Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٤)
بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) هي زوجته، وبنت عمّه، (أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَتْ)؛ أي:
من مكة، (أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق
[تنبيه]: قولهما: ((خرجت ... إلخ)) ظاهره يوهم أنه من باب الإرسال؛
لأنهما لم يشهدا القصّة، وليس كذلك؛ لأن الرواية التالية بيّنت أنهما روياه عن
أسماء نفسها، ولفظها: ((قالت: فخرجتُ، وأنا متمّ ... )) الحديث.
وقد أجاد الحافظ تَُّ في ((الفتح)) البحث فيه، حيث قال عند الكلام
على حديث عائشة ها: هو محمول على أنه عن عروة عن أمه أسماء، وعن
خالته عائشة، فقد أخرجه البخاريّ من رواية أبي أسامة، عن هشام على
الوجهين، كما ترى، وفي رواية أسماء زيادة تختصّ بها، وقد ذكر البخاريّ
لحديث أسماء متابعاً، وهي الرواية المعلّقة التي فرغنا منها (١).
وذكر أبو نعيم لحديث عائشة ثقا متابعاً، من رواية عبد الله بن محمد بن
یحیی، عن هشام.
وأخرج مسلم من طريق أبي خالد الأحمر، عن هشام، مختصراً نحوه.
وأخرج مسلم من طريق شعيب بن إسحاق، عن هشام ما يقتضي أنه عند
عروة عن أمه، وخالته، ولفظه: ((عن هشام، حدّثني عروة، وفاطمة بنت المنذر،
قالا: خرجت أسماء حين هاجرت، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، قالت(٢):
(١) هي قوله بعد رواية حديث أسماء عن زكريّا بن يحيى، عن أبي أسامة عن
هشام ... إلخ ما نصّه: تابعه خالد بن مخلد عن عليّ بن مسهر، عن هشام، عن
أبيه، عن أسماء ﴿ّا أنها هاجرت إلى النبيّ وَّ، وهي حبلى. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه خالد بن مخلد)) وصله الإسماعيليّ من طريق
عثمان بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، بهذا السند، ولفظه: ((أنها هاجرت،
وهي حبلى بعبد الله، فوضعته بقباء، فلم تُرضعه حتى أتت به النبيّ وَّ)) نحوه،
وزاد في آخره: ((ثم صلى عليه - أي: دعا له ـ وسمّاه عبد الله)). انتهى.
(٢) ظاهر قوله: قالت: فقدمت، ونفست، ثم خرجت، كلها بتاء المتكلّم، من قول
أسماء، لكن جميع النُّسخ عندنا ليس فيها ((قالت))، وكلها بتاء التأنيث، والفعل
مسندَ إلى ضمير الغائبة، فهو من قول عروة وفاطمة، والظاهر أن لفظة ((قالت)) غلط
وقع في ((الفتح))، فليُتُنّه.

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
فقدمت قباء، فنفست به، ثم خرجت، فأخذه رسول الله مقر ليحنكه ثم دعا
بتمرة، قالت عائشة: فمكثنا ساعةً نلتمسها، قبل أن نجدها، فمضغها ... ))
الحديث، فهذا الحديث فيه البيان أنه عند عروة عنهما جميعاً، وزاد في آخر
هذا الطريق: ((وسمّاه عبد الله، ثم جاء وهو ابن سبع سنين، أو ثمان ليبايع
رسول الله وَّر، وأمره بذلك الزبير، فتبسَّم، وبايعه)).
وقد ذكر ابن إسحاق أن النبيّ وَ ﴿ لَمّا قَدِم المدينة بَعَثَ زيد بن حارثة،
فأحضر زوجته سودة بنت زمعة، وبنتيه فاطمة، وأم كلثوم، وأم أيمن زوج
زيد بن حارثة، وابنها أسامة، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر، ومعه أمه أمّ
رُومان، وأختاه عائشة وأسماء، فقدموا، والنبيّ نَّهُ يبني مسجده، ومجموع هذا
مع قولها: ((فولدته بقباء)) يدلّ على أن عبد الله بن الزبير وُلد في السنة الأولى
من الهجرة. انتهى(١).
(حِينَ هَاجَرَتْ) إلى المدينة (وَهِيَ خُبْلَى) جملة حاليّة من ((أسماء))؛ أي:
والحال أنها حُبلى (بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) ﴿ّ متعلّق بـ (حُبلى))، (فَقَدِمَتْ) بكسر
الدال، (قُبَاءً) بضمّ القاف، وتخفيف الموحّدة، ممدوداً، ومقصوراً، منصرفاً،
وغير منصرف، ففيه أربع لغات، قال الفيّوميّ كَُّ: قُباء: موضع بقرب مدينة
النبيّ وَّرِ من جهة الجنوب، نحو ميلين، وهو بضمّ القاف، يُقصر، ويُمدّ،
ويُصرف، ولا يُصرف. انتهى(٢).
(فَنُفِسَتْ) بضمّ النون، وكسر الفاء؛ أي: وَلَدت، قال المجد تَّتُ:
النّفاسُ بالكسر: وِلَادَةُ المرأةِ، فإذا وَضَعَتْ فهي نُفَساءُ؛ كالثُّؤَباءِ، ونَفْسَاءُ،
بالفتح، ويُحَرَّكُ، جَمْعه: نُفَاسٌ، ونُفُسٌ، ونُفْسٌ؛ كجِيادٍ، ورُخالٍ، نادراً،
وكُتُبٍ، وكُتْبٍ، ونَوافِسُ، ونُفَساواتٌ، وليس فُعَلاءُ يُجْمَعُ على فِعَالٍ غَيْرَ
نُفَساءَ، وعُشَراءَ، وعلى فُعالٍ غيرَها، وقد نَفِسَتْ؛ كسمعَ، وعُنِيَ، والوَلَدُ
مَنْفُوسٌ، وحاضَتْ، والكسرُ فيه أكثرُ. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: نُفِسَتِ المرأة بالبناء للمفعول، فهي نُفَسَاءُ، والجمع
(١) ((الفتح)) ٧٠٠/٨ - ٧٠١ رقم (٣٩٠٩). (٢) ((المصباح المنير)) ٤٨٩/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٧٤٥/١ - ٧٤٦.

