Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٥٩)
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿هَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ) ذكر السنديّ ◌َُّ
في ((شرحه)) ١٤٥/٨ - ١٤٦ ما حاصله: أن هذا اللعن، وأمثاله إخبار بأن الله
تعالى لعن هؤلاء، لا دعاءٌ منه وَله؛ لأنه وَّ لم يُبعث لعّاناً، وقد قال:
((المؤمن لا يكون لعّاناً)). قال: وورد لعن الشيطان وغيره، فالظاهر أن اللعن
على من يستحقّه على قلّة لا يضرّ، فلذلك قيل: لم يُبعث لعّاناً، بصيغة
المبالغة، ووجه اللعن: ما فيه من تغيير الخلق بتكلّف، ومثله قد حرّم الشارع،
فيمكن توجيه اللعن إلى فاعله، بخلاف التغيير بالخضاب، ونحوه، مما لم
يحرّمه الشارع؛ لعدم التكلّف فيه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلاله بكونه وَ ل﴿ لم يبعث لعاناً، وكون
المؤمن لا يكون لعاناً على ما ذَكره فيه نظر؛ لأن هذا فيمن لا يستحقّ، وأما
المستحقّ؛ كالكافر، والظالم، ومرتكب بعض الكبائر، فإنه و # كان كثيراً ما
يلعنهم، قال الله رَك: ﴿أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، [هود: ١٨] كما كان ێ يدعو
في قنوته كثيراً: ((اللَّهم العن فلاناً، وفلاناً))، وغير ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (لَعَنَ الْوَاصِلَةَ) وَصْل الشعر هو أن يضاف إليه شعر آخر يُكثَّر به،
و((الواصلة)) هي التي تفعل ذلك، (وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) هي التي تستدعي مَن يفعل بها
ذلك، (وَالْوَاشِمَةَ) بالشين المعجمة: هي التي تَشِمُ، (وَالْمُستَوشِمَةَ) هي التي
تَظْلُب الوشم، ونقل ابن التين، عن الداودي، أنه قال: الواشمة التي يُفعل بها
الوشم، والمستوشمة: التي تفعله، ورُدّ عليه ذلك، ووقع في الروايات الآتية
بلفظ: ((المستوشمات)): وهو بكسر الشين: التي تَفعل ذلك، وبفتحها التي
تطلب ذلك، وبلفظ: ((والموشومات)): وهي من يُفعل بها الوشم.
قال أهل اللغة: ((الوشم)) - بفتح، ثم سكون -: أن يُغْرَز في العضو إبرة،
أو نحوها، حتى يسيل الدم، ثم يُحشَى بنُورة، أو غيرها، فيخضر. وقال أبو
داود في ((السنن)): ((الواشمة)): التي تجعل الْخِيلان في وجهها بكحل، أو
مداد، و((المستوشمة)): المعمول بها. انتهى. وذِكرُ الوجه للغالب، وأكثر ما
(١) ((حاشية السندي على النسائي)) ١٤٥/٨ - ١٤٦.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
يكون في الشفة. وعن نافع: أنه يكون في اللِّئَة، فذِكرُ الوجه، ليس قيداً، وقد
يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يُفعل ذلك نَقْشاً، وقد يُجعل دوائر، وقد
يُكتب اسم المحبوب، وتعاطيه حرام؛ بدلالة اللعن، كما في حديث الباب،
ويصير الموضع الموشوم نجساً؛ لأن الدم انحبس فيه، فتجب إزالته إن
أمكنت، ولو بالجَرح، إلا إن خاف منه تلفاً، أو شيناً، أو فوات منفعة عضو،
فيجوز إيقاؤه، وتكفي التوبة في سقوط الإثم، ويستوي في ذلك الرجل
والمرأة. قاله في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ كَذَتُهُ: أما الواشمة - بالشين المعجمة - ففاعلة الوشم، وهي
أن تَغْرِز إبرة، أو مَسَلَّةً، أو نحوهما، في ظهر الكف، أو الْمِعصَم، أو الشفة،
أو غير ذلك، من بَدَن المرأة، حتى يسيل الدم، ثم تحشو ذلك الموضع
بالكحل، أو النورة، فيخضرّ، وقد يُفعل ذلك بدارات، ونقوش، وقد تُكَفِّره،
وقد تقلِّله، وفاعلة هذا واشمة، وقد وَشَمَت تَشِمُ وَشْماً - أي: من باب وعد -
والمفعول بها موشومة، فإن طلبت فِعل ذلك بها، فهي مستوشمة، وهو حرام
على الفاعلة، والمفعول بها باختيارها، والطالبة له، وقد يُفعل بالبنت، وهي
طفلة، فتأثم الفاعلة، ولا تأثم البنت؛ لعدم تكليفها حينئذ، قال أصحابنا: هذا
الموضع الذي وُشِم يصير نجساً، فإن أمكن إزالته بالعلاج وجبت إزالته، وإن
لم يمكن إلا بالجَرح، فإن خاف منه التلف، أو فوات عضو، أو منفعة عضو،
أو شيناً فاحشاً في عضو ظاهر، لم تجب إزالته، فإذا بان لم يبق عليه إثم، وإن
لم يَخَف شيئاً من ذلك ونحوه، لزمه إزالته، ويعصي بتأخيره، وسواء في هذا
كله الرجل والمرأة. والله أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بنجاسة الدم الخارج من الجسد غير
الحيض ونحوه محل نظر، وقد تقدم تحقيقه في ((كتاب الطهارة))، فراجعه
تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
(١) ((الفتح)) ٤٤٥/١٣ - ٤٤٦، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).
