Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(٨) - بَابُ الإِسْتِذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
رسول الله وَلا و: ((ليس بالذي يضرّك)). انتهى (١).
وأما رواية أبي أسامة عن إسماعيل، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ الإِسْتِئْذَانِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦١٤] (٢١٥٣) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا - وَاللهِ - يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِساً بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَأَتَانَا
أَبُو مُوسَى فَزِعاً، أَوْ مَذْهُوراً، قُلْنَا: مَا شَأْتُكَ؟ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ،
فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثاً، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا،
فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْئُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثاً، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثاً، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ))، فَقَالَ عُمَرُ:
أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّ أَوْجَعْتُكَ، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ
الْقَوْمِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ: فَاذْهَبْ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة،
ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظً
فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس [٨] (ت١٩٨)، وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) - بخاء معجمة، وصاد مهملة، وفاء، مصغّراً -
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٢١١/١٥.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
هو: يزيد بن عبد الله بن خُصَيفة الكنديّ المدنيّ، نُسب لجدّه، ثقةٌ [٥] (ع)
تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠٣/٣١.
٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابد جليل [٢]
(ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٨٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْتُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من يزيد، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد نظُّه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ بُسْرٍ) بضمّ الموحّدة، وسكون السين المهملة، (ابْنِ سَعِيدٍ) أنه
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ◌َُّه (يَقُولُ: كُنْتُ جَالِساً بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ
الأَنْصَارِ) وفي رواية البخاريّ: ((كنت في مجلس من مجالس الأنصار))، وفي
رواية الحميديّ عن سفيان: ((إني لفي حلقة فيها أُبَيّ بن كعب))، أخرجه
الإسماعيليّ. (فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله قيس ◌َظُه، (فَزِعاً) منصوب
على الحال، (أَوْ مَذْعُوراً) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، (قُلْنَا)؛ أي: الأنصار
الجالسون في المجلس، (مَا شَأَنُكَ؟)؛ أي: أيّ شي حصل لك حتى جئتنا
فَزِعاً؟ (قَالَ) أبو موسى: (إِنَّ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َبُهُ (أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ
بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثاً) قال القرطبيّ كَذُ: هذا ليس مناقضاً لقوله في الأخرى:
((إنه استأذن ثلاثاً))؛ لأنَّ أبا موسى ◌ُه كان قد جمع بين السلام والاستئذان
ثلاثاً ثلاثاً، كما قد جاء منصوصاً عليه في الرواية الثالثة.
قال: وحاصل هذه الأحاديث أن دخول منزل الغير ممنوع؛ كان ذلك
الغير فيها، أو لم يكن، إلا بعد الإذن، وهذا الذي نصَّ الله تعالى عليه بقوله:
﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، ثم
قال بعد هذا: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَ نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ

٤٠٣
(٨) - بَابُ الإِسْتِتْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
ج
أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وهذا لا بدَّ منه؛ لأنَّ دخول منزل
الغير تصرُّف في ملكه، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأنَّه يَطَّلِع منه على ما لا يجوز
الاطلاع عليه من عورات البيوت، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح
الحاجيّة.
ولمّا تقرَّر هذا شرعاً عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر ظًّا،
ولمّا كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده عَمِل على ما كان عنده من ذلك،
فلمّا لم يُؤذن له رجع، وأما عمر رَ ؤُه فكان عنده العلم بالاستئذان، ولم يكن
عنده علم من العدد، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مُستبعِدٍ من نفسه أن
يخفى عليه ذلك من النبيّ وَّهِ مع ملازمته النبيّ وَّرِ حضراً، وسفراً، ملازمةً لم
تكن لأبي موسى، ولا لغيره، وإنكارَ مَن سَدَّ باب الذريعة في التقوُّل على
رسول الله *، ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: أقم عليه البينة، وإلا
أوجعتك، ولأجعلنك عظة، فلما أتاه بالبينة قال: إنما أحببت أن أتثبت.
انتھی(١).
(فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ) وعند البخاريّ في ((البيوع)) من طريق عُبيد بن
عُمير أن أبا موسى الأشعريّ استأذن على عمر بن الخطاب، فلم يؤذن له،
وكأنه كان مشغولاً فرجع أبو موسى، ففَزع عمر، فقال: ((ألم أسمع صوت
عبد الله بن قیس؟ ائذنوا له، قيل: إنه رجع)).
وفي رواية بكير بن الأشجّ، عن بسر الآتية في الباب: ((استأذنت على
عمر أمسٍ ثلاث مرّات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئت اليوم، فدخلت
عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلّمت ثلاثاً، ثم انصرفت، قال: قد
سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذَن لك، قال:
استأذنت كما سَمِعتُ))، ومن طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد: ((أن أبا موسى
أتى باب عمر، فاستأذن، فقال عمر: واحدةٌ، ثم استأذن، فقال عمر: اثنتان،
ثم استأذن، فقال عمر: ثلاثٌ، ثم انصرف، فاتبعه، فردّه))، ومن طريق طلحة بن
يحيى، عن أبي بُردة: جاء أبو موسى إلى عمر، فقال: السلام عليكم، هذا
(١) ((المفهم)) ٤٧٣/٥ - ٤٧٤.