٣٦٣
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٤)
نِفَاسٌ بالكسر، ومثله عُشَراء وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَتْ تَنْفَسُ، من
باب تَعِبَ، فهي نَافِسٌ، مثل حائض، والولد مَنْفُوسٌ، والنِّفَاسُ بالكسر أيضاً
اسم من ذلك، ونَفِسَتْ تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ: حاضت، ونقل عن الأصمعيّ:
نُفِسَتْ بالبناء للمفعول أيضاً، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال
في الحيض: نُفِسَتْ بالبناء للمفعول، وهو من النَّفْسِ، وهو الدم، ومنه قولهم:
لا نَفْسَ له سائلة؛ أي: لا دم له يجري، وسُمِّي الدم نَفْساً؛ لأن النفس التي
هي اسم لجملة الحيوان قِوَامُها بالدم، والنُّفَسَاءُ من هذا. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن نُفست المرأة بمعنى
وَلَدت، كما في هذا الحديث المشهور فيه أنه بصيغة المبنيّ للمفعول، ويقلّ
بناؤه للفاعل، وأما نَفِسَتْ بمعنى حاضت، فإن المشهور فيه بناؤه للفاعل، من
باب تَعِبَ، ويقلّ بناؤه للمفعول، والله تعالى أعلم.
(بِعَبْدِ اللهِ) بن الزبير ﴿يَا، متعلّق بـ «نُفست))، (بِقُبَاءٍ) متعلّق أيضاً
بـ(نُفست))، والباء فيه بمعنى ((في))؛ لئلا يتعلّق حرفا جرّ، وهما متّحدان لفظاً
ومعنی بفعل واحد، فتنبه.
(ثُمَّ خَرَجَتْ)؛ أي: من قباء إلى المدينة، (حِينَ نُفِسَتْ)؛ أي: حين
ولدت، والمراد بعد ولادتها، (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ﴾) لأنه كان بالمدينة،
(لِيُحَنِّكَهُ)؛ أي: ليضع في فيه التمرة، ويدلك بها حنكه، (فَأَخَذَهُ)؛ أي:
عبدَ الله، (رَسُولُ اللهِ ﴿ مِنْهَا)؛ أي: من يد أسماء ظَّا، (فَوَضَعَهُ) وَّ (فِي
حَجْرِهٍ) قال المجد تَخُّْ: الْحِجْر بالكسر: ما بين يديك من ثوبك. انتهى (٢)،
وقال الفيّوميّ: حجر الإنسان بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنُهُ، وهو ما دون إبطه
إلى الْكَشْح، وهو في حَجْره؛ أي: كَنَفه، وحمايته، والجمع حُجُور. انتهى(٣) .
وقال ابن الأثير كَّتُهُ: الْحجر بالفتح، والكسر: الثوب، والْحِصْن،
والمصدر بالفتح لا غير، وقال أيضاً: حجر الثوب طرفه المقدّم. انتهى(٤).
(ثُمَّ دَعَا)؛ أي: طلب نَِّ (بِتَمْرَةٍ، قَالَ) عروة (قَالَتْ عَائِشَةُ) مَّا، وهذا
(١) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٢٢/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢٦٥.
(٤) ((النهاية في غريب الأثر)) ص١٨٨.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
فيه أن عروة روى هذا الحديث عن عائشة ﴿يا، كما رواه عن أمه أسماء ◌َؤًُّا،
ويوضّح ذلك أن المصنّف أفرد روايته عن عائشة بعد هذا من طريق عليّ بن
مسهر عن هشام، لكن لم يَسُق المتن تماماً، بل أحاله على ما قبله، وساقه
البخاريّ، من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حضّ
قالت: أولُ مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير، أتوا به النبيّ وَّ، فأخذ
النبيّ وَّ تمرةً، فلاكها، ثم أدخلها في فيه، فأول ما دخل بطنه ريقُ النبيّ ◌َّ.
انتھی(١).
(فَمَكَثْنَا) بفتح الكاف، وتُضمّ؛ أي: لبِثنا، يقال: مَكَثَ مَكْثاً، من باب
نصر: أقام، وتَلَبّث، فهو مَاكِثٌ، ومَكُثَ مُكْثاً، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُب قُرْباً،
فهو قريب لغةٌ، وقرأ السبعة: (فَمَكُثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) باللغتين، ويتعدى بالهمزة،
فيقال: أَمْكَثَهُ، وتَمَكَّثَ في أمره: إذا لم يَعْجَل فيه، قاله الفيّومِيّ ◌َظُّ(٢).
(سَاعَةً) ظرف لِمَا قبله، (نَلْتَمِسُهَا)؛ أي: نطلب التمرة (قَبْلَ أَنْ نَجِدَهَا)
وفي حديث عائشة الآتي: ((فطلبنا تمرةً، فعزّ علينا طلبها))، وذلك إما لقلّة اليد،
أو لكونهم في زمن لا يتوافر فيه التمر. (فَمَضَغَهَا)؛ أي: ثمّ وجدناها،
فمضغها؛ أي: لاكها بسنّه، يقال: مضغتُ الطعامَ مضغاً، من بابي نفع،
ونصر: عَلَكْتُهُ؛ أي: لُكته بسنّي، (ثُمَّ بَصَقَهَا)؛ أي: تفلها (فِي فِيهِ)؛ أي: في
به، (فَإِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ بَطْنَهُ)؛ أي: بطن عبد الله، (لَرِيقُ
فم عبد الله
رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) وهذا الكلام يَحْتَمل أن يكون من تمام كلام عائشة ﴿ّا، وهو
الظاهر، کما يدلّ تعبيره بعدہ باثُمّ))، ویحتمل أن یکون من کلام أسماء نًُّا.
(ثُمَّ قَالَتْ أَسْمَاءُ) ◌َّ: (ثُمَّ مَسَحَهُ) النبيّ ◌َّهِ تبريكاً، (وَصَلَّى عَلَيْهِ)؛
أي: دعا له (وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ، ثُمَّ جَاءَ) عبد الله تَظُهُ (وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، أَوْ
ثَمَانٍ) ((أو)) للشكّ من الراوي، (لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللهِ وَ﴾ تبرّكاً بمبايعتهِوَّ،
(وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ)؛ يعني: أن عبد الله إنما أتى للبيعة لِأَمْر أبيه له بها،
(فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ)؛ أي: فرحاً بمجيئه للبيعة، وقال الأبيّ: وقد يكون
تعجّباً مما يقع به في المستقبل، فإنه بعد ثمان سنين من خلافته حصره الحَجَّاج
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٤٢٣/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٧.

