Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
(١٢) - بَابٌ إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ عَادَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ - حديث رقم (٥٦٧٧)
تلك الصلاة، فإن كان قد قعد فيه غيره، فله أن يُقيمه، وعلى القاعد أن
يفارقه؛ لهذا الحديث، هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وأنه يجب على من قعد
فیه مفارقته إذا رجع الأول.
وقال بعض العلماء: هذا مستحبّ، ولا يجب، وهو مذهب مالك،
والصواب الأول، قال أصحابنا: ولا فرق بين أن يقوم منه، ويترك فيه سجادة
ونحوها، أم لا، فهذا أحقّ به في الحالين، قال أصحابنا: وإنما يكون أحقّ به
في تلك الصلاة وحدها، دون غيرها، والله أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّثُهُ: قوله: ((ثم رجع إليه فهو أحق به)) هذا يدلّ على
صحَّة القول بوجوب ما ذكرناه من اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم
منه؛ لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه؛ فقَبْلَه أحرى وأَولى.
وذهب آخرون: إلى أن ذلك على الندب؛ لأنَّه موضع غير متملَّك لأحد،
لا قبل الجلوس، ولا بعده، وهذا فيه نظر، وهو أن يقال: سلَّمنا أنه غير
متملَّك له، لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته؛ إذ
قد مَنَع غيره من أن یزاحمه علیه.
وحَمَله مالك على النَّدب إذا كانت رجعته قريبة، قال: وإِن بَعُدَ ذلك
حتى يذهب، ويَبْعُد فلا أرى ذلك، وأنه من محاسن الأخلاق، وعلى هذا
فيكون هذا عامّاً في كل المجالس، وقال محمد بن مسلمة: الحديث محمول
على مجلس العلم، هو أولى به إذا قام لحاجة، فإذا قام تاركاً له، فليس هو
بأولی.
وقد اختلف العلماء فيمن ترتَّب من العلماء، والقُرَّاء بموضع من المسجد
للفتيا، وللتدريس، فحكي عن مالك أنه أحق به إذا عُرِف به، والذي عليه
الجمهور أن هذا استحسان، وليس بواجب، ولعلَّه مراد مالك، وكذلك قالوا
فيمن قعد من الباعة في موضع من أفنية الظُرق، وأفضية البلاد غير المتملَّكة
فهو أحق به ما دام جالساً فيه، فإن قام منه، ونيَّته الرجوع إليه من غده؛ فقيل:
هو أحقّ به حتى يتمَّ غرضه، حكاه الماوردي عن مالك؛ قطعاً للتنازع، وقيل:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٦١ - ١٦٢.

٦٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
هو وغيره سواء، والسَّابق إليه بعد ذلك أحقّ به. انتهى (١).
وقال ابن قُدامة كَُّ في ((المغني)): إذا جلس في مكان، ثم بدت له
حاجة، أو احتاج الوضوء، فله الخروج، قال عقبة تظله: صليت وراء النبيّ وَل
بالمدينة العصر، فسلّم، ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى حُجَر بعض
نسائه، فقال: ((ذكرت شيئاً من تِبْر عندنا، فكَرِهت أن يحبسني، فأمرت
بقسمته))، رواه البخاريّ.
فإذا قام من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحقّ به؛ لقول النبيّ ◌َّ: ((من قام
من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحقّ به))، وحكمه في التخطي إلى موضعه حكم
من رأى بين يديه فرجة(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث
من أن من قام من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحقّ به من غيره، فلا يجوز
لأحد أن ينازعه فيه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َّبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٧٧/١٢] (٢١٧٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (١١٣٨)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٥٣)، و(ابن ماجه) في
(الأدب)) (٣٧١٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧٩٢)، و(الشافعيّ) في
((مسنده)) (٦٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٣/٢ و٢٨٣ و٣٨٩ و٤٤٦ و٤٤٧
و٤٨٣ و٥٢٧ و٥٣٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٢/٢)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (١٨٢١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٣٣/٣)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِّبُ﴾.
(١) ((المفهم)) ٥١١/٥ - ٥١٢.
(٢) ((المغني)) ١٠١/٢ - ١٠٢.

٦٤٣
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٨)
(١٣) - (بَابُ مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٨] (٢١٨٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ أَيْضاً - وَاللَّفْظُ
هَذَا - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنَّ أَبِيهِ، عَنْ زَيْئَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ
سَلَمَةَ، أَنَّ مُخَتَّناً كَانَ عِنْدَهَا، وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا
عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ (١) الطَّائِفَ غَداً، فَإِنِّي أَدُلَّكَ عَلَى بِنْتِ
غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، قَالَ: فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((لَا
يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ))).
رجال هذه الأسانيد: أحد عشر:
١ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) هي: بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد
المخزوميّة ربيبة النبيّ وَل، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في ((الحيض)) ٦٨٩/٢.
٢ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة حُذيفة أو سُهيل بن المغيرة بن
عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّة أم المؤمنين، تزوجها النبيّ وَّر بعد أبي
سلمة سنة ثلاث، أو أربع، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، وماتت سنة (١
أو ٦٢) (ع) تقدمت في ((المقدمة)) جـ ٢ ص٤٧٣.
والباقون كلّهم تقدّموا قريباً، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد، و((أبو
معاوية)) هو: محمد بن خازم الضرير، و((ابن نمير)) هو: عبد الله بن نُمير.
[تنبيه]: من لطائف هذه الأسانيد:
أنها من سُداسيّات المصنّف ◌َخَذُهُ، وفيها رواية تابعي عن تابعيّ،
وصحابيّة عن صحابيّة، والابن عن أبيه، والبنت عن أمها، وعبارة ((الفتح)):
(١) وفي نسخة: ((لكم)).