(٢) ((شرح النووي)) ١٠٦/١٤.

٢٢٣
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٠)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر طّ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٥٩ و٥٥٦٠] (٢١٢٤)، و(البخاريّ) في
((اللباس)) (٥٩٣٧ و٥٩٤٠ و٥٩٤٢)، و(أبو داود) في ((الترجّل)) (٤١٦٨)،
و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٨٤)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٤٥/٨ و١٨٨)
و((الكبرى)) (٤٢١/٥)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٨٧)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٤٨٧/٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢١/٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٥١٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٩/١ و٧٤/٢)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٤٢١/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٨٩)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَِّّ ◌ََِّ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيع) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٧) (م ت
س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) أبو نافع مولى بني تميم، أو بني هلال، ثقةٌ [٧]
(خ م د ت س) تقدم في ((الحج)) ٣١٦٩/٥٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية صخر بن جويرية عن نافع هذه ساقها البخاريّ تَُّ في
((صحیحه))، فقال:
(٥٥٩٨) - حدّثني يوسف بن موسى، حدّثنا الفضل بن دُكين، حدّثنا
صخر بن جويرية، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ◌ًا، سمعت النبيّ وَليو - أو

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال النبيّ وَّهِــ: لَعَنَ اللهُ الواشمةَ، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة -
يعني: لَعَنَ النبيُّ نَّه ـ انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٦١] (٢١٢٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ -
وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ - أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ، وَالْمُتَنَّمِّصَاتِ،
وَالْمُتَفَلِّجَاتٍ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ
يُقَالُ لَهَا: أُّ يَعْقُوبَ، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَتَتْهُ، فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ،
أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتٍ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَّمِّصَاتٍ، وَالْمُتَفَلِّجَاتٍ لِلْحُسْنِ،
الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَمَا لِيَ لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ
فِي كِتَابِ اللهِ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَي الْمُصْحَفِ، فَمَا وَجَدْتُهُ،
فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللهُ رَى: ﴿وَمَآ ءَالَتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيْئاً مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الآنَ،
قَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، فَلَمْ تَرَ شَيْئاً، فَجَاءَتْ
إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً، فَقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكِ لَمْ نُجَامِعْهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً .
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
مات بعد الستّين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢١٨/٥.

٢٢٥
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦١)
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير ظُه، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى
آخره، سوى شيخه إسحاق، فمروزيّ، وقد دخل الكوفة للأخذ عن أهلها، وأن
فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض عند من يجعل منصوراً من صغار
التابعين، وإلا ففيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وأن هذا من أصحّ أسانيد ابن
مسعود ته، قال الحافظ الذهبيّ دَّثُهُ: وقيل: أصحّ الأسانيد مطلقاً: سفيان،
الله. انتهى (١)، وأن فيه
عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود
((عبد الله)) مهملاً، وقد ثبت في كتب ((المصطلح)) أنه إذا أُطلق ((عبد الله)) في
الصحابة يُنظر إلى الراوي عنه، فإن كان كوفيّاً، كهذا السند، فهو ابن
مسعود نظره، وإن كان مدنيّاً، فهو ابن عمر ﴾، وإن كان مكيّاً، فهو ابن
الزبير ﴿ه، وإن كان بصريّاً، فهو ابن عباس ها، وإن كان مصريّاً، أو شاميّاً،
فهو ابن عمرو بن العاص ﴿ه، وقد أوضح ذلك الحافظ السيوطيّ ◌َّثُ في
((ألفیة الحدیث))، حيث قال:
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
وَحَيْثُما أُظْلِقَ (عَبْدُ اللهِ)) فِي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَنْصُورٍ) قال الدارقطنيّ تَخْتُهُ: تابع منصوراً الأعمشُ، ومن أصحاب
الأعمش من لم يذكر عنه علقمة في السند، وقال إبراهيم بن مهاجر، عن
إبراهيم النخعيّ، عن أم يعقوب، عن ابن مسعود، والمحفوظ قول منصور.
انتهى(٢). (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) النخعيّ، وهو عمّ لأمّ إبراهيم
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٢/٥.
(٢) ((الفتح)) ٤٤٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
الراوي عنه، (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَّه أنه (قَالَ: لَعَنَ اللهُ)؛ أي: أبعدهم،
وطردهم عن رحمته، قال ابن الأثير تَخْلقُهُ: أصل اللعن: الطرد، والإبعاد
من الله، ومن الخَلْق: السبّ، والدعاء. انتهى(١)، وفي ((المصباح)): لعنه لَعْناً،
من باب نفع: طرده، وأبعده، أو سبّه، فهو لعينٌ، وملعونٌ. انتهى (٢). وفي
((اللسان)): اللعنُ: الإبعاد، والطرد من الخير، وقيل: الطرد، والإبعاد من الله،
ومن الخلق السبّ، والدعاء، واللعنةُ الاسم. انتهى (٣).
