Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّعَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٩)
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ابتداء الكفّار بالسلام:
ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى تحريم ابتدائهم به، وذهب
طائفة منهم ابن عباس إلى جواز الابتداء لهم بالسلام، وهو وجه لبعض
الشافعية، إلا أنه قال المازريّ: إنه يقال: السلام عليك بالإفراد، ولا يقال:
السلام عليكم.
واحتُجّ لهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]،
وأحاديث الأمر بإفشاء السلام.
والجواب أن هذه العمومات مخصوصة بحديث الباب.
وهذا إذا كان الذميّ منفرداً، وأما إذا كان معه مسلم جاز الابتداء
بالسلام، ينوي به المسلم؛ لأنه قد ثبت أنه وَل وَ سَلَّم على مجلس فيه أخلاط
من المشركين والمسلمين، قاله الصنعانيّ كَّهُ(١).
وقال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ كَّلُ: وأما ابتداء أهل الذمة بالسلام،
فقد اختَلَف فيه السلف ومَنْ بعدهم، فكرهت طائفة أن يُبتدأ أحد منهم
بالسلام؛ لحديث أبي هريرة ﴿به المذكور في الباب، وقال أحمد بن حنبل:
المصير إلى هذا الحديث أَولى مما خالفه. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن
إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهانيّ، وشَرَحبيل بن مسلم، عن أبي
أمامة الباهليّ رُه أنه كان لا يمرّ بمسلم، ولا يهوديّ، ولا نصرانيّ إلا بدأه
بالسلام، ورُوي عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وفَضَالة بن عُبيد أنهم كانوا
يبدأون أهل الذمة بالسلام، وعن ابن مسعود أنه كتب إلى رجل من أهل
الكتاب: السلام عليك، وعنه أيضاً أنه قال: لو قال لي فرعون خيراً لرددت
عليه مثله، وروى الوليد بن مسلم، عن عروة بن رُويم قال: رأيت أبا أمامة
الباهليّ يسلّم على كل من لقي من مسلم، وذميّ، ويقول: هي تحية لأهل
ملتنا، وأمان لأهل ذمتنا، واسم من أسماء الله، نُفْشيه بيننا، وقيل لمحمد بن
كعب القرظيّ: إن عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء أهل الذمة، فقال: نَرُدّ
عليهم، ولا نبدأهم، فقال: أما أنا فلا أرى بأساً أن نبدأهم بالسلام، قيل له:
(١) ((سبل السلام)) ٤/ ٦٧ - ٦٨.

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
لم؟ قال: لقول الله وَّ: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
(٨٩)
[الزخرف: ٨٩]، ومذهب مالك في ذلك كمذهب عمر بن عبد العزيز، وأجاز
ذلك ابن وهب.
قال ابن عبد البرّ: وقد يَحْتَمِل عندي حديث سهيل أن يكون معنى قوله:
((لا تبدؤوهم))؛ أي: ليس عليكم أن تبدؤهم كما تصنعون بالمسلمين، وإذا
حُمِل على هذا ارتفع الاختلاف.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره ابن عبد البرّ ◌َُّ بعيد
عن ظاهر الحديث، فالحقّ أن النهي محمول على التحريم، كما هو مذهب
الجمهور، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
ثم أخرج بسنده عن سهيل بن أبي صالح قال: خرجت مع أبي إلى
الشام، قال: فجعلوا يمرُّون بصوامع فيها نصارى، فيسلِّمون عليهم، فقال أبي:
لا تبدؤوهم بالسلام، فإن أبا هريرة حدّثنا عن رسول الله وَلاير قال: ((لا تبدؤوهم
بالسلام، وإذ لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق)).
ثم أخرج بسنده عن مَرْثَد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الرحمن
الجهنيّ قال: سمعت النبيّ وَّه يقول: ((إني راكب غداً إلى يهود، فلا تبدؤوهم
بالسلام، فإذا سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم)).
قال ابن عبد البرّ: فهذا الوجه المعمول به في السلام على أهل الذمة،
والرد عليهم، ولا أعلم في ذلك خلافاً، والله المستعان.
قال: وقد رَوَى سفيان بن عيينة عن زَمْعَة بن صالح قال: سمعت ابن
طاوس يقول: إذا سلَّم عليك اليهوديّ، أو النصرانيّ فقل: عَلاك السلامُ؛ أي:
ارتفع عنك السلام، قال ابن عبد البرّ: هذا لا وجه له، مع ما ثبت عن
النبيّ ◌َّ، ولو جاز مخالفة الحديث إلى الرأي في مثل هذا لا تسع في ذلك
القول، وكثرت المعاني.
قال: ومثل قول ابن طاوس في هذا الباب قول من قال: يردّ على أهل
الكتاب: عليك السِّلام بكسر السين؛ يعني: الحجارة، وهذا غاية في ضعف
المعنى، ولم يُبَحْ لنا أن نَشتمهم ابتداءً وحسبنا أن نردّ عليهم بمثل ما يقولون
في قول: وعليك، مع امتثال السُّنَّة التي فيها النجاة لمن تبعها، وبالله التوفيق.