٣٦٥
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٤)
بمكة، وقتله، وصلبه، ومرّ به ابن عمر، وهو كذلك، فقال: لقد كنت أنهاك.
انتهى(١). (حِينَ رَآهُ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، ثُمَّ بَايَعَهُ) وَّهِ، قال النوويّ تَُّهُ: هذه بيعة
تبريك، وتشريف، لا بيعة تكليف؛ لأنه غير بالغ. انتهى(٢). والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((ثمَّ مسحه، وصلَّى عليه))؛ يعني: مسحه
النبيّ وَ ﴿ بيده عند الدعاء له، كما كان ◌َل﴿ يمسحُ بيده عند الرُّقَى، وفيه دليل
على استحباب ذلك، وفِعْله على جهة التبريك رجاء الاستشفاء، وقبول الدعاء.
ومعنى: ((صلَّى عليه)) دعا له بالخير، والبركة، كما جاء في الرواية الأخرى
مفسَّراً، وقد ظهرت بركة ذلك كلِّه على عبد الله بن الزبير ﴿ها، فإنه كان من
أفضل الناس، وأشجعهم، وأعدلهم في خلافته وََّ، وقَتَلَ قاتله(٣)، وتبسُّم
رسول الله وَ﴿ لعبد الله، ومبايعته له فَرَحْ به، وإنهاض له؛ حيث ألحقه بنمط
الكبار الحاصلين على تلك البيعة الشريفة، والمنزلة المنيفة، ففيه جواز مبايعة
من يعقل من الصِّغار، وتمرينهم على ما يخاطَب به الكبار. انتهى (٤)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٠٤/٥ و٥٦٠٥ و٥٦٠٦] (٢١٤٦)،
و(البخاريّ) في ((الفضائل)) (٣٩٠٩) و((العقيقة)) (٥٤٦٩)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٤٧/٦)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٤١٣/١)، و(البيهقيّ)
في («الكبرى» (٢٠٤/٦) و((شُعب الإيمان)) (٣٩٣/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((شرح الأبيّ)) ٤٢٣/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/١٤.
(٣) هذا دعاء من القرطبيّ على الحجاج بن يوسف قاتل عبد الله بن الزبير، وهذا مما
لا ينبغي؛ لأن القتل معناه اللعن، والدعاء باللعن على مثله محلّ نظر؛ فالأولى
واللائق في الحجاج تفويض أمره إلى الله ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٤) ((المفهم)) ٤٦٨/٥ - ٤٦٩.

٣٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
١ - (منها): بيان استحباب تحنيك الصبيّ.
٢ - (ومنها): بيان كون التحنيك بالتمر.
٣ - (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمة لعبد الله بن الزبير حيث كان أول ما
دخل جوفه ريق رسول الله وَ﴾، وفرح بولادته المسلمون حيث كانوا على حزن
من أن اليهود سحرتهم حتى لا يولد لهم، فزال هذا الحزن بسبب ولادته
.
٤ - (ومنها): استحباب التسمية بعد التحنيك.
٥ - (ومنها): استحباب التسمية بعبد الله، وقد سبق حديث: ((أحب
الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن)).
٦ - (ومنها): استحباب التسمية يوم الولادة، فأكثر الأحاديث الصحيحة
عليه، وقد صحّ أيضاً التسمية يوم السابع، فكلُّ سُنَّة.
٧ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي الحديث أن مولد عبد الله بن
الزبير كان في السنة الأولى، وهو المعتمَد، بخلاف ما جزم به الواقديّ، ومن
تَبِعه، بأنه وُلد في السنة الثانية بعد عشرين شهراً من الهجرة، قال: ويردّه أن
هجرة أسماء، وعائشة، وغيرهما من آل الصديق كانت بعد استقرار النبيّ وَليمون
بالمدينة، فالمسافة قريبة جدّاً، لا تحتمل تأخر عشرين شهراً، بل ولا عشرة
أشهر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا حَمَّلَتْ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ:
فَخَرَجْتَّ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ
رَسُولَ اللهِ إَِّ، فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ
أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ، ثُمَّ حَتَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ، وَبَرََّكَ
عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ).
(١) ((الفتح)) ٧٠٠/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٩٠٩).

