Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨١)
بنفسه إلى مفعولين، ومن كلامهم: ((وَهَبَنِي الله فداك))؛ أي: جعلني، لكن لم
يُسْمَع في كلام فصيح، وزيد مَوْهُوبٌ له، والمال مَوْهُوبٌ، واتّهَبْتُ الهِبةَ:
قبلتها، واسْتَوهَبْتُها: سألتها، وتَواهَبُوا: وهب بعضُهم لبعض، قاله
الفيّومِيّ ◌َّهُ(١).
لها أن تھبه ثمن الجارية دليلٌ
وقال القرطبيّ تَخُّْ: وسؤال الزبير ظ﴾
على أن الزوج ليس له أن يتحكم عليها في مالها بأخذ، ولا غيره؛ إذ لا ملك
له في ذلك، إنَّما له فيه حقّ التجمُّل، وكفاية بعض المؤن، ولذلك منعناها من
إخراج كل مالها، أو جلَّه، كما تقدَّم في النكاح. انتهى (٢).
(قَالَتْ) أسماء ◌ِؤُهَا (إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا)؛ أي: بتلك الدراهم، قال
القرطبيّ كَّثُ: وَهِبَتُها لثَمن الجارية من غير إذن الزبير دليلٌ على جواز هبة
المرأة بعض مالها بغير إذن الزوج، لكن إن أجازه الزوج جاز، وإن مَنَعَه، فإن
كان الثلث فَدُوْن لم يكن له المنع، وإن كان أكثر كان له منع الزائد على الثلث
على ما تقدَّم؛ هذا إذا وَهَبَتْه لأجنبي؛ فإنْ وهبته لزوجها، فلا يفرَّق بين ثلث
ولا غيره؛ لأنَّها إذا طابت نفسها بذلك جاز، ولأن الفرق بين الثلث وغيره إنما
كان لحقّ الزوج؛ لئلا تُفَوِّت عليه ما له فيه من حقّ التجمُّل، ولئلا يمنعها أيضاً
من إعطاء ما طابت به نفسها، فينفذ عطاؤها في الثلث، ويردّ فيما زاد عليه،
وقيل: يردُّ في الجميع، وهو المشهور. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: التقييد بالثلث مما لا دليل عليه، بل الأدلّة
الكثيرة تدلّ على الجواز مطلقاً، ومنها حديث قصّة أسماء هذا، وحديث ابن
·((أن رسول الله وَ ﴿ خرج، ومعه بلال، فظنّ أنه لم يُسمع،
عباس
فوعظهنّ، وأمرهنّ بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي القُرْط والخاتم، وبلال يأخذ
في طرف ثوبه)) متّفقٌ عليه، فلم يستفصلهنّ النبيّ و ◌َ﴿ هل هو ثلث مالهنّ أم لا؟
فدلّ على التقييد بالثلث غير معتبر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) (المصباح المنير)) ٦٧٤/٢.
(٣) ((المفهم)) ٥٢٢/٥.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٢/٥.

٦٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
(١٥) - (بَابُ تَحْرِيم مُنَاجَاةِ الإِثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨٢] (٢١٨٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ
دُونَ وَاحِدٍ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُهُ، وهو (٤٤٠) من رباعيّات الكتاب، وأنه
أصحّ أسانيد ابن عمر ◌ِّ، على ما نُقل عن البخاريّ تَخْلُهُ، قال: أصحّ
الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر ◌ًا، روى الخطيب بسنده عن يحيى بن
بُكير أنه قال لأبي زُرعة الرازيّ: يا أبا زرعة ليس ذا زَعْزَعة عن زَوْبَعة، إنما
ترفع الستر، فتنظر إلى النبيّ وَّر، والصحابة: حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن
(١)
عمر رضيًا (١).
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌ِّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَالَ: ((إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ) ((كان)) تامّة،
بمعنى وُجِدَ، ولذا اكتفت بمرفوعها، كما قال الحريريّ ◌َّثُ في ((ملحة
الإعراب»:
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْم قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وقال في ((الخلاصة)):
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
(فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانٍ) وكذا هو عند البخاريّ في رواية الأكثرين: ((يتناجى))
(١) راجع: ((تدريب الراوي)) ٧٨/١.