٥٤٣
(٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٩)
انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد ابن عبد البرّ كَُّهُ في هذا البحث،
وأفاد، وخلاصته أن الحقّ هو ما ثبت عنه ﴿ ﴿ه، وهو أن لا نبدأ الكفّار
بالسلام، وإن سلّموا علينا، رَدَدْنا عليهم بقولنا: وعليكم، ولا نزيد عليه، وأما
القول: علاك السلام، وكذا عليك السِّلام بالكسر فمخالفة للسنّة الصحيحة
الصريحه، فلا يُلتفت إليه، فإن النجاة كلَّ النجاة في اتباع السنّة، والهلاك في
تركها، قال الله رَبَك: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ
وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّبْ
[الأحزاب: ٢١]، وقال:
٢١]
وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ الآية [النور: ٥٤]،
وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
﴾﴾ [الأحزاب: ٣٦]، اللهم أرنا
أَمْرِهِمٌّ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا مُبِينًا
الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في السلام على من اقترف ذنباً :
قال الإمام البخاريّ رُه في ((صحيحه)): ((باب من لم يُسَلِّم على من
اقتَرَفَ ذنباً، ومن لم يُرَدّ سلامه حتى تتبيّن توبته، وإلى متى تتبيّن توبة
العاصي؟».
قال في ((الفتح)): أما الحُكم الأول فأشار إلى الخلاف فيه، وقد ذهب
الجمهور إلى أنه لا يُسَلَّم على الفاسق، ولا المبتدع، قال النوويّ: فإن اضطَرَّ
إلى السلام، بأن خاف ترتّب مفسدة في دين، أو دنيا إن لم يسلِّم سَلَّمَ، وكذا
قال ابن العربيّ، وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه
قال: الله رقیب علیکم.
وقال المهلَّب: تركُ السلام على أهل المعاصي سُنَّة ماضية، وبه قال کثیر
من أهل العلم في أهل البدع، وخالف في ذلك جماعة.
وقال ابن وهب: يجوز ابتداء السلام على كل أحد، ولو كان كافراً،
واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٩٤/١٧.

٥٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وتُعُقِّب بأن الدليل أعمّ من الدعوى، وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي
من يتعاطى خوارم المروءة، ككثرة المزاح، واللهو، وفُخْش القول، والجلوس
في الأسواق لرؤية من يَمُرّ من النساء، ونحو ذلك.
وحَكَى ابن رُشْد قال: قال مالك: لا يسلّم على أهل الأهواء، قال ابن
دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم، والتبرّي منهم.
وأما الحُكم الثاني فاختُلِف فيه أيضاً، فقيل: يُستبرأ حاله سنةً، وقيل:
ستة أشهر، وقيل: خمسين يوماً، كما في قصة کعب، وقيل: ليس لذلك حدّ
محدود، بل المدار على وجود القرائن الدالة على صدق مُدّعاه في توبته، ولكن
لا يكفي ذلك في ساعة، ولا يوم، ويختلف ذلك باختلاف الجناية، والجاني.
وقد اعتَرَض الداوديّ على من حدَّه بخمسين ليلةً أخذاً من قصة كعب،
فقال: لم يحدّه النبيّ ◌َّ﴿ بخمسين، وإنما أخّر كلامهم إلى أن أَذِن الله فيه؛
يعني: فتكون واقعة حال لا عموم فيها .
وقال النوويّ: وأما المبتدع، ومن اقترف ذنباً عظيماً، ولم يَتُب منه، فلا
يُسَلَّم عليهم، ولا يُرَدّ عليهم السلام، كما قال جماعة من أهل العلم، واحتََّ
البخاريّ لذلك بقصة كعب بن مالك ظه. انتهى.
قال الحافظ: والتقييد بمن لم يتب جيّد، لكن في الاستدلال لذلك بقصة
كعب نظرٌ، فإنه نَدِم على ما صدر منه، وتاب، ولكن أَخِّر الكلام معه حتى
قَبِل الله توبته، وقضيّته أن لا يُكَلَّم حتى تُقبل توبته.
ويمكن الجواب بأن الاطلاع على القبول في قصة كعب كان ممكناً، وأما
بعده فيكفي ظهور علامة الندم، والإقلاع، وأمارة صدق ذلك. انتهى ما في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: التي يترجّح عندي من هذه الأقوال أنه لا يسلّم
على الفاسق، والمبتدع، ولا يردّ سلامهما إلى أن يتوبا، ولا سيّما إذا كان
ذلك يدعوهما إلى التوبة، وليس لذلك حدّ محدود، بل المدار على وجود
القرائن الدالة على صدق توبته، لكن هذا إذا لم يترتب عليه ضرر، أما إذا كانا
(١) ((الفتح)) ١٨٨/١٤ - ١٨٩، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٥).