٤٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام
عليكم، هذا الأشعريّ، ثم انصرف، فقال: ((رُدُّوه عليّ)).
وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر
إلا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال، وقد وقع في رواية
المالك في ((الموطأ)): ((فأرسل في إثره))، ويُجمع بينهما بأن عمر لَمّا فرغ من
الشغل الذي كان فيه تذكّره، فسأل عنه، فأُخبر برجوعه، فأرسل إليه، فلم يجده
الرسول في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني، قاله في
((الفتح))(١).
(فَقَالَ) عمر ◌َّهِ (مَا مَنَعَكَ)؛ أي: أيُّ شيء منعك (أَنْ تَأْتِيَنَا) وفي رواية
البخاريّ: ((فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي))، وفي رواية
عُبيد بن حُنين، عن أبي موسى عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)): ((فقال: يا
عبد الله اشتدّ عليك أن تحتبس على بابي، اعلم أن الناس كذلك يشتدّ عليهم
أن يحتبسوا على بابك، فقلت: بل استأذنت ... إلخ))، وفي هذه الزيادة دلالة
على أن عمر أراد تأديبه لَمّا بلغه أنه قد يحتبس على الناس في حال إمرته، وقد
كان عمر استخلفه على الكوفة، مع ما كان عمر فيه من الشغل(٢).
(فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثاً، فَلَمْ يَرُدُّوا)؛ أي: أهل
اليه حجته على الرجوع بعد الثلاث
البيت، (عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ) ثم ذكر أبو موسى
بقوله: (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثاً، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ،
فَلْيَرْجِعْ))) وقع في رواية عبيد بن عمير: ((كنا نؤمر بذلك))، وفي رواية عبيد بن
حنين، عن أبي موسى: ((فقال عمر: ممن سمعت هذا؟ قلت: سمعته من
رسول الله وَل9))، وفي رواية أبي نضرة: ((إن هذا شيء حفظته من رسول الله (وَلات).
[فائدة]: مما نبّه عليه بعض المعاصرين(٣) أن فتح الهاتف على رجل في
وقت يعرف أنه في شغل، أو راحة يلتحق بحكم الدخول بغير استئذان إلا في
(١) ((الفتح)) ١٦٨/١٤ - ١٦٩، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٥).
(٢) ((الفتح)) ١٦٨/١٤ - ١٦٩، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٥).
(٣) هو صاحب ((تكملة فتح الملهم)) نقله عن والده. راجع: ((التكملة)) ٢٣٠/٤ - ٢٣١.

٤٠٥
(٨) - بَابُ الإِسْتِئْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
حالة الضرورة، وينبغي لمن يفتح الهاتف على غيره، ويريد أن يطيل كلامه أن
يستأذن قبل الشروع في كلامه؛ لأن المخاطَب ربّما يكون في شغل، وإنما يرفع
السمّاع أثناء شغله، فلو أطال الآخر كلامه تأذّى بذلك، وتشوّش ذهنه، وإن
الأصل في مشروعيّة الاستئذان أن يجتنب الشخص إيذاء الآخر، والدخول في
خلوته، وهذه الآداب التي أكدها الشرع صارت الآن مهملة عند كثير من
الناس، فلا يعتبرونها من الدِّين، مع أنها من الأمور المهمة فيه، والله تعالى
أعلم.
(فَقَالَ عُمَرُ) ◌َظُهُ: (أَقِمْ عَلَيْهِ)؛ أي: على ما ادعيت أنه سمعته منه أ
(الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ)؛ أي: ضرباً، وفي رواية بكير بن الأشجّ: ((فوالله
لأُوجعنّ ظهرك، وبطنك، أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا))، وفي رواية
عبيد بن عمير: ((لتأتيني على ذلك بالبينة))، وفي رواية أبي نضرة: ((وإلا جعلتك
عِظَةً)).
(فَقَالَ أُبُّ بْنُ گَعْبٍ) ربه؛ أي: بعد أن سأل أبو موسى من يشهد له،
ففي رواية البخاريّ: ((أمنكم أحد سمعه من النبيّ وَارِ؟ فقال أُبيّ بن كعب:
والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم))، وفي رواية عبيد بن عمير: ((فانطلق إلى
مجلس الأنصار، فسألهم))، وفي رواية أبي نضرة الآتية: ((فقال: ألم تعلموا أن
رسول الله ( * قال: ((الاستئذان ثلاث))؟، قال: فجعلوا يضحكون، فقلت:
أتاكم أخوكم، وقد أُفزع، فتضحكون؟)). (لَا يَقُومُ مَعَهُ)؛ أي: مع أبي موسى،
(إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْم) وفي رواية بكير بن الأشج: ((فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا
سنّاً، قم يا أباَ سعيد))، قال النوويّ تَخُّْهُ: معنى كلام أَبيّ ◌َهُبه هذا أن هذا
الحديث مشهورٌ بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى إن أصغرنا يحفظه،
وسمعه من رسول الله ◌َ﴾(١).
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْم) وفي رواية البخاريّ:
((فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النّبِيّ وَّر قاله. (قَالَ) أُبيّ
(فَاذْهَبْ بِهِ) حتى تشهد له، وفي رواية البخاريّ: ((فأخبرت عمر أن النبيّ
(١) (شرح النوويّ)) ١٣١/١٤.

