أو حُمَيٍّ، والهاء عوض، والجمع حُمَاتٌ،
وحُمّى، وقال الليث: الْحُمَة في أفواه العامّة إبرة العقرب، والزُّنبور، ونحوه،
وإنما الْحُمَةِ سُمّ كلِّ شيءٍ يَلْدَغْ، أو يَلْسَع، وقال ابن الأعرابيّ: يقال لسم
العقرب: الْحُمَةِ، والْحُمّة، وقال الأزهريّ: لم يُسمع التشديد في الْحُمَّة إلا
لابن الأعرابيّ، قال: وأحسبه لم يذكره إلا وقد حفظه، وقال الجوهريّ: حُمَة
العقرب: سُمّها، وضُرّها، وحُمَة البرد: شدّته. انتهى (٤).
(وَالثَّمْلَةِ) - بفتح النون، وإسكان الميم -: هي قُروحٌ تخرُج في الجنب،
قال ابن قتيبة وغيره: كانت المجوس تزعم أن ولد الرجل من أخته إذا خَطّ
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤٤/٢١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١٤.
(٢) ((تحفة الأحوذيّ)) ١٨٠/٦.
(٤) ((لسان العرب)) ٢٠١/١٤.

٨٣
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالنَّعْلَةِ، وَالْحُمَّةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١١)
على النملة يُشفى صاحبها. انتهى (١)، وكأنها سُمِّيت نَملةً؛ لتفشيها،
وانتشارها(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قال ابن قتيبة: ((النملة)): قُروح تكون في الجنب،
وغير الجنب، تزعم المجوس أن ولد الرَّجل إذا كان من أخته، فخَطّ على
النملة شُفي صاحبها، وأنشد [من الطويل]:
وَلَا عَيْبَ فِينَا غير عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ
كِرَام وأنَّا لا نَخُظُ عَلَى النَّمْلِ
أي: لسنا بمجوسٍ ننكح الأخوات، قال غيره: تكون في الجنب، وغير
الجنب، والمشهور فيها فتح النون، وحَكَى الهرويّ فيها الضم، فأمَّا النَّملة
- بكسر النون -: فهي الْمِشْية المتقاربة، حكاها الفرَّاء. انتهى(٣) .
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): ((الثَّمْلة)): قروح في الجنب، وغيره،
كالنَّمْل؛ أي: النمل، والنملة في ذلك سواء، وأيضاً: بَثْرَةٌ تخرج بالتهاب،
واحتراق، ويَرِمُ مكانُها يسيراً، ويَدِبّ إلى موضع آخر، كالنَّمْلة، قال
الجوهريّ: ويسمّيها الأطباء الذَّبَابُ، وقال الأطباء: سببها صفراءُ حادّةٌ، تخرج
من أفواه العروق الدِّقَاق، ولا تحتبس فيما هو داخل من ظاهر الجلد؛ لشدّة
لطافتها، وحِدَّتِها .
وفي الحديث: ((لا رُقية، إلا في ثلاث: النملة، والْحُمَة، والنفس)).
وقال أبو عبيد في حديث النبيّ وَّ أنه قال للشفاء: ((عَلِّمي حفصة رُقية
النملة))، قال ابن الأثير: شيء كانت تستعمله النساء، يَعْلَم كلُّ من سمعه أنه
كلام لا يضرّ، ولا ينفع، وهي: هذه العروس تحتفل، وتختضب، وتکتحل،
وكلَّ شيء تفتعل، غير أن لا تَعْصِيَ الرجل. فأراد النبيّ ◌َ* بذلك تأنيب
حفصة؛ لأنه ألقَى إليها سرّاً، فأفشته.
وفي ((الصحاح): وتقول المجوس: إن ولد الرجل إذا كان من أخته، ثم
خَطّ على النملة شُفي صاحبها، وقال [من الطويل]:
كِرَامِ وَأَنَّا لَا نَخُظُ عَلَى النَّمْلِ
وَلَا عَيْبَ فِينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/١٤ - ١٨٥.
(٣) ((المفهم)) ٥٨١/٥ - ٥٨٢.
(٢) ((شرح سنن ابن ماجه)) ٢٥١/١.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
يريد: لسنا بمجوسٍ ننكح الأخوات، وقال ثعلب: أنشدنا ابن الأعرابيّ
هذا البيت: ((لَا نَحُظُ عَلَى النَّمْلِ)) بالحاء المهملة، وفسّره: أنّا كرام، ولا نأتي
بيوت النمل في الجدب؛ لنحفر على ما جمع لنأكله، وفي ((العُباب)): أي: لا
نحط رحلنا على قرية النمل، فنفسدها عليها، وقال أبو أحمد العسكريّ: إن
الحاء المهملة تصحيف من ابن الأعرابيّ، ذكره في ((كتاب التصحيف)) من
کتابه. انتھی(١).