٥٤٥
(٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٩)
ممن يُخشى بطشه، وحصول الضرر لمن ترك ذلك فيسلّم عليهما؛ للضرورة،
والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في السلام على أهل مجلس،
فيه أخلاط من المسلمين، وغيرهم:
قال النوويّ كَُّهُ: السُّنَّة إذا مَرّ بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلّم بلفظ
التعميم، ويقصد به المسلمَ، قال ابن العربيّ كَّلُهُ: ومثله إذا مَرّ بمجلس يجمع
أهل السُّنَّة والبدعة، وبمجلس فيه عدول وظلمة، وبمجلس فيه محب ومبغض.
واستَدَلّ النوويّ على ذلك بحديث أسامة بن زيد: ((أن النبيّ وَل * ركب
حماراً ... الحديث، وفيه: ((حتى مرّ في مجلس فيه أخلاط من المسلمين،
والمشركين ... إلى أن قال: فسلّم عليهم النبيّ وَّ ... )) الحديث، متّفقٌ عليه.
قال في ((الفتح)): وهو مفرّع على منع ابتداء الكافر بالسلام، وقد ورد
النهي عنه صريحاً في حديث أبي هريرة المذكور في الباب: ((لا تبدءوا اليهود
والنصارى بالسلام ... )) الحديث، وبحديث أبي بَصْرة - بفتح الموحدة،
وسكون المهملة - الغفاريّ ربه عند البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والنسائيّ:
((أن النبيّ ◌َ ﴿ قال: إني راكب غداً إلى اليهود، فلا تبدءوهم بالسلام)).
وقالت طائفة: يجوز ابتداؤهم بالسلام، فأخرج الطبريّ من طريق ابن
عيينة قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
لَمَّ يُقَتِلُوكُمْ فِ الذِينِ﴾ [الممتحنة: ٨]، وقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَمُ عَلَيْكَ﴾ [مريم:
٤٧]، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عون بن عبد الله، عن محمد بن كعب،
أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: نَرُدّ عليهم،
ولا نبدؤهم، قال عون: فقلت له: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأساً أن
نبدأهم، قلت: لم؟ قال: لقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ﴾ [الزخرف: ٨٩]،
وقال البيهقيّ - بعد أن ساق حديث أبي أمامة: أنه كان يسلّم على كل من لقيه،
فسئل عن ذلك، فقال: إن الله جعل السلام تحيةً لأمتنا، وأماناً لأهل ذمتنا -:
هذا رأي أبي أمامة، وحديث أبي هريرة في النهي عن ابتدائهم أَولى.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد البيهقيّ كَّثُ في هذا التعقّب، فما

٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
صحّ عن نبيّنا نَّرَ هو الحقّ، والحقّ أحَقّ أن يتبّع من رأي أبي أمامة وغيره من
الناس، والله تعالى أعلم.
وأجاب عياض عن الآية، وكذا عن قول إبراهيم لعلّ لأبيه بأن القصد
بذلك المتاركة والمباعدة، وليس القصد فيهما التحية.
وقد صَرَّح بعض السلف بأن قوله تعالى: ﴿وَقُلْ سَلَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
[الزخرف: ٨٩] نُسخت بآية القتال.
وقال الطبريّ: لا مخالفة بين حديث أسامة في سلام النبيّ وَّ على
الكفار، حيث كانوا مع المسلمين، وبين حديث أبي هريرة ظُبه في النهي عن
السلام على الكفار؛ لأن حديث أبي هريرة عامّ، وحديث أسامة خاصّ،
فيختصّ من حديث أبي هريرة ما إذا كان الابتداء لغير سبب، ولا حاجة، من
حقّ صحبة، أو مجاورة، أو مكافأة، أو نحو ذلك، والمراد: منعُ ابتدائهم
بالسلام المشروع، فأما لو سلّم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه، كأن يقول:
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فهو جائز، كما كتب النبيّ ◌َّر إلى
هرقل وغيره: ((سلام على من اتبع الهدى)).
وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: ((السلام على أهل الكتاب
إذا دخلت عليهم بيوتهم: السلام على من اتبع الهدى)).
وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن سيرين مثله، ومن طريق أبي مالك:
((إذا سلَّمت على المشركين، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،
فيحسبون أنك سلّمت عليهم، وقد صرفت السلام عنهم)). انتهى ما في
((الفتح))، وهو بحثّ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
وَفِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((إِذَا لَقِيتُمُ الْيَهُودَ)، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةً قَالَ: فِي
أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيَّ حَدِيثٍ جَرِيرٍ: ((إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ))، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَداً مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