٦٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وفي الإسناد لطيفة: رجل عن أبيه، وهما تابعيان، وامرأة عن أمها، وهما
صحابيتان. انتهى(١).
شرح الحديث :
(عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ) ﴿ه، وفي رواية البخاريّ: ((من
طريق زهير بن معاوية، عن هشام: أن عروة أخبره، أن زينب بنت أم سلمة
أخبرته، أن أم سلمة أخبرتها))، هكذا قال أصحاب هشام بن عروة، وهو
المحفوظ، وخالفهم حماد بن سلمة، عن هشام، فقال: ((عن أبيه، عن عُمَر بن
أبي سلمة))، وقال معمر: ((عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة))، ورواه
معمر أيضاً عن الزهريّ، عن عروة، وأرسله مالك، فلم يذكر فوق عروة أحداً،
أخرجها النسائيّ، ورواية معمر عن الزهري هي التالية لهذا الحديث عند مسلم،
وهي أيضاً عند أبي داود، أفاده في ((الفتح))(٢).
(أَنَّ مُخَتَّاً كَانَ عِنْدَهَا) قال القرطبيّ تَخْذُهُ: التخُّث: هو اللِّين والتكسُّر،
والمخنث: هو الذي يلين في قوله، ويتكسَّر في مشيته، ويتثنى فيها كالنساء،
وقد يكون خِلْقةً، وقد يكون تصنّعاً من الفَسَقة، ومن كان ذلك فيه خلقةً؛
فالغالب من حاله أنَّه لا أَرَب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبيّ وَّ
يعدُّون هذا المخنث من غير أولي الإربة، فكانوا لا يحجبونه إلى أن ظهر منه
ما ظهر فحجبوه. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): ((المخنَّث)) بكسر النون، وبفتحها: من يُشبه خَلْقه
النساء، في حركاته، وكلامه، وغير ذلك، فإن كان من أصل الخلقة لم يكن
عليه لَوْم، وعليه أن يتكلف إزالة ذلك، وإن كان بقصد منه، وتكلّف له فهو
المذموم، ويُطلق عليه اسم مُخَّث سواء فعل الفاحشة، أو لم يفعل.
قال ابن حبيب: المخنث هو المؤنَّث من الرجال، وإن لم تُعرف منه
الفاحشة، مأخوذ من التكسر في المشي وغيره.
(١) (الفتح)) ٩/ ٤٥٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).
(٢) ((الفتح)) ٦٩٠/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٥).
(٣) ((المفهم)) ٥١٢/٥.

٦٤٥
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَتَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٨)
[تنبيه]: قال القرطبيّ تَخْلَثُ: اختُلِف في اسم هذا المخنث، والأشهر: أن
اسمه هِيت ـ بياء ساكنة بعد الهاء باثنتين من تحتها، وآخرها تاء باثنتين من
فوقها -، وقيل: صوابه هنب ـ بنون وباء بواحدة آخراً - والهنب: الرجل
الأحمق، قاله ابن درستويه. وقيل: إن هذا المخنث هو ماتع - باثنتين من
فوقها - مولى أبي فاختة المخزومي. قيل: وكان هو وهيت يدخلان في بيوت
النبيّ ◌َ﴾، فلما وقعت هذه القصّة غرَّبهما النبيّ ◌َ﴿ إلى الحمى. وقيل: إن
مختَثاً كان بالمدينة نفاه النبيّ وَّ إلى حمراء الأسد. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): اسم ذلك المخنّث: هيت - بكسر الهاء، وسكون
التحتانية، بعدها مثناة -، وضَبَطه بعضهم بفتح أوله، وأما ابن درستويه، فضبطه
بنون، ثم موحّدة، وزعم أن الأول تصحيف، قال: والْهِنْب الأحمق(٢).
وفي رواية البخاريّ في ((المغازي)) بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال ابن
عُيينة: وقال ابن جريج: الْمُخَتّث هيت. انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)) في ((اللباس)) ما حاصله: ذكره ابن عيينة عن ابن جريج
بغير إسناد، وذكر ابن حبيب في ((الواضحة)) عن حبيب كاتب مالك، قال: قلت
المالك: إن سفيان بن عيينة زاد في حديث بنت غيلان: أن المخنث هيت،
وليس في كتابك هيت، فقال: صدق، هو كذلك.
وأخرج الْجُوزجانيّ في ((تاريخه)) من طريق الزهريّ عن عليّ بن الحسين بن
عليّ قال: كان مُخَنّث يدخل على أزواج النبيّ وَّز، يقال له: هيت.
وأخرج أبو يعلى، وأبو عوانة، وابن حبان كلهم من طريق يونس، عن
الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: ((أن هِيتاً كان يدخل ... )) الحديث.
وروى المستغفريّ من مرسل محمد بن المنكدر: أن النبيّ وَِّ نَفَى هِيتاً
في كلمتين تكلم بهما، مِنْ أَمْر النساء، قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: إذا
افتتحتم الطائف غداً، فعليك بابنة غيلان، فذكر نحو حدیث الباب، وزاد:
(١) ((المفهم)) ٥١٢/٥.
(٢) ((الفتح)) ٤٥٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).
(٣) (الفتح)) ٩/ ٤٥٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).