٣٦٧
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبل باب.
وقولها: (فَخَرَجْتُ)؛ أي: من مكة مهاجرة إلى المدينة.
وقولها: (وَأَنَا مُتِمٌّ) الواو فيه للحال، ومعنى متمّ: أتممت مدة الحمل
الغالب، وهي تسعة أشهر، قاله في ((العمدة)) (١).
وقال القاضي عياض كثّتُهُ: أي: أكملت مدة حملي، وحان وضعي،
وكلُّ شيء يقال فيه: تمام بالفتح، إلا ليل التمام، فهو بالكسر، لا غير، قيل:
هو أطول الليالي، وقيل: عند كمال القمر. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير تَخْذُ: يقال: امرأة مُتِمّ للحامل، إذا شارفت الوضع،
والتِّمام فيها وفي البدر بالكسر، وقد تُفتح في البدر. انتهى(٣) .
[تنبيه]: قال القاضي عياض ◌َُّهُ: قوله: ((وأنا مُتم)) قيّدناه عن الأسديّ
بسكون التاء، وكسر الهمزة بعدها، وعند أبي عليّ وغيره، وفي سائر النُّسخ
بكسر التاء، وهو أصوب؛ لأن المتِمّ هي التي حان وضعها، وهي قد وضعت
بقباء قبل وصولها المدينة، وأما الْمُتْئِم بسكون التاء، وكسر الهمزة فهي التي
تلد توأمين من بطن، وهذا ليس منه، والله أعلم ممن جاء الوهم. انتهى(٤).
وقولها: (فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ إِ﴾) ظاهره يدلّ على أن هذا
قبل أن يتحوّل النبيّ وَ﴿ إلى المدينة، وليس كذلك، بل إنها ولدته بقباء بعد
تحوّله وَل18، ثم أتته به في المدينة، فتنبّه.
وقولها: (وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلَام) قال في ((الفتح)): أي: بالمدينة
من المهاجرين، فأما من وُلد بغير المدينة من المهاجرين، فقيل: عبد الله بن
جعفر بالحبشة، وأما من الأنصار بالمدينة فكان أول مولود وُلد لهم بعد الهجرة:
مَسْلَمَةُ بن مُخَلَّد، كما رواه ابن أبي شيبة، وقيل: النعمان بن بشير.
زاد في رواية البخاريّ في ((كتاب العقيقة)) بعد قوله: ((فكان أول مولود
(١) ((عمدة القاري)) ٥١/١٧.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ١/ ١٩٧.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ١٢٢/١.
(٤) (شرح الأبيّ) ٤٢٣/٥.

٣٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
في الإسلام)) ما نصّه: ((ففرِحوا به فرِحاً شديداً؛ لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد
سحرتكم، فلا يولد لكم)). انتهى(١).
قال في ((الفتح)): وهذا يدلّ على أن ولادة عبد الله بن الزبير كانت بعد
استقرارهم بالمدينة، وما وقع في أول الحديث أنها ولدته بقباء، ثم أتت به
النبيّ وَّه لم يُرَد أنها أحضرته له بقباء، وإنما حملته من قباء إلى المدينة.
وقد أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) من رواية أبي الأسود محمد بن
عبد الرحمن قال: (لَمّا قَدِم المهاجرون المدينة أقاموا لا يولد لهم، فقالوا:
سحرتنا يهود حتى كثرت في ذلك القالة، فكان أول مولود بعد الهجرة عبد الله بن
الزبير، فكَبَّر المسلمون تكبيرةً واحدةً، حتى ارتَجَّت المدينة تكبيراً)). انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: وقوله: ((وكان أوَّل مولود وُلد في الإسلام))؛ يعني:
من المهاجرين بالمدينة، وذلك أن أمه أسماء ابنة أبي بكر مه هاجرت من مكة
إلى المدينة، وهي حامل به، فولدته في سنة ثنتين من الهجرة لعشرين شهراً من
التاريخ، وقيل: في السنة الأولى من الهجرة، هكذا حكاه أبو عمر.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الصواب، كما سبق تحقيقه عن
الحافظ، فتفطّن، والله تعالى وليّ التوفيق.
قال: ورُوي عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير قال: سُمِّيت باسم
جدِّي أبي بكر وكنيت بكنيته، قال أبو عمر: كان شهماً، ذَكَراً (٣)، شريفاً، ذا
أَنَفَة، وكانت له لَسَانة، وفصاحة، وكان أطلسَ لا لحية له، ولا شعر في
وجهه، وحكى أبو عمر عن مالك أنه قال: كان ابن الزبير أفضل من مروان،
وأَولى بالأمر من مروان وابنه. انتهى (٤).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٨١/٥.
(٢) ((الفتح)) ٤٠٢/١٢، كتاب ((العقيقة)) رقم (٥٤٦٩).
(٣) قال في ((اللسان)): رجلٌ ذَكَرٌ: إذا كان قويّاً، شُجاعاً، أَنِفاً، أَبِّاً. انتهى.
(٤) ((المفهم)) ٤٦٩/٥.

(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٦)
٣٦٩
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
عَنْ عَلِيٍّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا
هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ
أَبِي أُسَامَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الهيثم الْبَجليّ مولاهم، صدوقٌ
يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير عليّ بن مسهر.
[تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر عن هشام هذه لم أجد من ساقها، لكن ذكر
في ((الفتح)) أن الإسماعيليّ ساقها، وذلك عند قول البخاريّ بعد حديث أبي
أسامة: ((تابعه خالد بن مخلد، عن عليّ بن مُسهر، عن هشام، عن أبيه، عن
أسماء ﴿نا أنها هاجرت إلى النبيّ وَّر، وهي حبلى)). انتهى(١).
فقال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه خالد بن مخلد))، وصله الإسماعيليّ من
طريق عثمان بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، بهذا السند، ولفظه: إنها
هاجرت، وهي حبلى بعبد الله، فوضعته بقباء، فلم تُرضعه، حتى أتت به
النبيّ و8َّ* نحوه، وزاد في آخره: ((ثم صلى عليه - أي: دعا له ــ وسمّاه
عبد الله)). انتهى(٢).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٤٢٢/٣.
(٢) ((الفتح)) ٧٠٠/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٩٠٩).

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٧] (٢١٤٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِي: ابْنَ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
كَانَ يُؤْنَى بِالصِّنْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَتَّكُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وهو مسلسل بالمدنيين من هشام،
والباقيان كوفيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والراوي عن أبيه عن خالته،
وفيه عائشة ويّا، تقدّم القول فيها قريباً.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِِّ كَانَ يُؤْتَى) بالبناء
للمفعول، (بِالصِّبْيَانِ) بكسر الصاد، وتضمّ: جمع صبيّ، وأصل صبيان:
صبوان، قلبوا الواو ياءً؛ للكسرة التي قبلها، ولم يعتدّوا بالساكن حاجزاً
حصيناً؛ لضعفه بالسكون، وقد يجوز أن يكونوا آثروا الياء؛ لخفتها، وأنهم لم
يُرَاعُوا قرب الكسرة، والأول أحسن(١).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): والصبيّ: من لم يُفْطَم بَعْدُ، وفي
((المحكم)): من لدن يولدُ إلى الفطام، جمعه: أَصْبيَةٌ، وأَصْبٍ، وصِبْوَةٌ،
بالكسر، وصَبْيَةٌ بالفتح، وَصِبْيَة، وصِبْوانٌ، وصِبيانٌ، بكسر الثلاثة، ويجوز
ضمّها. انتهى باختصار، وبعض تصرّف(٢).
(فَيُبَرُِّكُ عَلَيْهِمْ)؛ أي: يدعو لهم بالبركة، ويقرأ عليهم الدعاء بالبركة،
ذكره القاضي.
وقيل: يقول: بارك الله عليكم، وقال الزمخشريّ: بارك الله فيه، وبارك
(١) ((تاج العروس)) ٨٤٦١/١.
(٢) ((تاج العروس)) ٨٤٦١/١.