٥٤٧
(٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٥٠)
رجال هذه الأسانيد: عشرة:
ومعظمهم ذُكر في الباب، وباقيهم تقدّم قريباً، و((سفيان)) هو: الثوريّ،
و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن سهيل بن أبي صالح ساقها ابن حبّان ◌َظُّ في
(«صحيحه))، فقال:
(٥٠١) - أخبرنا محمد بن يعقوب الخطيب بالأهواز، قال: حدّثنا
عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا
شعبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله الآن: ((لا
تبدؤوا أهل الكتاب بالسلام، وإذا رأيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى
أضیقه)). انتهى(١).
ورواية سفيان الثوريّ عن سُهيل ساقها أحمد كَّتُهُ في («مسنده)) مقروناً
بأبي نُعيم، فقال:
(٩٧٢٤) - حدّثنا وكيعٌ، وأبو نعيم - وهو الفضل بن دُكين - قالا: ثنا
سفيان، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وثيق: ((إذا لقيتم اليهود في الطريق، فاضطرّوهم إلى أضيقها، ولا
تبدؤوهم بالسلام))، قال أبو نعيم: ((المشركين بالطريق). انتهى(٢).
ورواية جرير بن عبد الحميد عن سُهيل ساقها البيهقيّ تَظُّْ في ((الكبرى))، فقال:
(١٨٥٠٦) - وأخبرنا أبو طاهر الزياديّ، أنبا حاجب بن أحمد الطوسيّ،
ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا جرير بن عبد الحميد، أنبأ سهيل بن أبي صالح،
عن أبيه، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَلهو: ((إذا لقيتموهم فلا
تبدؤوهم بالسلام، واضطرّوهم إلى أضيق الطريق))، قال هذا للنصارى في
النعت، ونحن نراه للمشركين. انتهى (٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٢/ ٢٥٣.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٤٤/٢.
(٣) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٠٣/٩.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
(٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٥١] (٢١٦٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ،
عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِمْ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَيَّارُ) بن أبي سيّار وَرْدان، وقيل: ورد، وقيل: غيره، أبو الحكم
الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، وهو أخو مساور الورّاق لأمه، ثقةٌ [٦]
(ت١٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) بن أسلم، أبو محمد البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه أنساً نظره أحد المكثرين السبعة،
وآخر من مات من الصحابة ﴿ه بالبصرة، وأشهر من خدم النبيّ وَّ، ونال
دعوته المباركة.
شرح الحديث :
(عَنْ سَيَّارٍ) قال في ((الفتح)): هو بفتح السين المهملة، وتشديد التحتانية،
هو أبو الْحَكَم، مشهور باسمه، وكنيته معاً، فيجيء غالباً هكذا: ((عن سيار أبي
الحكم))، وهو عَنَزِيّ بفتح العين المهملة، والنون، بعدها زاي، واسطيّ، من
طبقة الأعمش، وتقدمت وفاته على وفاة شيخه ثابت البنانيّ بسنة، وقيل: أكثر،
وليس له في ((الصحيحين)) عن ثابت إلا هذا الحديث، وقال البزار: لم يُسند
سيّار عن ثابت غيره.
قال الحافظ: ورواية شعبة عنه من رواية الأقران، وقد حدَّث شعبة عن
ثابت نفسِهِ بعدّة أحاديث، وكأنه لم يسمع هذا منه، فأدخل بينهما واسطةً، وقد

٥٤٩
(٥) - بَابُ اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ - حديث رقم (٥٦٥١)
روى شعبة أيضاً عن آخر اسمه سيّار، وهو ابن سَلَامة أبو المنهال، وليس هو
المراد هنا، ولم نقف له على رواية عن ثابت. انتهى(١).
(عَنْ ثَابِتِ) بن أسلم (الْبُنَانِيَّ) بضمّ الموحّدة، وتخفيف النون: نسبة إلى
بُنانة بن سعد بن لُؤيّ بن غالب، هكذا قال أبو حاتم بن حِبَان البستيّ، قال
السمعانيّ: وصارت بُنانة محلةً بالبصرة؛ لنزول هذه القبيلة بها، وقال أبو بكر
الخطيب: إن بنانة الذين منهم ثابت هم بنو سعد بن لؤيّ بن غالب، وأم سعد
بنُانة، وقيل: بل هم بنو سعد بن ضُبيعة بن نزار، والله أعلم، فقال الزبير بن
بكار: أما بنانة فقبيلة منهم ثابت البنانيّ وغيره، وبنانة كانت أَمَةً لسعد بن لؤيّ
حَضَنت بنيه عماراً، وعُمارة، ومخزوماً بعد أمهم، فغلبت عليهم، فسُمُّوا بها،
ومنها أبو محمد ثابت بن أسلم البنانيّ من تابعي أهل البصرة، يروي عن ابن
عمر، وابن الزبير، وصَحِب أنساً أربعين سنة، وكان من أعبد أهل البصرة،
روى عنه الناس، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وهو ابن ست وثمانين سنة،
وقد قيل: إنه مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، ويقال: سنة ست وعشرين.
انتھی(٢).
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ) بكسر الغين
المعجمة، وسكون اللام: جمع غلام، قال الفيّوميّ كَّثُ: الغُلامُ: الابن
الصغير، وجمع القلة: غِلْمَةٌ، بالكسر، وجمع الكثرة: غِلْمَانٌ، ويُطلق الغُلامُ
على الرجل مجازاً بِاسْم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ مجازاً بِاسْم ما
يؤول إليه، وجاء في الشعر غلامة بالهاء للجارية، قال الشاعر [من الوافر]:
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٍّ أَبُوهَا يُهَانُ لَهَا الغُلامَةُ والغُلامُ
قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكراً: غُلامٌ،
وسمعتهم يقولون للكهل: غُلامٌ، وهو فاشٍ في كلامهم. انتهى(٢).
(فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) وفي الرواية التالية: ((فمرّ بصبيان، فسلّم عليهم))، وقد
أخرج النسائيّ هذا الحديث من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، بأتمّ من
(١) ((الفتح)) ١٧٦/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٧).
(٢) ((الأنساب للسمعانيّ)) ٣٩٩/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٥٢/٢.