٦٨٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ مُتَاجَاةِ الإِثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ - حديث رقم (٥٦٨٢)
بألف مقصورة ثابتة في الخطّ صورة ياء، وتسقط في اللفظ؛ لالتقاء الساكنين،
وهو بلفظ الخبر، ومعناه النهي، وفي بعض النسخ: ((يَتَناجَ)) بجيم فقط، بلفظ
النهي، وبمعناه(١).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((فلا يتناجى اثنان)) الرواية المشهورة فيه:
(يتناجى)) بألف مقصورة ثابتة في الخط، غير أنَّها تسقط في اللفظ؛ لالتقاء
الساكنين، فهو خبر عن المشروعية، ويتضمن النهي عن ذلك، وقد وقع في
بعض النسخ: ((فلا يتناج)) بغير ألف، على النهي، وهي واضحة. انتهى (٢).
والتناجي: تفاعلٌ من المناجاة، وهي الْمُسَارّة، والتحادُثُ سرّاً، وانتجى
القومُ، وتناجوا؛ أي: سَارَّ بعضهم بعضاً.
وزاد أيوب، عن نافع في رواية للبخاريّ: ((فإن ذلك يحزنه))، وهي عند
مسلم في حديث ابن مسعود رَّه الآتي في الباب، ولفظه: ((إذا كنتم ثلاثةً فلا
يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه))، وفي رواية:
((إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه))، قال أهل
اللغة: يقال: حَزَنه، وأحزنه، وقُرىء بهما في السبع.
(دُونَ وَاحِدٍ) وفي حديث ابن مسعود: ((دون الآخر))، وفي لفظ: ((دون
صاحبهما)).
وقال القرطبيّ كَّلُ: وقد زاد في الرواية الأخرى زيادة حسنة، فقال:
((حتى يختلطوا بالناس))، فبيَّن غاية المنع، وهو أن يجد الثالث من يتحدث
معه، كما فعل ابن عمر ﴿ه، وذلك أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد
أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعاً، فقال له وللأول: تأخّرا، وناجى الرجل
الطالب للمناجاة، وقد نبّه في هذه الزيادة على التعليل بقوله: «فإنَّ ذلك
يحزنه))؛ أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك بأن يقدِّر في نفسه أن
الحديث عنه بما يَكْرَه، أو أنَّهم لم يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم إلى غير ذلك
من أُلقيات الشيطان، وأحاديث النفس، وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا
(١) راجع: ((الفتح)) ١٤/ ٢٥٥، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٨٨).
(٢) ((المفهم)) ٥٢٤/٥.

٦٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
كان معه غيره أَمِن ذلك، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى
أربعة دون واحد، ولا عشرة، ولا ألفٌ مثلاً؛ لوجود ذلك المعنى في حقه، بل
وجوده في العدد الكثير أمكن، وأوقع، فيكون بالمنع أولى، وإنما خصَّ الثلاثة
بالذِّكر؛ لأنه أول عدد يتأتى فيه ذلك المعنى.
وظاهر هذا الحديث يعمّ جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر،
ومالك، والجمهور.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام؛ لأنَّ ذلك كان
حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط
ذلك، وقال بعضهم: ذلك خاصٌّ بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمَن الرجل
فيها صاحبه، فأمَّا في الحضر، وبين العمارة فلا .
قال القرطبيّ: وكل ذلك تحكّم، وتخصيصٌ لا دليل عليه، والصحيح ما
صار إليه الجمهور، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. انتهى (١).
وقال النوويّ كَّتُهُ: وفي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة
ثالث، وكذا ثلاثة، وأكثر بحضرة واحد، وهو نهي تحريم، فيحرم على
الجماعة المناجاة دون واحد منهم، إلا أن يأذن.
ومذهب ابن عمر ظها، ومالك، وأصحابنا، وجماهير العلماء، أن النهي
عام في كل الأزمان، وفي الحضر، والسفر.
وقال بعض العلماء: إنما المنهيّ عنه المناجاة في السفر دون الحضر؛
لأن السفر مَظِنّة الخوف، وادَّعَى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ، وكان هذا
في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام، وأَمِن الناسُ سقط النهيُ، وكان المنافقون
يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين؛ ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة، فتناجى اثنان
دون اثنين، فلا بأس بالإجماع. انتهى، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ًّا هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((المفهم)) ٥٢٤/٥ _ ٥٢٥.

٦٨٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ مُنَاجَاةِ الإِثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ - حديث رقم (٥٦٨٣)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٨٢/١٥ و٥٦٨٣] (٢١٨٣)، و(البخاريّ) في
((الاستئذان)) (٦٢٨٨) وفي ((الأدب المفرد)) (١١٦٨)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٤٨٥٢)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٧٦)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢/
٩٨٨)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٦٤٥ و٦٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٥٨١/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٥/٢ و١٢١ و١٢٣ و١٢٦ و١٤١ و١٤٦)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٦٧/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٠ و٥٨١
و٥٨٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٥٢/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩/
٤٧٤)، و(ابن الجعد) في («مسنده)) (١٨٣/١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٩٨/٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٢/٣) و((شعب الإيمان)) (٥١١/٧)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٣٥٠٨ و٣٥١٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ،
وَابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْبَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ
(ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو
كَامِلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَّنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ بْنَ مُوسَى، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَ﴿ِ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ).
رجال هذه الأسانيد: واحد وعشرون:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قدامة السرخسيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى الأمويّ
المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الحيض)) ١١/ ٧٥٠.
والباقون تقدّموا في الأبواب الأربعة الماضية.