٣٧١
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٨)
له، وعليه، وباركه، وبَرَّك على الطعام، وبَرّك فيه: إذا دعا له بالبركة، قال الطيبيّ:
وبارك عليه أبلغ، فإن فيه تصويب البركات، وإفاضتها من السماء. انتهى(١).
(وَيُحَنِّكُهُمْ) بنحو تمرٍ من تمرِ المدينة المشهود له بالبركة، ومزيد الفضل،
ويدعو لهم بالإمداد، والإسعاد، والهداية إلى طرق الرشاد، وفيه ندب
التحنيك، وكون المحنِّك ممن يُتَبَرّك به، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في
((كتاب الطهارة)) برقم [٦٦٨/٣١ و٦٦٩ و٦٧٠] (٢٨٦)، وقد تقدّم تخريجه
هناك، ولكني نسيت ذكر حديث الباب هناك، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذَُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٨] (٢١٤٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ
الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جِئْنَا بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى
النَّبِّ ◌َِّ يُحَنِّكُهُ، فَّطَلَبْنَا تَمْرَةً، فَعَزَّ عَلَيْنَا طَلَبُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء
[٨] (ت١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
والباقون ذُكروا قبله.
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّنا أنها (قَالَتْ: جِئْنَا بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) ﴿ّ (إِلَى
النَّبِيِّ ◌ََِّ)، وقولها: (يُحَنِّكُهُ) جملة حاليّة من فاعل ((جاء))؛ أي: مقدّرين،
ومريدين تحنيك النبيّ وَّ﴿ له، (فَطَلَبْنَا تَمْرَةً) ليحنّكه بها، (فَعَزَّ عَلَيْنَا طَلَبُهَا)؛
أي: شقّ، وتعذّر علينا وجود تلك التمرة؛ لقلّة معيشتهم الدنيويّة، أو لكون
الوقت ليس زمن حصول التمر، وقال السنوسيّ في ((شرحه)): قيل: إنه إشارة
إلى تعسّر أمره، كما اتّفق في خلافته لمن نظرها. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ١٩٢/٥.
(٢) (شرح السنوسيّ)) ٤٢٣/٥.

٣٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ◌ِّنًا هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ،
ولم أجد من أخرجه بهذا اللفظ غيره، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٩] (٢١٤٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو غَسَّانَ -
حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ إِلَى
رَسُولِ اللهِهِ حِيِّنَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ النَِّّ ◌َ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ، فَلَهِيَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ بِشَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ، فَاحْتُمِلَ مِنْ عَلَى فَخِذٍ
رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَأَقْلَبُوهُ، فَاسْتَفَاقَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((أَيْنَ الصَّبِيُّ؟))، فَقَالَ أَبُو
أُسَيْدٍ: أَقْلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((مَا اسْمُهُ؟))، قَالَ: فُلَانٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
(لَا، وَلَكِنِ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ))، فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م تَ س) تقدم في (الصيام)) ٢٥٣٥/٨.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر، أبو بكر
الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن
أبي مريم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠]
(ت٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو غَسَّانَ) الليثيّ المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٧]
مات بعد (١٦٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٥/٥٢.
٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن
سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠.
٦ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ،
أبو العبّاس، الصحابيّ ابن الصحابيّ ظه، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد
جاوز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠.

٣٧٣
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٩)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ثهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنیین من ابن مطرّف،
ومسلسلٌ أيضاً بالتحديث سوى موضع، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو آخر
من مات بالمدينة من الصحابة عند بعضهم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) ◌ِ﴿هَا أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول، (بِالْمُنْذِرِ بْنِ
أَبِي أُسَيْدٍ) واسم أبي أسيد - وهو بالتصغير - مالك بن ربيعة، قال ابن حبان:
يقال: وُلد في عهد النبيّ وَّ عام الفتح. انتهى. وقد وقع ذكره في
((الصحيحين)) في هذا الحديث، وله رواية عن أبيه في ((صحيح البخاريّ)) أيضاً،
وعَّق البخاري في ((الصلاة))، قاله في ((الإصابة))(١) .
وقال النوويّ تَظُّْ: المشهور في أبي أسيد ضم الهمزة، وفتح السین،
ولم يذكر الجماهير غيره، قال القاضي: وحَكَى عبد الرحمن بن مهديّ عن
سفيان أنه بفتح الهمزة، قال أحمد بن حنبل: وبالضم قال عبد الرزاق، ووكيع،
وهو الصواب، واسمه مالك بن أبي ربيعة، قالوا: وسبب تسمية النبيّ وَّ هذا
المولود المنذر؛ لأن ابن عمّ أبيه المنذر بن عمرو كان قد استُشْهِد ببئر معونة،
وكان أميرهم، فيقال بكونه خلفاً منه. انتهى(٢).
وكان الصحابة ﴿ه إذا وُلد لأحدهم الولد أَتَى به النبيّ وَّه ليحنكه،
ويبارك عليه، وقد تكرر ذلك في الأحاديث.
(إِلَى رَسُولِ اللهَِِّ حِينَ وُلِدَ) بالبناء للمفعول؛ أي: وقت ولادته،
والجارّ والمجرور، والظرف كلاهما متعلّقان بـ((أُتي))، (فَوَضَعَهُ النَّبِيُّ ◌َِّهِ عَلَى
فَخِذِهِ)؛ يعني: إكراماً له، وقوله: (وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ) جملة حاليّة، وهو
مالك بن ربيعة بن الْبَدَن الساعديّ، مشهور بكنيته، شَهِدَ بدراً، وغيرها، ومات
سنة ثلاثين، وقيل: بعد ذلك، حتى قال المدائنيّ: مات سنة ستّين، قال: هو
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٦٤/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٧/١٤ - ١٢٨.