٥٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
سياقه هنا، ولفظه: ((كان رسول الله وَله يزور الأنصار، فيسلم على صبيانهم،
ويمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم))، وهو مشعر بوقوع ذلك منه غير مرّة،
بخلاف سياق الباب حيث قال: ((مّ على غلمان، فسلّم عليهم))، فإنها تدلّ
على أنها واقعة حال.
قال الحافظ تَخّتُهُ: ولم أقف على أسماء الصبيان المذكورين.
قال: ووقع لابن السنيّ، وأبي نعيم في ((عمل يوم وليلة)) من طريق
عثمان بن مطر، عن ثابت، بلفظ: ((فقال: السلام عليكم يا صبيان))، وعثمان
وَاهٍ .
ولأبي داود من طريق حميد، عن أنس: ((انتهى إلينا النبيّ يَّ، وأنا غلام
في الغلمان، فسلّم علينا، فأرسلني برسالة ... )) الحديث.
وللبخاريّ في ((الأدب المفرد)» نحوه من هذا الوجه، ولفظه: ((ونحن
صبيان، فسلّم علينا، وأرسلني في حاجة، وجلس في الطريق ينتظرني حتى
رجعت))(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٥١/٥ و٥٦٥٢ و٥٦٥٣] (٢١٦٨)،
و(البخاريّ) في ((الاستئذان)) (٦٢٤٧) وفي ((الأدب المفرد)) (٣٥٩/١)، و(أبو
داود) في ((الأدب)) (٥٢٠٢)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٦٩٧)، و(النسائيّ)
في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٣٠)، و(ابن ماجه) في ((الآداب)) (٣٧٤٤)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣١/٣ و١٦٩ و١٨٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٤/
٢٠٤ و٢٥/٨)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٦٠/١)، و(تمام) في ((فوائده))
(٨٣/١ و١٣٥/٢)، و(أبو نعيم) في (الحلية)) (٣١٦/٨)، و(البيهقيّ) في ((شعب
الإيمان)) (٤٥٩/٦)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٧٦/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٧).

٥٥١
(٥) - بَابُ اسْتِحْبَابِ السَّلاَمِ عَلَى الصِّبْيَانِ - حديث رقم (٥٦٥١)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب السلام على الصبيان، قال النوويّ كَّلُهُ: اتفق
العلماء على استحباب السلام على الصبيان، ولو سلّم على رجال، وصبيان،
فردّ السلامَ صبيّ منهم، هل يسقط فرض الردّ عن الرجال؟ ففيه وجهان
لأصحابنا: أصحهما يسقط، ومثله الخلاف في صلاة الجنازة، هل يسقط
فرضها بصلاة الصبيّ؟ الأصح سقوطه، ونَصّ عليه الشافعيّ، ولو سلّم الصبيّ
على رجل لزم الرجل ردّ السلام، هذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور،
وقال بعض أصحابنا: لا يجب، وهو ضعيف، أو غلط. انتهى كلام
النوويّ كَُّ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): الندب إلى التواضع، وبذل السلام للناس كلهم.
٣ - (ومنها): بيان تواضعه وَّله، وكمال شفقته على العالمين.
٤ - (ومنها): ما قال ابن بطال كظّفُ (١): في السلام على الصبيان تدريبهم
على آداب الشريعة، وفيه طرح الأكابر رداء الكِبْرِ، وسلوك التواضع، ولِيْن
الجانب، قال أبو سعيد المتولي في ((التتمة)): من سَلَّم على صبيّ لم يجب عليه
الردّ؛ لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وينبغي لوليّه أن يأمره بالردّ؛ ليتمرّن
على ذلك، ولو سَلَّم على جَمْع فيهم صبيّ، فردّ الصبيّ دونهم لم يسقط عنهم
الفرض، وكذا قال شيخه القاضي حسين، وردّه المستظهريّ، وقال النوويّ:
الأصح لا يجزئ(٢)، ولو ابتدأ الصبي بالسلام وجب على البالغ الردّ على
الصحیح.
قال الحافظ: ويستثنى من السلام على الصبيّ ما لو كان وضيئاً، وخُشي
من السلام عليه الافتتان، فلا يُشرع، ولا سيما إن كان مراهقاً منفرداً.
(٣)
انتھی(٣).
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال كَّتمُ ٢٧/٩.
(٢) هكذا عزا في ((الفتح)) هذا القول للنوويّ، والذي قاله في ((شرح مسلم)): إن
الأصحّ إجزاؤه، كما أسلفته قبل قليل، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٣) (الفتح)) ١٧٦/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٧).

٥٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
قال الجامع عفا الله عنه: هذا من الحافظ عجيب، فأين النصّ، أو
الإجماع الذي يستني هذا الاستثناء؟، فهل النبيّ وَّ حينما يُسلّم على الصبيان
خصّ وضيئاً بعدم سلامه عليه؟ وهل أنس حينما فعل مثله خصّ أحداً؟ وقد
كان في أولاد الصحابة
وضيئون، كما هو مشهور في ((الصحيحين)) من
جمال الفضل بن عبّاس ظًا، فهل ثبت عنهم وَّر، أو عن أصحابه
التحذير من السلام عليهم؟ هيهات هيهات.
وبالجملة فهذه المسألة قد تداولها المتأخّرون في كتبهم، وأكثروا
التشغيب فيها، وهي كما ترى لا مستند لها، وأما التعلّل بالافتتان، فإنه ليس
لازماً للسلام، فإن الفاسق المجرم الذي يجري وراء شهوته سيفعل ما تهواه
نفسه إذا خلا بالصبيان، ولو لم يسلّم عليهم، ولا كلّمهم، وهذا الإجرام لا
يكون معياراً لِتَرْك السنّة الصحيحة، التي استمرّ عليها النبيّ وَّ، والصحابة،
ومن بعدهم من دون نكير، ففي الرواية الآتية من طريق شعبة، عن سيار قال:
كنت أمشي مع ثابت البنانيّ، فمرّ بصبيان، فسلّم عليهم، وحدّث ثابت أنه كان
يمشي مع أنس، فمرّ بصبيان، فسلّم عليهم، وحدّث أنس أنه كان يمشي مع
رسول الله وَ﴿، فمرّ بصبيان، فسلّم عليهم.
وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن عنبسة قال: رأيت ابن عمر
يسلّم على الصبيان في الكتّاب، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الدالّة على
استمرار هذه السُّنَّة من غير استثناء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد،
والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة سلام الرجال
على النساء، وعكسه:
قال الإمام البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه)): ((باب تسليم الرجال على
النساء، والنساء على الرجال))، ثم أخرج عن سهل ظبه قال: كنا نفرح يوم
الجمعة، فذكر الحديث، وفيه: ((فإذا صلّينا الجمعة انصرفنا، ونسلّم عليها ... ))
الحدیث.
ثم أخرج عن عائشة ﴿ّا قالت: قال رسول الله وسلم: ((يا عائشة هذا