٦٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ)؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة: محمد بن بشر،
وعبد الله بن نمير، ويحيى القطّان رووا عن عبيد الله بن عمر الْعُمريّ ... إلخ.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِع ... إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة، وهم:
عبيد الله بن عمر، والليث بن سعدً، وأيوب السختيانيّ، وأيوب بن موسى رووا
هذا الحديث عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ لَّهَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ؛ أي:
لا بلفظه .
[تنبيه]: هذه الأسانيد مختلفة، فسند عبيد الله بن عمر من خماسيّات
المصنّف، وكذا سند أيوب السختيانيّ، وأما سند الليث بن سعد، فمن
رباعيّاته، وهو (٤٤١) من رباعيّات الكتاب، وأما سند أيوب بن موسى، فمن
سُداسيّته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية عبيد الله بن عُمر عن نافع ساقها أحمد تَّتُ في
((مسنده))، فقال:
(٦٢٧٠) - حدّثنا ابنُ نُمير، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن
رسول الله ( 8 قال: ((إذا كانوا ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان، دون واحد)).
(١)
انتھی
وساقها ابن عبد البرّ نَّثُ في ((التمهيد)) بسند المصنّف، فقال:
حدّثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدّثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدّثنا محمد بن وضاح، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال:
حدّثنا ابن نمير، ومحمد بن بشر، قالا: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إذا كان ثلاثةٌ، فلا يتناجى اثنان دون
(٢)
الآخر)). انتهى (٢).
ورواية الليث عن نافع ساقها ابن عبد البرّ ◌َُّ في ((التمهيد))، فقال:
وحدّثنا أحمد بن قاسم، قال: حدّثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا
جعفر بن محمد العريانيّ، قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا حماد بن
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٤١/٢.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٨٩/١٥.

٦٨٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ مُنَاجَاةِ الإِثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ - حديث رقم (٥٦٨٤)
زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وسلم قال: ((إذا كان
ثلاثةَ نفرٍ، فلا يتناجى اثنان دون الثالث)). انتهى(١).
ورواية أيوب السختيانيّ، عن نافع ساقها البيهقيّ كَُّ في ((الكبرى))،
فقال :
(٥٦٨٨) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر، حدّثني
الحسن بن سفيان، ثنا أبو كامل، قال: وأخبرني أبو عمرو، أنبأ أبو يعلى، ثنا
أبو الربيع، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال:
قال رسول الله وَله: ((إذا كانوا ثلاثةً فلا يتناجى اثنان، دون الثالث، ولا يقيم
الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه)). انتهى(٢).
وأما رواية أيوب بن موسى عن نافع، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨٤] (٢١٨٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا
بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ))).
رجال هذه الأسانيد: عشرة:
١ - (هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٢ - (أَبُو الأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
فاضلٌ [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٨٩/١٥.
(٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٣٢/٣.

٦٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد أبي شيبة بن إبراهيم بن
عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً
(خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ [٦]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص٢٩٦.
٦ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] (ت
٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌َّه تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير زهير،
فبغداديّ، وإسحاق فنيسابوريّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، على قول من
جعل منصوراً تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود عظُبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا كُنْتُمْ
ثَلَاثَةً) بالنصب على أنه خبر ((كان))، (فَلَا يَتَنَاجَى) هكذا الرواية عند مسلم بألف
بعد الجيم، فعلى هذا فـ(لا)) نافية، والفعل مرفوع، والنفي بمعنى النهي، ووقع
في رواية للبخاريّ من رواية الكشميهنيّ: ((فلا يتناج)) بجيم ليس بعدها ألف،
وعليه فـ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم بها .
قال أبو عمر كَّلُهُ: التناجي التسارّ، وذلك مكالمة الرجل أخاه عند أُذُنه
بما يُسِرّه من غيره، والنهي إنما ورد كما ترى إذا كانوا ثلاثةً، وأما إذا كانوا
أربعة فما فوقهم فلا بأس به. انتهى(١).
(اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ) وفي الرواية التالية: ((دون صاحبهما))، وفي رواية ابن
عمر السابقة: ((دون واحد))، وذلك لأن الواحد إذا بقي فرداً، وتناجى اثنان
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٨٧/١٥.