(الْوَاشِمَاتِ) جمع واشمة، بالشين المعجمة، هي التي تفعل الوشم
- بفتح، فسكون -: وهو غرز الإبرة، أو نحوها في العضو حتى يسيل الدم، ثم
يُحشى بنُورة، أو غيرها، حتى يخضرّ. (وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ) - بضم الميم، وفتح
المثنّاة الفوقية، بينهما واو ساكنة - والظاهر أنه مشتقّ من الايتشام، افتعالٌ من
الوشم، وأصله ايتشم، ياتشم، ايتشاماً، فهو مُوتَشِم، ويقال أيضاً: اتّشم يتّشم
اتّشاماً، فهو متّشم، بإبدال الواو تاء، وإدغامها في تاء الافتعال، ونظيره:
ايتصل ياتصل ايتصالا، فهو موتصل، واتصل يتّصل اتِّصالاً، فهو متّصلٌ، قال
ابن مالك في («خلاصته)) :
ذُو اللِّينِ فَانَا فِي افْتِعَالٍ أُبْدِلَا
وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ الْتَكَلَا
و((المستوشماتُ)): هي التي تطلب أن يُفْعَل بها ذلك.
(وَالنَّامِصَاتِ)؛ أي: التي تزيل الشعر من الوجه، قال المجد وَّهُ:
النَّمْصُ نَتْف الشعر، والنامصة: هي مزيِّنة النساء بالنَّمْص، والمتنمِّصة: هي
المتزيِّنة به. انتهى (٤).
وقال ابن الأثير كَذَلُ: النَّامِصة: التي تَنْتِف الشَّعَر من وجْهِها.
والمُتَنَمِّصة: التي تأمُر مَن يَفْعل بها ذلك، وبعضُهم يَرْويه: ((المُنْتَمِصَة)) بتقديم
النون على التاء، ومنه قيل للمِنْقاش: مِنْماص. انتهى(٥).
وقال النوويّ تَخْلُ: وأما النامصة - بالصاد المهملة - فهي التي تزيل
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٥٥/٤.
(٣) (لسان العرب)) ٣٨٧/١٣.
(٥) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٥٣/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٥٤/٢.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص ١٣١٧.

٢٢٧
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦١)
الشعر من الوجه، والمتنمصة التي تطلب فِعْل ذلك بها، وهذا الفعل حرام، إلا
إذا نبتت للمرأة لحية، أو شوارب، فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عندنا، وقال
ابن جرير: لا يجوز حلق لحيتها، ولا عَنْفَقتها، ولا شاربها، ولا تغيير شيء
من خلقتها، بزيادة، ولا نقص، ومذهبنا ما قدمناه من استحباب إزالة اللحية،
والشارب، والعنفقة، وأن النهي إنما هو في الحواجب، وما في أطراف الوجه.
انتھی(١).
(وَالْمُتَنَمِّصَاتِ) جمع متنمصة، وحَكَى ابن الجوزيّ: ((منتمصة) بتقدیم
الميم على النون، وهو مقلوب، والمتنمصة التي تطلب النماص، والنامصة التي
تفعله، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش مِنماصاً لذلك،
ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما، أو تسويتهما، قال
أبو داود في ((السنن)): النامصة التي تنقش الحاجب حتى تُرِقَّه(٢).
(وَالْمُتَفَلِّجَاتٍ) جمع مُتَفَلِّجَةٍ، وهي التي تطلب الفَلَجَ، أو تصنعه، والفلج
بفتح الفاء، واللام، آخره جيم: انفراج ما بين الثنيتين، والتفلج أن يفرج بين
المتلاصقين بالْمِبْرَد ونحوه، وهو مختصّ عادةً بالثنايا، والرَّبَاعيات، ويُستحسَن
من المرأة، فربما صنعته المرأة التي تكون أسنانها متلاصقة؛ لتصير متفلجة،
وقد تفعله الكبيرة تُوهِم أنها صغيرة؛ لأن الصغيرة غالباً تكون مفلجةً، جديدة
السنّ، ويذهب ذلك في الكِبَر، وتحديد الأسنان يُسَمَّى الوَشْرَ، بالراء، وقد
ثبت النهي عنه أيضاً في بعض طرق حديث ابن مسعود، ومن حديث غيره في
((السنن))، وغيرها، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال النوويّ كَّتُهُ: وأما المتفلجات - بالفاء، والجيم - والمراد مُفَلِّجات
الأسنان، بأن تبرد ما بين أسنانها الثنايا والرَّباعِيَات، وهو من الفَلَج بفتح الفاء
واللام، وهي فُرْجة بين الثنايا والرَّبَاعِيَات وتفعل ذلك العجوز، ومَنْ قارَبَتها في
السن إظهاراً للصِّغَر، وحُسْن الأسنان؛ لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/١٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٥٤/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣٩).
(٣) ((الفتح)) ٤٤٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
تكون للبنات الصغار، فإذا عجزت المرأة، وكبرت سنها، وتوحشت، فتبردها
بالمبرد؛ لتصير لطيفةً حسنة المنظر، وتوهمَ كونها صغيرةً، ويقال له أيضاً:
الوشر، ومنه: ((لعن الواشرة، والمستوشرة))، وهذا الفعل حرام على الفاعلة،
والمفعول بها؛ لهذه الأحاديث، ولأنه تغيير لخلق الله تعالى، ولأنه تزوير،
ولأنه تدلیس. انتھی(١).
وقوله: (لِلْحُسْنِ)؛ أي: لأجل الحُسْن، قال السنديّ تَُّهُ: متعلّق
بـ((المتفلّجات)) فقط، أو بالكلّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الاحتمال الثانيّ أَولى كما لا
يخفى، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): قوله: للحسن)) يُفْهَم منه أن المذمومة مَن فعلت ذلك
لأجل الحسن، فلو احتاجت إلى ذلك لمداواة مثلاً جاز. انتهى(٢).