٦٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
((اشتدّ غضب الله على قوم رَغِبوا عن خلق الله، وتشبّهوا بالنساء)).
وروى ابن أبي شيبة، والدورقيّ، وأبو يعلى، والبزار، من طريق عامر بن
سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أن اسم المخنث هِيت أيضاً، لكن ذَكَر فيه قصة
أخرى.
وذكر ابن إسحاق في ((المغازي)) أن اسم المخنث في حديث الباب ماتع،
وهو بمثناة، وقيل بِنُون، فروى عن محمد بن إبراهيم التيميّ قال: كان مع
النبيّ وَ ﴿ في غزوة الطائف مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائد، مخنث،
يقال له: ماتع، يدخل على نساء النبيّ وَّ، ويكون في بيته، لا يرى
رسول الله وقلله أنه يفطن لشيء من أمر النساء، مما يفطن له الرجال، ولا أن له
إربة في ذلك، فسمعه يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن افتتحتم الطائف، فلا
تنفلتنّ منك بادية بنت غيلان بن سلمة، فإنها تُقبل بأربع، وتُدْبر بثمان، فقال
رسول الله وَل حين سمع ذلك منه: ((لا أرى هذا الخبيث يفطن لِمَا أسمع))، ثم
قال لنسائه: ((لا تُدْخِلنّ هذا عليكنّ))، فحُجب عن بيت رسول الله وَّه .
وحَكَى أبو موسى المدينيّ في كون ماتع لقب هيت، أو بالعكس، أو
أنهما اثنان خلافاً .
وجزم الواقديّ بالتعدد، فإنه قال: كان هيت مولى عبد الله بن أبي أمية،
وكان ماتع مولى فاختة، وذكر أن النبيّ وَ ◌ّ نفاهما معاً إلى الحمى.
وذكر الباوردي في ((الصحابة)) من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي
بكر بن حفص، أن عائشة قالت لمخنث كان بالمدينة، يقال له: أَنَّة - بفتح
الهمزة، وتشديد النون -: ألا تدلّنا على امرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي
بكر؟ قال: بلى، فوصف امرأة تُقبل بأربع، وتُذْبِر بثمان، فسمعه النبيّ وَّ،
فقال: ((يا أنة اخرج من المدينة إلى حمراء الأسد، وليكن بها منزلك)).
والراجح أن اسم المذكور في حديث الباب هِيت، ولا يمتنع أن يتواردوا
في الوصف المذكور.
وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الْبَيْتِ)؛ أي: في بيت أم سلمة ◌َّا،
والجملة في محلّ نصب على الحال. (فَقَالَ) ذلك المخنّث (لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ)
ووقع في مرسل ابن المنكدر أنه قال ذلك لعبد الرحمن بن أبي بكر، فيُحْمَل

٦٤٧
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٨)
على تعدد القول منه لكل منهما، لأخي عائشة، ولأخي أم سلمة، والعجب أنه
لم يُقَدَّر أن المرأة الموصوفة حصلت لواحد منهما؛ لأن الطائف لم يُفتح
حينئذٍ، وقُتل عبد الله بن أبي أمية في حال الْحِصار، ولمّا أسلم غَيلان بن
سلمة، وأسلمت بنته بادية تزوجها عبد الرحمن بن عوف، فقُدِّر أنها استُحِيضت
عنده، وسألت النبيّ * عن المستحاضة، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في
((كتاب الطهارة))، وتزوج عبد الرحمن بن أبي بكر ليلى بنت الْجُوديّ، وقصته
معها مشهورة، وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقاص أنه خطب امرأة بمكة،
فقال: من يخبرني عنها؟ فقال مخنث، يقال له: هيت: أنا أصفها لك، فهذه
قِصَصٌ وقعت لهيت(١).
(يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ) هو أخو أم سلمة راوية الحديث، وكان إسلامه
مع أبي سفيان بن الحارث، واستُشهد عبد الله هذا بالطائف، أصابه سهم،
فقتله، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال في ((الإصابة)): عبد الله بن أبي أمية، واسمه حذيفة، وقيل: سهيل بن
المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، صِهْر النبيّ ◌َّ، وابن عمته
عاتكة، وأخو أم سلمة، قال البخاريّ: له صحبةٌ، وله ذِكر في ((الصحيحين))،
قال مصعب الزبيريّ: كان عبد الله بن أبي أمية شديداً على المسلمين، وهو الذي
قال للنبيّ وَّهِ: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ اْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]،
وكان شديد العداوة له، ثم هداه الله إلى الإسلام، وهاجر قبل الفتح، فلقي
النبيّ و 18 بطرف(٣) مكة هو وأبو سفيان بن الحارث، وبنحو ذلك ذكر ابن
إسحاق، قال: فالتمسا الدخول عليه، فمنَعَهما، فكلمته أم سلمة، فقالت: يا
رسول الله ابن عمك؛ تعني: أبا سفيان، وابن عمتك؛ تعني: عبد الله، فقال:
((لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فَهَتَك عرضي، وأما ابن عمتي، فقال لي بمكة
ما قال))، ثم أَذِن لهما، فدخلا، وأسلما، وشهدا الفتح، وحنيناً، والطائف.
(١) ((الفتح)) ٦٩٢/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٥).
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٤٥٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).
(٣) هكذا النسخة، ولعله ((بطريق مكة))، فليُحرّر.

٦٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وقال الزبير بن بكار: كان أبو أمية بن المغيرة يُدْعَى زاد الركب، وكان
ابنه عبد الله شديد الخلاف على المسلمين، ثم خرج مهاجراً، فلقي النبيّ وَله
بين السُّقيا والعَرْج هو وأبو سفيان بن الحارث، فأعرض عنهما، فقالت أم
سلمة: لا تجعل ابن عمك، وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال عليّ لأبي
سفيان: انت رسول الله ◌َ﴿ من قِبَل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف
ليوسف، ففعل، فقال: ((لا تثريب عليكم اليوم))، وقَبِل منهما، وأسلما، وشهد
عبد الله الفتح، وحنيناً، واستُشهد بالطائف. انتهى ما في ((الإصابة))
باختصار(١).
(إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ) وفي بعض النُّسِخ: ((لكم))، وفي رواية للبخاريّ:
((أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف)). (الطَّائِفَ) هو بلد كبيرٌ، مشهورٌ، كثير
الأعناب، والنخيل، على ثلاث مراحل، أو اثنتين من مكة، من جهة المشرق،
قيل: أصلها أن جبريل ظلّ* اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم، فسار
بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت(٢)، ثم أنزلها حيث الطائف، فسُمّي
الموضع بها، وكانت أولاً بنواحي صنعاء، واسم الأرض: وَجّ، بتشديد
الجيم، سُميت برَجُل، وهو ابن عبد الجنّ من العمالقة، وهو أول من نزل بها،
وسار النبيّ وَّر إليها بعد منصرفه من حُنين، وحبس الغنائم بالجعرانة، وكان
مالك بن عوف النَّصْريّ قائد هوازن، لمّا انهزم دخل الطائف، وكان له حصنُ
بَلِيَةَ، وهي بكسر اللام، وتخفيف التحتانية، على أميال من الطائف، فمرّ به
النبيّ ◌َّر، وهو سائر إلى الطائف، فأمر بهدمه.
وكانت غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، ذكره موسى بن عقبة، في
((مغازيه))، وهو قول جمهور أهل المغازي، وقيل: بل وصل إليها في أول ذي
(٣)
وقوله: (غَداً) متعلّق بـ(فتح))، (فَإِنِّي أَدُلَّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ) وفي رواية
.
القعدة. انتهى
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١١/٤ - ١٣.
(٢) هذا يحتاج إلى نقل صحيح، ولعله من الإسرائيليات، والله تعالى أعلم.
(٣) ((الفتح)) ٤٤٩/٩ - ٤٥٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٢٤).