٦٨٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ مُنَاجَاةِ الإِثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ - حديث رقم (٥٦٨٤)
حَزِن لذلك إذا لم يُسَارّاه فيها، ولأنه قد يقع في نفسه أن سرّهما في مضرّته(١).
(حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ)؛ أي: يختلط الثلاثة بغيرهم، والغير أعم من أن
يكون واحداً أو أكثر، ويؤخذ منه أنهم إذا كانوا أربعةً لم يمتنع تناجي اثنين؛
لإمكان أن يتناجى الاثنان الآخران، وقد ورد ذلك صريحاً فيما أخرجه
البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، وصححه ابن حبان، من طريق أبي
صالح، عن ابن عمر ﴿يا، رفعه: «قلت: فإن كانوا أربعةً؟ قال: لا يضرُّه))،
وفي رواية مالك، عن عبد الله بن دينار: ((كان ابن عمر إذا أراد أن يُسَارِرَ
رجلاً، وكانوا ثلاثةً دعا رابعاً، ثم قال للاثنين: استريحا شيئاً، فإني
سمعت ... ))، فذكر الحديث، وفي رواية سفيان في ((جامعه)) عن عبد الله بن
دينار نحوه، ولفظه: ((فكان ابن عمر إذا أراد أن يناجي رجلاً دعا آخر، ثم
ناجى الذي أراد)»، وله من طريق نافع: ((إذا أراد أن يناجي، وهم ثلاثةٌ دعا
رابعاً))، ويؤخذ من قوله: ((حتى تختلطوا بالناس)) أن الزائد على الثلاثة؛ يعني:
سواء جاء اتفاقاً، أم عن طلب، كما فعل ابن عمر ﴿يا، قاله في ((الفتح)).
(مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ))) وفي رواية للبخاريّ: ((أجل أن ذلك يحزنه)) بحذف
((مِنْ))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أجلِ أن ذلك يحزنه))؛ أي: من أجل، وكذا
هو في ((الأدب المفرد)) بالإسناد الذي في ((الصحيح)) بزيادة ((مِنْ))، قال
الخطابيّ (٢): قد نطقوا بهذا اللفظ بإسقاط ((مِنْ))، وذكر لذلك شاهداً، ويجوز
كسر همزة ((إنّ ذلك))، والمشهور فتحها، قال: وإنما قال: ((يحزنه)) لأنه قد
يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه، أو لدسيسة غائلة له.
وقوله: (يُحْزِنَهُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من أحزنه کأخرجه، أو بفتح
أوله، وضمّ ثالثه، من الْحَزْن، قال المجد تَُّهُ: وحَزنه الأمرُ حُزْناً بالضمّ،
وأحزنه، أو أحزنه جعله حزيناً، وحَزَنه جعل فيه حُزناً. انتهى، وقال
الفيّوميّ تَظُّْهُ: حَزِنَ حَزَناً، من باب تَعِبَ، والاسم: الحُزْنُ، بالضمّ، فهو
حَزِين، ويتعدى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنَنِي الأمرُ يَحْزُنُنِي، من باب
قَتَلَ، قاله ثعلب، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف، ومَثَّلَ الأزهريّ باسم
(١) ((عمدة القاري)) ٢٦٩/٢٢.
(٢) راجع: ((الأعلام)) ٢٢٣٥/٣.

٦٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الفاعل، والمفعول، في اللغتين على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال الماضي
من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يُستعمل المضارع من الثلاثيّ،
فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى(١).
قال الحافظ: ويؤخذ من التعليل استثناء صورة مما تقدم عن ابن عمر،
من إطلاق الجواز إذا كانوا أربعةً، وهي مما لو كان بين الواحد الباقي، وبين
الاثنين مقاطعة بسبب يُعذران به، أو أحدهما، فإنه يصير في معنى المنفرد،
وأرشد هذا التعليل إلى أن المناجي إذا كان ممن إذا خَصَّ أحداً بمناجاته أحزن
الباقين امتنعَ ذلك، إلا أن يكون في أمر مهمّ لا يقدح في الدين، وقد نقل ابن
بطال(٢)، عن أشهب، عن مالك قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد، ولا عشرة؛
لأنه قد نُهي أن يترك واحداً، قال: وهذا مستنبط من حديث الباب؛ لأن
المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين للواحد، قال: وهذا من حسن
الأدب؛ لئلا يتباغضوا، ويتقاطعوا .
وقال المازريّ(٣)، ومن تبعه: لا فرق في المعنى بين الاثنين، والجماعة؛
لوجود المعنى في حقّ الواحد، زاد القرطبيّ (٤): بل وجوده في العدد الكثير
أمكن، وأشدّ، فليكن المنع أولى، وإنما خصّ الثلاثة بالذُكر؛ لأنه أول عدد
يُتَصَوَّر فيه ذلك المعنى، فمهما وُجد المعنى فيه أُلحق به في الحكم، قال ابن
بطال(٥): وكلما كثر الجماعة مع الذي لا يناجَى كان أبعد لحصول الحزن،
ووجود التهمة، فيكون أولى.
واختُلِف فيما إذا انفرد جماعة بالتناجي دون جماعة، قال ابن التين:
وحديث عائشة ظنّا في قصة فاطمة دالّ على الجواز(٦)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ١٣٤/١.
(٢) راجع: ((شرح البخاريّ) لابن بطال ٦٤/٩.
(٣) راجع: ((المعلم)) ٩٠/٣.
(٥) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٦٤/٩.
(٤) راجع: ((المفهم)) ٥٢٥/٥.
(٦) ((الفتح)) ١٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٩٠).