وقوله: (الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ) صفة لازمة لمن يصنع الوشم، والنَّمْصَ،
والفَلَج، وكذا الوصل على إحدى الروايات، وفي هذا إشارة إلى أن سبب
النهي عن هذه الأشياء ما فيها من تغيير خلق الله تعالى.
(قَالَ) علقمة: (فَبَلَغَ ذَلِكَ)؛ أي: حديث ابن مسعود رَُّبه هذا: ((لَعَنَ اللهُ
الواشمات ... إلخ)) (امْرَأَةً) مفعول ثان لـ((بلغ))، (مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لَهَا)؛ أي:
تُكنى (أُمُّ يَعْقُوبَ) لا يُعْرَف اسمها، وهي من بني أسد بن خزيمة، ولم أقف
لها على ترجمة، ومراجعتها ابن مسعود تدلّ على أن لها إدراكاً، والله وَلَ أعلم
بالصواب. انتهى(٣).
(وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَتَتْهُ)؛ أي: جاءت أم يعقوب إلى ابن مسعود
(فَقَالَتْ: مَا) استفهاميّة، مبتدأ خبره قولها: (حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ) ثم بيّنت ما
أجملته بقولها: (أَنَّكَ) يَحْتَمل فتح همزة ((أن)) خبراً لمحذوف؛ أي: هو
أنك ... إلخ، ويَحْتَمل كسرها، فتكون الجملة مستأنفة، (لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/١٤ - ١٠٧.
(٢) ((الفتح)) ٤٤٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).
(٣) ((الفتح)) ٤٤٧/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).

٢٢٩
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦١)
وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتٍ، وَالْمُتَقَلِّجَاتٍ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ) بن مسعود رَظُه مجيباً عن سؤالها: (وَمَا لِيَ) ((ما)) استفهاميّة،
والاستفهام للإنكار، وجوّز الكرمانيّ(١) أن تكون نافيةً، قال الحافظ: وهو
بعيد(٢). (لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ) بحذف العائد، وهو جائز في سعة الكلام، كما قال
في ((الخلاصة)) :
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ کَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِذا انْتَصَبْ
بِفِعْلِ اوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ)»
(رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللّهِ) رَّتْ، فَهِمت المرأة من هذا القول أن
لعن المذكورات في الحديث منصوص عليه في القرآن، فلذلك قالت: لقد
قرأت ... إلخ، (فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَي الْمُصْحَفِ) المراد
باللوحين ما يُجعل المصحف فيه، وكانوا يكتبون المصحفَ في الرَّقّ، ويجعلون
له دَقَّتين من خشب، وقد يُطلق على الكرسيّ الذي يوضع عليه المصحف اسم
لوحين، قاله في ((الفتح))(٣).
﴿فَمَا وَجَدْتُهُ، فَقَالَ) ابن مسعود ◌َظُه: (لَئِنْ كُنْتٍ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ) هكذا
النُّسخ بإثبات الياء في الموضعين، وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب
المؤنث في الماضي، قاله النوويّ كَّتُهُ .
وقال القرطبيّ: وقوله لها: ((لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه)) بزيادة ياء هي
الرواية، وهي لغة معروفة، فيما إذا اتصل بياء خطاب الواحدة المؤنثة ضمير
غائب؛ ويعني بـ((قرأتيه)): تدبّرتيه، ووجه استدلاله على ذلك بالآية: أنَّه فهم
منها تحريم مخالفة النبيّ وَلجر فيما يأمر به، وينهى عنه، وأن مخالفه مستحق
للعنة، وهؤلاء المذكورات في الحديث مستحقات للَّعنة. انتهى (٤).
(قَالَ اللهُ رَى: ﴿وَمَآ ءَالَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧])
(١) ((شرح الكرمانيّ على البخاريّ)) ١٢٦/٢١، ونصّه: ((استفهام، أو نفي)).
(٢) ((الفتح)) ٤٤٧/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).
(٣) ((الفتح)) ٤٤٧/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).
(٤) ((المفهم)) ٤٤٦/٥.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وأخرج الحديث الطبرانيّ من طريق مسروق، عن عبد الله، وزاد في آخره:
(فقال عبد الله: ما حَفِظت وصية شعيب إذاً))؛ يعني: قوله تعالى حكايةً عن
ع ◌َهُ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. (فَقَالَتِ
شعيب
الْمَرْأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيْئاً مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الآنَ) قال القرطبيّ تَخْتُ: تعني:
أنها رأت على امرأته عن وقت قريب من وقت كلامها معه، حتى كأنه في حكم
الوقت الحاضر المعبّر عنه بـ ((الآن)) شيئاً من تلك الأمور المذكورات في
الحديث، وأقرب ما يكون ذلك الشيء التنميص، وهو الذي يزول بنبات الشعر
عن قريب، ولو كان ذلك وشماً، أو تفليجاً، لما زال. انتهى(١).
وقولها: (فَإِنِّي أَرَى شَيْئاً مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ) امرأة عبد الله بن
مسعود رظُه، هي زينب بنت عبد الله الثقفيّة، ويقال: زينب بنت معاوية، أو
أبي معاوية، وقيل: زينب بنت عبد الله بن معاوية، قاله الذهبيّ في
((التجريد))(٢) .
(قَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي) قال القرطبيّ كَُّهُ: يعني: أنَّه لما رأى على امرأته
شيئاً من ذلك نهاها، فانتهت عنه، وَسَعَتْ في إزالته حتى زال، فدخلت المرأة،
فلم تر عليها شيئاً من ذلك، فصدَّق قوله فعله. انتهى. (قَالَ) علقمة (فَدَخَلَتْ)
المرأة (عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللّهِ) بن مسعود ◌َّهِ (فَلَمْ تَرَ شَيْئاً، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ:
مَا رَأَيْتُ شَيْئاً، فَقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكِ لَمْ نُجَامِعْهَا) وفي بعض النسخ: ((لم
أجامعها))، قال جماهير العلماء: معناه: لم نصاحبها، ولم نجتمع نحن وهي،
بل كنا نطلقها، ونفارقها، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن معناه: لم أطأها،
وهذا ضعيف، والصحيح ما سبق، فيُحْتَجّ به في أن مَن عنده امرأة مرتكبة
معصية؛ كالوصل، أو ترك الصلاة، أو غيرهما ينبغي له أن يطلقها، والله أعلم.
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: وهكذا يتعيّن على الرجل أن يُنكر على زوجته مهما
رأى عليها شيئاً محرَّماً، ويمتنع من وطئها كما قال عبد الله: ((أما إنه لو كان
ذلك لم يجامعها))، هذا ظاهر هذا اللفظ، ويَحْتَمِل: لم يجتمع معها في دار،
(١) ((المفهم)) ٤٤٦/٥ - ٤٤٧.
(٢) (تنبيه المعلم)) ٣٦٤ - ٣٦٥، و((تجريد الذهبيّ)) ٢٧٣/٢.

٢٣١
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيمٍ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦١)
ولا بيت، فإما بهجران، أو بطلاق، كما قال تعالى: ﴿وَلَِّ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُرَ
فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ الآية [النساء: ٣٤]، وإذا كان هذا
لأجل حقّ الزوج، فلأن يكون لحقّ الله تعالى أحرى وأَولى. انتهى (١)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ربه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٦١/٣٢ و٥٥٦٢ و٥٥٦٣ و٥٥٦٤] (٢١٢٥)،
و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٨٨٦ و٤٨٨٧) و((اللباس)) (٥٩٣١ و٥٩٣٩ و٥٩٤٣
و٥٩٤٨)، و(أبو داود) في ((الترجّل)) (٤١٦٩)، و(الترمذيّ) في ((الأدب))
(٢٧٨٢)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٤٩/٦) و((الزينة)) (١٤٦/٨ و١٨٨)
و((الكبرى)) (٤٢٢/٥ و٤٢٣ و٤٢٥)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٨٩)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤٥/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٣/١ -
٤٣٤ و٤٤٣ و٤٤٨ و٤٥٤ و٤٦٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٧)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٠٤
و٥٥٠٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٢٨/٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩/
٧٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٣٨/١)، و(البزّار) في («مسنده)) (٢٩٣/٤
و٢٩٥ و٣٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٨/٧ و٣١٢) و((شُعَب الإيمان))
(٦/ ١٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الوشم، والنَّمَص، والفَلَج.
٢ - (ومنها): أنه يُفهم من قوله: ((للحُسن)): أن المذمومة هي التي تفعل
ذلك لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج، أو عيب في السنّ، ونحوه
فلا بأس به. قاله النوويّ تَذَّهُ(٢).
(١) ((المفهم)) ٤٤٧/٥.
(٢) ((شرح النووي)) ١٤/ ١٠٧.

٢٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
٣ - (ومنها): أن في قوله: ((المغيّرات خلق الله))، بيان سبب النهي عن
هذه الأمور، وهو تغيير خلق الله تعالى، وأيضاً ففيه تزويرٌ، وتدليس.
قال الطبري كَّلُهُ: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها، التي خلقها الله
عليها، بزيادة أو نقص؛ التماسَ الحُسن، لا للزوج، ولا لغيره؛ كمن تكون
مقرونة الحاجبين، فتزيل ما بينهما، تُوهِم البَلَج، أو عكسه، ومن تكون لها سن
زائدة، فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية، أو شارب، أو عَنفَقَّة، فتزيلها
بالنتف، ومن يكون شعرها قصيراً، أو حقيراً، فتطوّله، أو تغزره بشعر غيرها،
فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله تعالى، قال: ويستثنى من
ذلك ما يحصل به الضرر، والأذية؛ كمن يكون لها سن زائدة، أو طويلة،
تعيقها في الأكل، أو إصبع زائدة تؤذيها، أو تؤلمها، فيجوز ذلك، والرجل في
هذا الأخير كالمرأة.
وقال النووي: يُستثنَى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية، أو شارب،
أو عنفقة، فلا يحرم عليها إزالتها، بل يستحب. قال الحافظ: وإطلاقه مقيّد
بإذن الزوج وعِلْمه، وإلا فمتى خلا عن ذلك مُنع؛ للتدليس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن ما قاله النوويّ، ووافقه عليه الحافظ
مقيّداً بإذن الزوج يحتاج إلى دليل، فإن وُجد، وإلا فما قاله الطبريّ هو الحقّ،
فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقال بعض الحنابلة: إن كان النمص أشهرَ شِعار للفواجر امتنع، وإلا
فيُكره تنزيهاً، وفي رواية: يجوز بإذن الزوج، إلا إن وقع به تدليس فيَحْرُم،
قالوا: ويجوز الْحَفّ والتحمير، والنقش، والتطريف، إذا كان بإذن الزوج؛ لأنه
من الزينة. وقد أخرج الطبري من طريق أبي إسحاق، عن امرأته، أنها دخلت
على عائشة، وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تَحُفّ جبينها
لزوجها؟ فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت. وقال النووي: يجوز التزين
بما ذُكر إلا الحَفّ، فإنه من جملة النماص. ذكره في ((الفتح))(١).