٣٧٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
آخر من مات من البدريين، تقدّمت ترجمته في ((صلاة المسافرين وقصرها)»
١١ / ١٦٥٢.
(فَلَهِيَ النَّبِيُّ وَّه) بكسر الهاء؛ أي: اشتغل، قال المجد تَُّهُ: لَهِيَ عنه؛
كَرَضِي: سَلَا، وغَفَل، وترك ذكره، كَلَهَا؛ كَدَعَا، لُهِيّاً، ولِهْيَاناً، وتلهَّى. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ ◌َخْلَةُ: اللَّهْوُ: معروفٌ، يقول أهل نجد: لَهوْتُ عنه أَلْهُو
لُهِيّاً، والأصل على فُعُولٍ، من باب قعد، وأهل العالية: لَهِيْت عنه أَلْهَى، من
باب تَعِبَ (٢)، ومعناه: السُّلْوَانُ، والترك. انتهى. انتهى (٣).
ولفظ البخاريّ: ((فَلَهَا النبيّ ◌َّ بشيء بين يديه)): قال في ((الفتح)): أي:
اشتَغَل، وكلُّ ما شَغَلك عن شيء فقد ألهاك عن غيره، قال ابن التين: رُوي
(َهِي)) بوزن عَلِمَ، وهي اللغة المشهورة، وبالفتح لغة طيّء. انتهى (٤).
وقال النوويّ تَخُّْ: هذه اللفظة رُويت على وجهين: أحدها: ((فلها)) بفتح
الهاء، والثانية: ((فَلَهِيَ)) بكسرها، وبالياء، والأولى لغة طيّء، والثانية لغة
الأكثرين، ومعناه: اشتغل بشيء بين يديه، وأما من اللهو فلها بالفتح لا غير
يلهو، والأشهر في الرواية هنا كسر الهاء، وهي لغة أكثر العرب، كما ذكرنا،
واتّفَق أهل الغريب، والشرّاح على أن معناه اشتغل. انتهى(٥) .
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: قوله: ((فلها عنه)) الرواية فيه بفتح الهاء؛ أي:
اشتغل عنه، وهي لغة طيّء، وفصيحتها: ((لَهِيَ)) بكسر الهاء يَلْهَى بفتحها، لَهْياً،
ولَهَياناً. وهو في اللغتين ثلاثيّ، فأمَّا: أَلْهَاني كذا: فمعناه شُغِلت، ومنه قوله
(٦)
تعالى: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ
[التكاثر: ١]. انتهى".
(١) ((القاموس المحيط)) ص ١١٩٢.
(٢) قال الجامع: قد تبيّن بما سبق أن ((لهي)) فيه لغتان كرضي يرضى، وهي اللغة
المشهورة، وكدعا يدعو، وأما كونه من باب رمى يرمي كما قال الشيخ الهرريّ في
((شرحه)) ٥٤/٢٢، فلم أر له سلفاً، فتنبّه.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٥٩/٢.
(٤) ((الفتح)) ٦٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٩١).
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٢٧/١٤.
(٦) ((المفهم)) ٤٧٠/٥.