٦٩١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيم مُتَاجَاةِ الإِثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ - حديث رقم (٥٦٨٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضيته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٨٤/١٥ و٥٦٨٥ و٥٦٨٦] (٢١٨٤)،
و(البخاريّ) في ((الاستئذان)) (٦٢٩٠) وفي ((الأدب المفرد)) (١١٦٩ و١١٧١)،
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٥١)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨٢٥)، و(ابن
ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٧٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٨١/٨)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٥/١ و٤٢٥
و٤٣١ و٤٦٠ و٤٦٢ و٤٦٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٢/٢)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٥٨٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٥/٩)، و(ابن الجعد) في
((مسنده)) (٣٠٩/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تناجي الاثنين إذا كان معهما ثالث، إلا إذا
كانوا أكثر من ثلاثة؛ لانتفاء العلة التي نُصّ عليها، وهي أنه يحزنه انفراده،
وإيهام أنه ممن لا يؤهل للسرّ، أو يوهمه أن الخوض من أجله.
٢ - (ومنها): أنه دلّت العلة على أنهم إذا كانوا أربعةً فلا نهي عن انفراد
اثنين بالمناجاة؛ لفقد العلة.
٣ - (ومنها): أن ظاهره عامّ لجميع الأحوال، في سفر، أو حضر، وإليه
ذهب ابن عمر، ومالك، وجماهير العلماء، واذَّعَى بعضهم نَسْخه، ولا دليل
عليه .
وأما الآيات في ((سورة المجادلة)) فهي في نهي اليهود عن التناجي، كما
أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿أَلَمَ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ التَّجْوَى﴾ الآية [المجادلة: ٨] قال: اليهود، وأخرج ابن أبي حاتم عن
مقاتل بن حَيَّن، قال: كان بين اليهود وبين النبيّ وَّر موادعة، فكانوا إذا مرّ
بهم رجل من أصحاب رسول الله يقول جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن

٦٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خَشِيهم، فَتَرَك
طريقه عليهم، فنهاهم النبيّ وَّر عن النجوى، فلم ينتهوا فأنزل الله: ﴿أَمَ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى﴾ الآية (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ
ثُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم تقدّموا قريباً.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[٥٦٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قريباً، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر
الْعَدنيّ، نزيل مكة. و((سفيان)) هو: ابن عيينة.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ)؛ أي: عيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة.
[تنبيه]: أما رواية عيسى بن يونس، فقد ساقها أبو داود في ((سننه))،
فقال :
(٤٨٥١) - وحدّثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، عن شقيق،
عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: ((لا ينتجي اثنان دون الثالث، فإن ذلك
يحزنه))(٢)
(١) ((سبل السلام شرح بلوغ المرام)) للصنعانيّ تخلّثُ ١٥٢/٤.
(٢) ((سنن أبي داود)) ٢٦٣/٤.

٦٩٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ مُنَاجَاةِ الإِثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ - حديث رقم (٥٦٨٦)
وأما رواية سفيان بن عيينة، فقد ساقها الحميديّ في ((مسنده))، فقال:
(١٠٩) - ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن
مسعود، يبلغ به النبيّ وَلو قال: ((لا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك
يحزنه))(١). والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) ((مسند الحميديّ)) ٦١/١.

٦٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
٤٠ - (كِتَابُ الطَّبِّ، والْمَرْضَى، وَالزُّقَى)
قال الجامع عفا الله عنه: أما ((الطبّ))، فهو بكسر الطاء، وحُكي تثليثها،
وهو العلاج الذي يُداوى به الجسم، ونحوه.
قال المجد نَّتُهُ: ((الطبّ)): مثلثة الطاء: علاج الجسم، والنفس، يطُبّ،
ويَطِب - من بابي نصر، وضرب - والرفق، والسحر، وبالكسر: الشهوة،
والإرادة، والشأن، والعادة، وبالفتح: الماهر الحاذق بعمله؛ كالطبيب، والبعيرُ
يتعاهد موضع خُفّه، والفحل الحاذق بالضِّراب، وتغطية الْخُرَزِ بالطِّبَابة(١)؛
كالتطبيب، وبالضم: اسم موضع. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)): ((الطبّ)): علم يُعرَف به أحوال بدن الإنسان، من
جهة ما يصحّ، ويزول عنه الصحة؛ لتُحفَظ الصحة حاصِلُهُ، وتُسْتَرد زائلُه،
والطب على قسمين: أحدهما: العلم، والثاني: العمل.
والعلم هو معرفة حقيقة الغرض المقصود، وهو موضوع في الفكر الذي
يكون به التدبير، والعمل هو خروج ذلك الموضوع في الفكر إلى المباشرة
بالحسّ، والعمل باليد.
والعلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: العلم بالأمور الطبيعية، والثاني:
العلم بالأمور التي ليست بطبيعية، والثالث: العلم بالأمور الخارجة عن الأمر
الطبيعي.
والمرض: هو خروج الجسم عن المجرى الطبيعيّ، والمداواة ردّه إليه،
وحفظ الصحة بقاؤه عليه.
(١) الطّبابة بالكسر: السَّيْرُ يكون في أسفل القِرْبة.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٣٩.