٥٥٣
(٥) - بَابُ اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ - حديث رقم (٥٦٥١)
جبريل يقرأ عليك السلام))، قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا
نرى، تريد رسول الله
فقد استدلّ البخاريّ كَُّ بهذين الحديثين على مشروعيّة سلام الرجال
على النساء، والنساء على الرجال، وهو استدلال واضح.
وقال في ((الفتح)): أشار البخاريّ بالترجمة المذكورة إلى ردّ ما أخرجه
عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير: بلغني أنه يُكْرَه أن يسلّم
الرجال على النساء، والنساء على الرجال، وهو مقطوع، أو معضل، قال:
والمراد بجوازه أن يكون عند أَمْن الفتنة.
قال: وذكر في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما، وورد فيه حديث ليس
على شرطه، وهو حديث أسماء بنت يزيد: ((مَرَّ علينا النبيّ وَّ في نسوة، فسلّم
علينا))، حسّنه الترمذيّ، وليس على شرط البخاريّ، فاكتفى بما هو على
شرطه، وله شاهد من حديث جابر، عند أحمد.
وقال الحليميّ: كان النبيّ وَله للعصمة مأموناً من الفتنة، فمن وَثِق من
نفسه بالسلامة، فليسلّم، وإلا فالصمت أسلم.
وأخرج أبو نعيم في ((عمل يوم وليلة)) من حديث واثلة مرفوعاً: ((يسلّم
الرجال على النساء، ولا يسلّم النساء على الرجال))، وسنده وَاهِ.
ومن حديث عمرو بن حريث مثله، موقوفاً علیه، وسنده جيّد.
وثبت في ((الصحيحين)) حديث أم هانئ: أتيت النبيّ وَّ، وهو يغتسل،
فسلمت عليه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد اتّضح بما ذُكر من الأدلّة أن ما ذهب إليه
البخاريّ تَّثُ من جواز تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال مطلقاً
هو الحقّ؛ لوضوح حجته، واستنارة محجّته، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ: وأما النساء فإن كنّ جميعاً سَلّم عليهنّ، وإن كانت واحدة
سلّم عليها النساء، وزوجها، وسيدها، ومَحْرمها، سواء كانت جميلة، أو
غيرها، وأما الأجنبيّ، فإن كانت عجوزاً لا تشتهى، استُحِبّ له السلام عليها،
(١) ((الفتح)) ١٧٨/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٨).

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
واستُحب لها السلام عليه، ومن سلّم منهما لزم الآخر ردّ السلام عليه، وإن
كانت شابة، أو عجوزاً تشتهى، لم يسلّم عليها الأجنبيّ، ولم تسلّم عليه، ومن
سلّم منهما لم يستحق جواباً، ويكره ردّ جوابه، هذا مذهبنا، ومذهب
الجمهور، وقال ربيعة: لا يسلّم الرجال على النساء، ولا النساء على الرجال،
وهذا غلطٌ، وقال الكوفيون: لا يسلّم الرجال على النساء، إذا لم يكن فيهنّ
مَحْرم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ من قَصْر جواز التسليم
على نوع معيّن من النساء مما لا دليل عليه، فإن النبيّ وَلّ حينما سلّم على
النساء ما خصّ نوعاً منهنّ، ولا أمر أمّته بأن تخصّ منهنّ بعضاً وتترك بعضاً.
والحاصل أن سلام الرجال على النساء، والعكس مشروع مطلقاً، كما هو
رأي طائفة من العلماء؛ كالبخاريّ، كما مرّ قريباً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٥٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
سَيَّارٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن سالم، عن هشيم هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتٍ
الْبُنَانِيِّ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَ ثَابِتْ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ أَنَسٍ، فَمَرَّ
بِصِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَ أَنَسْ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ، فَمَرَّ
بِصِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١٤.

