Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤)
وردّه واجب، فإن كان المسلِّم جماعةً فهو سُنَّة كفاية في حقهم، إذا سلّم
بعضهم حصلت سُنَّة السلام في حق جميعهم، فإن كان المسلّم عليه واحداً
تعيَّن عليه الردّ، وإن كانوا جماعة كان الردّ فرض كفاية في حقهم، فإذا ردّ
واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، والأفضل أن يبتدئ الجميع بالسلام، وأن
يردّ الجميع.
وعن أبي يوسف أنه لا بدّ أن يرد الجميع، ونقل ابن عبد البرّ وغيره
إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سُنَّة، وأن ردّه فرض.
وقال في ((الأذكار)): (اعلم): أن ابتداء السلام سُنَّة مستحبة، ليس
بواجب، وهو سُنَّة على الكفاية، فإن كان المسلّم جماعة، كفى عنهم تسليم
واحد منهم، ولو سلَّموا كلهم كان أفضل.
قال الإمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في ((كتاب السِّير)) من تعليقه:
ليس لنا سُنَّة على الكفاية إلا هذا.
قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي من الحصر يُنكَر عليه، فإن
أصحابنا - رحمهم الله - قالوا: تشميت العاطس سُنَّة على الكفاية.
قال الجامع عفا الله عنه: كون تشميت العاطس سُنَّة غير صحيح من
الدليل؛ لأنه ◌َ﴾ قال: ((فعلى كلّ من سمعه أن يشمّته))، عن أبي هريرة
عن النبيّ ◌َيقول: ((إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله،
فحقّ على كل مسلم سمعه أن يشمّته)).
فقوله ◌َ: ((حقّ على كلّ أحد ... إلخ)) ظاهر في الوجوب لا يقبل
التأويل، فتأملّ، والله تعالى أعلم.
قال: وقال جماعة من أصحابنا بل كلهم: الأضحية سُنَّة على الكفاية في
حق كل أهل بيت، فإذا ضحّى واحد منهم حصل الشِّعار والسُّنَّة لجميعهم.
وأما ردّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحداً تعيَّن عليه الردّ، وإن كانوا
جماعة، كان ردّ السلام فرض كفاية عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقط الحرج
عن الباقين، وإن تركوه كلهم، أثموا كلهم، وإن ردّوا كلهم، فهو النهاية في
الكمال والفضيلة، کذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن.

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
واتفق أصحابنا على أنه لو ردّ غيرهم، لم يسقط الرد، بل يجب عليهم
أن يردّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبي أثموا.
وفي ((سنن أبي داود)) عن علي ◌َظ ◌ُه، عن النبيّ وَّ قال: ((يجزئ عن
الجماعة إذا مَرّوا أن يسلّم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يردّ أحدهم))(١).
وفي ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم: أن رسول الله وَّل قال: ((إذا سلّم واحد
من القوم أجزأ عنهم))، وهذا مرسل صحيح الإسناد، قاله النوويّ كَّهُ(٢).
[تنبيه]: من السنّة أن يكرّر السلام ثلاثاً إذا لم يُسمع، ففي (الصحيحين))
عن أنس به، عن النبيّ وَله: ((أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، حتى
تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم، فسلّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثاً))، قال
النوويّ كَّلُهُ: وهذا الحديث محمول على ما إذا كان الجمع كثيراً. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ظاهر الحديث يدلّ على استحباب
التكرار، إذا لم يُسمع، ولو كان المسلَّم عليه واحداً، والله تعالى أعلم.
(المسألة السابعة): أقلّ السلام أن يقول: ((السلام عليكم))، فإن كان
المسلَّم عليه واحداً، فأقلّه: (السلام عليك))، والأفضل أن يقول: ((السلام
عليكم))؛ ليتناوله ومَلَكيه، وأكمل منه أن يزيد: ((ورحمة الله))، وأيضاً:
((وبركاته))، ولو قال: سلامٌ عليكم أجزأه.
واستدل العلماء لزيادة: ((ورحمة الله، وبركاته)) بقوله تعالى إخباراً عن
سلام الملائكة بعد ذِكر السلام: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ اُلْبَيْتِ﴾ [هود:
٧٣]، وبقول المسلمين كلهم في التشهد: ((السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله
وبر کاته)».
وقال في ((الأذكار)): (اعلم): أن الأفضل أن يقول المسلم: السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بضمير الجمع، وإن كان المسلّم عليه واحداً،
ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويأتي بواو العطف في
قوله: ((وعلیکم)).
(١) حديث حسن.
(٣) ((الأذكار)) ص٢١٠.
(٢) ((الأذكار)) ص٢١٠ - ٢١١.