٦٤٩
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَتَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٨)
للبخاريّ: ((فعليك بابنة غيلان))، وهو إغراء، معناه: احرص على تحصيلها،
ولزومها .
وفي رواية حماد بن سلمة: ((لو قد فُتحت لكم الطائف، لقد أريتك بادية
بنت غیلان)).
واختُلِف في ضبط ((بادية)) فالأكثر بموحدة، ثم تحتانية، وقيل: بنون بدل
التحتانية، حكاه أبو نعيم، ولبادية ذِكر في المغازي، ذكر ابن إسحاق أن خولة
بنت حكيم قالت للنبيّ وَّر: ((إن فتح الله عليك الطائف أعطني حُليّ بادية بنت
غيلان، وكانت من أحلى نساء ثقيف، وغيلان هو ابن سلمة بن مُعَتِّب ـ بمهملة،
ثم مثناة ثقيلة، ثم موحدة - ابن مالك الثقفيّ، وهو الذي أسلم، وتحته عشر
نسوة، فأمره النبيّ وَ﴿ أن يختار أربعاً، وكان من رؤساء ثقيف، وعاش إلى
أواخر خلافة عمر ها.
(فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعِ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ) قال ابن حبيب عن مالك: معناه: أن
أعكانها ينعطف بعضها على بعض، وهي في بطنها أربع طرائق، وتبلغ أطرافها
إلى خاصرتها في كل جانب أربع، ولإرادة الْعُكّن(١) ذَكَّر الأربع، والثمان، فلو
أراد الأطراف لقال بثمانية.
ووقع في روايات البخاريّ بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال أبو
عبد الله(٢): ((تقبل بأربع))؛ يعني: بأربع عُكَن ببطنها، فهي تقبل بهنّ، وقوله:
((وتدبر بثمان))؛ يعني: أطراف هذه العُكّن الأربع؛ لأنها محيطة بالجنب حين
يتجعد، ثم قال: وإنما قال بثمان، ولم يقل: بثمانية، وواحد الأطراف مذكّر؛
لأنه لم يقل: ثمانية أطراف. انتهى.
قال الحافظ: وحاصله أن لقوله: ثمان بدون الهاء توجيهين: إما لكونه لم
يُصَرِّح بلفظ الأطراف، وإما لأنه أراد العُگن.
وقال النوويّ كَُّ: وإنما ذَكَّر، فقال: ((بثمان))، وكان أصله أن يقول:
(١) قال في ((المصباح)): الْعُكْنة: الطيّ في البطن من السِّمَن، والجمع: عُكّن، مثلُ
غُرْفة وغُرَف، وربما قيل: أعكان. انتهى.
(٢) هو: البخاريّ.

٦٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
بثمانية، فإن المراد الأطراف، وهي مذكَّرة؛ لأنه لم يَذْكُر لفظ المذكَّر، ومتى
لم يذكره جاز حذف الهاء؛ كقوله وَالر: ((من صام رمضان، وأتبعه بست من
شوال))، سبقت المسألة هناك واضحة. انتهى(١).
وقال الحافظ: وتفسير مالك المذكور تبعه فيه الجمهور، قال الخطابيّ: يريد
أن لها في بطنها أربع عُكَن، فإذا أقبلت رؤيت مواضعها بارزةً، متكسراً بعضها
على بعض، وإذا أدبرت كانت أطراف هذه العُكَن الأربع عند منقطع جنبيها ثمانيةً.
وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن، بحيث يكون لبطنها ◌ُكَن، وذلك
لا يكون إلا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالباً في الرغبة فيمن
تكون بتلك الصفة .
وعلى هذا فقوله في حديث سعد: ((إن أقبلت قلت: تمشي بست، وإن
أدبرت قلت: تمشي بأربع))؛ كأنه يعني: يديها، ورجليها، وطرفي ذاك منها
مقبلةً، وَرِدْفَيْهَا مدبرةً، وإنما نقص إذا أدبرت؛ لأن الثديين يحتجبان حينئذٍ(٢).
وذكر ابن الكلبيّ في الصفة المذكورة زيادة بعد قوله: ((وتدبر بثمان)):
((بثغر كالأُقْحُوان، إن قعدت تثنّت، وإن تكلمت تغنّت، وبين رجليها مثل الإناء
المكفوء)»، مع شِعْر آخر.
وزاد المدينيّ من طريق يزيد بن رُومان، عن عروة مرسلاً في هذه القصة:
((أسفلها كثيب، وأعلاها عَسِيب))(٣).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((فإنَّها تُقْبل بأربع، وتُذْبر بثمان)) قال أبو
عبيد: يعني به: العُكَن، وهي أربع تقبل بهنّ، ولها أطراف أربعة من كل جانب
فتصير ثمانية.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٦٣.
(٢) وقال في ((لسان العرب)) ٤١/٢: وفي الحديث أن سعداً خطب امرأة بمكة، فقيل
له: ((إنها تمشي على ست، إذا أقبلت، وعلى أربع إذا أدبرت))؛ يعني: بالست
يديها، وثدييها، ورجليها؛ أي: إنها لعظم ثدييها، ويديها؛ كأنها تمشي مكبة،
والأربع رجلاها، وأليتاها، وإنهما كادتا تمسان الأرض لعظمهما. انتهى.
(٣) ((الفتح)) ٦٩٣/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٥).