(وَالْعَيْنِ)؛ أي: وإصابة العين بالأذى والضرر، وقد تقدّم البحث فيه
مستوفى في أول ((كتاب الطبّ))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا من أفراد
المصنّف تَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧١١/٦ و٥٧١٢] (٢١٩٦)، و(الترمذيّ) في
(الطبّ)) (٢٠٥٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٦/٤)، و(ابن ماجه) في
((الطبّ)) (٣٥١٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦/٨ و٣٧ و٣٨)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (١١٨/٣ و١١٩ و١٢٧)، (ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٠٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٨/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٤٤)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٢] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ،
عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا
حَسَنٌ - وَهُوَ ابْنُ صَالِح - كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِم، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ،
قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِّنَّهِ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الَّعَيْنِ، وَالْحُمَةِ، وَالثَّمْلَةِ، وَفِي حَدِيثٍ
سُفْيَانَ: يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ).
(١) ((تاج العروس)) ٧٥٦٦/١.

٨٥
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالنَّعْلَةِ، وَالْحُمَّةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٣)
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، أبو زكرياء الأمويّ مولاهم، الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ، أبو عوف
الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩ أو ١٩٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٠/ ٩٣٤.
٣ - (حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ) بن صالح بن حيّ، وهو حيّان بن شفيّ الْهَمْدانيّ
الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عَابد، رُمي بالتشيّع [٧] (ت١٩٩) (بخ م ٤) تقدم في
((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧/ ١٧١٤.
والباقون ذُكروا في الباب، والحديث تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٣] (٢١٩٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ
زَيْئَبَ بِنْتِ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهْ قَالَ لِجَارِيَةٍ
فِي بَيْتٍ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَ﴿، رَأَى بِوَجْهِهَا سَفْعَةً، فَقَالَ: ((بِهَا نَظْرَةٌ،
فَاسْتَرْقُوا لَهَا))؛ يَعْنِي: بِوَجْهِهَا صُفْرَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُوِ الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) الْعَتكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانيّ الْحِمْصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤)
(ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٠/ ١١٧٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ) أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ،
من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو ٧ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١١٧٤/٥.
٤ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد
المخزوميّة، ربيبة النبيّ وَلله، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدّمت في ((الحيض)) ٦٨٩/٢.
٥ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر
المخزوميّة أم المؤمنين، تزوجها النبيّ وَله بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل:

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستّين سنةً، وماتت سنة (٦٢) على الأصحّ (ع) تقدمت
في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف كَّلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّة
عن صحابيّة، هي أمها پا.
[تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ هذا الحديث في ((صحيحه))، عن محمد بن
خالد(١)، عن محمد بن وهب بن عطية الدمشقيّ، عن محمد بن حرب، عن
محمد بن الوليد الزُّبيديّ، عن الزهريّ ... إلخ، فقال في (الفتح)): اجتَمَع في
هذا السند من البخاريّ إلى الزهريّ ستة أنفس في نسَق، كل منهم اسمه
محمد، وإذا روينا الصحيح من طريق الفُراويّ، عن الحفصيّ، عن الكشميهنيّ،
عن الفِربريّ كانوا عشرةً. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)): وهذا السند مما نزل فيه البخاريّ في حديث عروة
ثلاث درجات، فإنه أخرجه في (صحيحه)) حديثاً، عن عبيد الله بن موسى، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، وهو في ((العتق))، فكان بينه وبين عروة رجلان، وها
هنا بينه وبينه خمسة أنفس.
وأخرجه مسلم عالياً بالنسبة لرواية البخاري هذه، فقال: حدّثنا أبو
الربيع، حدّثنا محمد بن حرب، فذكره. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أي: فكان بين مسلم وبين محمد بن حرب واسطة
واحدة، بخلاف البخاريّ، فبينه وبين محمد بن حرب واسطتان، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِّ وَ﴾ ◌َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ لِجَارِيَةٍ)؛ أي:
في شأنها، قال الحافظ: لم أقف على اسمها. (فِي بَيْتٍ أَمِّ سَلَمَةَ زَوْجٍ
(١) هو محمد بن يحيى الذهليّ نُسب لجده.
(٢) ((الفتح)) ١٦٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٣٩).
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٦٥/٢١ - ٢٦٦.

٨٧
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالثَّعْلَةِ، وَالْحُمَّةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٣)
النَّبِيِّ وََّ﴾ الجارّ والمجرور متعلّق بصفة (جارية))، (رَأَى بِوَجْهِهَا سَفْعَةً) - بفتح
السين المهملة، ويجوز ضمها، وسکون الفاء، بعدها عین مهملة - وحَگی
عياض ضم أوله، قال إبراهيم الحربيّ: هو سواد في الوجه، ومنه سَفْعة الفرس
سواد ناصيته، وعن الأصمعيّ: حُمرة يعلوها سواد، وقيل: صفرة، وقيل:
سواد مع لون آخر، وقال ابن قتيبة: لون يخالف لون الوجه، وكلها متقاربة،
وحاصلها أن بوجهها موضعاً على غير لونه الأصليّ، وكأن الاختلاف بحسب
اللون الأصليّ، فإن كان أحمر فالسفعة سواد صِرْفٌ، وإن كان أبيض فالسفعة
صُفرة، وإن كان أسمر فالسفعة حُمرة يعلوها سواد.
