Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٣١) على العورة، فبالأَولى نظرها المحقّق، ولو سُلِّم الإجماع المذكور لم يكن معارِضاً لِمَا ورد به الدليل؛ لأنه في أمر آخر، فإن النظر إلى البيت ربما كان مفضياً إلى النظر إلى الْحُرَم، وسائر ما يَقصد صاحب البيت سَتْره عن أعين الناس. وفَرّق بعض الفقهاء بين من كان من الناظرين في الشارع، وفي خالص مُلك المنظور إليه، وبعضهم فَرّق بين من رَمَى الناظرَ قبل الإنذار وبعده، وظاهر أحاديث الباب عدم الفرق. والحاصل أن لأهل العلم في هذه الأحاديث تفاصيلَ وشروطاً، واعتبارات يطول استيفاؤها، وغالبها مخالف لظاهر الحديث، وعاطل عن دليل خارج عنه، وما كان هذا سبيله فليس في الاشتغال ببسطه وردِّه كثير فائدة، وبعضها مأخوذ من فَهْم المعنى المقصود بالأحاديث المذكورة، ولا بد أن يكون ظاهر الإرادة واضح الاستفادة، وبعضها مأخوذ من القياس، وشرط تقييد الدليل به أن يكون صحيحاً معتبراً على سَنَن القواعد المعتبرة في الأصول. انتهى كلام الشوكانيّ كَذَتُهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الشوكانيّ كَُّ في هذا البحث النبيل، وأفاد. وخلاصته أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز رمي من تجسس في بيت غيره، وأنه لو هلك من ذلك، أو بعض أعضائه يكون هدراً هو الحقّ؛ لظهور حجّته واستنارة محجّته، فإن قوله وَله: ((من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا دية له، ولا قصاص))(٢) نصّ صريح لا يقبل شيئاً من التأويلات التي ذكروها، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٣١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ (١) ((نيل الأوطار)) ١٧١/٧ - ١٧٤. (٢) حديث صحيح رواه أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان، وغيره. ٤٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: (لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذٍْ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ)؛ أي: رميته بحصاة من بين إصبعيك، قاله النوويّ كَُّ(١)، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: خذفت الحصاة، ونحوها خذْفاً، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الْخَذْف معناه: حصى الرمي، والمراد: الحصى الصغار مجازاً. انتهى (٢). و((الحصاة)): واحدة الحصى، وهي صغار الحجارة، وجمعه حَصَيَاتٌ، وحُصيّ، أفاده المجد لَد ◌ُهُ(٣). [تنبيه]: قوله: ((فخذفته)): بالخاء، والذال المعجمتين، هكذا هو في (نُسخ مسلم))، وفي رواية البخاريّ: ((فحذفته)) - بالحاء المهملة - قال في ((الفتح)): وقوله: ((فحذفته)) بالحاء المهملة، عند أبي ذرّ، والقابسي، وعند غيرهما بالخاء المعجمة، وهو أوجه؛ لأنه(٤) الرمي بحصاة، أو نواة، ونحوهما، إما بين الإبهام والسبابة، وإما بين السبابتين. وجزم النوويّ بأنه في مسلم بالمعجمة. وقال القرطبيّ: الرواية بالمهملة خطأ؛ لأن في نفس الخبر أنه الرمي بالحصى، وهو بالمعجمة جزماً . قال الحافظ: ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازاً. انتهى(٥). (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٤. (٢) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٢٩٦. (٤) وقع في نسخ ((الفتح)): ((لأن الرمي))، والظاهر أن الضمير سقط غلطاً، فتأمل. (٥) ((الفتح)) ٥٦/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٨٨). ٤٦٣ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٣١) وقوله: (فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ) بقاف، ثم همزة ساكنة؛ أي: شققت عينه. قال ابن القطّاع: ففقأ عينه: أطفأ ضوءها . وقوله: (مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحِ) بضمّ الجيم، وتخفيف النون؛ أي: من إثم، أو مؤاخذة، ولفظ البخاريّ: ((لم يكن عليك جُناح))، ولفظ النسائيّ: ((ما كان عليك حرجٌ))، وقال مرّةً أخرى: ((جُنَاحٌ)). والمراد بالجناح هنا الحرج. قال في ((الفتح)): وفيه ردّ على من حمل الجناح هنا على الإثم، ورَّب على ذلك وجوب الدية؛ إذ لا يلزم من رفع الإثم رفعها؛ لأن وجوب الدية من خطاب الوضع، ووجه الدلالة أن إثبات الحِلّ، يمنع ثبوت القصاص والدية . وورد من وجه آخر عن أبي هريرة أصرح من هذا، عند أحمد، وابن أبي عاصم، والنسائي، وصححه ابن حبان، والبيهقي، كلهم من رواية بشير بن نَهِيك عنه بلفظ: ((من اطلع من بيت قوم بغير إذنهم، ففقوا عينه، فلا دية ولا قصاص))، وفي رواية من هذا الوجه: ((فهو هدر)). انتهى. وقال في ((الفتح)) أيضاً: واستُدلّ به على اعتبار قَدْر ما يُرْمُى به، بحصى الخذف المقدَّم بيانها في ((كتاب الحجّ))؛ لقوله في حديث الباب: ((فخذفته))، فلو رماه بحجر يقتل، أو سهم تعلَّق به القصاص، وفي وجه لا ضمان مطلقاً، ولو لم يندفع إلا بذلك جاز، ويستثنى من ذلك من له في تلك الدار زوج، أو مَحْرم، أو متاع، فأراد الاطلاع عليه، فيمتنع رميه للشبهة. وقيل: لا فرق. وقيل: يجوز