٤٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
قال ذلك))، في رواية ابن أبي عمر، عن سفيان التالية عند مسلم: ((قال أبو
سعيد: فقمت معه، فذهبت إلى عمر، فشهدت))، وفي رواية أبي نضرة الآتية:
((فقال أبو سعيد: انطلق، وأنا شريكك في هذه العقوبة))، وفي رواية بكير بن
الأشجّ: ((فقمت، حتى أتيت عمر، فقلت: قد سمعت رسول الله وَل يقول
هذا».
قال القرطبيّ تَخُّْ: لا تعارض بين هذه، وبين ما يأتي أن أُبي بن كعب
أخبر عمر بذلك، فإنَّه يُحمل على أن كلّ منهما أخبره بذلك، أبو سعيد أوّلاً
حين أتاه إلى منزله، وأُبَيّ ثانياً لمّا اجتمع به عمر في المسجد، وهذا كله يدلُّ
على شهرة الحديث عندهم، ومع ذلك فلم يعرفه عمر، ولا يُستنكر هذا، فإنَّه
من ضرورة أخبار الآحاد. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): واتَّفَقَ الرواة على أن الذي شَهِد لأبي موسى عند عمر
أبو سعيد، إلا ما عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من طريق عُبيد بن حُنين،
فإن فيه: ((فقام معي أبو سعيد الخدريّ، أو أبو مسعود إلى عمر))، هكذا
بالشكّ، وفي رواية لمسلم من طريق طلحة بن يحيى، عن أبي بُردة في هذه
القصّة: ((فقال عمر: إن وَجَد بينةً تجدوه عند المنبر عشيةً، وإن لم يجد بينةً،
فلن تجدوه، فلما أن جاء بالعشيّ وجده، قال: يا أبا موسى ما تقول؟ أقد
وجدت؟ قال: نعم، أُبَيّ بن كعب، قال: عَدْلٌ، قال: يا أبا الطفيل - وفي لفظ
له: يا أبا المنذر، ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﴾﴾ يقول ذلك، يا
ابن الخطاب، فلا تكونَنَّ عذاباً على أصحاب رسول الله وَ لّ، قال: سبحان الله،
أنا سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبّت))، قال الحافظ: هكذا وقع في هذه
الطريق، وطلحة بن يحيى فيه ضعف، ورواية الأكثر أَولى أن تكون محفوظةً.
ويمكن الجمع بأن أُبَيَّ بن كعب جاء بعد أن شَهِد أبو سعيد، وفي رواية
عبيد بن حنين في (الأدب المفرد)) زيادة مفيدة، وهي: أن أبا سعيد، أو أبا
مسعود قال لعمر: ((خرجنا مع النبيّ وَّر يوماً، وهو يريد سعد بن عُبادة، حتى
أتاه، فسلّم، فلم يؤذن له، ثم سلَّم الثانية، فلم يؤذن له، ثم سلَّم الثالثة، فلم
(١) ((المفهم)) ٤٧٥/٥ - ٤٧٦.

٤٠٧
(٨) - بَابُ الإِسْتِئْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
يؤذن له، فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع، فأَذَنَ له سعد .. )) الحديث.
فثبت ذلك من قوله بَّر، ومن فعله، وقصّة سعد بن عُبادة، هذه أخرجها
أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مطوّلةً بمعناه، وأحمد من طريق
ثابت، عن أنس، أو غيره، كذا فيه، وأخرجه البزّار عن أنس، بغير تردّد،
وأخرجه الطبرانيّ من حديث أم طارق مولاة سعد.
واتَّفَق الرواة على أن أبا سعيد حدّث بهذا الحديث عن النبيّ وَِّ، وحَكَى
قصة أبي موسى عنه إلا ما أخرجه مالك في ((الموطأ)) عن الثقة، عن بكير بن
الأشجّ، عن بسر، عن أبي سعيد، عن أبي موسى بالحديث مختصراً دون
القصّة .
وقد أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بطوله، وصَرَّح
في روايته بسماع أبي سعيد له من النبيّ وَّر، وكذا وقع في رواية أخرى عنده:
((فقال أبو موسى: إن كان سمع ذلك منكم أحد فليقم معي، فقالوا لأبي سعيد:
قم معه)).
وأغرب الداوديّ، فقال: رَوَى أبو سعيد حديث الاستئذان عن أبي
موسى، وهو يشهد له عند عمر، فأدَّى إلى عمر ما قال أهل المجلس، وكأنه
نسي أسماءهم بعد ذلك، فحدّث به عن أبي موسى وحده؛ لكونه صاحب
القصّة.
وتعقبه ابن التين بأنه مخالف لِمَا في رواية ((الصحيح)) لأنه قال: ((فأخبرتُ
عمر بأن النبيّ ◌َّ﴿ قاله)).
قال الحافظ: وليس ذلك صريحاً في ردّ ما قال الداوديّ، وإنما المعتمد
في التصريح بذلك رواية عمرو بن الحارث، وهي من الوجه الذي أخرجه منه
مالك.
والتحقيق أن أبا سعيد حَكَى قصّة أبي موسى عنه بعدَ وقوعها بدهر
طويل؛ لأن الذين رووها عنه لم يدركوها، ومن جملة قصة أبي موسى الحديث
المذكور، فكأن الراوي لمّا اختصرها، واقتصر على المرفوع خرج منها أن أبا
سعيد ذكر الحديث المذكور عن أبي موسى، وغفل عما في آخرها من رواية
أبي سعيد المرفوع عن النبيّ بغير واسطة، وهذا من آفات الاختصار، فينبغي

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
لمن اقتصر على بعض الحديث أن يتفقد مثل هذا، وإلا وقع في الخطأ، وهو
كحذف ما للمتن به تعلّق، وتختلف الدلالة بحذفه.
وقد اشتَدّ إنكار ابن عبد البرّ على من زعم أن هذا الحديث إنما رواه أبو
سعيد عن أبي موسى، وقال: إن الذي وقع في ((الموطأ)) إنما هو من النَّقَلة
لاختلاط الحدیث علیھم.
وقال في موضع آخر: ليس المراد أن أبا سعيد رَوَى هذا الحديث عن
أبي موسى، وإنما المراد عن أبي سعيد عن قصّة أبي موسى، والله أعلم.
وممن وافق أبا موسى على رواية الحديث المرفوع جندب بن عبد الله،
أخرجه الطبرانيّ عنه بلفظ: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع)).
انتھی(١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقد استشكل ابن العربيّ إنكار عمر على أبي
موسى ◌ًّا حديثه المذكور، مع كونه وقع له مثل ذلك مع النبيّ بَّر، وذلك في
حديث ابن عباس ﴿ّ الطويل في هَجْر النبيّ وَّ نساءه في المشرُبة، فإن فيه أن
عمر استأذن مرّةً بعد مرّةً، فلمّا لم يؤذَن له في الثالثة رجع، حتى جاءه الإذن،
وذلك بَيِّنٌ في سياق البخاريّ.
قال: والجواب عن ذلك أنه لم يقض فيه بعلمه، أو لعله نسي ما كان
وقع له، ويؤيده قوله: ((شغلني الصفق بالأسواق)).
قال الحافظ: والصورة التي وقعت لعمر ليست مطابقةً لِمَا رواه أبو
موسى، بل استأذن في كل مرة، فلم يؤذن له، فرجع، فلما رجع في الثالثة
استُدْعِي، فأذن له، ولفظ البخاريّ الذي أحال عليه ظاهر فيما قلته. انتهى(٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال أبو عمر بن عبد البرّ - بعد إخراج هذا الحديث مختصراً،
(١) ((الفتح)) ١٦٨/١٤ - ١٦٩، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٥).
(٢) ((الفتح)) ١٧٢/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٥).