٣٧٥
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٩)
(بِشَيْءٍ) متعلّق بـ((لَهِيَ))، (بَيْنَ يَدَيْهِ) ظرف متعلّق بصفة لـ((شيء))؛ أي:
بشيء كائن بين يديه وَ﴿، (فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ)؛ أي: بحمل ابنه إلى بيته،
(فَاحْتُمِلَ) بالبناء للمفعول؛ أي: حُمل (مِنْ عَلَى فَخِذِ رَسُولِ اللهِ﴾ ((على)) هنا
اسم بمعنى فوق، وليست حرف جرّ؛ لدخول حرف الجرّ عليها؛ إذ لا يدخل
الجارّ على مثله، فهو كقول الشاعر [من الطويل]:
تَصِلُّ وَعَنْ قَيْضٍ بِزَيْزَاءَ مَجْهَلٍ
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَمَا تَمَّ ظِمْؤُهَا
ف((من عليه)) بمعنى: من فوقه.
والمعنى هنا: حُمِل وأُخذ ذلك الابن من فوق فخذه وَله .
(فَأَقْلَبُوهُ)؛ أي: رَدُوه، وصرفوه، وهكذا في جميع نسخ ((صحيح مسلم)):
((فأقلبوه)) بالألف، وأنكره جمهور أهل اللغة، والغريب، وشراح الحديث،
وقالوا: صوابه: ((قَلَبُوه)) بحذف الألف، قالوا: يقال: قَلَبت الصبيَّ، والشيءَ:
صَرَفته، ورَدَدته، ولا يقال: أقلبته، وذكر صاحب ((التحرير)) أن أقلبوه بالألف
لغة قليلة، فأثبتها لغة، قاله النوويّ(١).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: وقوله: ((فاقلبُوه)) كذا جاءت الرواية في هذا الحرف
رباعيّاً، وصوابه ثلاثيّ، يقال: قلبت الشيءَ: رددته، والصَّبيَّ: صرفته، قال
الأصمعيّ: ولا يُقال: أقلبته. انتهى (٢).
(فَاسْتَفَاقَ رَسُولُ اللهِ وََّ)؛ أي: انتبه من شغله، وفكره الذي كان فيه،
قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)): أي: انقضى ما كان مشتغلاً به، فأفاق من
ذلك، فلم يَرَ الصبيّ، فسأل عنه، يقال: أفاق من نومه، ومن مرضه، واستفاق
(٣)
بمعنى. انتھی(٣).
(فَقَالَ: ((أَيْنَ الصَّبِيُّ؟»، فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَقْلَبْنَهُ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: رددناه
إلى بيته، ولفظ البخاريّ: ((فقلبناه))، قال في ((الفتح)): بفتح القاف، وتشديد
اللام بعدها، موحّدة ساكنة؛ أي: صرفناه إلى منزله، وذكر ابن التين أنه وقع
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/١٤.
(٣) ((الفتح)) ٦٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٩١).
(٢) ((المفهم)) ٤٧٠/٥.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
في روايته: ((أقلبناه)) بزيادة همزة أوله، قال: والصواب حذفها، وأثبتها غيره
(١)
لغةً. انتهى(١).
(فَقَالَ بَِّ: ((مَا اسْمُهُ؟»، قَالَ) أبو أسيد: (فُلَانٌ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: اسمه
فلان، قال الحافظ: لم أقف على تعيينه، فكأنه كان سمّاه اسماً ليس
مستحسناً، فسكت عن تعيينه، أو سمّاه، فنسيه بعض الرواة. انتهى(٢).
(قَالَ) ◌َِّ (لَا)؛ أي: ليس اسمه الذي ينبغي أن يُسمّى به فلاناً، (وَلَكِنِ
اسْمُهُ الْمُنْذِرُ))) قال في ((العمدة)): قوله: ((ولكن)) قد عُلِم أنه للاستدراك، فأين
المستدرك منه؟ وأجيب بأن تقديره: ليس ذلك الذي عُبِّر عنه بفلان اسْمَهُ، بل
هو المنذر. انتهى(٣).
(فَسَمَّاهُ)؛ أي: سمّى النبيّ ◌َّ﴿ ذلك الصبيَّ (يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ) قال
القرطبيّ ◌َّثُ: وإنما سَمَّى النبيّ وَلِّ ابن أبي أُسيد المنذرَ، باسم ابن عم أبيه
المنذر بن عمرو، والمسمَّى بالْمُعْنِقِ ليموتَ، وكان أمير أصحاب بئر معونة،
واسْتُشْهِد يوم بئر معونة، فسمَّاه النبيّ وَّ بالمنذر؛ ليكون خَلَفاً منه. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولكن اسمه المنذر))؛ أي: ليس هذا الاسم
الذي سمّيته به اسمه الذي يليق به، بل هو المنذر، قال الداوديّ: سمّاه
المنذر؛ تفاؤلاً أن يكون له عِلْمٌ يُنْذِر به. قال: وتقدم في ((المغازي)) أنه سُمِّي
المنذرَ بالمنذر بن عمرو الساعديّ الخزرجيّ، وهو صحابيّ مشهور، من رهط
أبي أُسيد. انتهى (٥) .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٠٩/٥] (٢١٤٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب))
(١) ((الفتح)) ٦٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٩١).
(٢) ((الفتح)) ٦٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٩١).
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٠٩/٢٢.
(٤) ((المفهم)) ٤٧٠/٥.
(٥) ((الفتح)) ٦٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٩١).

٣٧٧
(٦) - بَابُ جَوازٍ تَكْنِيَةٍ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ
(٦١٩١)، وفي ((الأدب المفرد)) (٢٨٤/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦/
١٤٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٩)، وفوائده تقدّمت في الأحاديث
الماضية، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ جَوازٍ تَكْنِيَةٍ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ)
(اعلم): أن في هذه الترجمة إشارةً إلى الردّ على من منع تكنية من لم
يولد له؛ مستنداً إلى أنه خلاف الواقع، فقد أخرج ابن ماجه، وأحمد،
والطحاويّ، وصححه الحاكم، من حديث صهيب، أن عمر قال له: ما لك
تُكنى أبا يحيى، وليس لك ولد؟ قال: ((إن النبيّ ◌َّ كناني)).
وأخرج سعيد بن منصور، من طريق فضيل بن عمرو، قلت لإبراهيم: إني
أُكنى أبا النضر، وليس لي ولد، وأسمع الناس يقولون: من اكتنى، وليس له
ولد، فهو أبو جَعْر، فقال إبراهيم: كان علقمة يُكنى أبا شِبْل، وكان عقيماً لا
يولد له، وقوله: جَعْر - بفتح الجيم، وسكون المهملة - وشِبْل ـ بكسر
المعجمة، وسكون الموحدة -.
وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن علقمة قال: كناني عبد الله بن
مسعود قبل أن يولد لي، وقد كان ذلك مستعملاً عند العرب، قال الشاعر:
لَهَا كُنْيَةُ عَمْرٍو وَلَيْسَ لَهَا عَمْرٌو
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهريّ قال: كان رجال من الصحابة يكتنون
قبل أن يولد لهم.
وأخرج البخاريّ عن هلال الوزان قال: كناني عروة قبل أن يولد لي(١).
وأخرج الطبرانيّ عن علقمة، عن ابن مسعود، أن النبيّ ◌َ* كناه أبا
عبد الرحمن قبل أن يولد له، وسنده صحيح.
قال العلماء: كانوا يكنون الصبي تفاؤلاً بأنه سيعيش حتى يولد له،
(١) قال الحافظ: وكنية هلال المذكور أبو عمرو، ويقال: أبو أمية، ويقال غير ذلك.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
وللأمن من التلقيب؛ لأن الغالب أن من يذكر شخصاً، فيعظّمه أن لا يذكره باسمه
الخاصّ به، فإذا كانت له كنية أَمِن من تلقيبه، ولهذا قال قائلهم: بادروا أبناءكم
بالكنى قبل أن تغلب عليها الألقاب، وقالوا: الكنية للعرب كاللقب للعجم، ومن
ثَمّ كُرِه للشخص أن يَكْنِي نفسه إلا إن قصد التعريف، ذكره في ((الفتح))(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦١٠] (٢١٥٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التََّّاحِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِك (ح) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ
- وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التََّّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً، وَكَانَ لِي أَخْ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ - قَالَ:
أَحْسِبُهُ قَالَ -: كَانَ فَطِيماً، قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَرَآهُ، قَالَ: ((أَبَا
عُمَيْرِ مَا فَعَلَى النُّغَيْرُ؟))، قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ).
رجال هذين الإسنادين: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ) الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة
التَّتُوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٣ - (أَبُو التََّّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعَيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ
[٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٤ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي
بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) تُبه، ذكر في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين:
أنهما من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهما (٤٣١) من رباعيّات الكتاب،
(١) ((الفتح)) ٧٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٣).