٤٨٣
(١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤)
قال: ودليله ما رويناه في مسند الدارميّ، وسنن أبي داود، والترمذيّ عن
عمران بن الحصين ◌ًا قال: ((جاء رجل إلى النبيّ وَّ فقال: السلام عليكم،
فردّ عليه، ثم جلس، فقال النبيّ وَّه: عشر، ثم جاء آخر، فقال: السلام
عليكم ورحمة الله، فردّ عليه، ثم جلس، فقال: عشرون، ثم جاء آخر، فقال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ عليه، فجلس، فقال: ثلاثون))، قال
الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأبي داود، من رواية معاذ بن أنس ظته، زيادة على هذا،
قال: ((ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال:
أربعون، وقال: هكذا تكون الفضائل)).
قال: وروينا في ((كتاب ابن السنيّ))، بإسناد ضعيف عن أنس ظ ◌ُبه قال:
((كان رجل يمرّ بالنبيّ وَل﴿ يرعى دواب أصحابه، فيقول: السلام عليك يا
رسول الله، فيقول له النبيّ وَ﴾: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته
ورضوانه، فقيل: يا رسول الله: تسلّم على هذا سلاماً ما تسلّمه على أحد من
أصحابك؟ قال: وما يمنعني من ذلك وهو ينصرف بأجر بضعة عشر
رجلاً؟))(١).
ويكره أن يقول المبتدي: عليكم السلام، فإن قاله استحقّ الجواب على
الصحيح المشهور، وقيل: لا يستحقه، وقد صحّ أن النبيّ وَلّ قال: ((لا تقل:
عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى))، والله أعلم.
وأما صفة الرد فالأفضل، والأكمل أن يقول: ((وعليكم السلام، ورحمة الله،
وبركاته)) فيأتي بالواو، فلو حَذَفها جاز، وكان تاركاً للأفضل، ولو اقتصر على
((وعليكم السلام))، أو على ((عليكم السلام)) أجزأه، ولو اقتصر على ((عليكم)) لم
يُجْزہ بلا خلاف، ولو قال: ((وعليكم)) بالواو ففي إجزائه وجهان للشافعيّة.
قالوا: وإذا قال المبتدي: سلام عليكم، أو السلام عليكم، فقال المجيب
مثله: سلام عليكم، أو السلام عليكم، كان جواباً، وأجزأه، قال الله تعالى:
﴿قَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمٌ﴾ [هود: ٦٩]، ولكن بالألف واللام أفضل.
(١) ((الأذكار النوويّة)) ص٢٠٨ - ٢٠٩.

٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وأقل السلام ابتداءً وردّاً أن يُسمع صاحبه، ولا يجزئه دون ذلك،
ويشترط كون الردّ على الفور، ولو أتاه سلام من غائب مع رسول، أو في ورقة
وجب الردّ على الفور.
قال: وهذا الذي جاء به الحديث من تسليم الراكب على الماشي،
والقائم على القاعد، والقليل على الكثير، وفي كتاب البخاريّ: والصغير على
الكبير كله للاستحباب، فلو عكسوا جاز، وكان خلاف الأفضل.
وأما معنى السلام: فقيل: هو اسم الله تعالى، فقوله: السلام عليك؛
أي: اسم السلام عليك، ومعناه: اسم الله عليك؛ أي: أنت في حفظه، كما
يقال: الله معك، والله يصحبك، وقيل: السلام بمعنى السلامة؛ أي: السلامة
ملازمةٌ لك. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١)، وهو بحثٌ جيّد مفيدٌ، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثامنة): قال في ((الفتح)): واتفقوا على أن مَن سَلَّم لم يجزئ
في جوابه إلا السلام، ولا يجزئ في جوابه: صُبِّحْتَ بالخير، أو بالسعادة،
ونحو ذلك، واختُلِف فيمن أتى في التحية بغير لفظ السلام، هل يجب جوابه أم
لا؟ وأقلّ ما يحصل به وجوب الردّ أن يُسْمِع المبتدئ، وحينئذ يستحقّ
الجواب، ولا يكفي الرد بالإشارة، بل ورد الزجر عنه، وذلك فيما أخرجه
الترمذيّ من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، رفعه: ((لا تشبّهوا
باليهود والنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالإصبع، وتسليم النصارى
بالأكفّ))، قال الترمذيّ: غريب، قال الحافظ: وفي سنده ضعف، لكن أخرج
النسائيّ بسند جيِّد، عن جابر ظ به، رفعه: ((لا تسلّموا تسليم اليهود، فإن
تسليمهم بالرؤوس والأكفّ والإشارة)).
قال النوويّ كَُّ: لا يَرِد على هذا حديثُ أسماء بنت يزيد: ((مَرّ النبيّ ◌َِّه
في المسجد، وعُصبة من النساء قُعود، فألوى بيده بالتسليم))، فإنه محمول على
أنه جمع بين اللفظ والإشارة، وقد أخرجه أبو داود من حديثها بلفظ: ((فسلّم
(٢)
علينا)). انتهى (٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٤٠ - ١٤١.
(٢) ((الأذكار)) للنوويّ ص٢١٠.

٤٨٥
(١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤)
والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قَدَر على اللفظ حِسّاً وشرعاً،
وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام؛
كالمصلي، والبعيد، والأخرس، وكذا السلام على الأصمّ.
ولو أتى بالسلام بغير اللفظ العربيّ، هل يستحق الجواب؟ فيه ثلاثة أقوال
للعلماء، ثالثها: يجب لمن يُحسن بالعربية، وقال ابن دقيق العيد: الذي يظهر
أن التحية بغير لفظ السلام من باب ترك المستحبّ، وليس بمكروه، إلا إن
قصد به العدول عن السلام إلى ما هو أظهر في التعظيم، من أجل أكابر أهل
(١)
الدنيا. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: جواز السلام بغير اللفظ العربيّ لمن يحسن
العربيّة محلّ نظر؛ لأن اللفظ العربيّ متعبَّد به في ألفاظ الأذكار، والأذان،
ونحوها، فلا يُعدل عنه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة التاسعة): يجب الردّ على الفور، فلو أخّر، ثم استدرك فردّ لم
يُعَدّ جواباً، وكان آثماً بترك الردّ(٢)، قاله القاضي حسين، وجماعة، وكأن محله
إذا لم یکن عذر.
ويجب أيضاً ردّ جواب السلام في الكتاب، ومع الرسول، ولو سلم
الصبيّ على بالغ وجب عليه الردّ، ولو سلَّم على جماعة فيهم صبيّ، فأجاب
أجزأ عنهم في وجه، قاله في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة العاشرة): قال النوويّ كَّلُ في ((الأذكار)): وأقل السَّلام الذي
يصير به مؤدّياً سنّة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلّم عليه، فإن لم
يُسْمعه لم يكن آتياً بالسلام، فلا يجب الردّ عليه، وأقلّ ما يسقط به فرضُ ردّ
السلام أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض
الردّ، ذكرهما المتولي وغيره.
قال النوويّ تَُّ: والمستحبّ أن يرفع صوته رفعاً يسمعه به المسلّم
(١) ((الفتح)) ١٤٤/١٤ - ١٤٦، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٠).
(٢) راجع: ((الأذكار)» للنوويّ ص٢١٠.
(٣) ((الفتح)) ١٤٤/١٤ - ١٤٦، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٠).