إن لم يكن في الدار غير حريمه، فإن كان فيها غيرهم أنذر، فإن انتهى، وإلا جاز، ولو لم يكن في الدار إلا رجل واحد، هو مالكها، أو ساكنها لم يجز الرمي قبل الإنذار، إلا إن كان مكشوف العورة. وقيل: يجوز مطلقاً؛ لأن من الأحوال ما يُكره الاطلاع عليه كما تقدم، ولو قَصَّر صاحب الدار بأن ترك الباب مفتوحاً، وكان الناظر مجتازاً، فنَظَر غير قاصد، لم يجز، فإن تعمّد النظر فوجهان: أصحهما لا، ويلتحق بهذا من نظر من سطح بيته، ففيه الخلاف، وقد توسع أصحاب الفروع في نظائر ذلك، قال ابن دقيق العيد: وبعض تصرفاتهم مأخوذة من إطلاق الخبر الوارد في ذلك، وبعضها من مقتضى ٤٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب فهم المقصود، وبعضها بالقياس على ذلك. والله أعلم. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه وقد تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١١) - (بَابُ نَظَرِ الْفَجْأَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٣٢] (٢١٥٩) - (حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسِّ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ(٢)، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي). رجال هذه الأسانيد: عشرة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَبْع) العيشيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنٌّ عُلَيَّةَ) تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبْديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورِعٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣. ٥ - (عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، أو الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٥] (بخ م ٤) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠٠٨/١٥. ٦ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير البجليّ الكوفيّ، اسمه هَرِم، أو عمرو، أو عبد الله، أو غيره، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١. (١) ((الفتح)) ٥٦/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٨٨). (٢) وفي نسخة: ((عن نظرة الْفَجْأَة)). ٤٦٥ (١١) - بَابُ نَظَرِ الْفَجْأَةِ - حديث رقم (٥٦٣٢) ٧ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور، مات ـه (٥١)، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٧/٢٥. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخْذُ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يونس، وعمرو، وأبو زرعة، ورواية الأولين من رواية الأقران. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بن عمرو (عَنْ) جدّه (جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ)؛ أي: عن حكمه، و((الْفُجاءة)) بضم الفاء، وفتح الجيم، وبالمدّ، ويقال: بفتح الفاء، وإسكان الجيم، والقصر، لغتان، هي البغتة، ومعنى نظر الفجأة: أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد، فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، قاله النوويّ كَذَلُهُ(١). وقال القرطبيّ كَْتُ: ((الْفُجاءة)) بضم الفاء، والمدِّ، والهمز: مصدر فَجَأني الأمر يفجؤني فُجاءَة: إذا صادفك بغتة، من غير قصد، ومنه: قَطَرِيُّ بن الْفُجاءة؛ اسم رجل، ويقال: فاجأني يفاجئني مفاجأةً، وفُجَاء. انتهى(٢). وقال الفيّوميّ كَُّ: فَجِئْتُ الرجلَ أَفْجَأُهُ مهموزٌ، من باب تَعِبَ، وفي لغة بفتحتين: جئته بغتةً، والاسم الْفُجَاءة بالضم، والمدّ، وفي لغة وزانُ تَمْرَةٍ، وفَجِئَهُ الأمرُ، من باب تَعِبَ ونَفَعَ أيضاً، وفَاجَأَهُ مفاجأة؛ أي: عاجله. (٣) انتھی . (فَأَمَرَنِي) وَ (أَنْ أَصْرِفَ) بكسر الراء، من باب ضرب؛ قال جرير أي: أردّ (بَصَرِي) إلى جهة أخرى غير الجهة المُحَرَّمة، قال القرطبيّ ◌َّهُ: وإنما أمره أن يصرف بصره عن استدامة النظر إلى ما وقعت عينه عليه أوّل مرّة؛ (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/١٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٦٣/٢. (٢) ((المفهم)) ٤٨٢/٥. ٤٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وإنما لم يتعرض لذكر الأُولى؛ لأنَّها لا تدخل تحت خطاب تكليف؛ إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصوداً، فلا تكون مكتسبة، فلا يكون مكلفاً بها، فأعرض عما ليس مكلَّفاً به، ونهاه عما يُكلَّف به؛ لأنَّ استدامة النظر مكتسبة للإنسان؛ إذ قد يستحسن ما وافقه بصره، فيتابع النظر، فيحصل المحذور - وهو النظر إلى ما لا يحل -. ولذلك قال النبيّ ◌َلّ لعليّ بن أبي طالب نظر به: ((لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأُولى، وليست لك الثانية))(١). انتهى(٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله صوابه هذا من أفراد المصنّف دَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٣٢/١١ و٥٦٣٣] (٢١٥٩)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٤٨)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧٧٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٩٢٣٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٦٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥٨/٤ و٣٦١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٨/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٧١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٤٠٤)، و((الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٥٢/٢ - ٣٥٣) و((شرح معاني الآثار)) (١٥/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٤٤/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٩٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٩/٧ - ٩٠) وفي ((الآداب)) (٨٨٧) و((شُعَب الإيمان)) (٣٦٤/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم النظر إلى الأجنبيّة قصداً، قال ابن حبّان ◌َُّهُ: الأمر بصرف البصر أمر حتم عما لا يحلّ، وهو مقرون بالزجر عن ضدّه، وهو النظر إلى المحرّم. انتهى(٣). (١) حديث حسن، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وكذا حسّنه الشيخ الألبانيّ، وصححه ابن حبّان. (٢) ((المفهم)) ٤٨٢/٥ - ٤٨٣. (٣) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٣٨٤/١٢. ٤٦٧ (١١) - بَابُ نَظَرِ الْفَجْأَةِ - حديث رقم (٥٦٣٢) وقال المناويّ تَخّْثُهُ: وقد سئل المصطفى و 8 عن نظر الفجأة، فأمر السائل أن يصرف بصره، فأرشده إلى ما ينفعه، ويدفع ضرره، وقال لابن عمه عليّ ظُه تحذيراً مما يوقع في الفتنة، ويورث الحسرة: ((لا تتبع النظرة النظرة))، أما سمعت(١) قول العقلاء: من سَرّح ناظره، أتعب خاطره، ومن كَثُرت لحظاته، دامت حسراته، وضاعت أوقاته، نظر العيون إلى العيون هو الذي جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلاً؟ انتهى(٢). ٢ - (ومنها): وجوب صرف البصر إذا وقع على الأجنبيّة بغتةً، فإذا صرف في الحال، فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أَثِمَ؛ لهذا الحديث، فإنه وَلهـ أمره بأن يصرف بصره، مع قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾(٣). ٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض: قال العلماء: وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سُنَّة مستحبة لها، ويجب على الرجال غَضّ البصر عنها في جميع الأحوال، إلا لغرض صحيح شرعيّ، وهو حالة الشهادة، والمداواة، وإرادة خطبتها، أو شراء الجارية، أوّ المعاملة بالبيع والشراء، وغيرهما، ونحو ذلك، وإنما يباح في جميع هذا قَدْر الحاجة، دون ما زاد، والله أعلم. انتهى (٤). ٤ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ تَخَّلُهُ - بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في هذا الباب - ما حاصله: وهذه الآثار، وما كان مثلها في معناها يدلّك على أن قوله ◌َّ لفاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم: ((تضعين ثيابك، ولا يراك))، أراد به الإعلان بأن نظر الرجل إلى المرأة، وتأمله لها، وتكرار بصره في ذلك لا يجوز له؛ لِمَا فيه من داعية الفتنة. وفي حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن فاطمة عليها: أن النبيّ وَّ قال لها: انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل، قد ذهب بصره، فإن وضعت شيئاً من ثيابك لم ير شيئاً. (١) هذا ليس من تمام الحديث، وإنما كلام بعض الناس. (٢) ((فيض القدير)) ٣٩٨/٤. (٤) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٧. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/١٤. ٤٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وفي هذا الحديث دليل على جواز نظر المرأة الرجل الأعمى، وكونها معه، وإن لم تكن ذات محرم منه، في دار واحدة، وبيت واحد، وفي ذلك ما يَرُدّ حديث نبهان - مولى أم سلمة - عن أم سلمة ﴿ها قالت: كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول الله *، فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى، فقال: ((احتجبا منه))، فقلنا: يا رسول الله أليس بأعمى، ولا يبصرنا؟ قال: ((أَفَعَمْيَاوَانِ أنتما)). ففي هذا الحديث نهيه عن نظرهما إلى ابن أم مكتوم، وفي حديث فاطمة إباحة نظرها إليه، ويشهد لحديث نبهان هذا ظاهر قول الله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ﴾ [النور: ٣١]، كما قال: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ويشهد لذلك من طريق الغَيْرة أن نظرها إليه كنظره إليها، وقد قال بعض الأعراب: لأن ينظر إلى وليّتي عشرة رجال خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد. ومن قال بحديث فاطمة احتَجَّ بصحة إسناده، وأنه لا مطعن لأحد من أهل العلم بالحديث فيه، وقال: إن نبهان - مولى أم سلمة - ليس ممن يُحتجّ بحديثه، وزعم أنه لم يرو إلا حديثين منكرين: أحدهما هذا، والآخر عن أم سلمة، عن النبيّ 18 في المكاتَب: ((إذا كان عنده ما يؤدي به كتابته احتجبت منه سيدته)). انتهى كلام ابن عبد البرّ تَقْذَهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث مولى أم سلمة ﴿يا المذكور ضعيف، فلا يعارض حديث فاطمة بنت قيس المذكور المتّفق عليه، وعلى تقدير صحّته فأمهات المؤمنين لسن كسائر النساء، يشدّد في حقِّهن ما يشدّد في غيرهنّ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). (١) ((الاستذكار)) ١٦٩/٦ - ١٦٨. ٤٦٩ (١١) - بَابُ نَظَرِ الْفَجْأَةِ - حديث رقم (٥٦٣٣) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((إسحاق)) هو: ابن راهويه. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن يونس ساقها هناد بن السريّ في ((الزهد))، فقال: (١٤١٧) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جدّه، قال: سألت رسول الله وله عن نظر الفجأة، فقال: ((اصْرِفْ بصرك)). انتهى(١). وأما رواية عبد الأعلى عن يونس بن عبيد فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١) ((الزهد لابن السريّ)) ٦٤٩/٢. ٤٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام ٣٩ - (كِتَابُ السَّلَامِ) مسألةٌ تتعلّق بهذه الترجمة: (اعلم): أن السّلام بفتح السين المهملة، وتخفيف اللام، بوزن الكلام: اسمٌ من سلّم يسلّم تسليماً، وهو اسم من أسماء الله تعالى، قال الإمام البخاريّ تَظْلُهُ في (صحيحه)): ((بابٌ السلام اسم من أسماء الله تعالى))، ثم أورد حديث ابن مسعود ظُه في التشهّد، وفيه قوله: ((إن الله هو السلام))، قال الحافظ تَّتُهُ: هذه الترجمة لفظ بعض حديث مرفوع له طرُق ليس منها شيء على شرط البخاريّ في ((الصحيح))، فاستعمله في الترجمة، وأورد ما يؤدي معناه على شرطه، وهو حديث التشهد؛ لقوله فيه: ((إن الله هو السلام))، وكذا ثبت في القرآن في أسماء الله: ﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ومعنى السلام: السالم من النقائص، وقيل: المسلِّم لعباده، وقيل: المسلِّم على أوليائه، وأما لفظ الترجمة، فأخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من حديث أنس، رُه، بسند حسن، عن عبد الله بن مسعود رضي به، قال: ((إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، إن الرجل إذا سلّم على القوم، فرَدُّوا عليه كانت له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذَكَّرهم السلام، وإن لم يَرُدُّوا عليه رَدَّ عليه من هو خير منه، وأطيب))(١) . وأخرجه البزار، والطبرانيّ من حديث ابن مسعود موقوفاً، ومرفوعاً، وطريق الموقوف أقوى، وأخرجه البيهقيّ في ((الشعب)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بسند ضعيف، وألفاظهم سواء، وأخرج البيهقيّ في ((الشُّعب)) عن ابن عباس موقوفاً: ((السلام اسم الله، وهو تحية أهل الجنة))، وشاهِدُه حديث (١) ((الأدب المفرد)) ٣٥٨/١. ٤٧١ ٣٩ - كتاب السلام المهاجر بن قُنْفُذ أنه سَلَّم على النبيّ وَّر، فلم يردّ عليه حتى توضأ، وقال: (إني كَرِهت أن أذكر الله إلا على طهر))، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وغيره. ويَحْتَمِل أن يكون أراد ما في ردّ السلام من ذِكْر اسم الله صريحاً في قوله: ((ورحمة الله)). وقد اختُلِف في معنى السلام، فنَقَل عياض: أن معناه اسم الله؛ أي: كلاءة الله عليك، وحفظه، كما يقال: الله معك، ومصاحبك، وقيل معناه: أن الله مُطَّلِع عليك فيما تفعل، وقيل معناه: أن اسم الله يُذْكَر على الأعمال توقعاً لاجتماع معاني الخيرات فيها، وانتفاء عوارض الفساد عنها، وقيل معناه: [الواقعة: ٩١]، وكما السلامة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ قال الشاعر [من الوافر]: تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ عَمْرٍو وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ فكأن المسلّم أعلمَ من سَلَّم عليه أنه سالم منه، وأن لا خوف عليه منه. وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)): السلام يُطلق بإزاء معان: منها: السلامة، ومنها: التحية، ومنها: أنه اسم من أسماء الله، قال: وقد يأتي بمعنى التحية محضاً، وقد يأتي بمعنى السلامة محضاً، وقد يأتي متردِّداً بين المعنيين، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، سَلَمٌ قَوْلاً مِّنْ فإنه يَحتمل التحية والسلامة، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (@) رَّدٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٧، ٥٨]. ثم أورد البخاريّ رَّتُهُ تحت الترجمة المذكورة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خُيِّيِثُم بِتَحِيَّةِ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]، قال في (الفتح)): ومناسبة ذِكر هذه الآية في هذه الترجمة للإشارة إلى أن عموم الأمر بالتحية مخصوص بلفظ السلام، كما دلت عليه الأحاديث المشار إليها في الباب الأول، واتفق العلماء على ذلك، إلا ما حكاه ابن التين عن ابن