وذَكَر صاحب (البارع)) في اللغة أن السفع سواد الخدين من المرأة
الشاحبة، والشحوب بمعجمة، ثم مهملة: تغيّر اللون بِهُزَال أو غيره، ومنه:
سَفْعاء الخدين، وتُطلق السفعة على العلامة، ومنه: بوجهها سفعة غضب، وهو
راجع إلى تغيّر اللون، وأصل السفع: الأخذ بقهر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتْفَعًا
بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ويقال: إن أصل السفع الأخذ بالناصية، ثم استُعمل في
غيرها، وقيل في تفسيرها: لَنُعْلمتّه بعلامة أهل النار، من سواد الوجه، ونحوه،
وقيل: معناه لَنُذِلَنَّه.
ويمكن رَدّ الجميع إلى معنى واحد، فإنه إذا أَخذ بناصيته بطريق القهر
أَذَلْه، وأحدث له تغيّرَ لونه، فظهرت فيه تلك العلامة، ومنه قوله في حديث
الشفاعة: ((قوم أصابهم سَفْع من النار))(١).
(فَقَالَ) وَِّ: ((بِهَا نَظْرَةٌ) بسكون الظاء المعجمة، واختلف في المراد
بالنظرة، فقيل: عينٌ من نظر الجنّ، وقيل: من الإنس، وبه جزم أبو عبيد
الهرويّ، والأَوْلى أنه أعمّ من ذلك، وأنها أُصيبت بالعين، فلذلك أَذِن ◌َّ في
الاسترقاء لها، وهو دالّ على مشروعية الرقية من العين، قاله في (الفتح))(٢).
(فَاسْتَرْقُوا) بسكون الراء؛ أي: اطلبوا (لَهَا») من يرقيها، وقوله: (يَعْنِي:
بِوَجْهِهَا صُفْرَةً) قال الحافظ تَظْلَتُهُ: هذا التفسير ما عرفت قائله، إلا أنه يغلب
(١) ((الفتح)) ١٦٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٣٩).
(٢) ((الفتح)) ١٦٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٣٩).

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
على ظني أنه الزهريّ، وقد أنكره عياض من حيث اللغة، وتوجيهه ما قدمته،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧١٣/٦] (٢١٩٧)، و(البخاريّ) في ((الطبّ))
(٥٧٣٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٩١٨) وفي ((معجمه)) (١٦٢/١)،
و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٢٤/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٣/
٣٤٤)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٢١٢/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
٣٤٧، ٣٤٨)، و(الخطيب البغداديّ) في ((تاريخه)) (٣٧/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال النوويّ كَّفُ: وهذا الحديث مما استدركه
الدار قطنيّ على البخاريّ ومسلم؛ لعلة فيه، قال: رواه عُقيل عن الزهريّ، عن
عروة مرسلاً، وأرسله مالك وغيره، من أصحاب يحيى بن سعيد، عن
سليمان بن يسار، عن عروة، قال الدارقطنيّ: وأسنده أبو معاوية، ولا يصحّ،
قال: وقال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهريّ، عن سعيد: ولم يصنع شيئاً.
انتهى كلام الدار قطنيّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر النوويّ كلام الدارقطنيّ، وسكت
عليه، وقد أشار البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه)) إلى الاختلاف في سند هذا
الحديث، فقال بعد إخراجه عن محمد بن خالد، عن محمد بن وهب بن عطيّة
الدمشقيّ، عن محمد بن حرب، عن محمد بن الوليد الزبيديّ، عن الزهري
بسندہ المذکور ما نصّه:
وقال عقيل عن الزهريّ: أخبرني عروة، عن النبيّ يَّ، تابعه عبد الله بن
سالم، عن الزبيديّ. انتهى.
فقال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه عبد الله بن سالم))؛ يعني: الحمصيّ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١٤.

٨٩
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالنَّعْلَةِ، وَالْحُمَةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٣)
وكنيته أبو يوسف، عن الزبيديّ؛ أي: على وصل الحديث، وقال عُقيل، عن
الزهريّ: أخبرني عروة، عن النبيّ وَل9؛ يعني: لم يذكر في إسناده زينب، ولا
أم سلمة.
فأما رواية عبد الله بن سالم، فوصلها الذَّهليّ في ((الزهريات))، والطبرانيّ
في ((مسند الشاميين)) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصيّ، عن
عمرو بن الحارث الحمصيّ، عن عبد الله بن سالم به سنداً ومتناً.