٤٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
عليه، أو عليهم سماعاً محققاً، وإذا تشكك في أنه يُسمعهم زاد في رفعه،
واحتاط واستظهر، أما إذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، فالسنّة أن يخفضَ
صوتَه بحيث يحصل سماعُ الأيقاظ، ولا يستيقظ النيام.
ففي ((صحيح مسلم))، في حديث المقداد ظُه الطويل، قال: كنّا نرفع
للنبيّ وَّ نَصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلّم تسليماً لا يُوقظ نائماً،
ويُسمِع اليقظانَ، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، فجاء النبيّ ◌َّ،
فسلَّم كما كان يُسلِّم، والله أعلم(١).
(المسألة الحادية عشرة): وَرَدَ في فضل السلام، وإفشائه أحاديث كثيرة،
فمنها: ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة له، عن النبيّ وَ لو قال:
((خَلَقَ اللهُ وَّنَ آدَمَ على صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال: اذْهَبْ فَسَلِّمْ
على أُولَئِكَ، نَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٍ، فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ، فإنَّهَا تَحِيَّئُكَ وَتَحِيَّةُ
ذُرِّيَّتِكَ، فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهُ، فَزَادُوهُ:
وَرَحْمَةُ اللهِ)).
وأخرجا أيضاً عن البراء بن عازب ظنًّا قال: أمرنا رسولُ اللهِ وَله بسبع:
بعيادةِ المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميتِ العاطسٍ، ونصرِ الضعيفِ، وعوْنٍ
المظلوم، وإفشاءِ السَّلامِ، وإبرارِ القَسَم. هذا لفظ إحدى روايات البخاريّ.
وَأخرج مسلم، عن أبي هريرة ◌َظُه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لا تَدْخُلُوا
الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تحابُّوا، أوْلا أدُلَّكُمْ على شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ
تَحابَيْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ)).
وأخرج الدارميّ، والترمذيّ، وابن ماجه، وغيرهم بالأسانيد الجيدة، عن
عبد الله بن سلام ظُه قال: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقول: ((يا أيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا
السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ
بِسَلام))، قال الترمذيّ: حديث صحيح، وقال الحافظ: حديث حسن.
وأخرج ابن ماجه، وابن السنيّ بإسناد جيّد، عن أبي أمامةَ ظُه قال:
أمَرَنَا نِبِيُّنَا وَ أن نُفشيَ السَّلامَ.
(١) ((الأذْكَارُ النَّوَويَّة)) للإِمام النَّوَويّ ٣١٢/١.

٤٨٧
(١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤)
وفي ((موطأ الإِمام مالك)) تَُّهُ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
أن الطُّفيلَ بن أُبيّ بن كعب أخبرَه، أنه كان يأتي عبدَ الله بن عمر، فيغدو معه
إلى السوق، قال: فإذَا غدوْنا إلى السوق لم يمرّ بنا عبدُ الله على سَقَّاطِ، ولا
صاحبٍ بَيْعَةٍ، ولا مِسكين، ولا أحدٍ إلَّا سلَّم عليه؛ قال الظُّفيلُ: فجئتُ
عبدَ الله بن عمر يوماً، فاستتبعني إلى السوق، فقلتُ له: ما تصنعُ بالسوق،
وأنتَ لا تقفُ على البيْع، ولا تسألُ عن السِّلعِ، ولا تسومُ، ولا تجلسُ في
مجالس السوق؟ قال: وأَقولُ: اجلسْ بنا ها هنا نتحدّثْ، فقال لي ابن عمر:
يا أبا بطن - وكان الطفيلُ ذا بطن - إنما نغدو من أجل السلام، نُسَلِّم على مَن
لقيناه(١).
وقال البخاريّ في ((صحيحه)): وقال عمّار ◌َُّه: ثلاثٌ من جَمعهنّ، فقد
جمعَ الإِيمانَ؛ الإِنصافُ من نفسك، وبذلُ السَّلام للعالم، والإِنفاقُ من
الإِقتار، وهو موقوف صحيحٌ، وروي مرفوعاً، لكنه ضعيف.
قال النوويّ كَّلُ: قد جمعَ في هذه الكلمات الثلاث خيراتِ الآخرة
والدنيا، فإنَّ الإِنصافَ يقتضي أن يؤدّي إلى الله تعالى جميع حقوقه، وما أَمَره
به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدّي إلى الناس حقوقهم، ولا يطلب ما
ليس له، وأن يُنصف أيضاً نفسه، فلا يوقعها في قبيح أصلاً.
وأما بذلُ السلام للعالم فمعناه لجميع الناس، فيتضمن أن لا يتكبر على
أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع من السلام عليه بسببه.
وأما الإِنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى، والتوكل عليه،
والشفقة على المسلمين، إلى غير ذلك، نسأل الله تعالى الكريم التوفيق
لجميعه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية عشرة): قال النوويّ: قال الإمام أبو سعد المتولي
وغيره: إذا نادى إنسان إنساناً من خلف سِتْر، أو حائط، فقال: السلام عليك
يا فلان، أو كتب كتاباً فيه: السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو
(١) قال الحافظ: موقوف صحيح.
(٢) ((الأَذْكَارُ النَّوَويَّة)) للإِمام النَّوَويّ ٣١٠/١.