خويز منداد عن مالك أن المراد بالتحية في الآية: الهدية، لكن حَكَى القرطبي عن ابن خويز منداد أنه ذكره احتمالاً، واذَّعَى أنه قول الحنفية، فإنهم احتجوا بذلك بأن السلام لا يمكن ردّه بعينه، بخلاف الهدية، فإن الذي يُهدَى له إن أمكنه أن يُهدي أحسن منها فَعَلَ، وإلا ردَّها بعينها . ٤٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام وتُعُقِّب بأن المراد بالردّ ردّ المثل، لا ردّ العين، وذلك سائغ كثير، ونقل القرطبيّ أيضاً عن ابن القاسم، وابن وهب عن مالك، أن المراد بالتحية في الآية تشميت العاطس، والردُّ على المشُمِّت، قال: وليس في السياق دلالة على ذلك، ولكن حكم التشميت والردّ مأخوذ من حكم السلام والردّ عند الجمهور، ولعل هذا هو الذي نحا إليه مالك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (١) - (بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٣٤] (٢١٦٠) - (حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا رَوْتَّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجَ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتَاً مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُّقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ))). رجال هذين الإسنادين: ثمانية: ١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم) الْعَمّيّ، أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م د تَ ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٠/٢٧. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مخلد النبيل، تقدّم قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بَّنُ مَرْزُوقٍ) هو: محمد بن محمد بن مرزوق الباهليّ البصريّ، ابن بنت مهديّ بن ميمون، نُسب لجدّه، صدوقٌ له أوهامٌ [١١] (ت٢٤٨) (م ت ق) تقدم في ((الحج)) ٣١٨٤/٥٩. ٤ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء، تقدّم قريباً. ٥ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم أيضاً قريباً . ٦ - (زِيَادُ) بنّسعد بن عبد الرحمن الْخُراسانيّ، نزيل مكة، ثمّ اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦. (١) ((الفتح)) ١٤ / ١٤٤ - ١٤٦، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٠). ٤٧٣ (١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤) ٧ - (ثَابِتٌ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) هو: ثابت بن عياض الأحنف الأعرج العدويّ مولاهم [٣] (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٨/٦٥. و «أبو هريرة)) رڅه ذُكر قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسیّات المصنّف نَّثُ، وله فیه إسنادان فصل بينهما بالتحویل، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع، وفيه أبو هريرة ظه أحفظ من روی الحدیث في دهره. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج أنه قال: (أَخْبَرَنِي زِيَادٌ) هو ابن سعد الخراسانيّ، (أَنَّ ثَابِئاً مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) بن الخطاب، أخي عمر بن الخطاب، ولذلك نسبوا ثابتاً عدويّاً، قال في ((الفتح)): وحَكَى أبو عليّ الجيّانيّ أن في رواية الأصيليّ عن الجرجانيّ: عبد الرحمن بن يزيد، بزيادة ياء في أوله، وهو وَهَمٌّ، وثابت هو ابن الأحنف، وقيل: ابن عياض بن الأحنف، وقيل: إن الأحنف لقبُ عياضٍ، وليس لثابت في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في الْمُصَرَّاة من ((كتاب البيوع)). انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ليس لثابت هذا عند مسلم إلا أربعة أحاديث فقط، في ((الإيمان))، و((الطهارة))، و((النكاح))، والرابع حديث الباب، فتنبّه. (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر زياداً (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (يُسَلِّمُ) كذا هو بصيغة الخبر، وهو بمعنى الأمر، وقد ورد صريحاً في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عند أحمد، بلفظ: ((ليسلم)) (الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي) كذا في رواية ثابت، وفي رواية همام بن منبّه، عند البخاريّ: ((يسلّم الصغير على الكبير))، ولم يذكر: ((يسلّم الراكب على الماشي))، قال في ((الفتح)): فكأن كلّاً منهما حَفِظ ما لم يحفظ الآخر، وقد وافق همّاماً عطاء بن يسار، عند البخاريّ، واجتمع من ذلك أربعة أشياء، وقد اجتمعت في رواية الحسن، عن (١) ((الفتح)) ١٤٨/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٢). ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام أبي هريرة، عند الترمذيّ، وقال: رُوي من غير وجه عن أبي هريرة، ثم حَكَى قول أيوب وغيره: إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: سماع الحسن من أبي هريرة رضيُبه قد استوفيت بحثه في ((شرح النسائيّ))، في ((باب ما جاء في الخلع)) من ((كتاب الطلاق)) ورجّحت قول من قال بسماعه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن شِبْل - بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة، بعدها لام - بلفظ: ((يسلم الراكب على الراجل، والراجل على الجالس، والأقل على الأكثر، فمن أجاب كان له، ومن لم یجب فلا شيء له)). (وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ) وفي لفظ للبخاريّ: ((والمارّ على القاعد)). قال في ((الفتح)): قوله: ((والمارّ على القاعد)) هو كذا في رواية هَمّام، وهو أشمل من رواية ثابت التي قبلها بلفظ: ((والماشي))؛ لأنه أعمّ من أن يكون المارّ ماشياً، أو راكباً، وقد اجتمعا في حديث فَضَالة بن عُبيد عند البخاريّ في (الأدب المفرد))، والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ، وصحيح ابن حبان بلفظ: (يسلّم الفارس على الماشي، والماشي على القائم))، وإذا حُمِل القائم على المستقرّ كان أعمّ من أن يكون جالساً، أو واقفاً، أو متكئاً، أو مضطجعاً، وإذا أضيفت هذه الصورة إلى الراكب تعددت الصور، وتبقى صورة لم تقع منصوصةً، وهي ما إذا تلاقى مارّان راكبان، أو ماشيان، وقد تكلم عليها المازريّ(٢)، فقال: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قَدْراً في الدين إجلالاً لفضله؛ لأن فضيلة الدين مُرَغَّبٌ فيها في الشرع، وعلى هذا لو التقى راكبان، ومركوب أحدهما أعلى في الحسّ من مركوب الآخر كالجمل والفرس، فيبدأ راكب الفرس، أو يُكتفَى بالنظر إلى أعلاهما قَدْراً في الدين، فيبتدؤه الذي دونه. هذا الثاني أظهر، كما لا نَظَر إلى من يكون أعلاهما قَدْراً من جهة الدنيا، إلا أن يكون سلطاناً يُخشى منه، وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة، فكل منهما (١) ((الفتح)) ١٤٨/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٢). (٢) («المعلم)) ٣/ ٨٧. ٤٧٥ (١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤) مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، كما في حديث المتهاجرين. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح من حديث جابر قال: ((الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل))، ذَكَره عقب رواية ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن ثابت، عن أبي هريرة بسنده المذكور، وعن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر وصرَّح فيه بالسماع. وأخرج أبو عوانة، وابن حبان في ((صحيحيهما))، والبزار من وجه آخر، عن ابن جريج الحديث بتمامه، مرفوعاً بالزيادة. وأخرج الطبرانيّ بسند صحيح، عن الأغرّ المزنيّ: ((قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد إلى السلام)). وأخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة ظُه، رفعه: ((إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام))، وقال: حسن. وأخرج الطبرانيّ من حديث أبي الدرداء ◌َُّله: ((قلنا: يا رسول الله، إنا نلتقي، فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم الله))(١). (وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) هو أمر نسبيّ يَشمل الواحد بالنسبة للاثنين فصاعداً، والاثنين بالنسبة للثلاثة فصاعداً، وما فوق ذلك. قال الماورديّ كَّتُهُ: لو دخل شخص مجلساً، فإن كان الجمع قليلاً يعمّهم سلام واحد، فسلّم كفاه، فإن زاد، فخصص بعضهم فلا بأس، ويكفي أن يردّ منهم واحد، فإن زاد فلا بأس، وإن كانوا كثيراً بحيث لا ينتشر فيهم، فيبتدئ أول دخوله إذا شاهدهم، وتتأدى سُنَّة السلام في حق جميع من يسمعه، ويجب على من سمعه الردّ على الكفاية، وإذا جلس سقط عنه سُنَّة السلام فيمن لم يسمعه من الباقین، وهل يستحب أن يسلّم علی من جلس عندهم ممن لم يسمعه وجهان: أحدهما: إن عاد فلا بأس، وإلا فقد سقطت عنه سُنَّة السلام؛ لأنهم جَمْع واحد، وعلى هذا يسقط فرض الردّ بفعل بعضهم. والثاني: أن سُنَّة السلام باقية في حقّ من لم يبلغهم سلامه المتقدم، فلا يسقط فرض الردّ من الأوائل عن الأواخر. انتهى. (١) ((الفتح)) ١٤/ ١٥٠، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٢). ٤٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام وقال الحافظ تَّتُهُ: لكن لو عُكِس الأمرُ، فمرّ جَمْع كثير على جمع قليل، وكذا لو مر الصغير على الكبير، لم أر فيهما نصّاً، واعتبر النوويّ المرور، فقال: الوارد يبدأ، سواء كان صغيراً أم كبيراً، قليلاً أم كثيراً، ويوافقه قول المهلَّب: إن المار في حكم الداخل، وذكر الماورديّ أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق أنه لا يسلِّم إلا على البعض؛ لأنه لو سلّم على كل من لقي لَتَشاغَل به عن المهمّ الذي خرج لأجله، ولخرج به عن العُرَف. قال الحافظ: ولا يعكر على هذا ما أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن الظُفيل بن أبي بن كعب: ((قال: كنت أغدو مع ابن عمر إلى السوق، فلا يمرّ على بياع، ولا أحد إلا سلّم عليه، فقلت: ما تصنع بالسوق؟ وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السِّلَع؟ قال: إنما نغدو من أجل السلام على من لقينا))؛ لأن مراد الماورديّ: من خرج في حاجة له، فتشاغل عنها بما ذُكِر، والأثر المذكور ظاهر في أنه خرج لِقَصْد تحصيل ثواب السلام. وقد تكلم العلماء على الحكمة فيمن شُرع لهم الابتداء، فقال ابن بطال(١)، عن المهلَّب: تسليم الصغير لأجل حقّ الكبير؛ لأنه أُمر بتوقيره، والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حقّ الكثير؛ لأن حقهم أعظم، وتسليم المارّ؛ لِشَبَهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب؛ لئلا يتكبَّر بركوبه، فيرجع إلى التواضع. وقال ابن العربيّ: حاصل ما في هذا الحديث أن المفضول بنوعٍ مَا يبدأ الفاضل. وقال المازريّ(٢): أما أمر الراكب؛ فلأن له مزيةً على الماشي، فعُوِّض الماشي بأن يبدأه الراكب بالسلام؛ احتياطاً على الراكب من الزهو، أن لو حاز الفضيلتين، وأما الماشي فلِمَا يَتَوَقَّع القاعد منه من الشرّ، ولا سيما إذا كان راكباً، فإذا ابتدأه بالسلام أَمِن منه ذلك، وأَنِس إليه، أو لأن في التصرف في الحاجات امتهاناً، فصار للقاعد مزيةٌ، فأُمر بالابتداء، أو لأن القاعد يشُقّ عليه مراعاة المارّين مع كثرتهم، فسقطت البداءة عنه؛ للمشقة، بخلاف المارّ فلا (١) (شرح البخاريّ)) لابن بطال ١٥/٩. (٢) «المعلم)) ٨٧/٣. ٤٧٧ (١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤) مشقة عليه، وأما القليل فلفضيلة الجماعة، أو لأن الجماعة لو ابتدءوا لخيف على الواحد الزهو، فاحتيط له. ولم يقع تسليم الصغير على الكبير في ((صحيح مسلم))، وكأنه لمراعاة السنّ، فإنه معتبَر في أمور كثيرة في الشرع، فلو تعارض الصِّغَر المعنويّ والحسيّ، كأن يكون الأصغر أعلم مثلاً فيه نظرٌ، قال الحافظ: ولم أر فيه نقلاً، والذي يظهر اعتبار السنّ؛ لأنه الظاهر، كما تُقَدَّم الحقيقة على المجاز. ونقل ابن دقيق العيد عن ابن رشد أن محل الأمر في تسليم الصغير على الكبير إذا التقيا، فإن كان أحدهما راكباً، والآخر ماشياً بدأ الراكب، وإن كانا راكبين، أو ماشيين بدأ الصغير. وقال المازريّ(١) وغيره: هذه المناسبات لا يُعترض عليها بجزئيات تُخالِفِها؛ لأنها لم تُنصب نَصْبَ العلل الواجبة الاعتبار، حتى لا يجوز أن يعدل عنها، حتى لو ابتدأ الماشي فسلّم على الراكب لم يُمنع؛ لأنه ممتثل للأمر بإظهار السلام، وإفشائه، غير أن مراعاة ما ثبت في الحديث أولى، وهو خبر بمعنى الأمر على سبيل الاستحباب، ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة، بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء، فبدأه الآخر كان المأمور تاركاً للمستحب، والآخر فاعلاً للسُّنَّة، إلا إن بادر، فيكون تاركاً للمستحب أيضاً. وقال المتولي: لو خالف الراكب، أو الماشي ما دلّ عليه الخبر كُرِهَ، قال: والوارد يبدأ بكل حال. وقال الكرمانيّ(٢): لو جاء أن الكبير يبدأ الصغير، والكثير يبدأ القليل، لكان مناسباً؛ لأن الغالب أن الصغير يخاف من الكبير، والقليل من الكثير، فإذا بدأ الكبير والكثير أَمِن منه الصغير والقليل، لكن لمّا كان من شأن المسلمين أن يأمن بعضهم بعضاً اعتُبِر جانب التواضع، كما تقدم، وحيث لا يظهر رجحان أحد الطرفين باستحقاقه التواضع له اعتُبِر الإعلام بالسلامة، والدعاء له؛ رجوعاً إلى ما هو الأصل، فلو كان المشاة كثيراً والقعود قليلاً (١) ((المعلم)) ٨٨/٣. (٢) (شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ٧٨/٢٢. ٤٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام تعارضا، ويكون الحكم حكم اثنين تلاقيا معاً، فأيهما بدأ فهو أفضل، ويَحْتَمِل ترجيح جانب الماشي، كما تقدم. انتهى (١)، والله أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٣٤/١] (٢١٦٠)، و(البخاريّ) في ((الاستئذان)) (٦٢٣١ و٦٢٣٢ و٦٢٣٣ و٦٢٣٤) وفي ((الأدب المفرد)) (٩٩٣ و٩٩٥)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٩٨ و٥١٩٩)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧٠٣ و٢٧٠٤)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (١٨١/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٤/٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤١٨/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠٧/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٣/٩) و((شُعب الإيمان)) (٤٥١/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث فيه بيان آداب السلام، وترتيب من يستحقّ أن يسلّم أوّلاً، قال القرطبيّ تَُّ: ثمَّ إن الناس في الابتداء بالسَّلام إما أن تتساوى أحوالهم، أو تتفاوت، فإن تساوت فخيرهم الذي يبدأ صاحبه بالسلام؛ كالماشي على الماشي، والراكب على الراكب، غير أن الأَولى مبادرة ذوي المراتب الدينية؛ كأهل العلم، والفضل احتراماً لهم، وتوقيراً، وأما ذوو المراتب الدنيوية المحضة، فإنْ سلَّموا رُدَّ عليهم، وإن ظهر عليهم إعجاب، أو كِبْر فلا