٦٩٥
٤٠ - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وذكر ابن السِّيد في ((مثله)): أن الطبّ مثلث الطاء اسم الفعل، وأما
الطب بفتح الطاء فهو الرجل العالم بالأمور، وكذلك الطبيب، وامرأة طبّة،
والطب بالكسر: السحر، والطّب: الداء، منَ الأضداد، والطّب: الشهوة، هذه
كلها مكسورة.
وفي ((المنتهى)) لأبي المعالي: والطب: الْحِذْق بالشيء، والرفق، وكلّ
حاذق عند العرب طبيب، وإنما خصوا به المعالج دون غيره من العلماء
تخصيصاً وتشريفاً، وجَمْع القلة: أَطِبّة، والكثرة: أطباء، والطب: طرائق ترى
في شعاع الشمس إذا طلعت، وأما الطب الذي كان النبيّ وَّه يشير إليه ينقسم
إلى ما عرفه من طريق الوحي، وإلى ما عرفه من عادات العرب، وإلى ما يراد
به التبرك؛ كالاستشفاء بالقرآن. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((الطبّ)): بكسر المهملة، وحكى ابن السيد تثليثها،
والطبيب هو الحاذق بالطبّ، ويقال له أيضاً: طَبّ بالفتح، والكسر،
ومستطبّ، وامرأة طَبّ بالفتح، يقال: استطب: تعانى الطبّ، واستطبّ:
استوصفه. ونقل أهل اللغة أن الطب بالكسر يقال بالاشتراك للمداوي،
وللتداوي، وللداء أيضاً، فهو من الأضداد، ويقال أيضاً للرفق، والسحر،
ويقال: للشهوة، ولطرائق تُرى في شعاع الشمس، وللحِذْق بالشيء، والطبيب:
الحاذق في كل شيء، وخُصّ به المعالج عرفاً، والجمع في القلة: أَطِبّة، وفي
الكثرة: أَطِّاء.
والطب نوعان: طب جسد، وهو المراد هنا، وطب قلب، ومعالجته
خاصّة بما جاء به الرسول وَله عن ربه ◌ُعَلَ، وأما طب الجسد فمنه ما جاء في
المنقول عنه ﴾، ومنه ما جاء عن غيره، وغالبه راجع إلى التجربة، ثم هو
نوعان: نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل
ما يَدفع الجوع، والعطش، ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر؛ كدَفْع ما يحدُث في
البَدَن، مما يُخرجه عن الاعتدال، وهو إما إلى حرارة، أو برودة، وكل منهما
إما إلى رطوبة، أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم الواحد
(١) ((عمدة القاري)) ٢٢٩/٢١.

٦٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
منهما بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن، وقد يقع من داخله، وهو
أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقق السبب، والعلامة، فالطبيب الحاذق هو
الذي يسعى في تفريق ما يضرّ بالبدن جَمْعه، أو عكسه، وفي تنقيص ما يضرّ
بالبدن زيادته، أو عكسه، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة،
والاحتماء عن المؤذي، واستفراغ المادة الفاسدة، وقد أُشيرَ إلى الثلاثة في
القرآن :
فالأول: من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَرِضَا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
خَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وذلك أن السفر مظنة النصَب، وهو من مغيِّرات الصحة، فإذا
وقع فيه الصيام ازداد، فأبيح الفطر إبقاء على الجسد، وكذا القول في المرض.
الثاني: وهو الحمية من قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد.
والثالث: من قوله تعالى: ﴿أَوْ بِ أَذَى مِن رَّأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
فإنه أُشيرَ بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي مُنع منه المُحْرم؛ لاستفراغ الأذى
الحاصل من البخار المحتقن في الرأس. وأخرَج مالك في ((الموطأ)) عن زيد بن
أسلم مرسلاً: أن النبيّ وَّله قال لرجلين: ((أيكما أطبّ؟)) قالا: يا رسول الله:
وفي الطب خير؟ قال: ((أنزل الداء الذي أنزل الدواء)). انتهى(١).
وأما ((المرضَى)): فهو بالفتح، والقصر: جمع مريض، قال المجد تَدَتْهُ:
المرض: إظلام الطبيعة، واضطرابها بعد صفائها، واعتدالها، مَرِضَ؛ كفَرِحَ
مَرَضاً، ومَرْضاً، فهو مَرِضٌ، ومَرِيضٌ، ومارضٌ، جَمْعه: مِراضٌ، ومَرْضَى،
ومَرَاضَى، أو المرض بالفتح للقلب خاصّةً، وبالتحريك، أو كلاهما: الشكّ،
والنفاق، والفتور، والظلمة، والنقصان. وأمرضه: جعله مريضاً، وقارب
الإصابة في رأيه، وصار ذا مَرَض، ووجده مريضاً. والتمريض: التوهين،
وحُسْن القيام على المريض، وتذرية الطعام، وريح، وشمس، وأرض مريضة:
ضعيفة الحال. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: مَرِضَ الحيوانُ مَرَضاً، من باب تَعِبَ، والمَرَضُ:
(١) ((الفتح)) ١٠/ ١٣٤.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٨٤٣.