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
أرسل رسولاً، وقال: سلِّم على فلان، فبَلَغه الكتاب أو الرسول، وجب عليه
أن يردّ السلام، وكذا ذكر الواحديّ، وغيره أيضاً: إنه يجب على المكتوب إليه
ردّ السلام إذا بَلَغه السلام.
وفي ((الصحيحين)) عن عائشة ﴿ّا قالت: قال لي رسول الله وَله: ((هذا
جبريل يقرأ عليك السلام)) قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته،
هكذا وقع في بعض روايات ((الصحيحين)) ((وبركاته))، ولم يقع في بعضها،
وزيادة الثقة مقبولة.
ووقع في كتاب الترمذيّ: ((وبركاته))، وقال: حديث حسن صحيح، ويستحب
أن يرسل بالسلام إلى من غاب عنه. انتهى(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة عشرة): قال النوويّ كَّهُ(٢): إذا سلّم عليه إنسان، ثم
لقيه على قرب، يُسَنُّ له أن يسلِّم عليه ثانياً وثالثاً، وأكثر، قال النوويّ: اتفق
عليه أصحابنا، ويدل عليه في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة نظريته في حديث
المسيء صلاته: ((إنه جاء فصلى، ثم جاء إلى النبيّ وَلَّ، فسلَّم عليه، فردَّ عليه
السلام، وقال: ارجع، فصل، فإنك لم تصلٌّ، فرجع، فصلى، ثم جاء، فسلّم
على النبيّ وَّ)) حتى فعل ذلك ثلاث مرات.
وفي ((سنن أبي داود)) عن أبي هريرة ◌َظُبه، عن رسول الله وَّ قال: ((إذا
لَقِي أحدكم أخاه فليسلُّم عليه، فإن حالت بينهما شجرة، أو جدار، أو حجر،
ثم لقیه، فلیسلِّم عليه»(٣).
وفي ((كتاب ابن السنيّ)) عن أنس ظُه قال: ((كان أصحاب رسول الله محصله
يتماشون، فإذا استقبلتهم شجرة، أو أكمة، فتفرقوا يميناً وشمالاً، ثم التقوا من
ورائها، سلَّم بعضهم على بعض)) (٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة عشرة): السُّنَّة أن يبدأ المسلم بالسلام قبل كل كلام،
والأحاديث الصحيحة، وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة،
فهذا هو المعتمد.
(١) ((الأذكار)) ص٢١٢.
(٣) حديث صحيح.
(٢) ((الأذكار)) ص٢١٣.
(٤) حديث حسن.

٤٨٩
(١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤)
وأما الحديث الذي رواه الترمذيّ عن جابر بنظُه قال: قال رسول الله عليه :
((السلام قبل الكلام)) فهو حديث ضعيف، قال الترمذي: هذا حديث منكر، قاله
النوويّ(١).
(المسألة الخامسة عشرة): الابتداء بالسلام أفضل؛ لقوله وهي في الحديث
الصحيح: ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))، فينبغي لكل واحد من المتلاقين أن
يَخْرِص على أن يبتدئ بالسلام.
وأخرج أبو داود بإسناد جيد، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وؤلات:
((إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام))، وفي رواية الترمذيّ عن أبي أمامة:
قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان، أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: ((أَولاهما بالله
تعالى))، قال الترمذيّ: حديث حسن.
(المسألة السادسة عشرة): يشمل مشروعيّة السلام السلامَ على الأحياء
والأموات، فأما السلام على الأحياء، فقد ذكرنا صيغه، وأما السلام على
الأموات، فقد جاءت فيه صيغ كثيرة.
فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) عن عائشة رضينا، قالت: كان رسول الله وَله
كلما كان ليلتها من رسول الله وَ﴿ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول:
((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن
شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)).
وأخرج أيضاً عن عائشة ها، أنها قالت: كيف أقول يا رسول الله؟
- تعني في زيارة القبور - قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين
والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منكم ومنا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله
بكم لاحقون».
وأخرج أيضاً، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، عن أبي هريرة
ضُوعِبْهُ ،
أن رسول الله وَلّر خرج إلى المقبرة، فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين،
وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)).
وأخرج الترمذيّ، عن ابن عباس ظه، قال: مَرّ رسول الله وَله بقبور
(١) ((الأذكار)) ص٢١٤.