يُسلَّم عليهم؛ لأنَّ ذلك معونة لهم على المعصية، وإن لم يظهر ذلك عليهم جاز أن يُبدؤوا بالسَّلام، وابتداؤهم هم بالسلام أولى بهم؛ لأنَّ ذلك يدلّ على تواضعهم، وإن تفاوتت فالحكم فيها على ما يقتضيه هذا الحديث، فيبدأ الراكب بالسَّلام على الماشي؛ لعلوٌّ مرتبته؛ ولأنَّ ذلك أبعد له من الزهو، وأمَّا الماشي فقد قيل فيه مثل ذلك، وفيه بُعد؛ إذ الماشي لا يزهو بمشيه (١) ((الفتح)) ١٥٠/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٢). ٤٧٩ (١) - بَابٌ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ - حديث رقم (٥٦٣٤) غالباً، وقيل: هو معلَّل بأن القاعد قد يقع له خوف من الماشي؛ فاذا بدأه بالسَّلام أَمِن ذلك، وهذا أيضاً بعيد؛ إذ لا خصوصية للخوف بالقاعد، فقد يخاف الماشي من القاعد، وأشبه من هذا أن يقال: إن القاعد على حال وقار، وثبوت، وسكون، فله مزيَّة بذلك على الماشي؛ لأنَّ حاله على العكس من ذلك، وأما ابتداء القليل بالسَّلام على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين، وأكثريتهم، وقد زاد البخاريّ في هذا الحديث: ((ويسلّم الصغير على الكبير))، وهذه المعاني التي تَكَلَّف العلماء إبرازها هي حِكَمٌ تُناسب المصالح المحسِّنة، والمكمِّلة، ولا نقول: إنها نُصِبت نَصْب العلل الواجبة الاعتبار، حتى لا يجوز أن يُعْدَل عنها، فنقول: إن ابتداء القاعد للماشي غير جائز، وكذلك ابتداء الماشي الراكب، بل يجوز ذلك؛ لأنَّه مُظهر للسَّلام، ومفشٍ له، كما أمر به النبيّ وَّه بقوله: ((أفشوا السَّلام بينكم))، وبقوله: ((إذا لقيت أخاك فسلِّم عليه)). وإذا تقرر هذا فكل واحد من الماشي والقاعد مأمور بأن يسلِّم على أخيه إذا لقيه، غير أن مراعاة تلك المراتب أولى. انتهى كلام القرطبيّ كَخَّهُ(١)، وهو حسنٌ جدّاً، والله أعلم. (المسألة الرابعة): قال القرطبيّ كَُّ أيضاً: ثم هذا السَّلام المأمور به، وهو أن يقول: السَّلام عليكم، أو: سلامٌ عليكم؛ إذ قد جاء اللفظان في الكتاب والسُّنَّة، والسلام في الأصل بمعنى السلامة؛ كاللَّذَاذِ واللَّذَاذة، كما قال [الواقعة: ٩١]؛ أي: سلامةٌ لك مني، ٩١ تعالى: ﴿فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ وأمان، والسَّلام أيضاً: اسم من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ومعناه في حق الله تعالى: أنه المنزَّه عن النقائص والآفات التي تجوز على خَلْقه، وعلى هذا فيكون معنى قول المسلم: السلام عليك؛ أي: الله مُطّلع عليك، وناظر إليك، فكأنَّه يُذَكِّره باطلاع الله تعالى، ويُخَوِّفه به ليأمَنَ منه، ويُسلِّمُه من شرِّه، فإذا أُدخلت الألف واللام على المعنى الأول كان معناه السلامة كلها لك مني، وإذا أُدخلت على اسم الله تعالى كانت تفخيماً وتعظيماً؛ أي: الله العظيم السليم من النقائص، والآفات، (١) ((المفهم)) ٤٨٣/٥ - ٤٨٤. ٤٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات، ويقال في السَّلام: سِلْمٌ - بكسر السين - قال الشاعر [من الطويل]: وَقَفْنَا فِقُلنا إيهِ سِلْماً فسلَّمَت كَمَا انْكَلَّ بِالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوائِحُ(١) (المسألة الخامسة): لا ينبغي أن يقول المبتدئ: عليك السَّلام، لِنَهْي رسول الله ( 8* عن ذلك فيما رواه النَّسائيّ، وأبو داود، من حديث جابر بن سُليم: قال: لقيت رسول الله ◌َ﴿ فقلت: عليك السَّلام يا رسول الله! فقال: ((عليك السلام تحية الميت، السلام عليكم ثلاثاً))؛ أي: هكذا فقل، وقوله: ((عليك السَّلام تحيَّة الْمَيِّت))؛ يعني: أنه الأكثر في عادة الشعراء، كما قال [من الطويل] : عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ فَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَرَحْمَتُه مَا شَاءَ أن يَتَرَحَّمَا لا أن ذلك اللفظ هو المشروع في حقّ الموتى؛ لأنَّه ◌ِ ل﴿ قد سلَّم على الموتى، كما سلَّم على الأحياء، فقال: ((السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين)، رواه مسلم، ويتأكد تقديم لفظ السَّلام إذا تنزّلنا على أن السَّلام اسم من أسماء الله تعالى، فإنَّ أسماءه تعالى أحقُّ بالتقديم. وأما الرادُّ: فالواجب عليه أن يردّ ما سمعه، والمندوب أن يزيد إن بقَّى له المبتدىء ما يزيد، فلو انتهى المبتدىء بالسلام إلى غايته؛ التي هي: السَّلام عليك ورحمة الله وبركاته لم يزد الرادُ على ذلك شيئاً؛ لأنَّ السلام انتهى إلى البركة(٢)، كما قاله عبد الله بن عباس، وقد أنكر عبد الله بن عمر على من زاد على ذلك شيئاً . وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُِِّّثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]؛ أي: يحاسب على الأقوال كما يحاسب على الأفعال. (٣) انتھی (المسألة السادسة): قال النوويّ كَّتُهُ: (اعلم): أن ابتداء السلام سُنَّة، (١) ((المفهم)) ٤٨٤/٥ - ٤٨٥. (٢) صحح الشيخ الألبانيّ كَُّ زيادة: ((ومغفرته)). راجع: ((السلسلة الصحيحة)) (٣/ ٤٣٣). (٣) ((المفهم)) ٤٨٥/٥ - ٤٨٦.