٦٥١
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَتَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٨)
قال القرطبيّ: وإنَّما أنّث فقال: ((بثمان))؛ وهو يريد الأطراف، وواحدها
طرف، مذكّر؛ لأنَّ هذا على حدٍّ قولهم: هذا الثوب سبع في ثمان، والثمان
يراد بها الأشبار، ووجه ذلك أنه يعني به: العُكَن، وهي جمع عُكْنة، وهي
الطيّ الذي يكون في جانبي البطن من السِّمن، ويجمع على عُكَن، وأعكان،
وتعگّن البطن: إذا صار ذلك فيه.
يريد المخنَّث: أنَّ هذه المرأة إذا أقبلت كان لها من كل جانب من
جوانب بطنها عُكْنتان، وإذا أدبرت كان لها من خلفها ثمان، وأنّث العدد
التأنيث المعدود، وهو: العُكّن: جَمْع عكنة.
وقد روى هذا الحديث الواقديّ، والكلبيّ، وقالا: إن هيتاً المخنَّث،
وكان مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزوميّ، أخي أم سلمة لأبيها، وأم عبد الله
عاتكةُ عمة رسول الله وَ ﴿ قال له في بيت أم سلمة، ورسول الله وَّر يسمع: إن
افتتحتم الطائف فعليك ببادية ابنة غيلان بن سلمة الثقفيّ؛ فإنها تُقبل بأربع
وتُدبر بثمان، مع ثغرٍ كالأُفْحُوان، إن جلست تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، بين
رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قيس بن الخطيم:
كأنَّما شَفَّ وَجْهَها نَزَفُ
تَغْتَرِقُ الظَّرْفَ وهِيَ لاهِيَةٌ
قَصْدَاً فَلَا عَبْلَةٌ وَلَا نَصَفُ (١)
بَيْنَ شُكُولِ النساء خِلْقَتُها
قامت رُوَيْداً تكاد تنقصف(٢)
تَنَامُ عن كِبْرِ شأنِها فإذا
فقال له النبيّ وَّه: (لقد غلغلت النظر إليها يا عدوَّ الله))، ثم أجلاه عن
المدينة إلى الْحِمَى، قال: فلما فُتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف،
فولدت له في قول الكلبيّ، قال: ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قُبض
النبيّ وَّةِ، فلما وُلِّي أبو بكر ◌َبُهَ كُلِّم فيه، فأبى أن يردّه، فلما وُلِي عمر رَُّه
كُلِّم فيه، فأبى أن يردَّه، ثم كُلِّم فيه بعدُ، وقيل: إنه قد كَبِر وضعُفَ، وضاع،
فَأَذن له يدخل كل جمعة، فيسأل، ويرجع إلى مكانه، قال أبو عمر: يقال:
بادية - بالياء - وبادنة - بالنون - والصواب بالياء، وهو قول أكثرهم.
(١) وفي ((اللسان)) في مادّة ((قضف)): ((قَصْدٌ فلا جَبْلة ولا قضف)).
(٢) وفي ((اللسان)): في مادة ((كبر): ((تنغرف)) بدل ((تنقصف)).

٦٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وقوله: ((تغنّت)) هو من الغنة، لا من الغناء؛ أي: أنها تتغنَّن في كلامها
لِلِيْنها، ورخامة صوتها، يقال: تغنَّن الرجل، وتغنى، مثل: تضنَّن، وتضنَّى.
انتھی(١).
(قَالَ: فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ بِ، فَقَالَ: ((لَا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ))) وفي رواية
البخاريّ: ((لا يدخلنّ هذا عليكم))، وفي رواية الكشميهنيّ: ((عليكن))، قال ابن
عبد البرّ: إنما قال رسول الله وَلجر: ((لا يدخلن عليكم هذا))، ولم يقل:
((عليكنّ؛ لأنه خاطب الرجال أن لا يدخل بيوتهم على نسائهم، فحجبوه، قال:
فهكذا رواية مالك وغيره: ((عليكم))، وقد رُوي: ((لا يدخلن هذا عليكنّ))
مخاطبةً منه لنسائه، والله أعلم. انتهى(٢).
وزاد في آخر رواية الزهريّ عن عروة عن عائشة التالية: ((فقال النبيّ ◌َليقول:
ألا أرى هذا يَعْرِف ما ها هنا، لا يدخلنّ عليكنّ، قالت: فحجبوه))، وزاد أبو
يعلى في روايته، من طريق يونس، عن الزهريّ، في آخره: ((وأخرجه، فكان
بالبيداء يدخل كل يوم جمعة، يستطعم))، وزاد ابن الكلبيّ في حديثه: ((فقال
النبيّ وَله: لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله، ثم أجلاء عن المدينة إلى
الْحِمَى))، ووقع في حديث سعد بن أبي وقّاص: ((أنه خطب امرأة بمكة، فقال
هيت: أنا أنعتها لك، إذا أقبلت قلت: تمشي بستّ، وإذا أدبرت قلت: تمشي
بأربع، وكان يدخل على سودة، فقال النبيّ ◌َّ: ما أراه إلا منكراً، فمنعه،
ولمّا قَدِم المدينة نفاه)).
وفي رواية يزيد بن رُومان المذكورة، فقال النبيّ وَّ: ((ما لك قاتلك الله؟
إن كنتُ لأحسبك من غير أولي الإربة من الرجال))، وسيّره إلى خاخ
- بمعجمتين -.
قال المهلَّب: إنما حجبه عن الدخول إلى النساء لَمّا سمعه يصف المرأة
بهذه الصفة التي تُهَيِّج قلوب الرجال فمنعه، لئلا يَصِف الأزواج للناس، فيسقط
معنى الحجاب. انتهى.
وفي سياق الحديث ما يُشعر بأنه حجبه لذاته أيضاً، لقوله: ((ألا أرى هذا
(١) ((المفهم)) ٥١٣/٥ - ٥١٥.
(٢) ((الاستذكار)) ٢٨٦/٧.