٤٠٩
(٨) - بَابُ الإِسْتِذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
من طريق سعيد الجريريّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: سَلَّم عبد الله بن قيس
أبو موسى الأشعريّ علی عمر بن الخطاب ثلاث مرّات، فلم يؤذن له، فرجع،
فأرسل عمر في إثْره لِمَ رجعت؟ قال: إني سمعت رسول الله وَ* يقول: ((إذا
سلّم أحدكم ثلاثاً، فلم يُجَبْ، فليرجع)).
قال أبو عمر: مثل هذا الحديث المختصر أوهم مَن جعله عن أبي سعيد،
عن أبي موسى، وقد بان بما روينا أنه ليس كذلك، إنما هو لأبي سعيد، عن
النبيّ ◌َ ◌ّ هِ شَهِد به لأبي موسى، ورواه كما رواه أبو موسى، وهذا هو الصحيح
- إن شاء الله تعالى - وبالله تعالى التوفيق. انتهى (١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٥٦١٤ و ٥٦١٥ و٥٦١٦ و٥٦١٧ و ٥٦١٨
و٥٦١٩ و٥٦٢٠] (٢١٥٣)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٠٦٣) و((الاستئذان))
(٦٢٤٥) و((الاعتصام بالكتاب والسنّة)) (٧٣٥٣) وفي (الأدب المفرد))
(١٠٦٥)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٢١٨١ و٢١٨٢ و٥١٨٠ و٥١٨٤)،
و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٦٩٠)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٠٦)،
و(مالك) في ((الموطأ)) (٦٢٤٥/٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٦٤)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٣ و١٩
و٣٩٣/٤ - ٣٩٤ و٤٠٣ و٤١٠ و٤١٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٤/٢)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٨٠٦ و٥٨٠٧ و٥٨١٠)، و(البيهقيّ) في
(«الكبرى» (٣٣٩/٨) وفي ((الأدب)) (٢٧٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٣١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستئذان، قال أبو عمر بن عبد البرّ ◌َُّ:
في هذا الحديث من الفقه إيجاب الاستئذان، وهو يُخَرَّج في تفسير قول الله رأيك:
﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ بُوتِكُمْ حَّ تَسْتَأِْسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾، والاستئناس
في هذا الموضع هو الاستئذان، كذلك قال أهل التفسير، وكذلك في قراءة
(١) ((الاستذكار)) ٤٧٦/٨.

٤١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
أُبَيّ، وابن عباس: ((تستأذنوا، وتسلِّموا على أهلها)). انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخَّقُ: الاستئذان لا بد أن يكون ثلاثاً، فإذا لم يؤذن له
بعد الثلاث، فهل يزيد عليها أو لا؟ قولان لأصحابنا، الأولى أن لا يزيد؛
لقوله وَله: ((الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع))، وهذا نصُّ.
قال: إنَّما خَصَّ الثلاث بالذكر؛ لأنَّ الغالب أن الكلام إذا كُرر ثلاثاً
سُمِعَ وِفُهِم، ولذلك كان النبيّ وَّه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفْهَم عنه،
وإذا سلَّم على قوم سلَّم عليهم ثلاثاً، وإذا كان الغالبُ هذا، فإذا لم يؤذَن له
بعد ثلاث ظهر أنّ ربَّ المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عذر
لا يمكنه قطعه، فينبغي للمستأذِن أن ينصرف؛ لأن الزيادة على ذلك قد تُقْلِق
ربَّ المنزل، وربما يضرُّه الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلاً به، كما قال
النبيّ وَل﴿ لأبي أيوب رَظُبه(٢) حين استأذن عليه، فخرج مستعجلاً، فقال: ((لعلنا
أعجلناك)). انتهى كلام القرطبيّ كَّلُهُ(٣)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
وقال النوويّ تَخْذَلُ: أجمع العلماء أن الاستئذان مشروعٌ، وتظاهرت به
دلائل القرآن، والسُّنَّة، وإجماع الأمة، والسُّنَّة أن يُسَلِّم، ويستأذن ثلاثاً، فيجمع
بين السلام والاستئذان، كما صُرِّح به في القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب
تقديم السلام، ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان، ثم السلام؟ والصحيح الذي
جاءت به السُّنَّة، وقاله المحققون أنه يُقَدِّم السلامَ، فيقول: السلام عليكم،
أأدخل؟ والثاني يُقَدِّم الاستئذان، والثالث - وهو اختيار الماورديّ من الشافعيّة -
إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قَدَّم السلام، وإلا قَدَّم
الاستئذان، وصحّ عن النبيّ وَّ ر حديثان في تقديم السلام. أما إذا أستأذن
ثلاثاً، فلم يؤذن له، وظَنَّ أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب: أشهرها أنه
ينصرف، ولا يعيد الاستئذان، والثاني: يزيد فيه، والثالث: إن كان بلفظ
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٩٦/٣.
(٢) كذا وقع في ((المفهم)) أن أبا أيوب، والمشهور أنه عتبان بن مالك، وقيل: غيره.
(٣) ((المفهم)) ٤٧٤/٥ - ٤٧٥.