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَكْثُهُ: وقول ابن مسعود ظُه للمرأة: ((وما
(١) ((الفتح)) ٤٤٧/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).

٢٣٣
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦١)
لي لا ألعن من لعنه رسول الله (وَل) دليل: على جواز الاقتداء برسول الله وَل
في إطلاق اللعن على من لعنه النبيّ وَّ معيَّناً كان أو غير معيَّن؛ لأنَّ الأصل
أن النبيّ وَليّ ما كان يلعن إلا من يستحق ذلك. غير أن هذا يعارضه قوله وله:
((اللهم ما من مسلم سببته، أو جلدته، أو لعنته، وليس لذلك بأهل، فاجعل
ذلك له كفارة، وطهوراً)) رواه مسلم، وهذا يقتضي أنه قد يلعن من ليس بأهل
لعنة، وقد أشكل هذا على كثير من العلماء، وراموا الانفصال عن ذلك بأجوبة
متعددة ذكرها القاضي عياض في كتاب ((الشفاء»، وأشبه ما ينفصل به عن
ذلك: أن قوله: ((ليس لذلك بأهل)) في علم الله، وأعني بذلك: أن هذا الذي
لعنه رسول الله وَير؛ إنما لعنه لسبب صدر منه يقتضي إباحة لعنه، لكنَّه قد يكون
منهم من يعلم الله تعالى من مآل حاله: أنه يقلع عن ذلك السبب، ويتوب منه،
بحيث لا يضره، فهذا هو الذي يعود عليه سب رسول الله ◌َ 98 إياه، ولعنه له
بالرحمة، والطهور، والكفارة، ومن لا يعلم الله منه ذلك، فإنَّ دعاءه وَ ◌ّ زيادة
في شقوته، وتكثير للعنته، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي إطلاق ابن مسعود نسبة لعن مَن
فعل ذلك إلى كتاب الله، وفهم أم يعقوب منه أنه أراد بكتاب الله القرآن،
وتقريره لها على هذا الفهم، ومعارضتها له بأنه ليس في القرآن، وجوابه بما
أجاب دلالةٌ على جواز نسبة ما يدلّ عليه الاستنباط إلى كتاب الله تعالى، وإلى
سُنَّة رسوله وَّه نسبةً قوليةً، فكما جاز نسبة لعن الواشمة إلى كونه في القرآن؛
لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللّهُ إِنَّ
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، مع ثبوت لعنه وَّهُ مَن فعل ذلك يجوز نسبة مَن
فعل أمراً يندرج في عموم خبر نبويّ ما يدلّ على منعه إلى القرآن، فيقول القائل
مثلاً: لعن الله مَن غَيّر منار الأرض في القرآن، ويستند في ذلك إلى أنه رَّه
لَعَن مَن فعل ذلك. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله في ((الفتح)) استدلال قويّ
(١) ((المفهم)) ٤٤٥/٥ - ٤٤٦.
(٢) ((الفتح)) ٤٤٧/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣١).

٢٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
جدّاً، لكنه مقيّدٌ بما إذا كان ذلك الأمر منصوصاً عليه في السنّة، أما نسبة
الأمور المستنبطة بالاجتهاد؛ كالمسائل القياسيّة، فلا يجوز نسبتها إلى الكتاب،
والسنّة، إلا مع بيان كونها مستنبطة منهما، كما يُعْزَى ذلك إلى بعض فقهاء أهل
الرأي في مسألة يستنبطها بالاجتهاد، فقد أجاز أن يقال فيها: قال رسول الله وَله
كذا. قال أبو العبّاس القرطبيّ، صاحب (المفهم)): استجاز بعض فقهاء أهل
الرأي نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله وَّهِ نسبةً قوليّةً، فيقول:
قال رسول الله ◌َي# كذا، ولذا ترى كتبهم مشحونةً بأحاديث تشهد متونها بأنها
موضوعة؛ لأنها تُشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سنداً. انتهى.
فهذا يعدّ من أقسام الوضع على رسول الله وَّر، ولذلك قلت في منظومتي
((الجليس الأمين في بيان الموضوع، وأصناف الوضّاعين)):
إِلَى النَّبِي مَا بِالْقِيَاسِ يُجْلَبُ
وَبَعْضُ أَهْلِ الرَّأْيِ قَالَ يُنْسَبُ
مَا لَا يُرَى بِسَنَدٍ يَتَّصِلُ
لِذَا تُرَى كُتُبُهُمْ تَشْتَمِلُ
قَدِ افْتَرَاهُ مُجْرِماً هَذَا الْغَبِي
وَهْوَ حَرَامٌ دَاخِلٌ فِي الْكَذِبِ
والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٦٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ - وَهُوَ ابْنُ مُهَلْهَلِ - كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هَذَا
الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ سُفْيَانَ: الْوَاشِمَاتِ،
وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَفِي حَدِيثٍ مُفَضَّلِ: الْوَاشِمَاتِ، وَالْمَوْشُومَاتِ).
رجال هذين الإسنادين: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (مُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ) السَّعْديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نَبِيلٌ
عابدٌ [٧] (ت١٦٧) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
والباقون تقدّموا قريباً.