٦٥٣
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٨)
يَعْرِف ما ها هنا»، ولقوله: ((وكانوا يَعُدّونه من غير أولي الإربة))، فلما ذكر
الوصف المذكور دلّ على أنه من أولي الإربة، فنفاه لذلك، قاله في
(الفتح))(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ا هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٧٨/١٣] (٢١٨٠)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٣٢٤) و((اللباس)) (٥٢٣٥ و٥٨٨٢)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٤٩٢٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٥/٥ و٣٩٦)، و(ابن ماجه) في
((النكاح)) (١٩٠٩) و((الحدود)) (٢٦٤٣)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٧٦٧/٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٩/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٤٢/١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/ ٢٩٠ و٣١٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٩٤/١٢)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٦٣/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٦/٩ و٢٣/
٣٤٢ و٣٨٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٣/٨ و٢٢٤) و((شعب الإيمان))
(٤١٣/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة دخول المخنثين من الرجال على النساء، وإن لم
يكونوا منهنّ بمحرم، قال أبو عمر تَّقُ: والمخنث الذي لا بأس بدخوله على
النساء هو المعروف عندنا اليوم بالمؤنَّث، وهو الذي لا أَرَب له في النساء،
ولا يهتدي إلى شيء من أمورهنّ فهذا هو المؤنث المخنث الذي لا بأس
بدخوله على النساء، فأما إذا فهم معاني النساء والرجال، كما فَهِم هذا
المخنث، وهو المذكور في هذا الحديث، لم يَجُز للنساء أن يدخل عليهنّ، ولا
جاز له الدخول عليهن بوجه من الوجوه؛ لأنه حينئذ ليس من الذين قال الله
فيهم: ﴿غَيْرِ أَوْلِ آلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١]، وليس المخنث الذي تُعرف فيه
(١) ((الفتح)) ٦٩٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٥).

٦٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الفاحشة خاصّة، وتُنسب إليه، وإنما المخنث شدة التأنيث في الخلقة، حتى
يشبه المرأة في اللين، والكلام، والنظر، والنغمة، وفي العقل، والفعل، وسواء
كانت فيه عاهة الفاحشة، أم لم تكن، وأصل التخنث: التكسر، واللين، فإذا
كان كما وصفنا لك، ولم يكن له في النساء أرب، وكان ضعيف العقل، لا
يفطن لأمور الناس، أَبْلَه، فحينئذ يكون من غير أولي الإربة الدين أبيح لهم
الدخول على النساء، ألا ترى أن ذلك المخنث لمّا فَهِم من أمور النساء قصة
بنت غيلان، نَهَى رسول الله وَ لَّ حينئذٍ عن دخوله على النساء، ونفاه إلى
الحمى فيما رُوي. انتهى كلام أبي عمر كَذُ(١).
وقال النوويّ دَُّهُ: وأما دخول هذا المخنث أوّلاً على أمهات المؤمنين،
فقد بُيِّن سببه في هذا الحديث بأنهم كانوا يعتقدونه من غير أولي الإربة، وأنه
مباح دخوله عليهنّ، فلمّا سُمع منه هذا الكلام عُلم أنه من أولي الإربة،
فمَنَعه ◌َّ الدخول، ففيه مَنْع المخنث من الدخول على النساء، ومنعهنّ من
الظهور عليه، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء في هذا
المعنى، وكذا حكم الخصيّ، والمجبوب ذَكَرُه، والله أعلم. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): بيان جواز العقوبة بالنفي عن الوطن لمن يُخاف منه
الفساد، والفسق.
٣ - (ومنها): بيان تحريم ذِكر محاسن المرأة المعيَّنة؛ لأنَّ ذلك إِطْلاع
الأسماع على عورتها، وتحريك النفوس إلى ما لا يحل منها، ولذلك قال وعليه :
((لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها))، فأما ذكر محاسن من لا
يُعرف من النساء، فمباحٌ إن لم يدع إلى مفسدةٍ؛ من تهييج النفوس إلى الوقوع
في الحرام، أو في المكروه، قاله القرطبيّ كَّثُمُ(٣).
وقال النوويّ تَخَّتُهُ: قال العلماء: وإخراج هذا المختّث، ونفيه كان لثلاثة
معان :
(١) ((التمهيد لابن عبد البر)) ٢٧٢/٢٢ - ٢٧٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٦٣.
(٣) ((المفهم)) ٥١٥/٥.

٦٥٥
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٨)
أحدها: المعنى المذكور في الحديث أنه كان يُظَنّ أنه من غير أولي
الإربة، وكان منهم، ویتکتم بذلك.
والثاني: وصفُه النساء، ومحاسنهن، وعوراتهنّ بحضرة الرجال، وقد نُهِي
أن تصف المرأة المرأة لزوجها، فكيف إذا وصفها الرجل للرجال.
والثالث: أنه ظهر له منه أنه كان يَطّلع من النساء، وأجسامهنّ،
وعوراتهنّ على ما لا يَطّلع عليه كثير من النساء، فكيف الرجال، لا سيما على
ما جاء في غير مسلم أنه وصفها حتى وصف ما بين رجليها؛ أي: فرجها،
وحَوَاليه، والله أعلم. انتهى(١).
٤ - (ومنها): بيان حجب النساء عمن يَفْطَن لمحاسنهنّ.
٥ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل في إبعاد من يُستراب به في أمر من
الأمور.
٦ - (ومنها): ما قال المهلَّب: وفيه حجة لمن أجاز بيع العين الموصوفة
بدون الرؤية؛ لقيام الصفة مقام الرؤية في هذا الحديث.
وتعقبه ابن الْمُنَيِّر بأن من اقتصر في بيع جارية على ما وقع في الحديث
من الصفة لم يكف في صحة البيع اتفاقاً، فلا دلالة فيه.
قال الحافظ: إنما أراد المهلَّب أنه يستفاد منه أن الوصف يقوم مقام
الرؤية، فإذا استوعب الوصف حتى قام مقام الرؤية المعتبرة أجزأ، هذا مراده،
وانتزاعه من الحدیث ظاهرٌ. انتهى.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على تعزير من يتشبه بالنساء بالإخراج من البيوت،
والنفي إذا تعيّن ذلك طريقاً لردعه، وظاهر الأمر وجوب ذلك، وتشبّه النساء
بالرجال، والرجال بالنساء من قاصدٍ مختارٍ حرامٌ اتفاقاً، وقد لُعِن من فعل
ذلك، فقد أخرج البخاريّ عن ابن عباس ﴿ه قال: ((لَعَن النبيّ ◌َّ المخنثين
من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم)).
وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عنه أن النبيّ وَّ أَتِي بمخنث قد
خَضَب يديه ورجليه، فقيل: يا رسول الله إن هذا يتشبه بالنساء، فنفاه إلى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٦٣ - ١٦٤.