٥٥٥
(٦) - بَابُ جَوَازِ جَعْلِ الِذْنِ رَفْعَ حِجَابٍ، أَوْ نَحْوَهُ، مِنَ الْعَلَامَاتِ - حديث رقم (٥٦٥٤)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بن بحر بن کَنِيز الباهليّ، أبو حفص الفلاس
الصيرفيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٨/٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن عبد المجيد القرشيّ الْبُسْريّ البصريّ، يُلقّب
حمدان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان) ٢٦٨/٤٠.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
وقوله: (فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ) بكسر الصاد على المشهور، ويجوز ضمّها: جَمْع
صبيّ.
وقوله: (وَحَدَّثَ ثَابِتٌ ... إلخ) هذا يسمّى بالمسلسل، قال السيوطيّ تَظْلَّتُهُ
في ((ألفيّة الأثر)):
هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
لَهُمْ أَوْ لِلْحَدِيثِ فِيمَا قُسِّمَا
قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا
مُفَادِهِ زِيَادَةُ الصَّبْطِ زُكِنْ
وَخَيْرُهُ الدَّالُ (١) عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ
مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ
وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
كَأَوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٦) - (بَابُ جَوَازِ جَعْلِ الإِذْنِ رَفْعَ حِجَابٍ، أَوْ نَحْوَهُ، مِنَ الْعَلَامَاتِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٥٤] (٢١٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا
الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
(١) بتخفيف اللام للوزن.

٥٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
ي زِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ
يُرْفَعَ الْحِجَابُ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنْهَاكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤.
٤ - (الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عروة النخعيّ، أبو عروة الكوفيّ، ثقةٌ
فاضلٌ [٦] (ت١٣٩) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٣/٣٨.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ) النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (م ٤) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٨٦/١٩.
٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من
كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٧ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله الصحابيّ الشهير بظ ◌ُبه، مات سنة (٣٢) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالكوفيين من الحسن،
وهو أيضاً مسلسل بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره، ورواية الحسن بن
عبيد الله عن إبراهيم بن سُويد من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة السادسة،
وفيه ابن مسعود نظاله الصحابيّ الشهير.
شرح الحديث:
(يَقُولُ:
(عَن عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) ◌َظُته
قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ نَّهَ ((إِذَّتُكَ عَلَيَّ) برفع ((إذنُك)) خبراً مقدَّماً لـ((أن يُرفع))،
ويجوز أن يكون مبتدأ خبره ((أن يرفع))، والأول أَولى؛ لأن ما سُبك من ((أن))
و((أنّ)) بمنزلة الضمير؛ أي: إذني لك في الدخول عليّ في بيتي (أَنْ يُرْفَعَ
الْحِجَابُ) ببناء الفعل للمجهول، ولا يجوز فيه غيره، قاله القرطبيّ.
ووقع في بعض النُّسخ، كما أشار إليه في هامش النسخة الهنديّة بلفظ:

٥٥٧
(٦) - بَابُ جَوَازٍ جَعْلِ الِإِذْنِ رَفْعَ حِجَابٍ، أَوْ نَحْوَهُ، مِنَ الْعَلَامَاتِ - حديث رقم (٥٦٥٤)
((أن تَرْفَعَ الحجابَ))، وهو الذي في ((سنن ابن ماجه))، وغيرها، وعليه فالفعل
مبني للفاعل، والفاعل ضمير ابن مسعود ظاه، و((الحجابَ)) منصوب على
المفعولیّة.
وعلى هذا يكون معنى: ((إذنك عليّ))؛ أي: استئذانك عليّ، من إطلاق
المسبَّب، وإرادة السبب؛ يعني: أن استئذانك في حال الدخول عليّ أن تَرْفَع
الحجاب؛ أي: أَذِنت لك في رفع الحجاب، وسَمَاعِ السِّرَار.
وقال في ((المجمع)): أي إذنك الجمع بين رفع الحجاب ومعرفتك أني في
الدار، ولو كنت مُسارّاً لغيري، فهذا شأنك مستمرّاً إلى أن أنهاك، وفيه دلالة
على شرفه، وليس فيه أنه يدخل في كلّ حال حتى على نسائه ومحارمه.
وقال في ((المفاتيح)): أي: أذنت لك أن تدخل عليّ، وأن ترفع حجابي
بلا استئذان، وأن تسمع سِرَاري حتى أنهاك عن الدخول والسماع. انتهى (١).
ويريد الضبط الثاني ما في رواية أبي يعلى، والطبرانيّ بلفظ: ((إذنك عليّ
أن تَكْشِف السترَ))(٢).
ويؤيّده ما وقع في رواية أبي يعلى، والطبرانيّ بلفظ: ((إذنك علي تكشف
الستر)).
(وَأَنْ تَسْتَمِعَ) من الاستماع، وفي بعض النسخ: ((وأن تسمع)) من السماع،
(سِوَادِي) قال القرطبيّ تَّلُهُ: (السِّواد)) بكسر السين: هو السِّرار، تقول: ساودته
مساودةً، وسِواداً؛ أي: ساررته، وأصله إدناء سَوَادك من سَوَاده - بفتح السين -
وهو: الشخص. انتهى(٣).
وقال النوويّ كَّلُهُ: السِّوَاد بكسر السين المهملة، وبالدال، واتَّفَق العلماء
على أن المراد به السِّرار، بكسر السين، وبالراء المكررة، وهو السِّرّ،
والمسارّة، ويقال: ساودت الرجل مساودةً: اذا ساررته، قالوا: وهو مأخوذ من
إدناء سَوَادك من سَوَاده عند المسارّة؛ أي: شخصك من شخصه، والسَّوَاد:
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) ١٤٣/٣ - ١٤٤.
(٢) ((المعجم الكبير)) ٧٧/٩، و((مسند أبي يعلى)) ٢٤١/٩.
(٣) («المفهم)) ٤٩٩/٥.