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: ((السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله
لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر))، قال الترمذيّ: حديث حسن.
وفي (صحيح مسلم)) عن بريدة رَظُه، قال: كان النبيّ ◌َّ﴿ يعلِّمهم إذا
خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين،
وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية)).
وأخرجه النسائيّ، وابن ماجه هكذا، وزاد بعد قوله: (للاحقون)): ((أنتم
لنا فرط، ونحن لکم تبع)).
وأخرج ابن السنيّ، عن عائشة ◌ّا، أن النبيّ ◌َّ أتى البقيع، فقال:
((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا
تحرمنا أجرهم، ولا تضلّنا بعدهم))(١)، حديث حسن، والله تعالى أعلم.
(المسألة السابعة عشرة): قال النوويّ ◌ُه: من الأحوال التي يُكره فيها
السلامٍ أن يكون المسلم عليه مشتغلاً بالبول، أو الجماع، أو نحوهما، فيكره
أن يسلّم عليه، ولو سُلِّم لا يستحق جواباً، ومن ذلك من كان نائماً أو ناعساً،
ومن ذلك من كان مصلياً، أو مؤذناً في حال أذانه، أو إقامته للصلاة، أو كان
في حمام، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يُؤْثَر السلام عليه فيها، ومن ذلك
إذا كان يأكل، واللقمة في فمه، فإن سلَّم عليه في هذه الأحوال لم يستحق
جواباً، أما إذا كان على الأكل، وليست اللقمة في فمه، فلا بأس بالسلام،
ويجب الجواب، وكذلك في حال المبايعة، وسائر المعاملات يسلِّم، ويجب
الجواب.
قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ لكراهة السلام في حال البول، ونحوه ما
أخرجه ابن ماجه، وغيره عن جابر بن عبد الله ظها أن رجلاً مَرّ على النبيّ وَِّ،
وهو يبول، فسلّم عليه، فقال له رسول الله وَليقول: ((إذا رأيتني على مثل هذه
الحالة فلا تسلم عليّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أردَّ عليك))، وهو حديث
(٢)
صحیح (٢).
(١) ((الأذكار)) ص١٤٣.
(٢) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ كَّهُ ٣٨٠/١.

٤٩١
(١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤)
قال: وأما السلام في حال خطبة الجمعة، فقال أصحابنا - الشافعية -:
يُكره الابتداء به؛ لأنهم مأمورون بالإنصات للخطبة، فإن خالف وسلَّم، فهل
يُرَدّ عليه؟ فيه خلاف لأصحابنا، منهم من قال: لا يرد عليه؛ لتقصيره، ومنهم
من قال: إن قلنا: إن الإنصات واجب لا يردّ عليه، وإن قلنا: إن الإنصات
سُنَّة رَدَّ عليه واحد من الحاضرين، ولا يرد عليه أكثر من واحد على كل
وجه .
قال: وأما السلام على المشتغل بقراءة القرآن، فقال الإمام أبو الحسن
الواحديّ: الأَولى ترك السلام عليه؛ لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلم عليه كفاه الرد
بالإشارة، وإن ردّ باللفظ استأنف الاستعاذة، ثم عاد إلى التلاوة، قال النوويّ:
هذا كلام الواحديّ، وفيه نظر، والظاهر أن يسلم عليه، ويجب الرد باللفظ.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد النوويّ في تعقّبه على الواحديّ، فتنبّه.
قال: أما إذا كان مشتغلاً بالدعاء مستغرقاً فيه، مُجْمِع القلب عليه،
فَيَحْتَمِل أن يقال: هو كالمشتغل بالقراءة على ما ذكرناه، والأظهر عندي في
هذا أنه يكره السلام عليه؛ لأنه يتنكد به، ويشقّ عليه أكثر من مشقة الأكل.
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ عجيب منه، فأین دليل
الكراهة؟ بل هو مأمور بالردّ عليه كسائر الناس غير المستثنى؛ كمن يبول،
ونحوه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وأما الملبِّي في الإحرام فيكره أن يُسَلَّم عليه؛ لأنه يُكره له قطع
التلبية، فإن سُلُّم عليه ردَّ السلام باللفظ، نصّ عليه الشافعيّ وأصحابنا
رحمهم الله.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بكراهة السلام على الملبي مما لا دليل
عليه، فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .

٤٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
(٢) - (بَابٌ مِنْ حَقِّ الْجُلُوسِ عَلَى الطَّرِيقِ رَدُّ السَّلَامِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٣٥] (٢١٦١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: كُنَّا قُعُوداً بِالأَفْنِيَةِ
نَتَحَدَّثُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسٍ
الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ))، فَقُلْنَا: إِنَّمَا فَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ،
قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ، وَنَتَحَدَّثُ، قَالَ: ((إِمَّا لَا فَأَدُوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلاَمِ،
وَحُسْنُ الْكَلَامِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، وربّما وَهِمَ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عبّاد بن حُنيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل
المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل الأربعين ومائة (خت م ٤) تقدم في
((الطهارة)) ٥٨٤/١١.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ،
ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠.
٤ - (أَبُوه) عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ المدنيّ، وُلد على عهد
النبيّ وَّهِ، ووثّقه ابن سعد، ومات سنة (٨٤) بالمدينة، وقيل: استُشهد بفارس
(م س) تقدم في ((الجهاد والسِّير)) ٢٤/ ٤٥٩٣.
٥ - (أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ،
مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدراً، وما بعدها، ومات سنة (٣٤)
وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠.
والباقيان ذُكرا قبل باب.