وأما رواية عُقيل، فرواها ابن وهب عن ابن لهيعة، عن عُقيل، ولفظه:
((إن جاريةً دخلت على رسول الله بَّه، وهو في بيت أم سلمة، فقال: كأن بها
سَفْعَةً، أو خُطرت بنار))، قال الحافظ: هكذا وقع لنا مسموعاً في جزء من
فوائد أبي الفضل بن طاهر بسنده إلى ابن وهب، ورواه الليث عن عُقيل أيضاً،
ووجدته في ((مستدرك الحاكم)) من حديثه، لكن زاد فيه عائشة بعد عروة، وهو
وَهَمّ فيما أحسب، ووجدته في ((جامع ابن وهب)) عن يونس، عن الزهريّ،
قال: قال رسول الله عليه الجارية ... فذكر الحديث.
قال: واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيديّ؛ لسلامتها من
الاضطراب، ولم يلتفتا إلى تقصير يونس فيه، وقد رَوَى الترمذيّ من طريق
الوليد بن مسلم، أنه سمع الأوزاعيّ يفضل الزبيديَّ على جميع أصحاب
الزهريّ؛ يعني: في الضبط، وذلك أنه كان يلازمه كثيراً حضراً وسفراً.
وقد تمسك بهذا من زعم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتّفاق
الشيخين على تصحيح الموصول هنا على المرسل، والتحقيق أنهما ليس لهما
في تقديم الوصل عمل مظّرد، بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها
اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه؛ للاختلاف في وصله وإرساله.
وقد جاء حديث عروة هذا من غير رواية الزهريّ، أخرجه البزار من رواية
أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن أم
سلمة، فسقط من روايته ذِكر زينب بنت أم سلمة.
وقال الدارقطنيّ: رواه مالك، وابن عيينة، وسَمَّى جماعةً كلهم عن
يحيى بن سعيد، فلم يجاوزا به عروة، وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة فيه، ولا
يصحّ، قال الحافظ: وإنما قال: ذلك بالنسبة لهذه الطريق؛ لانفراد الواحد عن

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
العدد الجمّ، وإذا انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيديّ قويت جدّاً، والله
أعلم. انتهى كلام الحافظ وَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ تَخْذُ في هذا البحث،
وخلاصته أن حديث أم سلمة ثقا من رواية الزبيديّ عن الزهريّ صحيحة، كما
اعتمد الشيخان عليها، فأخرجاها، ولم يلتفتا إلى مخالفة غيره له بالإرسال؛
لأن الزّبيديّ حافظ متقنٌ، أثبت أصحاب الزهري، فقد فضّله الأوزاعيّ على
جميع أصحابه، ثم إنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الله بن سالم، كما أشار إليه
البخاريّ في التعليق الماضي.
والحاصل أن الحديث صحيح، ولا التفات إلى إرجاف بعض من كتب(٢)
في هامش ((صحيح مسلم))، فضعّف الحديث بالإرسال تبعاً للدار قطنيّ، ومرجّحاً
رأيه على رأي الشيخين، مع أنه قرأ ما كتبه الحافظ في ((الفتح)) من التحقيقات
الماضية، فلم يلتفت إليها، وهذا من أغرب ما يرى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٤] (٢١٩٨) - (حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِّعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:
رَخَّصَ النَّبِيُّ بَّهِ لَآلِ حَزْمٍ فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ، وَقَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: ((مَا لِي
أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِّعَةً، تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟))، قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ
إِلَيْهِمْ، قَالَ: ((ارْقِيهِمْ))، قَالَتْ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((ارْقِيهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ثها، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و((أبو عاصم)) هو: الضحّاك بن مخلد
النبيل.
(١) ((الفتح)) ١٦٧/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٣٩).
(٢) هو الشيخ مسلم بن محمود عثمان. راجع تحقيقه لمسلم ٣٣/٤ - ٣٤.

٩١
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالثَّعْلَةِ، وَالْحُمَّةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٤)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ، وفيه جابر بن عبد الله
المکثرین السبعة، روی (١٥٤٠) حديثاً
شرح الحديث:
من
(عَنِ ابْنِ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم
المكيّ، أنه (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) هكذا النسخ: ((وأخبرني)) بالواو، وهو
معطوف على ((أخبرني)) محذوفاً، ومعناه أن أبا الزبير أخبره بأكثر من حديث،
فَعَطف هذا على حديث آخر؛ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ه (يَقُولُ: رَخَّصَ
النَّبِيُّ ◌َِ﴿ لآلِ حَزْمٍ) وفي رواية البيهقيّ: ((قال: رَخَّص رسول الله وَّ لبني
عمرو بن حزم في رُقية الحية))، وقال ابن عبد البرّ كَُّهُ: قال أبو واقد: وذكر
ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغني عن رجال من أهل العلم،
أنهم كانوا يقولون: إن رسول الله وَّ نَهَى عن الرُّقَى حين قَدِم المدينة، وكانت
الرُّقَى في ذلك الزمان فيها كثير من كلام الشرك، فلما قَدِم المدينة لُدِغ رجل
من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله قد كان آل حزم يَرقون من الْحُمَة، فلما
نَهَيت عن الرُّقَى تركوها، فقال رسول الله وَله: ((ادعوا لي عُمارة بن حزم))، ولم
يكن له ولد، وكان قد شَهِد بدراً، فدعي له، فقال: ((اعْرِضْ عليّ رقيتك))،
فعرضها عليه، فلم ير بها بأساً، وأَذِن لهم بها.