٥٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
اسم لكل شخص. انتهى (١).
وقوله: (حَتَّى أَنْهَاَ))) الظاهر أنه غاية للأمرين؛ أي: لكون رفع الحجاب
علامة الإذن في الدخول عليه، ولجواز استماع السّواد؛ أي: السّرّ، فكلاهما
مغيّاً بالنهي؛ أي: فإذا نهيتك عن الدخول، وعن استماع السرّ، فأنت كسائر
الناس، لا بدّ أن تستأذن بالقول.
وقال القرطبيّ تَخْدَّثُ ما حاصله: جعل النبيّ وَّ لعبد الله إذناً خاصّاً به،
وهو أنه إذا جاء بيت النبيّ وَّ، فوجد الستر قد رُفع دخل من غير إذن بالقول،
ولم يَجعل ذلك لغيره إلا بالقول، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النور: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿لَا
نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، ولذلك كانت
الصحابة ثم تذكر ذلك في فضائل ابن مسعود ظه، فتقول: كان ابن مسعود
يؤذن له إذا حُجِبنا، وكأنّ ابن مسعود كان له من التبسّط في بيت النبيّ وَ ◌ّن
والانبساط ما لم يكن لغيره؛ لِمَا علمه النبيّ وَّ من حاله، ومن خُلُقه، ومن
إِلْفِه لبيته. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
، هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٥٤/٦ و٥٦٥٥] (٢١٦٩)، و(النسائيّ) في
((فضائل الصحابة)) (١٥٧ و١٥٨)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٣٩)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١١٢/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٨/١ و٣٩٤
و٤٠٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٩٨٩ و٥٢٦٥ و٥٣٧٣)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٨٤٤٩ و٨٤٥٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٦٨)، و(أبو نعيم)
في ((الحلية)) (١٢٦/١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٥٣/٣ و١٥٤)،
و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٥٨٥)، و(الفسويّ) في ((المعرفة)) (٢/
٥٣٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٢٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/١٤.
(٢) «المفهم)) ٤٩٩/٥.

٥٥٩
(٦) - بَابُ جَوَازِ جَعْلِ الِإِذْنِ رَفْعَ حِجَابٍ، أَوْ نَحْوَهُ، مِنَ الْعَلَامَاتِ - حديث رقم (٥٦٥٥)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود نظابه، حيث إنه وَةو جعله يرفع
یعدّون
الحجاب بلا استئذان، ويسمع مسارّته لغيره، ولهذا كان الصحابة
هذا له منقبة عظيمة، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُئه،
قال: ((قدِمتُ أنا وأخي من اليمن، فكنّا حِيْناً، وما نرى ابن مسعود وأمّه إلا
من أهل بيت النبيّ وَّر من كثرة دخولهم، ولزومهم له)).
وأخرج مسلم من طريق أبي إسحاق، قال: سمعت أبا الأحوص، قال:
شهدت أبا موسى وأبا مسعود، حين مات ابن مسعود، فقال أحدهما لصاحبه: أتُرَاه
تَرَك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذاك، إن كان لَيُؤْذَن له إذا حُجِبنا، ويَشهد إذا غِبْنَا .
وأخرج أيضاً من طريق مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص قال: كنا في دار
أبي موسى، مع نفر من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله،
فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله وَ ل﴿ تَرَك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم،
فقال أبو موسى: أَمَا لئن قلت ذاك، لقد كان يشهد إذا غِبْنَا، ويؤذن له إذا حُجِبْنَا .
٢ - (ومنها): جواز الاعتماد على العلامة في الإذن في الدخول، فإذا
جعل الأمير، أو القاضي، أو غيرهم رفع الستر الذي على بابه علامةً في الإذن
في الدخول عليه للناس عامّة، أو لطائفة خاصّة، أو لشخص، أو جعل علامة
غير ذلك جاز اعتمادها، والدخول إذا وُجدت بغير استئذان، وكذا إذا جعل
الرجل ذلك علامة بينه وبين خَدَمه ومماليكه، وكبار أولاده وأهله، فمتى أرخى
حجابه فلا دخول عليه إلا باستئذانه، فإذا رَفَعه جاز بلا استئذان. قاله
النوويّ(١) تَتُهُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٥٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
(١) ((شرح مسلم)) ١٥٠/١٤، كتاب ((السلام)).

٥٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس ساقها ابن
أبي شيبة ◌َّتُ في ((مصنّفه))، فقال:
(٣٢٢٢٥) - حدّثنا عبد الله بن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن
إبراهيم بن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: قال لي
رسول الله وَ﴾: ((إذنك عليّ أن تَرْفَع الحجابَ، وأن تسمع سِوَادي، حتى
أنهاك)). انتهى (١).
ورواية محمد بن عبد الله بن نُمير، عن عبد الله بن إدريس، ساقها
يعقوب بن سفيان في ((المعرفة))، مقروناً بعثمان بن أبي شيبة، فقال:
حدّثني ابن نمير، وعثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا ابن إدريس، عن
الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سُويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن
عبد الله، قال: قال لي رسول الله وَله: ((إذنك عليّ أن يُرْفَع الحجاب، وأن
تسمع سِوادي، حتى أنهاك)). انتهى(٢).
وأما رواية إسحاق بن راهويه، عن عبد الله بن إدريس، فلم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٥٦] (٢١٧٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٨٣/٦.
(٢) ((المعرفة والتاريخ)) ٣١١/٢ - ٣١٢.