٦٩٧
٤٠ - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
حَالَةٌ خارجة عن الطبع ضَارَّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام، والأورام،
أعراض عن المرض، وقال ابن فارس: المَرَضُ: كلُّ ما خرج به الإنسان عن
حدّ الصحة، من علة، أو نفاق، أو تقصير في أمر، ومَرِضَ مَرْضاً لغة قليلة
الاستعمال، قال الأصمعيّ: قرأت على أبي عمرو بن العلاء: ﴿فِى قُلُوبِهِم
فَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، فقال لي: مَرْضٌ يا غلام؛ أي: بالسكون، والفاعل من
الأُولى مَرِيضٌ، وجَمْعه مَرْضَى، ومن الثانية مَارِضٌ، قال:
لَيْسَ بِمَهْزُولٍ وَلا بِمَارِضٍ
ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: أَمْرَضَهُ الله، ومَرَّضْتُهُ تَمْرِيضاً: تكفلت بمداواته.
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)): المرضى: جمع مريض، والمراد بالمرض هنا: مرض
البدن، وقد يُطلق المرض على مرض القلب، إما للشبهة؛ كقوله تعالى: ﴿فى
قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾، وإما للشهوة؛ كقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:
٣٢]، ووقع ذِكْر مرض البدن في القرآن في الوضوء، والصوم، والحج. انتهى (٢).
وأما ((الرُّقَى)): فهو بضمّ الراء، والقصر: جمع رُقية، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ:
رَقَيْتُهُ أَرْقيه رَقْياً، من باب رَمَى: عوّذته بالله تعالى، والاسم: الرُّقْيَا، على
فُعْلَى، والمرّة: رُقْيَةٌ، والجمع رُقَى، مثلُ مُدْيَةٍ ومُدّى. انتهى(٣).
وقال المرتضى كَُّهُ: ((الرقية)): بالضم: الْعُوذَةُ التي يُرْقَى بها صاحب
الآفة؛ كالْحُمّى، والصَّرْع، وغيرهما، قال عروة [من الطويل]:
فَمَا تَرَكًا مِنْ عُوذَةٍ يَعْرِفَانِهَا وَلَا رُقْيَةٍ إِلَّ بِهَا رَقَيَانِي
جَمْعه: رُقَى، بالضم، فالفتح، ورَقَاه رَقْياً بالفتح، ورُقِيّاً، بالضمّ،
والكسر، مع تشديد الياء، ورُقْية، بالضمّ، فهو رَقّاءٌ؛ ككَتّان: نَفَثَ في عُوذَتِهِ،
فهو رَاقٍ، وذاك مَرْقِيٍّ، وقوله تعالى: ﴿مَنَّ رَقٍ﴾ [القيامة: ٢٧]؛ أي: لا راقي
يرقيه، فيحميه، وقال ابن عباس ها: معناه: من يَرْقَى بروحه، أملائكة
الرحمة، أم ملائكة العذاب؟ انتهى (٤).
(١) ((المصباح المنير)) ٥٦٨/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٣٦/١.
(٢) ((الفتح)) ١٠٤/١٠.
(٤) (تاج العروس)) ص ٨٤٠٩.

٦٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقال المجد تَخُّْهُ: ((الرُّقية)) بالضمّ: الْعُوْذَة، جمعها: رُقَّى، وَرَقاه رَقْياً،
ورُقِيّاً، ورُقْيَةً، فهو رَّاءٌ: نَفَثَ في عُوذته. انتهى(١).
(١) - (بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّنَّهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ،
وَإِذَا اسْتُغْسِلَ الْعَائِنُ اغْتَسَلَ)
[٥٦٨٧] (٢١٨٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ
الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ وَِّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ:
كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: ((بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ
دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر
الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف ((المسند)،
وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م
ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم
المدنيّ، صدوق، كان يحدّث من كتب غيره، فيخطىء، قال النسائيّ: حديثه عن
عبيد الله العُمَريّ منكر [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ، مكثر [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ، له أفراد [٤] (ت ٢٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
(١) ((القاموس المحيط)) ص٥٢٦.