٣٧٩
(٦) - بَابُ جَوازٍ تَكْنِيَةٍ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ - حديث رقم (٥٦١٠)
وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أنس بن مالك ظُه، تقدّم
القول فيه قريباً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي التََّّاحِ) يزيد بن حُميد، وأخرجه البخاريّ أيضاً من رواية شعبة،
عن أبي التياح، وقد أخرجه النسائيّ من طريق شعبة هكذا، ومن وجه آخر عن
شعبة، عن قتادة، عن أنس، ومن وجه ثالث عن شعبة، عن محمد بن قيس،
عن حميد، عن أنس، والمشهور الأول، ويَحْتَمِل أن يكون لشعبة فيه طُرُق،
قاله في ((الفتح))(١). (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َّهِ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً) هذا قاله أنس ◌َظُه توطئةً لِمَا يريد أن يذكره من قصة
الصبيّ، وأول حديث شعبة المذكور عن أنس: ((قال: إن كان النبيّ ◌َل
ليخالطنا))، ولأحمد من طريق المثنى بن سعيد، عن أبي التياح، عن أنس:
((كان النبيّ ( 18 يزور أم سليم))، وفي رواية محمد بن قيس المذكور: ((كان
النبيّ وَّ﴿ قد اختلط بنا، أهل البيت)) - يعني: بيت أبي طلحة، وأم سليم -
ولأبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: ((كان النبيّ وَّ يغشانا،
ويخالطنا))، وللنسائيّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس:
((كان النبيّ ◌َلير يأتي أبا طلحة كثيراً))، ولأبي يعلى من طريق خالد بن عبد الله،
عن حميد: ((كان يأتي أم سليم، وينام على فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ»،
ولابن سعد، وسعيد بن منصور، عن ربعي بن عبد الله بن الجارود، عن أنس:
((كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء تصنعه له))(٢).
(وَكَانَ لِي أَخْ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ) بالتصغير، وهو تصغير، عُمَر، أو عَمْرو(٣)،
(١) ((الفتح)) ٧٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٣).
(٢) ((الفتح)) ٨٠/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٣).
(٣) وأما قول بعضهم: إنه تصغير عُمْر بضم، فسكون إشارة إلى قلّة عمر الصبيّ، وأنه
لا يعيش كثيراً، فقد ردّ القاري في شرح ((جمع الوسائل شرح الشمائل» ٢٥/٢:
بأنه ليس من دأبه ◌َلجر، وأخلاقه الحسنة أن يقول لولد صغير عبارة مشعرة بأن عمره
قصير .

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
قيل: اسمه حفص (١)، ومات في حياة النبيّ ◌ٍَّ، وهو صاحب القصّة التي
جرت بين أبي طلحة وأم سُليم المذكورة في ثاني حديث الباب.
وفي رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عند أحمد: ((كان لي أخٌ
صغيرٌ))، وهو أخو أنس بن مالك من أمه، وفي رواية المثنى بن سعيد المذكورة:
((وكان لها - أي: أم سليم - ابن صغير))، وفي رواية حميد، عند أحمد: ((وكان
لها من أبي طلحة ابن يكنى أبا عمير»، وفي رواية مروان بن معاوية، عن حميد،
عند ابن أبي عمر: ((كان بُنَيّ لأبي طلحة))، وفي رواية عُمارة بن زاذان، عن
ثابت، عند ابن سعد: ((أن أبا طلحة كان له ابن - قال: أحسبه فَطِيماً))، وفي
بعض النسخ: ((فطيمٌ))، بغير ألف، وهو محمول على طريقة من يكتب المنصوب
المنوّن بلا ألف، والأصل: فطيمٌ؛ لأنه صفة أخٌ، وهو مرفوعٌ، لكن تخلل بين
الصفة والموصوف: ((أحسبه))، وقد وقع عند أحمد من طريق المثنى بن سعيد
مثل ما في الأصل: فطيمٌ بمعنى مفطوم؛ أي: انتهى إرضاعه.
(قَالَ) أبو التيّاحِ: (أَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ أنساً (قَالَ: كَانَ) ذلك الأخ
(فَطِيماً) فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مفطوماً؛ أي: انتهى إرضاعه، والمراد أنه
ليس صغيراً رضيعاً. (قَالَ) أنس: (فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ وََّ) ((كان)) هنا
شأنيّة، واسمها ضمير شأن مقدّر؛ أي: هو، وخبرها جملة: ((إذا جاء ...
إلخ)، وفي رواية البخاريّ: ((فكان إذا جاء))، فاسم ((كان)) على هذا ضمير
النبيّ وَّر، زاد مروان بن معاوية في روايته: ((إذا جاء لأم سليم يمازحه))،
ولأحمد في روايته، عن حميد مثله، وفي أخرى: ((يضاحكه))، وفي رواية
محمد بن قيس: ((يهازله))، وفي رواية المثنى بن سعيد، عن أبي عوانة:
(يفاكهه)). (فَرَآهُ)؛ أي: رأى ◌َّر ذلك الصبيّ، (قَالَ: ((أَبَا عُمَيْرٍ) وفي رواية
ربعي بن عبد الله: ((فزارنا ذات يوم، فقال: يا أم سليم ما شأني أرى أبا عمير
ابنك خائر النفس؟»، بمعجمة، ومثلثة؛ أي: ثقيل النفس، غير نشيط، وفي
(١) وأما ما كتبه الشيخ الهرريّ من أن اسمه كبشة، فقد تبع فيه القاري في ((شرح
الشمائل))، والظاهر أنه تصحّف عليه من قول بعضهم: ((اسمه كنيته))، والله تعالى
أعلم.