٤١١
(٨) - بَابُ الاسْتِْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
الاستئذان المتقدِّم لم يُعِدْه، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر فحجته
قوله {18 في هذا الحديث: ((فلم يؤذن له فليرجع))، ومن قال بالثاني حمل
الحديث على من عَلِم، أو ظَنَّ أنه سمعه فلم يأذن. انتهى كلام النوويّ تَذُّهُ(١)،
وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وقال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: وظاهر هذا الحديث يوجب أن لا يستأذن
الإنسان أكثر من ثلاث، فإن أُذِن له، وإلا رجع، وهو قول أكثر العلماء، وإلى
هذا ذهب ابن نافع، وقال غيره: إن لم يُسْمَع فلا بأس أن يزيد، والاستئذان
أن يقول: السلام عليكم، آدخل؟ وقال بعضهم: المرة الأولى من الاستئذان
استئذان، والمرة الثانية مشورة، هل يؤذن له في الدخول أم لا؟ والثالثة علامة
الرجوع، ولا يزيد على الثلاث. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): قبول أخبار الآحاد، ووجوب التثبُّت فيها، والبحث عن
عدالة ناقليها؛ لأنَّ أبا موسى لمّا أخبر عمر ﴿ها بأن أبي بن كعب يشهد له
قال: عَدْلٌ.
٣ - (ومنها): حماية الأئمة حوزة الرواية عن رسول الله وَ﴾، والإنكار
على من تعاطاها إلا بعد ثبوت الأهليّة وتحققها .
٤ - (ومنها): أن المستأذن حقَّه أن يبدأ بالسلام، ثم يذكر اسمه، وإن
كانت له كنية يُعرف بها ذكرها، كما فعل أبو موسى ﴿ه، وكل ذلك ينبغي في
تحصيل التعريف التام للمستأذَن عليه؛ فإنَّه إن أَشْكَل عليه اسم عرف آخر، قال
القرطبيّ: قال بعض أصحابنا: هو بالخيار بين أن يُسمي نفسه أو لا، والأَولى
ما فَعَله أبو موسى، فإنَّ فِعْله ذلك إن كان توقيفاً؛ فهو المطلوب، وإن لم يكن
توقيفاً؛ فبه يحصل التعريف الذي لأجله شُرع الاستئذان، ثم رأي الصحابيّ
راوي الحديث أولى من هذا القول الحديث. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذْهُ(٣)،
وهو تعقّب وجيهٌ، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخْتُ: فيه أن الرجل العالم الحبر قد
(١) (شرح النوويّ)) ١٣٠/١٤ - ١٣١.
(٣) ((المفهم)) ٤٧٥/٥.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٠٤/٢٤.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس عنده من العلم، إذا كان طريق ذلك
العلم السمع، وإذا جاز مثل هذا على عمر على موضعه في العلم، فما ظنك
بغيره بعده؟ ورَوَى وكيع عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن
مسعود رعَُّه قال: لو أن علم عمر وُضع في كفّة، ووُضع علم أحياء الأرض
في كفة أخرى لرجح علم عمر بعلمهم، قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم،
فقال: لا تعجب من هذا، فقد قال عبد الله: إني لأحسب تسعة أعشار العلم
ذهب يوم ذهب عمر، وجاء عن حذيفة مثل قول عبد الله. انتهى(١).
٦ - (ومنها): أن في قول عمر ﴿به الآتي: في رواية عُبيد بن عُمير:
(خَفِي عليَّ هذا من أمر رسول الله وَّ، ألهاني عنه الصفق في الأسواق))
اعترافٌ منه بجهل ما لم يَعْلَم، وإنصافٌ صحيحٌ، وهكذا يجب على كل مؤمن
أن يكون في هذا مثل عمر ربه في التواضع، والاعتراف بحقيقة الأمر.
انتھی(٢).
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّتُهُ: وقد تعلق بهذا الحديث من يقول: لا
يُحتَجّ بخبر الواحد، وزعم أن عمر رُبُهُ رَدَّ حديث أبي موسى هذا؛ لكونه خبر
واحد، وهذا مذهب باطل، وقد أَجْمع من يُعْتَدّ به على الاحتجاج بخبر
الواحد، ووجوب العمل به، ودلائله من فعل رسول الله صل﴾، والخلفاء
الراشدين، وسائر الصحابة، ومَن بعدهم أكثر من أن يُخْصَر، وأما قول عمر
لأبي موسى: «أقم عليه البينة))، فليس معناه ردّ خبر الواحد من حيث هو خبر
واحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبيّ وَلّ حتى يقول
عليه بعض المبتدعين، أو الكاذبين، أو المنافقين، ونحوهم ما لم يقل، وأن
كل من وقعت له قضيّة وضع فيها حديثاً على النبيّ وَّ، فأراد سدّ الباب خوفاً
من غير أبي موسى، لا شكّاً في رواية أبي موسى، فإنه عند عمر أجلّ من أن
يَظُنّ به أن يُحَدِّث عن النبيّ ◌َّيِ ما لم يقل، بل أراد زجر غيره بطريقه، فإن من
دون أبي موسى إذا رأى هذه القضيّة، أو بلغته، وكان في قلبه مرض، أو أراد
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٩٨/٣.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٩٨/٣ و٢٠١.