٦٩٩
(١) - بَابُ رُقْبَةِ جِبْرِيلَ النَِّيَّنَّهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٨٧)
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ، مكثر [٣] مات سنة أربع وتسعين، أو أربع
ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ وَلِ) ◌َّا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه
مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فعدنيّ، ثمّ مكيّ، وأن فيه رواية تابعيّ عن
تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة
من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ﴾ ◌ِّا (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى)؛ أي:
مَرِض، والشِّكاية - كما قال الزركشيّ - المرض. (رَسُولُ اللهِ ◌ِّ، وَقَاهُ) تقدّم
أنه من باب ضرب؛ أي: عوّذه بالله تعالى (جِبْرِيلُ)، وفيه لغات: كسر الجيم
والراء، وبعدها ياء ساكنة، والثانية كذلك، إلا أن الجيم مفتوحة، والثالثة: فتح
الجيم والراء، وبهمزة بعدها ياء، يقال: هو اسم مركب من ((جبر))، وهو
العبد، و((إِيل))، وهو الله تعالى، وفيه لغات غير ذلك(١)، وقد تقدّم مستوفّى،
ولله الحمد.
(قَالَ) جبريل فظلّ في رقيته ((بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيك) بضمّ أوله، من الإبراء،
لكن حُذِفت همزته، بقلبها ياءً، يقال: برىء من المرض من بابي نفع، وتَعِب،
وبرُؤَ بُرْءاً، من باب قَرُب لغةٌ.
والظاهر أن الباء هنا زائدة، قال القرطبيّ تَظّتُهُ: الاسم هنا يراد به
المسمى، كما قال الله تعالى: ﴿سَيِّجِ أُسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، ولفظ الاسم
عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها، غير أنه قد
يُتَوَسَّعُ، فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة. انتهى(٢).
(وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ) الداء بالمدّ: المرض؛ أي: من كلّ مرض، قال
الفيّوميّ تَخْذَلُهُ: الدَّاءُ: المرض، وهو مصدر، من دَاءَ الرجلُ، والعضو يَدَاءُ،
(١) ((المصباح المنير)) ٩٠/١.
(٢) ((المفهم)) ٥٦٤/٥.

٧٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
من باب تَعِبَ، والجمع: الأَدْوَاءُ، مثلُ باب وأبواب، وفي لغة: دَوِيَ يَدْوَى
دَوّى، من باب تَعِبَ أيضاً: عَمِيَ، والدَّوَاءُ: ما يُتَدَاوى به ممدود، وتفتح داله،
والجمع أَدْوِيَةٌ، ودَاوَيْتُهُ مُدَاوَاةً، والاسم الدِّوَاءُ بالكسر، من باب قاتل.
(١)
انتھی(١).
وقوله: (يَشْفِيكَ) بفتح أوله، من شفاه، باب ضرب، أو بضمّه، من
أشفاه رباعيّاً، قال المجد كََّثُ: شفاه يَشفيه: بَرَأه، وطلب له الشفاء؛ كأشفاه.
انتهى(٢).
(وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ) خصّه بعد التعميم؛ لخفاء شرّه، (إِذَا حَسَدَ)؛ أي: إذا
أظهر حَسَده، وعَمِل بمقضاه، من بغي غوائل الحسود؛ لأنه إذا لم يُظهر أثر ما
أضمره فلا ضرر منه يعود على المحسود، بل هو الضارّ لنفسه؛ لاغتمامه بسرور
غيره، وقد يراد بشرّ الحاسد إثمه، وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهار أثره،
والحسد: هو الأسف على الخير عند أهل الخير، أو تمني زوال نعمة الغير،
وإنما ختم الشرور في الآية بالحسد؛ ليُعلَم أنه شرّها، وهو أول ذنب عُصِي الله
به في السماء من إبليس، وفي الأرض من قابيل، أفاده في ((العمدة))(٣).
والحسد أن يَرَى الرجل لأخيه نعمة، فيتمنى أن تزول عنه، وتكون له
دونه .
وقوله: (وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ))) من عَظْف الخاصّ على العامّ؛ لأن كل
عائنٍ حاسدٌ، ولا عكسَ، فلما كان الحاسد أعمّ كان تقديم الاستعاذة منه أهمّ،
وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحوَ المحسود والمعيون، تصيبه
تارةً، وتخطئه أخرى، فإن صادفته مكشوفاً، لا وقاية عليه، أَثَّرت فيه، ولا بدّ،
وإن صادفته حَذِراً، شاكي السلاح، لا منفذ فيه للسهام خابت، فهو بمنزلة
الرمي الحسيّ، لكن هذا من النفوس والأرواح، وذلك من الأجسام والأشباح،
ولهذا قال ابن القيم كَّلُ: استعاذ من الحاسد؛ لأن روحه مؤذية للمحسود،
مؤثرة فيه أثراً بيِّناً، لا يُنكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل
(١) ((المصباح المنير)) ٢٠٥/١.
(٢) ((القاموس)) ص٦٩٦.
(٣) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ١١٠/٣.