٦٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
النقيع، فقيل: ألا تقتله؟ فقال: ((إني نُهيت عن قتل المصلين)) (١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٩] (٢١٨١) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ
مَعْمٍَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ
النَّبِيِّ وَِّ مُخَنَّثٌ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ ◌َحول
يَوْماً، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضٍ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةَ، قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَع،
وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَلَا أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَا هُنَا، لَا
يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ»، قَالَتْ: فَحَجَبُوهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قريباً .
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌ِّ أنها (قَالَتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاج
النَّبِيِّ وَّرِ مُخَنَّثٌ) تقدّم الخلاف في اسمه، والمشهورِ أنه هِيت. (فَكَانُوا
يَعُدُّونَهُ)؛ أي: الصحابة، أو أزواج النبيّ وَِّ، (مِنْ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ)؛ أي من
غير ذوي الحاجة إلى النساء، قال أبو عمر تَخّْتُهُ: اختَلَف العلماء في معنى
قوله: ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الْرِجَالِ﴾ الآية [النور: ٣١] اختلافاً
متقارب المعنى لمن تدبّر، ذَكَر ابن أبي شيبة قال: حدّثنا سهل بن يوسف، عن
عمرو، عن الحسن: ﴿أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ قال: هم قوم
طُبِعوا على التخنيث، فكان الرجل منهم يتبع الرجل يخلُمه ليطعمه، وينفق
عليه، لا يستطيعون غشيان النساء، ولا يشتهونه، قال: وحدّثنا ابن إدريس، عن
ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿غَيْرِ أُوْلِ آلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ قال: هو الأبله الذي
لا يَعرف أمر النساء، قال: وأخبرنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ قال: هو
الذي لم يبلغ أربه أن يَطَّلع على عورات النساء، وذَكَر محمد بن ثور،
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٩٠/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٥).

٦٥٧
(١٣) - بَابُ مَنْعِ الْمُخَتَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الأَجَانِبِ - حديث رقم (٥٦٧٩)
وعبد الرزاق جميعاً عن معمر، عن قتادة: ﴿أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ﴾ قال:
هو التابع الذي يتبعك، فيصيب من طعامك، غير أولي الإربة، يقول: لا أرب
له، ليس له في النساء حاجة، وعن علقمة قال: هو الأحمق الذي لا يريد
النساء، ولا يُرِدْنه، وعن طاوس، وعكرمة مثله، وعن سعيد بن جبير: هو
الأحمق الضعيف العقل، وعن عكرمة أيضاً هو العِنِّين، ووكيع عن سفيان، عن
ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال: هو الذي يريد الطعام، ولا يريد النساء، ليس
له هَمّ إلا بطنه، وعن الشعبي أيضاً، وعطاء مثله، وعن الضحاك: هو الأبله،
وقال الزهريّ: هو الأحمق الذي لا هِمّة له في النساء، ولا أرب، وقيل: كلُّ
من لا حاجة له في النساء، من الأتباع، نحو الشيخ، والْهَرِم، والمجبوب،
والطفل، والمعتوه، والعَنِّين.
قال أبو عمر: هذه أقاويل متقاربة المعنى، وتجتمع في أنه لا فهم له،
ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء، وبهذه الصفة كان ذلك المخنث عند
رسول الله ◌َ*، فلما سَمِع منه ما سَمِع من وَصْف محاسن النساء أمر
بالاحتجاب منه، وقال: ((لا يدخلنّ هذا عليكم))، فحجبوه. انتهى كلام أبي
عمر خذلهُ(١).
(قَالَ) هكذا النسخ، والظاهر أنه ((قالت))؛ لأنه لعائشة ◌َوًّا، ويمكن أن
يؤوّل بـ(قال الراوي))، وهي عائشة ◌ُّا. (فَدَخَلَ النَّبِيُّ وَ﴾ البيت (يَوْماً)
وقوله: (وَهُوَ عِنْدَ بَعْضٍ نِسَائِهِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن ذلك المخنّث
جالس عند بعض نساء النبيّ وَ ل، وهي أم سلمة ﴿ثنا، كما تقدّم، وقوله: (وَهُوَ
يَنْعَتُ امْرَأَةً) جملة حاليّة أيضاً، فيكون الأحوال المتداخلة، أو المترادفة؛ أي:
والحال أنه يصف امرأة، وهي بادية بنت غيلان، كما تقدّم. (قَالَ) المخنّث في
وصفها: (إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَع)؛ أي: أربع عُكَن، جمع ◌ُكنة، وهي الطيّ
في البطن من السمن، (وَإِذَا أَذَّبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ)؛ أي: ثمان عُكَن، قال
النوويّ كَّلُ: معناه: بأربع عُكَن، وثمان عُكَن؛ أي: إن لها أربع عُكَن تُقْبل
بهنّ من كل ناحية اثنتان، ولكل واحدة طرفان، فإذا أدبرت صارت الأطراف
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٧٤/٢٢.