٤١٣
(٨) - بَابُ الإِسْتِْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
وضع حديث خاف من مثل قضيّة أبي موسى، فامتنع من وضع الحديث،
والمسارعة إلى الرواية بغير يقين.
ومما يدلّ على أن عمر لم يَرُدّ خبر أبي موسى لكونه خبر واحد، أنه
طلب منه إخبار رجل آخر، حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر
واحد، وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر، فما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد.
ومما يؤيده أيضاً ما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة من قضيّة أبي موسى
هذه أن أُبَيّاً عَبه قال: ((يا ابن الخطاب فلا تكوننّ عذاباً على أصحاب
رسول الله ◌َ، فقال: سبحان الله إنما سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبت))، والله
(١)
أعلم. انتهى(١).
وقال أبو عمر كَّثُ في ((التمهيد)): زعم قوم أن في هذا الحديث دليلاً
على أن مذهب عمر أن لا يقبل خبر الواحد، وليس كما زعموا؛ لأن عمر
قد ثبت عنه استعمال خبر الواحد، وقبوله، وإيجاب الحكم به، أليس هو الذي
ناشد الناس بمنى: مَن كان عنده علم رسول الله - ﴿ في الدية، فليخبرنا، وكان
رأيه أن المرأة لا ترث من دية زوجها؛ لأنها ليست من عصبته الذين يعقلون
عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابيّ، فقال: كتب إليّ رسول الله وَالفول أن
أُوَرِّث امرأة أشيم الضبابيّ من دية زوجها، وكذلك ناشد الناس في دية الجنين،
مَن عنده فيه عن رسول الله وَله، فأخبره حَمَلُ بن مالك بن النابغة، أن
رسول الله ◌َ﴿ قضى فيه بغرةٍ عبدٍ، أو أمةٍ، فقضى به عمر؟ ولا يشك ذو لُبّ
ومن له أقل منزلة في العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام، ومكانه من
الفقه، والدِّين أجلّ من أن يَرُدّ خبره، ويقبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابيّ،
وحَمَلٍ بن مالك الأعرابيّ، وكلاهما لا يقاس به في حال، وقد قال له عمر في
حديث ربيعة هذا: أَمَا إني لم أَنَّهِمك، ولكني خَشِيت أن يتقوَّل الناس على
رسول الله وَه، فدَلّ على اجتهاد كان من عمر رَُه في ذلك الوقت لمعنى الله
أعلم به.
۵ کان عنده في ذلك الحين من لم يصحب
وقد يحْتَمِل أن یکون عمر
(١) (شرح النوويّ)) ١٣١/١٤ - ١٣٢.

٤١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
رسول الله ﴿ من أهل العراق، وأهل الشام؛ لأن الله فتح عليه أرض فارس
والروم، ودخل في الإسلام كثير ممن يجوز عليهم الكذب؛ لأن الإيمان لم
يستحكم في قلوب جماعة منهم، وليس هذه صفة أصحاب رسول الله وَليه؟
لأن الله قد أخبر أنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم أشدّاء على الكفار،
رحماء بينهم، وأثنى عليهم في غير موضع من كتابه، وإذا جاز الكذب، وأمكن
في الداخلين إلى الإسلام، فيمكن أن يكون عمر مع احتياطه في الدين يخشى
أن يختلقوا الكذب على رسول الله وَلقول عند الرهبة، والرغبة، أو طلباً للحجة،
وفراراً إلى الملجأ والمخرج مما دخلوا فيه؛ لقلة علمهم بما في ذلك عليهم،
فأراد عمر تُله أن يُريهم أن مَن فعل شيئاً يُنْكَر عليه، ففزع إلى الخبر عن
رسول الله ﴿ ﴿ ليثبت له بذلك فعله، وجب التثبت فيما جاء به، إذا لم تُعْرَف
حاله، حتى يصح قوله، فأراهم ذلك، ووافق أبا موسى، وإن كان عنده معروفاً
بالعدالة، غير مُتَّهَم؛ ليكون ذلك أصلاً عندهم، وللحاكم أن يجتهد بما أمكنه،
إذا أراد به الخير، ولم يخرج عما أبيح له، والله أعلم بما أراد عمر بقوله ذلك
لأبي موسى، وعلى هذا قول طاوس قال: كان الرجل إذا حَدَّث عن
رسول الله ◌َ﴿ أَخِذ حتى يجيء ببينة، وإلا عوقب؛ يعني: ممن ليس بمعروف
بالعدالة، ولا مشهور بالعلم والثقة، ألا ترى إلى إجماع المسلمين أن العالم إذا
حَدَّث عن رسول الله وَّة، وكان مشهوراً بالعلم أُخِذ ذلك عنه، ولم يُنْكَر عليه،
ولم يُحْتَجْ إلى بينة؟ ومن نحو قول طاوس هذا قول سعد بن إبراهيم تَخَّهُ: لا
يحدّث عن رسول الله ◌َ﴿ إلا الثقات؛ أي: كل من إذا وُقِّف أحال على مخرج
صحيح، وعِلْم ثابت، وكان مستوراً لم تظهر منه كبيرة، وأما قول من قال: إن
عمر لم يَعْرف أبا موسى، فقولٌ خرج عن غير رَوِيَّة، ولا تدبّر، ومنزلةُ أبي
موسى عند عمر مشهورة، وقد عَمِل له، وبعثه رسول الله وَلّر عاملاً، وساعياً
على بعض الصدقات، وهذه منزلة رفيعة في الثقة، والأمانة. انتهى كلام أبي
عمر تَخْذَتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): وليس في هذا الحديث ما ادّعاه، وتعلّق به من زعم
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٩٨/٣ - ٢٠١.