٤٩٣
(٢) - بَابٌ مِنْ حَقِّ الْجُلُوسِ عَلَى الطَّرِيقِ رَدُّ السَّلَامِ - حديث رقم (٥٦٣٥)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سباعيّات المصنّف ◌َخْذَثُ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن
بعض، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِهِ) عبد الله بن أبي طلحة،
أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل ◌َُّه، (كُنَّا قُعُوداً) بالضمّ جمع قاعد،
كراكع ورُكوع، وساجد وسجود، (بِالأَفْنِيَةِ) جمع فِنَاء، قال النوويّ كَّتُهُ: بكسر
الفاء، والمدّ، وهو حريم الدار، ونحوها، وما كان في جوانبها، وقريباً منها.
انتهى (١)، وقال الفيّومي كَُّ: ((الفناء)) بالكسر، مثلُ كِتَاب: الْوَصِيدُ، وهو سعةٌ
أَمامَ البيتِ، وقيل: ما امتدّ من جوانبه. انتهى (٢). (نَتَحَدَّثُ) جملة حاليّة من
اسم ((كان))، (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسٍ
الصُّعُدَاتِ؟) بضم الصاد، والعين المهملتين، وهي الطرقات، واحدها صَعِيد،
كطَرِيق، يقال: صعيد، وصُعُدٌ، وصِعْدان، كطَرِيق، وطُرُق، وطُرُقات، على
وزنه ومعناه، وقد صَرَّح به في الرواية الثانية، قاله النوويّ ◌َخْذُ(٣).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: الصُّعدات: جمع صعيد، وهو الطريق مطلقاً،
وقيل: الطريق الذي لا نبات فيه؛ مأخوذ من الصعيد، وهو: التراب على قول
الفرَّاء، أو وجه الأرض على قول ثعلب، ويُجمع: صُعُداً، وصعدات، كُطُرُق
وطرقات، وقد جاء الصعيد في الرواية الأخرى مفسَّراً بالطريق. انتهى (٤).
(اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ)؛ أي: ابتعدوا عن الجلوس فيها، (فَقُلْنَا:
إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ) ((ما)) زائدة؛ أي: لغير بأس؛ أي: شدّة.
قال في ((التاج)): البَأْس: العَذابُ الشديد؛ كالبَئِس، كَكَتِفٍ، وعن ابْن
الأَعْرابِيّ: البَأُس: الشِّدَّةُ في الحرب، ومنه الحديث: ((كُنّا إذا اشتدَّ البَأْسُ
اتَّقَيْنا برسولِ الله وَ لَّ)) يريدُ الخَوف، ولا يكونُ إلَّا مع الشِّدَّة، وقال ابنُ سِيدَه:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤١/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٤٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٨٢.
(٤) ((المفهم)) ٤٨٦/٥.

٤٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
البَأُس: الحَرب، ثم كَثُرَ، حتى قيل: لا بَأْسَ عليك؛ أي: لا خَوْفَ، قال قَيْسُ
ابنُ الخَطِیم [من الطويل]:
يقولُ لي الحَدّادُ وَهْوَ يَقودُني إِلَى السِّجْنِ لا تَجْزَعْ فما بكَ من باسِ
أراد: فما بك من بَأُسٍ فخَفَّفَ. انتهى(١).
والمراد هنا: الأمر المكروه؛ أي: جلسنا لغير أمر مكروه، بل هو
مطلوب؛ لكونه من مصالحنا العامّة، حيث نجتمع، ونتحدّث في الأمور الجارية
بين مجتمعنا؛ إذ لا يمكن ذلك إلا في مثل هذا الموضع، وهي الصُّعُدات؛
لكونه مشتركاً بين الجميع، والله تعالى أعلم.
(قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ)؛ أي: نتذاكر العلم والدين، (وَنَتَحَدَّثُ) بالمصالح،
والخير. (قَالَ) بَيِّ ((إِمَّا لَا فَأَدُوا حَقَّهَا) قال النوويّ ◌َخْدَّتُهُ: ((إمّا لا)) بكسر
الهمزة، وبالإمالة، ومعناه: إن لم تتركوها، فأدوا حقها .
وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((إمَّا لا)) هي: ((إن)) الشرطية المكسورة زيدت
عليها ((ما)) تأكيداً للنَّفي، و((لا)) عبارة عن الامتناع، والإباية، فكأنَّه قال: إن
كان، ولا بُدَّ من إبايتكم، ولا غنى لكم عن قعودكم فيها؛ فأعطوا الطريق
حقَّها(٢) .
ثمّ بِينّ وََّ لهم حقّ الطريق، فقال: (غَضُّ الْبَصَرِ) عما لا يحلّ النظر
إليه، (وَرَدُّ السَّلَام) على كلّ من سلّم رجالاً، أو نساءً (وَحُسْنُ الْكَلَام)))؛ أي:
تكليم الناس بالكلام الحسن، قال النوويّ كَّتُهُ: يدخل فيه حُسن كلامهم في
حديثهم بعضهم لبعض، فلا يكون فيه غيبة، ولا نميمةٌ ولا كذب، ولا كلام
ينقص المروءة، ونحو ذلك من الكلام المذموم، ويدخل فيه كلامهم للمارّ، مِن
ردّ السلام، ولُطف جوابهم له، وهدايته للطريق، وإرشاده لمصلحتهم، ونحو
(٣)
ذلك. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: قوله: ((وحسن الكلام)): يريد أن من جلس على
الطريق، فقد تعرَّض لكلام الناس، فليحسِّن لهم كلامه، ويصلح شأنه. انتهى.
(١) (تاج العروس)) ٣٨٤٩/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/١٤ - ١٤٣.
(٢) ((المفهم)) ٤٨٧/٥.