قال ابن وهب: وأخبرني أسامة بن زيد الليثيّ قال: حدّثني أبو بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم، قال: عَرَضَ آل عمرو بن حزم رُقيتهم على
رسول الله وَلفيه، فأمرهم أن يرقوا بها. انتهى(١).
(فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ) الرُّقْية بضمّ الراء، وسكون القاف: هي الْعُوذة، بضم
العين، وهي ما يُرقَى به من الدعاء لطلب الشفاء(٢).
(وَقَالَ) وَِّ الأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) الخثعميّة، زوج جعفر بن أبي طالب،
ثم أبي بكر، ثم عليّ، وولدت لهم، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين لأمها،
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٥٥/٢٣.
(٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٤١١/٤.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
◌َّ. ((مَا لِي) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء ثبت، وقوله:
ماتت بعد عليّ
(أَرَى) جملة حاليّة، (أَجْسَامَ بَنِي أَخِي)؛ يعني: جعفر بن أبي طالب ◌َُّه، أراد
الأخوّة الإسلاميّة، لا أخوّة النسب، فهو صحابيّ مشهور، وابن عمه أبي
طالب، حال كونها (ضَارِعَةً) بالضاد المعجمة؛ أي: ضعيفةً نحيفة، وأصل
الضراعة الخضوع، والتذلّل، قاله القرطبيّ كَّلُ، وقال ابن الأثير تَّتُهُ:
الضارع: النحيف الضاوي الجسم، يقال: ضَرَعَ يَضْرَعُ، فهو ضارعٌ، وضَرَعُ
بالتحريك. انتهى (١).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه): وضَرَعَ إليه، ويُثَلَّثُ ضَرَعاً محركةً،
وضَرَاعَةً: خَضَعَ، وَذَلَّ، واسْتَكَانَ، أو كفرحَ، ومَنَعَ: تَذَلَّلَ، فهو ضارِعٌ،
وضَرِعٌ، ككتِفٍ، وضَرُوٌ، وضَرَعَةٌ، محركةً، وككَرُمَ: ضَعُفَ، فهو ضَرَعٌ،
محركةً، من قومٍ ضَرَع محركةً أيضاً، ومُهْرٌ ضَرَعُ محركةً: لم يَقْوَ على العَدْوِ،
والضَّارِعُ، والضَّرَّعُ مُخِّرَّكَةٌ: الصَّغير من كلِّ شيءٍ، أَو الصَّغير السِّنِّ، وقِيلَ: هو
الضَّعيفُ النَّحيفُ الضَّاوي الجِسم، ومنهُ الحَديثُ: أَنَّ النَّبِيَّي ◌َّوَ رأَى وَلَدَي
جَعْفَرِ الطَّارِ رَبِهِ، فقال: ((مَا لِي أَراهُما ضارِعَيْنٍ؟)) قال: والضَّرِعُ ككَتِفٍ:
الضَّعيفُ الجِسمِ الَّحيف، وقد ضَرِعَ، كَفَرِحَ. انتهى(٢).
وقوله: (تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟)) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أتصيبهم
الحاجة؟؛ أي: الجوع ونحوه. (قَالَتْ) أسماء (لَا)؛ أي: ليست بهم حاجة،
(وَلَكِنِ الْعَيْنُ)؛ أي: إصابة عين الناس بالأذى (تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ) فضَرعت أجسامهم
بسبب هذا. (قَالَ) وَّر ((ارْقِيهِمْ)))؛ أي: عوّذيهم (قَالَتْ) أسماء ◌َّا (فَعَرَضْتُ)
بفتح الراء، من ضرب، يقال: عَرَضْتُ الشيءَ عَرْضاً، من باب ضَرَبَ،
فَأَعْرَضَ هو، بالألف؛ أي: أظهرته، وأبرزته، فظهر هو، وبَرَزَ، والمطاوع من
النوادر التي تَعَدَّى ثلاثيُّها، وقَصَرَ رباعيها، عكسُ المتعارف، قاله
الفيّومِيّ ◌َُّ(٣). (عَلَيْهِ)؛ أي: على النبيّ وَّل، وفي رواية أحمد: قالت: لا،
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص٥٤٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٩٥٨/١، و(تاج العروس)) ٥٤٠٢/١ - ٥٤٠٣.
(٣) (المصباح المنير)) ٤٠٢/٢.