٢٣٥
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٢)
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) وفي بعض النسخ: ((بهذا الإسناد)).
وقوله: (وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ) وفي بعض النسخ: ((والمتوشمات)).
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن منصور ساقها البخاريّ تَكْثُ في
((صحیحه))، فقال:
(٤٦٠٤) - حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم،
عن علقمة، عن عبد الله قال: ((لعن الله الواشمات، والموتشمات، والمتنمصات،
والمتفلجات للحُسن، المغيرات خلقَ الله))، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها:
أم يعقوب، فجاءت، فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا
ألعن من لعن رسول الله وَل﴿، ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأت ما بين
اللوحين، فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت:
وَمَآ ءَائَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنْكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾؟، قالت: بلى، قال: فإنه قد نَهَى
عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: فاذهبي، فانظري، فذهبت، فنظرت،
فلم تر من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتنا. انتهى (١).
ورواية مفضّل بن مُهَلْهل ساقها النسائيّ تَُّ في ((سننه))، فقال:
(١١٥٧٩) - أخبرنا محمد بن رافع، ومحمد بن عبد الله بن المبارك، عن
يحيى بن آدم، قال: حدّثنا المفَضَّل بن مُهَلْهَل، عن منصور، عن إبراهيم، عن
علقمة، عن عبد الله، قال: ((لعن الله الواشمات، والموشمات، والمتنمصات،
والمتفلجات للحسن، المغيرات خلقَ الله))، فقامت امرأة من بني أسد، يقال
لها: أم يعقوب، فأتته، فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: ألا ألعن
من لعن رسول الله وَّ، وهو في كتاب الله؟ قالت: لقد قرأت ما بين لوحتي
المصحف، فما وجدته، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما وجدت:
ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾؟ قالت: بلى، وإني أظن أهلك
يفعلون بعض ذلك، فقال: ادخلي، فانظري، فدخلت، ثم خرجت، قالت: ما
رأيت شيئاً، قال: لو فعلته لم تجامعنا. انتهى(٢).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٨٥٣/٤.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٨٤/٦، و((المجتبى)) ١٨٨/٨.

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٦٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، الْحَدِيثَ عَنِ النَِّّ وَّهِ مُجَرَّداً عَنْ سَائِرِ الْقِصَّةِ، مِنْ ذِكْرٍ أُمّ يَعْقُوبَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وکلّهم ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر غندر عن شعبة مجرّدة عن القصّة ساقها
النسائيّ كَّتُهُ في ((سننه))، فقال:
(٩٣٨١) - أخبرني محمد بن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن
منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لَعَنَ اللهُ المتنمصات،
والمتفلجات، ألا ألعن من لعن رسول الله وَالر؟. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٦٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي: ابْنَ
حَازِمِ - حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلـ
بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطِيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي
بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في
((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ إلا في قتادة [٦] (ت١٧٠) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قال النوويّ ◌َخْلَلهُ: هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون، بعضهم عن
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٦/ ٤٨٤، و((المجتبى)) ١٨٨/٨.

٢٣٧
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٤)
بعض، وهم: جرير، والأعمش، وإبراهيم، وعلقمة، وقد رأى جرير رجلاً من
الصحابة، وسمع أبا الطفيل، وهو صحابيّ، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا جعل النوويّ جرير بن حازم تابعيّاً، وأنه
رأى رجلاً صحابيّاً، وسمع أبا الطفيل، وجعله في ((التقريب)) من الطبقة
السادسة، وهي لم تلق أحداً من الصحابة، وهو الذي يظهر لي، فإن من طالع
ترجمته، ورأى شيوخه يظهر له أنه لم ير صحابيّاً أصلاً، وقوله في ((التهذيب)):
روى عن أبي الطفيل لا يفيد اتّصاله؛ لأنه يُدلّس، كما في ((التهذيب))(٢)، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال:
الصحيح عن الأعمش إرساله، قال: ولم يُسنده عنه غير جرير، وخالفه أبو معاوية
وغيره، فرووه عن الأعمش، عن إبراهيم مرسلاً، قال: والمتن صحيحٌ من رواية
منصور، عن إبراهيم - يعني: كما ذكره في الطرق السابقة - قاله النوويّ كَذَتُهُ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولم يُسنده عنه غير جرير)) فيه نظر؛ لأنه
تابعه سفيان الثوريّ، فقد أخرجه الدارقطنيّ نفسه، فقال: حدّثنا أبو طالب
عليّ بن محمد بن أحمد بن الجهم الكاتب، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن
الفضيل، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابيّ، قال: حدّثنا سفيان، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: ((لَعَن الله
الواشمات ... )) الحديث، ثم قال الدارقطنيّ: حديث الأعمش لم نسمعه إلا
من أبي طالب الكاتب. انتهى.
فقد تابع سفيان جريراً في وَصْل هذا الحديث، لكن لَمّا كان الراوي عن
سفيان هو الفريابيّ لم يعتدّ الدارقطنيّ بهذه المتابعة؛ إذ هو يخطىء في حديث
الثوريّ، بل قيل: إنه أخطأ في مائة وخمسين من حديثه، فلعلّ هذا منها .
والحاصل أن ما قاله الدارقطنيّ من أن الصواب أن رواية الأعمش
هذه مرسلة، وجيه، إلا أن الحديث متّصل صحيح من الطرق السابقة التي
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١٤.
(٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٢٩٦/١.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
أوردها مسلم في الباب، ولعله إنما أخّره لإدراكه العلّة المذكورة، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية الأعمش، عن إبراهيم النخعيّ ساقها ابن الجعد تَخْذَّتُهُ
في ((مسنده))، بسند مسلم، فقال:
(٨٨٣) - حدّثنا شيبان بن فَرُّوخ، نا جرير بن حازم، نا الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: ((لَعَنَ الواشمات، والمتفلجات،
والمتنمصات، والمغيرات خلقَ الله))، قال: فقالت امرأة، يقال لها: أم
يعقوب، من بني أسد: إني لأظنها في أهلك، فقال لها: اذهبي، فانظري،
فذهبت، فلم تر شيئاً، فقالت: ما وجدت ما تقول في المصحف، فقال: بلى،
والله قاله رسول الله وَال﴾. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٦٥] (٢١٢٦) - (وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
رَافِعٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِ أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ
جَابِرَّ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: زَجَرَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئاً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) الْهُذليّ، أبو محمد الخلال الْحُلْوانيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (زَجَرَ النَّبِيُّ وَهِ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئاً) فيه النهي عن وصل
الشعر بشيء ما، سواء كان شعراً، أو غيره، من الصوف، والْخِرَق، وغيرها؛
لعموم هذا النصّ، فإن ((شيئاً)) نكرة في سياق النهي، فيعمّ، ولأن ذلك كله في
معنى وَصْله بالشعر، وخالف في هذا الليث بن سعد، فأباح الوصل بالصوف،
والخِرَق، وما ليس بشعر، وهو محجوج بهذا النصّ(٢)، وقد تقدّم تمام البحث
في هذا، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق.
(١) ((مسند ابن الجعد)) ١٣٨/١.
(٢) ((المفهم)) ٤٤٣/٥.

٢٣٩
(٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٦)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ما هذا من أفراد
المصنّف نَذْتُهُ .
(المسألة الثانية) في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٦٥/٣٢] (٢١٢٦)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (١٣٨/٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٦/٣ و٣٨٧)، و(الحارث بن
أبي أسامة) في ((مسنده)) (١) (٦١٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٦/٢)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٦٦] (٢١٢٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي
سُفْيَانَ، عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ، كَانَتْ فِي بَدِ حَرَسِيٍّ،
يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِن ◌َّهِ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ،
وَيَقُولُ: ((إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]
(ت١٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب الأمويّ الخليفة، أبو
عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات رظُه في رجب سنة ستين، وقد قارب
الثمانين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨.
والباقون تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّثُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه،
فنيسابوريّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّه أحد الخلفاء
.
(١) راجع: ((زوائد الهيثميّ)) ٦١٨/٢.

٢٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
شرح الحديث:
(عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) في رواية معمر، عن الزهريّ:
((حدّثني حميد بن عبد الرحمن))، أخرجه أحمد، وفي رواية يونس، عن
الزهريّ: ((أنبأنا حميد))، أخرجه الترمذيّ، وقد أخرج مسلم بعد هذا روايتي
معمر ويونس، لكن أحال بهما على رواية مالك، وأخرجه الطبراني من طريق
النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فقال: ((عن السائب بن يزيد))، بدل ((حميد بن
عبد الرحمن))، وحميد هو المحفوظ، أفاده في ((الفتح)) (١).
(عَامَ حَجَّ) منصوب على الظرفيّة
(أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ)
متعلّق بـ(سَمِع))، وكان ذلك في آخر قدْمة قَدِمها، سنة إحدى وخمسين من
الهجرة، وهي آخر حَجّة حجها في خلافته رَُّ(٢)، وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ)
النبويّ، جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرِ)
القصة - بضم القاف، وتشديد الصاد المهملة -: الْخُصْلة(٣) من الشعر، وقال
الأصمعيّ وغيره: هي شعر مقدَّم الرأس المقبل على الجبهة، وقيل: شعر
الناصية، وفي رواية سعيد بن المسيِّب الآتية: (كُبّةً من شعر)). (كَانَتْ) الْقُصّة
(فِي بَدِ حَرَسِيٍّ) لم يُعرف اسمه، وهو - بفتح الحاء، والراء، وبالسين
المهملات -: نسبة إلى الْحَرَس، وهم خَدَم الأمير الذين يحرسونه، ويقال
للواحد: حَرَسیّ؛ لأنه اسم جنس.
وعند الطبرانيّ من طريق عروة، عن معاوية من الزيادة: (قال: وجدت
هذه عند أهلي، وزعموا أن النساء يزدنه في شعورهن))، وهذا يدلّ على أنه لم
يكن يُعرف ذلك في النساء قبل ذلك، وفي رواية سعيد بن المسيِّب الآتية: ((ما
كنت أرى يَفعل ذلك إلا اليهود)). (يَقُولُ) معاوية رَبُه: (يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ
عُلَمَاؤُكُمْ؟) قال النوويّ تَُّهُ: هذا السؤال للإنكار عليهم بإهمالهم إنكار هذا
المنكر، وغفلتهم عن تغييره، وفي حديث معاوية هذا اعتناء الخلفاء، وسائر
(١) ((الفتح) ٤٤٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣٢).
(٢) ((الفتح)) ١٢٥/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٨٨).
(٣) ((الْخُصْلة)) بالضمّ: الشعر المجتمع، قاله في ((القاموس)).