٤١٥
(٨) - بَابُ الإِسْتِثْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
أن عمر كان لا يقبل خبر الواحد، ولا حجة فيه؛ لأنه قَبِل خبر أبي سعيد
المطابق لحديث أبي موسى، ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد.
قال: واستَدَلّ به مَن ادَّعَى أن خبر العدل بمفرده لا يُقبل حتى ينضم إليه
غيره، كما في الشهادة، قال ابن بطال(١): وهو خطأ من قائله، وجهل بمذهب
عمر، فقد جاء في بعض طرقه أن عمر قال لأبي موسى: ((أما إني لم أتهمك،
ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله (وَ ﴿))، وهذه
الزيادة في ((الموطأ)) عن ربيعة، عن غير واحد من علمائهم، أن أبا موسى،
فذكر القصّة، وفي آخره: ((فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكني
خشيت أن يتقول الناس على رسول الله (َي))، وفي رواية عبيد بن حنين: ((فقال
عمر لأبي موسى: والله إن كنت لأميناً على حديث رسول الله وَ له، ولكن
أحببت أن أستثبت))، ونحوه في رواية أبي بُردة حين قال أُبَيّ بن كعب لعمر:
((لا تكن عذاباً على أصحاب رسول الله وَ ل﴾، فقال: سبحان الله، إنما سمعت
شيئاً، فأحببت أن أتثبت)).
قال ابن بطال: فيؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لِمَا يجوز عليه من
السهو وغيره، وقد قَبِل عمر خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية
زوجها، وأَخْذ الجزية من المجوس، إلى غير ذلك، لكنه كان يستثبت إذا وقع
له ما يقتضي ذلك.
وقال ابن عبد البرّ: يَحْتَمِل أن يكون حضر عنده مَن قَرُب عهده
بالإسلام، فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عن رسول الله صل﴿ عند الرغبة
والرهبة طلباً للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يُعلمهم أن من فعل شيئاً من
ذلك يُنكر عليه حتى يأتي بالمخرج.
وادّعَى بعضهم أن عمر لم يعرف أبا موسى، قال ابن عبد البرّ: وهو قول
خرج بغير رويّة من قائله، ولا تدبر، فإن منزلة أبي موسى عند عمر مشهورة،
وقال ابن العربيّ تَخْتُ: اختُلِف في طلب عمر من أبي موسى ◌ًّا البينة على
عشرة أقوال، فذكرها، قال الحافظ: وغالبها متداخل، ولا تزيد على ما قدمته.
(١) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطال ٢٥/٩.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ بالخبر المرفوع على أنه لا تجوز الزيادة في
الاستئذان على الثلاث، قال ابن عبد البرّ: فذهب أكثر أهل العلم إلى ذلك،
وقال بعضهم: إذا لم يُسْمَع فلا بأس أن یزید، وروی سحنون عن ابن وهب،
عن مالك: لا أحب أن يزيد على الثلاث، إلا من عَلِم أنه لم يُسمَع، وهذا هو
الأصح عند الشافعية، قال ابن عبد البرّ: وقيل: تجوز الزيادة مطلقاً بناءً على
أن الأمر بالرجوع بعد الثلاث للإباحة، والتخفيف عن المستأذن، فمن استأذن
أكثر فلا حرج عليه .
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بطلان هذا القول؛ لكونه معارضاً
للنصّ الصريح الصحيح: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع))،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: الاستئذان أن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ كذا قال، ولا يتعيّن
هذا اللفظ، وحَكَى ابن العربيّ: إن كان بلفظ الاستئذان لا يعيد، وإن كان بلفظ
آخر أعاد، قال: والأصح لا يعيد، وقد تقدم ما حكاه المازريّ(١) في ذلك.
وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن أبي العالية قال: أتيت أبا
سعيد، فسلّمت، فلم يؤذن لي، ثم سلمت، فلم يؤذن لي، فتنحيت ناحيةً،
فخرج عليّ غلامٌ، فقال: ادخل، فدخلت، فقال لي أبو سعيد: أما إنك لو
زدت؛ يعني: على الثلاث، لم يؤذن لك.
واختُلِف في حكمة الثلاث، فروى ابن أبي شيبة من قول عليّ بن أبي
طالب به: الأولى إعلام، والثانية مؤامرة، والثالثة عزمة، إما أن يؤذن له،
وإما أن يُرَدّ.
٩ - (ومنها): ما قاله الحافظ كَُّهُ: يؤخذ من صنيع أبي موسى
حيث ذكر اسمه أوّلاً، وكنيته ثانياً، ونسبته ثالثاً أن الأُولى هي الأصل، والثانية
إذا جَوَّز أن يكون التبس على من استأذن عليه، والثالثة إذا غلب على ظنه أنه
عرفه، قال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: وذهب بعضهم إلى أن أصل الثلاث في
الاستئذان قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَذِينَكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ
(١) ((المعلم)) ٨٦/٣.

٤١٧
(٨) - بَابُ الاسْتِتْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٤)
يَّلُغُواْ الْلُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ﴾ [النور: ٥٨] قال: وهذا غير معروف في تفسيرها،
وإنما أطبق الجمهور على أن المراد بالمرات: الثلاث الأوقات.
قال الحافظ: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيّان قال:
بلغنا أن رجلاً من الأنصار، وامرأته أسماء بنت مرثد صنعا طعاماً، فجعل
الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا، إنه
لَيَدْخُل على المرأة وزوجِها غلامهما، وهما في ثوب واحد بغير إذن،
فنزلت.
وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم بسند قويّ، من حديث ابن عباس .
أنه سئل عن الاستئذان في العورات الثلاث، فقال: إن الله سَتِيرٌ يحب الستر،
وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، فربما فاجأ الرجل خادمه، أو ولده،
وهو على أهله، فأمروا أن يستأذنوا في العورات الثلاث، ثم بسط الله الرزق،
فاتخذوا الستور، والحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم الله به مما
أمروا به.
ومن وجه آخر صحيح، عن ابن عباس: لم يعمل بها أكثر الناس، وإني
لآمر جاريتي أن تستأذن عليّ.
١٠ - (ومنها): أن لصاحب المنزل إذا سَمِع الاستئذان أن لا يأذن، سواءٌ
سَلَّم مرةً، أم مرتين، أم ثلاثاً، إذا كان في شغل له دينيّ، أو دنيويّ يتعذر بترك
الإذن معه للمستأذن.
١١ - (ومنها): أن لمن تحقق براءة الشخص مما يَخشى منه، وأنه لا
يناله بسبب ذلك مكروه أن يمازحه، ولو كان قبل إعلامه بما يَطْمَئنّ به خاطره
مما هو فيه، لكن بشرط أن لا يطول الفصل؛ لئلا يكون سبباً في إدامة تأذي
المسلم بالهمّ الذي وقع له، كما وقع للأنصار مع أبي موسى، وأما إنكار أبي
سعيد عليهم، فإنه اختار الأولى، وهو المبادرة إلى إزالة ما وقع فيه قبل
التشاغل بالممازحة (١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٧٢/١٤ - ١٧٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٥).