٤٩٥
(٢) - بَابٌ مِنْ حَقِّ الْجُلُوسِ عَلَى الطَّرِيقِ رَدُّ السَّلَامِ - حديث رقم (٥٦٣٥)
وقال النوويّ تَخْذَلُهُ: المقصود منه أنه يُكره الجلوس على الطرقات
للحديث ونحوه، وقد أشار النبيّ وَ لّ إلى علة النهي، من التعرض للفتن،
والإثم بمرور النساء، وغيرهنّ، وقد يمتد النظر إليهنّ، أو الفكر فيهنّ، أو ظنّ
السوء فيهنّ، أو في غيرهنّ من المارّين، ومِن أذى الناس باحتقار مَن يمر، أو
غيبة، أو غيرها، أو إهمال ردّ السلام في بعض الأوقات، أو إهمال الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك من الأسباب التي لو خلا في بيته
سَلِم منها، ويدخل في الأذى أن يضيّق الطريق على المارين، أو يمتنع النساءُ
ونحوهنّ من الخروج في أشغالهنّ بسبب قعود القاعدين في الطريق، أو يجلس
بقرب باب دار إنسان يتأذى بذلك، أو حيث يَكشف من أحوال الناس شيئاً
یکرهونه. انتھی(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: هذا الحديث إنكارٌ للجلوس على الطرقات، وزجرٌ
عنه، لكن محمله على ما إذا لم ترُهق إلى ذلك حاجة، كما قالوا: ما لنا من
ذلك بُدُّ؛ نتحدَّث فيها، لكن العلماء فَهِموا أن ذلك المنع ليس على جهة
التحريم، وإنَّما هو من باب سدِّ الذرائع، والإرشاد إلى الأصلح، ولذلك
قالوا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدَّث؛ أي: نتذاكر العلم
والدين، ونتحدَّث بالمصالح والخير، ولمّا علم النبيّ وَّهِ منهم ذلك، وتحقَّق
حاجتهم إليه؛ أباح لهم ذلك، ثم نبَّههم على ما يتعيَّن عليهم في مجالسهم تلك
من الأحكام، فقال: ((إما لا فأدّوا حقها))، فكأنَّه قال: إن كان ولا بُدَّ من
إبايتكم، ولا غنى لكم عن قعودكم فيها؛ فأعطوا الطريق حقَّها، فلمَّا سمعوا
لفظ الحقّ - وهو مجمَل ـ سألوا عن تفصيله، ففصَّله لهم - كما سبق في حديث
أبي سعيد رُه - بقوله: ((غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السَّلام، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر))، وهذه الحقوق كلها واجبة على من قعد على
طريق، ولمّا كان القعود على الطريق يُفضي إلى أن يتعلق بها هذه الحقوق،
ولعلَّه لا يقوم ببعضها فيتعرَّض لذِّ الله تعالى ولعقوبته كره القعود فيها، وغلَّظ
بالزجر المتقدِّم، والإنكار، فإنْ دعت إلى ذلك حاجة؛ كالاجتماع في مصالح
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٤٢.

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الجيران، وقضاء حوائجهم، وتفقد أمورهم، إلى غير ذلك، قعد على قدر
حاجتهم، فإنْ عرض له شيء من تلك الحقوق وجب القيام به عليه.
و(كف الأذى))؛ يعني به: أن لا يؤذي بجلوسه أحداً من جلسائه بإقامته
من مجلسه، ولا بالقعود فوقه، ولا بالتضييق عليه، ولا يجلس قبالة دار جاره،
فيتأذى بذلك، وقد يكون كفُّ الأذى بأن يكف بعضهم عن بعض، إلا أن هذا
يدخل في قسم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فحَمْله على المعنى الأول
أَولى. انتهى كلام القرطبيّ دَّثُهُ، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي طلحة ظبه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٣٥/٢] (٢١٦١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/
٤١٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٦/٥)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٢/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣/٣)،
و(الرويانيّ) في («مسنده)) (١٦١/٢)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٥٠٩/٦).
وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ .
برقم [٥٥٥١/٣١] (٢١٢١) فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٣٦] (٢١٢١)(١) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ
قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ(٢))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدُّ مِنْ
مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا أَبَيْتُمْ(٣) إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا
الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: ((غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ،
وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ))).
(١) هذا الرقم مكرر، فقد تقدّم.
(٣) وفي نسخة: ((فإذا أبيتم)).
(٢) وفي نسخة: ((في الطرقات)).

٤٩٧
(٣) - بَابُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ رَدُّ السَّلَامِ - حديث رقم (٥٦٣٨)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم سنداً ومتناً
قبل خمسة عشر باباً برقم [٥٥٥١/٣١] (٢١٢١)، وقد استوفيت شرحه، وبيان
مسائله هناك، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، والله تعالى وليّ التوفيق.
[٥٦٣٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ
الْمَدَنِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، عَنْ هِشَامِ - يَعْنِي:
ابْنَ سَعْدٍ - كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن تكلّمت على هاتين الروايتين، وبيّنت
أن رواية عبد العزيز بن محمد، وهو الدراورديّ ساقها أبو داود، ورواية
هشام بن سعد عن زيد ساقها البيهقيّ في ((شُعب الإيمان))، وبالله تعالى
التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ رَةُّ السَّلَامِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٣٨] (٢١٦٢) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ)) (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَام،
وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ(١)، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضَِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِ))، قَالَّ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يُرْسِلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَسْنَدَهُ(٢) مَرَّةً عَنِ
ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
(١) وفي نسخة: ((وإجابة الداعي)).
(٢) وفي نسخة: ((فأسنده)).

٤٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو سعيد القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، أحد كبار الفقهاء الأعلام، من كبار [٣] مات بعد التسعين، وقد ناهز
الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقون ذُكروا قبل باب، وقبل ثلاثة أبواب.
من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَظْتُهُ، وأنه أحدُ ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد
أبي هريرة ◌َله، كما أشار إليه السيوطيّ كَّتُهُ في ((ألفيّة الأثر)) بقوله:
سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ
أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا
عَنْ أَعْرَجِ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا
وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ
عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة مظ لته أحفظ
من روى الحديث في عصره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) سعيد (ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َبه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
((حَقُّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم) قال الكرمانيّ هذا اللفظ أعمّ من الواجب على
الكفاية، وعَلى العين، وَمَن المندوب، وقال ابن بطّال: أي: حقُّ الحرمة
والصحبة، وفي ((التوضيح)): الحقّ فيه بمعنى: حقّ حُرمته عليه، وجميل صحبته
له، لا أنه من الواجب، ونظيره حقّ المسلم أن يغتسل كل جمعة، وقال
الطيبيّ: هذه كلها من حقّ الإسلام، يستوي فيها جميع المسلمين، بَرّهم،
وفاجرهم، غير أنه يخص البَرّ بالبشاشة، والمصافحة، دون الفاجر المظهر
(١)
للفجور. انتهى (١).
(خَمْسرٌ))) وفي رواية العلاء الآتية: ((حَقُّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم سِتٌ))،
وزاد: ((وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ))، قال الحافظ: وقد تَبَيَّن أن معنى الحقّ هنا
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٣/٨.