٦٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
ثمانية. انتهى(١). (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه، (أَرَى)؛ أي:
أظنّ (هَذَا) المخنّثَ (يَعْرِفُ) بالبناء للفاعل، (مَا هَا هُنَا)؛ أي: الذي استقرّ ها
هنا من عورات النساء، ومحاسنهنّ، فلذلك وصف هذه المرأة للرجل بهذا
الوصف الدقيق. (لَا) ناهية، والفعل بعدها مجزوم المحلّ بها، مبنيّ اللفظ؛
الاتّصاله بنون التوكيد، (يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ))) بضمير جماعة النساء، فالخطاب لهنّ،
وتقدّم بلفظ: ((عليكم)) بخطاب الذكور، ولا تنافي؛ لأنه إذا نُهي أحد الجنسين
﴿﴿ عن
دخل الآخر فيه. (قَالَتْ) عائشة ◌َّا (فَحَجَبُوهُ)؛ أي: حجبه الصحابة
أن يدخل على النساء، وزاد يونس في روايته عن الزهريّ عند أبي داود:
((وأخرجه، فكان بالبيداء، يدخل كلّ جمعة، يستطعم)).
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله وَّرَ: ((ألا أرى هذا يَعْرِف ما ها هنا» يدلّ على
أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئاً من أحوال النساء، ولا يخطرن له بالبال،
وسببه أن التخنيث كان فيه خِلْقةً، وطبعاً، ولم يكن يُعرف منه إلا ذلك، ولذلك
كانوا يعدُّونه من غير أولي الإربة؛ أي: ممن لا حاجة له في النساء، وقد
قدَّمنا: أن الأَرَبَ، والإربة: الحاجة، فلما سَمِع النبيّ وَّ وَصْفه لتلك المرأة
عَلِم أن عنده تشوُّفاً للنساء؛ فحُجب لذلك، ثم بولغ في تنكيله، وعقوبته، ونفيه
لِمَا اطَّلَع عليه من محاسن تلك المرأة، وكَشَفَ من سترها، ولم تكن عقوبته
لنفس التخنُّث؛ فإنَّ ذلك كان فيه خِلْقةً، ولم يكن مكتسباً له، ولا يكلف الله
نفساً إلا وسعها .
وأمَّا من تخانث، وتشبَّه بالنساء، فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر؛
لعنه الله عليها ورسوله وَّله، ولا يُقَرُّ عليها، بل يؤدَّب بالضرب الوجيع،
والسجن الطويل، والنفي حتى يَنْزِع عن ذلك، ويكفي دليلاً على ذلك ما خرَّجه
البخاريّ عن ابن عباس رضيًّا قال: ((لعن رسول الله وَّلقول المتشبهين من الرجال
بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، وقال: أخرجوهم من بيوتكم،
وأخرج فلاناً، وفلاناً))؛ غير أنه لا يُقتل لِمَا رواه أبو هريرة ◌َظُه: أن النبيّ وَّل
أُتي برجل قد خَضَب يديه ورجليه بالحنّاء، فقال النبيّ ◌َّ: ((ما بال هذا؟!))،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٦٣.

٦٥٩
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْتَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
فقيل: يا رسول الله يتشبّه بالنساء، فأمر به، فنُفي إلى النقيع، فقيل: يا
رسول الله ◌َ﴾ ألا نقتله؟ قال: ((إني نهيت عن قتل المصلين))(١).
قال أبو أسامة: والنقيع - بالنون - ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع.
(٢)
انتھی
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
قُها هذا من أفراد المصنّف نَّهُ .
(المسألة الأولى): حديث عائشة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٧٩/١٣] (٢١٨١)، و(أبو داود) في ((اللباس))
(٤١٠٧ و٤١١٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٩٥/٥)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٦ / ١٥٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٤) - (بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨٠] (٢١٨٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي
الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَلَا مَمْلُوكٍ، وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ، قَالَتْ:
فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَكْفِيهِ مَثُونَتَهُ، وَأَسُوسُهُ، وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعْلِفُهُ،
وَأَسْتَقِي الْمَاءَ، وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ، وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْپِزُ لِي
جَارَاتٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضٍ
الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخِ، قَالَتْ:
فَجِئْتُ يَوْماً، وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ وََّ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ،
(١) (المفهم)) ٥١٥/٥ - ٥١٦.
(٢) حديث صحيح رواه أبو داود في ((سننه)) رقم (٤٩٢٨).

٦٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: ((إِخْ إِخْ))؛ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، قَالَتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ،
فَقَالَ: وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ
إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمِ، فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي (١)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّلهُ، وأن شيخه أحد التسعة الذين روی
عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ،
والابن عن أبيه، عن أمه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌ِّ أنها (قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي)؛ أي:
بمكة، كما تقدّم ذلك في حديثها في ((الآداب)) [٥٦٠٥/٥] ((أنها حملت
بعبد الله بن الزبير بمكة ... )) الحديث. (الزُّبَيْرُ) بن العوّام بن خُويلد بن أسد بن
عبد العُزّى بن قصيّ بن كلاب، أبو عبد الله القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة
المشهود لهم بالجنّة، قُتل سنة (٣٦) بعد مُنصرفه من وقعة الجمل.
(وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ) ((ما)) نافية، و((من)) زائدة، تعني أنه ليس له
حين تزوّجها مال؛ أي: مال كثير، وإلا فالفَرَس مال. (وَلَا مَمْلُوكٍ)؛ أي:
رقيقٌ، وهو مِنْ عَظْف الخاصّ على العامّ، أو المراد بالمال الإبل، فيكون من
عطف المغاير، وقولها: (وَلَا شَيْءٍ) من عطف العامّ على الخاصّ، (غَيْرَ فَرَسِهِ)
برفع ((غير)) على البدليّة من ((مال))، ونصبه على الاستثناء، والأول أَولى، كما
قال فى ((الخلاصة)) :
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ
مَا اسْتَثْنَتِ ((الَّا)) مَعْ تَمَامِ يَنْتَصِبْ
وَعَنْ تَمِيّمٍ فِيهِ إِنْدَالٌ وَقَعْ
إِنْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَّا انْقَطَعْ
وقال في ((الفتح)): قولها: ((وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا
(١) وفي نسخة: ((أعتقني)).