٤١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦١٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ بَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ
أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثمّ
المكيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية قتيبة، وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان بن عيينة ساقها
البيهقيّ دَّثُ في ((سننه))، فقال:
(١٧٤٤٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ محمد بن يعقوب، هو
الشيبانيّ، ثنا محمد بن شاذان، ثنا قتيبة بن سعيد (ح) قال: وحدثنا عليّ بن
عيسى، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا ابن أبي عمر، قالا: ثنا سفيان، حدّثني
يزيد بن خُصيفة، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ قال: استأذن أبو
موسى على عمر ◌ّها، فلم يؤذَن له، فانصرف، فقال له عمر: ما لك لَمْ تأتني؟
قال: قد جئت، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فرجعت، وقد قال
رسول الله وسلم: ((من استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع)»، فقال له عمر څبه :
أقم على ذا بينةً، وإلا أوجعتك، فقال أبو سعيد: فأتانا أبو موسى مذعوراً، أو
فَزِعاً، قال: جئت أستشهدكم، قال أَبَيّ بن كعب ◌َُّه: اجلس لا يقوم معك
إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: فكنت أصغرهم، فقمت، فشهدت له عند
عمر: أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((من استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع)).
انتھی(١).
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣٣٩/٨.

٤١٩
(٨) - بَابُ الإِسْتِتْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦١٦] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُوِ مُوسَى
الأَشْعَرِيُّ مُغْضَباً، حَتَّى وَقَفَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ الله(١)، هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ))؟ قَالَ أُبَّيِّ:
وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ
لِي، فَرَجَعْتُ، ثُمَّ جِئْتُهُ الْيَوْمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْتُ أَمْسٍ، فَسَلَّمْتُ
ثَلَاثاً، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، قَالَ: قَدْ سَمِعْنَاكَ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلِ، فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ
حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، قَالَ: فَوَ اللهِ لأُوجِعَنَّ
ظَهْرَ وَبَطْنَكَ، أَوْ لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، فَقَالَ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَوَاللهِ لَا
يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثْنَا سِنّاً، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُمْتُ حَتَى أَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: قَدْ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٥٠) (م د د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ،
ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٤ - (بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ
مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
(١) وفي نسخة: ((أنشدكم بالله)).

٤٢٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أنه (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث بُكير بن الأشجّ، (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ◌َُّهَ (يَقُولُ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) ◌َبُهُ (فَأَتَّى أَبُو
مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس ظَهُ حال كونه (مُغْضَباً، حَتَّى وَقَفَ) على
مجلس الأنصار، (فَقَالَ) أبو موسى (أَنْشُدُكُمُ اللهَ) وفي بعض النسخ: ((أنشدكم
بالله))، يقال: نشدتك الله، وبالله أنشدُك، من باب نصر: ذكّرتك به،
واستعطفتك، أو سألتك به مُقسماً عليك(١). (هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ اللهِ وَلـ
يَقُولُ: ((الإِسْتِئْذَانُ) للدخول، وهو استدعاء الإذن، وهو طلبه، (ثَلَاثٌ)؛ أي:
ثلاث مرّات، (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ)؛ أي: في الدخول، وجوابه لم يُذكر في هذه
الرواية، وذُكر في غيره بلفظ: ((فادخل))، وقوله: (وَإِلَّا) هي ((إن)) الشرطيّة،
أُدغمت في ((لا)) النافية، وفِعْل الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: وإن
لم يؤذن لك (فَارْجِعْ))؟) لأنه وَن قال: ﴿فَلَ نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُ﴾ [النور:
[٢٨]. (قَالَ أَبِّيّ)؛ أي: ابن كعب ◌َظُه (وَمَا ذَاكَ؟)؛ أي: ما سبب مناشدتك في
هذا الأمر؟ (قَالَ) أبو موسى (اسْتَأْذَنْتُ)؛ أي: طلبت الإذن في الدخول (عَلَى
(أَمْسٍ) بالبناء على الكسر، قال الفيّوميّ تَّقُ: أَمْسٍ:
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ)
اسم عَلَمٌ على اليوم الذي قبل يومك، ويُستعمل فيما قبله مجازاً، وهو مبنيّ
على الكسر، وبنو تميم تُعربه إعراب ما لا ينصرف، فتقول: ذهب أمْسُ بما
فيه، بالرفع، قال الشاعر [من الرجز]:
لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا
عَجَائِزاً مِثْلَ السَّعَالِي خَمْساً(٢)
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ) هذا يقتضي أن أبا موسى لم يرجع
إلى عمر ◌ًا إلا في اليوم الثاني، وقد تقدّم ما يقتضي أن عمر أرسل إليه في
الحال، حيث قال لمّا أُخبر برجوعه: ((رُدُّوه عليّ))، ويُجمع بينهما بأن عمر
لَمّا فرغ من شغله تذكّره، فسأل عنه، فأُخبر بأنه رجع، فأرسل من يردّه إليه،
(١) ((المصباح المنير)) ٦٠٥/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٢/١.