٩٣
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالثَّعْلَةِ، وَالْحُمَّةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٤)
ولكن تسرع إليهم العين، أفنرقيهم؟ قال: ((وبماذا؟))، فعَرَضت عليه، فقال:
((ارقيهم))(١)، وفي رواية البيهقيّ: ((ولكن العين تُسرع إليهم، أفأرقيهم)) قال:
(وبماذا؟))، فعرضت عليه كلاماً لا بأس به، فقال: ((نعم ارقيهم))(٢).
(فَقَالَ: ((ارْقِيهِمْ)))؛ أي لأنه رُقية شرعيّة، وليس من رُقَى الجاهليّة
المشتملة على الشركيّات.
وفي رواية ابن عبد البرّ في ((التمهيد)): ((أن أسماء بنت عميس قالت: يا
رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: ((نعم، لو كان
شيء سابق القدر لسبقته العين)). انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿يا هذا من أفراد
المصنّف تَحْذلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧١٤/٦] (٢١٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
٣٣٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٤٢/٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
٣٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن العين حقّ، يُتأذى بها، وأن الرقي تنفع منها، إذا
قدَّر الله ذلك، فالشفاء بيده نَ﴿، لا شريك له، وسبيل الرُّقَى سبيل سائر العلاج
والطبّ.
٢ - (ومنها): بيان أن الرُّقَى مما يُستدفع به أنواع من البلاء، إذا أَذِن الله
في ذلك، وقَضَی به.
٣ - (ومنها): بيان أن العين تُسرع إلى قوم فوق إسراعها إلى آخرين،
وأنها تؤثّر في الإنسان بقضاء الله تعالى وقدره، وتَضرّ به في أشياء كثيرة قد
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٣٣/٣.
(٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣٤٨/٩.
(٣) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٥٤/٢٣.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
فهمته العامّة والخاصّة، فأغنى ذلك عن الكلام فيه، وإنما يُسترقَى من العين إذا
لم يُعْرف العائن، وأما إذا عُرف الذي أصابه بعينه، فإنه يؤمر بالاغتسال، ثم
يصبّ ذلك الماء على المَعين، على حسب ما فسّره الزهريّ كما قد سبق بيانه،
فإن لم يُعرف العائن استُرْقي حينئذ للمَعين، فإن الرُّقَى مما يُستشفى به من
العين، وغيرها، وأسعد الناس من ذلك مَن صَحِبِه اليقين، وما التوفيق إلا
بالله، أفاده ابن عبد البرّ تَّهُ(١).
٤ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخْلُ أيضاً: وفي إباحة الرُّقَى إجازة
أخذ العِوَض عليه؛ لأن كل ما انتُفِع به جاز أخذ البدل منه، ومن احتَسَب،
ولم يأخذ على ذلك شيئاً كان له الفضل.
٥ - (ومنها): ما قاله ◌َُّ أيضاً: وفي قوله: ((لو سبق شيء القدر لسبقته
العين)) دليل على أن الصحة والسقم قد علمهما الله تعالى، وما عَلِم فلا بدّ من
كونه على ما عَلِمه، لا يتجاوز وقته، ولكن النفس تطيب بالتداوي، وتأنس
بالعلاج، ولعله يوافق قَدَراً، وكما أنه من أُعطي الدعاء، وفُتح عليه، فلم يَكَد
يُحْرَم الإجابة، كذلك الرُّقَى، والتداوي مَنْ أُلْهِم شيئاً من ذلك، وفعله ربما كان
ذلك سبباً لِفَرَجه، ومنزلة الذين لا يكتبون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى
ربهم يتوكلون أرفع، وأسنى، ولا حرج على من استَرْقَى، وتداوى. انتهى كلام
ابن عبد البرّ ◌َّهُ(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٥] (٢١٩٩) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بَّنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَرْخَصَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ لِبَنِي عَمْرٍو، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
يَقُولُ: لَدَغَتْ رَجُلاً مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا
رَسُولَ اللهِ أَرْقِي؟ قَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ))).
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٢٦٩/٢.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٢٦٩/٢ - ٢٧٠.

٩٥
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالْحُمَّةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف
بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٤/١.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((روح)) هو: ابن عُبادة القيسيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار،
والسماع من أوله إلى آخره، وفيه جابر بن عبد الله ◌ًا، سبق القول فيه في
الحديث الماضي.
شرح الحديث:
عن ابْنِ جُرَيْج، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس
المكيّ، (أَنَّهُ سَمِعَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) عَ﴿ه (يَقُولُ: أَرْخَصَ النَّبِيُّ ◌َّ)؛ أي:
سهّل، ويسّر، قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: الرُّخصة: التسهيل في الأمر، والتيسير،
يقال: رَخّص الشرع لنا في كذا ترخيصاً، وأرخص إرخاصاً: إذا يسّره،
وسهّله. انتهى(١). (فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ)؛ أي: في تعويذ لسعتها، (لِبَنِي عَمْرٍو) ابن
حزم الأنصاريّ.
(قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الهِ﴾ ﴿ّ (يَقُولُ: لَدَغَتْ) قال في
((القاموس)) و((شرحه)): لدَغَتْهُ العَقْرَبُ، والحَيَّةُ، كمَنَعَ، تَلْدَغُ لَدْغاً، وقيلَ: اللَّدْغُ
بالفَم، واللَّسْعُ بالَّنَبِ، وقالَ الليثُ: اللَّدْغُ بالنّابِ، وقالَ أبو وَجْزَةَ: اللَّدْغَةُ
جامِعَةٌ لِكُلِّ هامَّةٍ تَلْدَغُ لَدْغاً، وتَلْدَاغاً بفَتْحِهِمَا، فهُوَ مَلْدُوٌ، ولَدِيٌ. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ كَثْتُ: لَدَغَتْهُ العقرب بِالْغَين المعجمة لَدْغاً، من باب نفع:
لسعته، ولَدَغَتْهُ الحية لَدْغاً: عضته، فهو لَدِيغٌ، والمرأة لَدِيٌ أيضاً، والجمع
لَدْغَى، مثل جَرِيح وجَرْحَى، ويتعدى بالهمزة إلى مفعولٍ ثانٍ، فيقال: أَلدَغْتُهُ
العقربَ: إذا أرسلتها عليه، فَلَدَغَتْهُ، وقال الأزهريّ: اللَّدْغُ بالناب، وفي بعض
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٣/١ - ٢٢٤.
(٢) ((تاج العروس)» ١/ ٥٦٩٢.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
اللغات: تَلْدَغُ العقرب، ويقال: اللَّدْغُهُ جامعة لكلّ هامة تَلْدَغُ لَدْغاً. انتهى(١).
(رَجُلاً) لا يُعرف اسمه (٢). (مِنَّ)؛ أي: من الأنصار، (عَقْرَبٌ) هي دويّبة
من العنكبات، ذات سُمّ تسلع(٣).
وقال في ((التاج)): العَقْرَبُ: واحِدة العَقَارِب، من الهَوامٌ معروف، يذكّر،
ويُؤَنّثُ بلفظٍ وَاحِدٍ، والغَالب عليه التَّأْنِيثُ. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ كَّلُهُ: والعَقْرَبُ تُطلَق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تأكيد
التذكير قيل: عُقْرُبَانُ، بضم العين والراء، وقيل: لا يقال: إلا عَقْرَبٌ للذكر
والأنثى، وقال الأزهريّ: العَقْرَبُ يقال للذكر والأنثى، والغالب عليها التأنيث،
ويقال للذكر: عُقْرُبَانُ، وربما قيل: عَقْرَبَةٌ بالهاء للأنثى، وأرضٌ مُعَقْرِبَةٌ: اسم
فاعل، ذات عَقَارِبَ، كما يقال: مُتَعْلَبَة، ومُضَفْدعة، ونحو ذلك. انتهى(٥).
وقوله: (وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) جملة في محلّ نصب على
الحال، (فَقَالَ رَجُلٌ) لا يعرف اسمه(٦). (يَا رَسُولَ اللهِ أَرْقِي؟)؛ أي: أأعالجه
بالرقية؟ (قَالَ) وَّهِ ((مَنِ) شرطيّة، جوابها ((فليفعل))، (اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ
أَخَاهُ)؛ أي: في النسب، أو في الدِّين (فَلْيَفْعَلْ))) وفي الرواية التالية: ((فلينفعه))،
قال المناويّ كَُّهُ: أي: على جهة الندب المؤكدة، وقد تجب في بعض
الصور. انتهى.
وقال ابن عبد البرّ ◌َُّهُ: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في جواز
الاسترقاء من العين، والْحُمَة، وقد ثبت ذلك عن النبيّ وَّه، والآثار في الرُّقَى
أكثر من أن تحصى، وقال جماعة من أهل العلم: الرقی جائز من كل وجع،
ومن كل ألم، ومن العين، وغير العين. انتهى (٧).
قال المناويّ كَّتُهُ: قد تمسّك ناس بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جُرِّبت
منفعتها، وإن لم يُعْقَل معناها، لكن دلّ حديث عوف بن مالك الآتي في الباب
(١) (المصباح المنير)) ٥٥١/٢ - ٥٥٢.
(٣) ((المعجم الوسيط)) ٦١٥/٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ٤٢١/٢ - ٤٢٢.
(٧) ((التمهيد)) لابن عبد البر ١٥٦/٢٣.
(٢) «تنبيه المعلم)) ص٣٧٤.
(٤) ((تاج العروس)) ١/ ٧٩١.
(٦) ((تنبيه المعلم)» ص٣٧٥.

٩٧
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالثَّمْلَةِ، وَالْحُمَةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٦)
التالي أن ما يؤدي إلى شرك يُمنع، وما لا يعرف معناه لا يؤمَن أن يؤدي إليه،
فيمنع احتياطاً .