٤٩٩
(٣) - بَابُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ رَدُّ السَّلَامِ - حديث رقم (٥٦٣٨)
الوجوب، خلافاً لقول ابن بطال: المراد حقّ الحرمة، والصحبة، والظاهر أن
المراد به هنا وجوب الكفاية. انتهى(١) . .
وفي الرواية الثانية: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((خَمْسٌ
تَجِبُ لِلْمُسْلِم عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلام) وهو فرض بالإجماع، فإن كان السلام
على واحد كان الردّ فرض عَيْن عليهَ، وإن كان على جماعة كان فرض كفاية
في حقهم، إذا ردّ أحدهم سقط الحرج عن الباقين، قاله النوويّ ◌َدتُ(٢).
(وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) التشميت بالسين المهملة، والشين المعجمة، لغتان
مشهورتان، قال ابن منظور كَّلُهُ: والتسميت ذِكْر الله على الشيء، وقيل:
التسميتُ ذكر الله رَك على كلّ حال، والتسميت الدعاء للعاطس، وهو قولك
له: يرحمك الله. وقيل معناه: هداك الله إلى السمت، وذلك لِمَا في العاطس
من الانزعاج، والْقَلَق، هذا قول الفارسيّ، وقد تقدّم البحث في هذا مطوّلاً في
شرح حديث البراء ربه في ((اللباس والزينة)) برقم [١/ ٥٣٧٧] (٢٠٦٦).
وقال في ((الفتح)): وقد أخذ بظاهرها - أي: بظاهر الراويات التي تدلّ
على الوجوب، كقوله: ((خمس تجب للمسلم)) - ابن مزين من المالكية، وقال
به جمهور أهل الظاهر، وقال ابن أبي جمرة (٣): قال جماعة من علمائنا: إنه
فرض عين، وقوّاه ابن القيم في ((حواشي السنن))، فقال: جاء بلفظ الوجوب
الصريح، وبلفظ الحقّ الدال عليه، ويلفظ ((على)) الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر
التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابيّ: أَمَرنا رسولُ اللهِ وَّل، قال: ولا ريب أن
الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء.
وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين،
ورجّحه أبو الوليد ابن رشد، وأبو بكر ابن العربيّ، وقال به الحنفية، وجمهور
الحنابلة، وذهب عبد الوهاب، وجماعة من المالكية إلى أنه مستحبّ، ويجزئ
الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية، قال الحافظ: والراجح من حيث
الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه
(١) ((الفتح)) ٦٨١/٣ - ٦٨٢، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٢٤٠).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٣٢.
(٣) (بهجة النفوس)) ٤/ ١٨٧.

٥٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس، وإن وَرَد في عموم المكلّفين،
ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح، ويسقط بفعل البعض، وأما من
قال: إنه فرض على مبهم، فإنه ينافي كونه فرض عين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ترجيح القول الثاني القائل: إنه فرض كفاية لا
يخفى ما فيه، فإنه ورد بصريح كونه فرض عين، فقد أخرجه البخاريّ في
((صحيحه) بلفظ: ((فإذا عطس، فحَمِد الله، فحقٌّ على كل مسلم سمعه أن
يشمِّته))، فهل بعد هذا النصّ الصريح يقال: إنه فرض كفاية؟ إن هذا لغريبٌ.
وبالجملة فقد استوفيت البحث فيه في شرح حديث البراء بيته الماضي،
فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ) وفي بعض النسخ: ((وإجابة الداعي))؛ أي: إجابة دعوة
الداعي إذا دعا، وظاهره عموم وجوب الإجابة لكلّ دعوة، عُرْساً كان أو غيره،
وبه يقول ابن عمر ها، وهو الحقّ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى، في (كتاب
النكاح))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَعِيَادَةُ الْمَرِيضٍ) - بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة -: مصدر
عاده، يقال: عُدتُ المريضَ عِيَادةً: إذا زُرتُهُ، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد،
والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوَّد بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا كلام العرب،
قالہ في «المصباح)).
(وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِ))) قال ابن دقيق العيد كَّتُهُ: ((اتباع الجنائز يَحْتَمِل أن يراد
به اتّباعها للصلاة، فإن عبّر به عن الصلاة، فذلك فَرْضٌ من فروض الكفاية عند
الجمهور، ويكون التعبير بالاتّباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في
الغالب؛ لأنه ليس من الغالب أن يصلى على الميت، ويدفن في محلّ موته.
ويَحْتَمِل أن يراد بالاتّباع: الرواح إلى محلّ الدفن لمواراته، والمواراة
أيضاً من فروض الكفايات، لا تسقط إلا بمن تتأدى به. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، لأنه حقيقة،
فالحمل عليه أولى، كما أشار إلى ذلك الصنعانيّ كَّلُهُ في ((حاشيته)).
(١) (إحكام الأحكام)) ٤٩١/٤ بنسخة ((حاشية العدّة).