وحَذَفَ المنتفَع به؛ لإرادة التعميم، فيشمل كلَّ ما يُنتفع به، نحو رُقية،
أو علم، أو مال، أو جاه، أو نحوها. انتهى(١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظه هذا من أفراد
المصنّف رَذَلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧١٥/٦ و٥٧١٦ و٥٧١٧ و٥٧١٨ و٥٧١٩]
(٢١٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٤/٨ - ٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٣٤/٣ و٣٨٤ و٣٩٣)، و(ابن حبّان) في («صحيحه» (٥٣٢)، و(أبو يعلى) في
«مسنده)) (٢٢٩٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٢٨/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٨/٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْتَى الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَرْقِيهِ يَا
رَسُولَ اللهِ؟، وَلَمْ يَقُلْ: أَرْقِي؟).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربّما أخطأ [١٠]
(ت٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو
أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الجمل، صدوقٌ يُغرب، من كبار [٩]
(ت١٩٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
و((ابن جُریج)) ذُكر قبله.
(١) ((فيض القدير)) ٥٤/٦.

٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد الأمويّ عن ابن جريج هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ لِي خَالٌ يَرْقِي
مِنَ الْعَقْرَبِ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنِ الرُّقَى، قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنََّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَأَنَا أَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، فَقَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ
أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة صدوق
[٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رَبُهُ أنه (قَالَ: كَانَ لِي خَالٌ) وفي ((صحيح البخاريّ)) عن
جابر به قال: شهد بي خالاي العقبة، قال ابن عيينة: أحدهما: البراء بن
معرور. انتهى(١)، وذكر في ((الفتح)) بحثاً طويلاً على قوله: ((خالاي))، وقال في
آخر بحثه: فالخال الآخر لجابر إما ثعلبة، وإما عمرو. انتهى(٢).
(يَرْقِي)؛ أي: يعوّذ بدعاء (مِنَ الْعَقْرَبِ)؛ أي: لَدْغتها، (فَنَهَى
رَسُولُ اللهِنَّهَ عَنِ الرُّقَى)؛ أي: لكونها تشتمل على الشركيّات، وقال
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٤١٣/٣.
(٢) ٨/ ٦٥٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٩٠).

٩٩
(٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالْحُمَةِ، وَالنَّظْرَةِ - حديث رقم (٥٧١٨)
القرطبيّ تَخُّْ: وإنَّما نَهَى وَّهِ عن الرُّقى مطلقاً؛ لأنَّهم كانوا يرقون في الجاهلية
بِرُقّى هو شركٌ، وبما لا يُفهم، وكانوا يعتقدون أن ذلك الرُّقى يؤثّر بنفسه، ثم
إنهم لمّا أسلموا، وزال ذلك عنهم نهاهم النبيّ ◌َّ ﴿ عن ذلك عموماً؛ ليكون
أبلغ في المنع، وأسدُّ للذريعة، ثم إنهم لما سألوه، وأخبروه أنهم ينتفعون
بذلك؛ رخّص لهم في بعض ذلك، وقال: ((اعْرِضوا عليَّ رقاكم، لا بأس
بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك))، فجازت الرُّقية من كل الآفات من الأمراض،
والجراح، والقروح، والْحُمَة، والعين، وغير ذلك؛ إذا كان الرُّقى بما يُفْهَم،
ولم يكن فيه شرك، ولا شيء ممنوع، وأفضل ذلك، وأنفعه ما كان بأسماء الله
تعالى وكلامه، وكلام رسوله وَّهِ. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ
نفيس، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) جابر (فَأَتَّاهُ)؛ أي: أتى خاله النبيّ نَّهِ، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ
نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَأَنَا أَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ)؛ أي: فهل أترك ذلك؟ (فَقَّالَ) وَه
((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ) بأي نفع كان، (فَلْيَفْعَلْ)))؛ أي: فلينفعه.
والحديث من أفراد المصنّف نَّتُهُ، وقد تقدم بيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قريباً.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية جرير عن الأعمش هذه ساقها أبو يعلى تَخَُّ في ((مسنده))،
لكن بلفظ: ((كان رجل من الأنصار))، ولم يقل: ((كان لي خال))، فقال:
(١) ((المفهم)) ٥٨٠/٥ - ٥٨١.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
(١٩١٤) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي
سفيان، عن جابر، قال: كان رجل من الأنصار يَرْقي من العقرب، فنهى
رسول الله بَّر عن الرُّقَى، قال: فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرُّقَى،
وإني كنت أرقي من العقرب، فقال رسول الله وثلاثون: ((من استطاع منكم أن ينفع
أخاه، فليفعل)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧١٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ(٢)،
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ أَلُ
عَمْرِو بْنِ حَزْمِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ
نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا
أَرَى بَأْساً، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَلُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الباب، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ .
(٧) - (بَابٌ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٠] (٢٢٠٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ
الأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي
ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ((اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْك))).
(١) ((مسند أبي يعلى)) ٤٢٤/٣.
(٢) وفي نسخة: ((عن الأعمش)).