Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٣) مستنده في ذلك أن سهل بن حنيف مات في خلافة عليّ، وعبيد الله لم يدرك عليّاً، بل قال عليّ ابن المدينيّ: إنه لم يُدرِك زيد بن ثابت، ولا رآه، وزيد مات بعد سهل بن حنيف بمدّة، ولكن روى الحديث المذكور محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، فذكر القصة لعثمان بن حُنيف، لا لسهل، أخرجه الطبرانيّ، وعثمان تأخر بعد سهل بمدّة، وكذلك أبو طلحة، فلا يبعد أن يكون عبيد الله أدركهما. انتهى كلام الحافظ تَّقُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (عَنِ النَّبِيِّ وَِّ) أنه (قَالَ: (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريّ (لا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، (تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ) جمع مَلَك، وأصله ملأك، على وزن مَفْعَل، نُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحُذفت الهمزة، فصار مَلَكاً على وزن مَفَل، فلما جُمع رُدّ إلى الأصل، وقيل: أصله مَأْلَك فقُلب قلباً مكانيّاً، فصار ملأكاً على وزن معفل، فنُقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، وحذفت فوزنه مَعَل، فلما جُمع ردّ إلى أصله، وهو مأخوذ من الألوكة، وهي الرسالة، وقيل: من المَلْك بفتح الميم وسكون اللام، وهو الأخذ بقوّة، والتاء إما للمبالغة، أو التأنيث الجمع، فإذا حُذفت امتنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع(٢). وهم مخلوقون من النور، ففي ((صحيح مسلم)) عن عائشة ﴿يا، قالت: قال رسول الله وَله: ((خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم))، وهم بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام: فمنهم حملة العرش، ومنهم الكروبيّون الذين هم حول العرش، وهم أشراف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقرَّبون، ومنهم جبريل، وميكائيل، ومنهم سكان السماوات السبع يَعْمُرونها عبادةً ليلاً ونهاراً، فمنهم الراكع دائماً، والقائم دائماً، والساجد دائماً، ومنهم المتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور، كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخرُ ما عليهم، ومنهم المُؤْكَلون بالجِنان، (١) ((الفتح)) ٤٥٩/١٣ - ٤٦٠، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٤٩). (٢) ((المنهل العذب المورود)» ٢٩٥/٢. ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة ومنهم الموكلون بالنار، ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد. وقد ذكر الحافظ ابن كثير تَّثُ في («البداية والنهاية)) الآيات والأحاديث التي تدل على هؤلاء الأصناف، وبيّنها أتمّ تبيين، فارجع إليه تستفد علماً جمّاً(١). [تنبيه]: قال الحافظ ابن كثير تَخْلُهُ: وقد اختَلَف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال: فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمون، والخلاف فيها مع المعتزلة، ومن وافقهم، وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في (تاريخ ابن عساكر)) في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلساً لعمر بن عبد العزيز، وعنده جماعة، فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم، واستدلّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ [البينة: ٧] ووافقه على ذلك أمية بن عمرو بن ٧ الصَِّحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْرِيَِّ سعيد، فقال عراك بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته، هم خَدَمَةُ دارَيْه ورسلُهُ إلى أنبيائه، واستدلّ بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُنَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظيّ: ما تقول أنت يا أبا حمزة؟ فقال: قد أكرم الله آدم فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، وجعل من ذريته الأنبياء والرسل، ومن يزوره الملائكة، فوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم واستدلّ بغير دليله، وأضعف دلالة ما صرّح به من الآية، وهو قوله: ®﴾ مضمونه أنها ليست ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَّرُ الْرِيَّةِ خاصّة بالبشر، فإن الله تعالى قد وصف الملائكة بالإيمان في قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وكذلك الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىَ ءَامَنَّا بِْ﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٣ - ١٤]. قال ابن كثير كَثّلُهُ: وأحسن ما يستدلّ به في هذه المسألة ما رواه (١) («البداية والنهاية)) ٣٥/١ - ٤٩. ٨٣ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٣) عثمان بن سعيد الدارميّ، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وهو أصح(١)، قال: (لمّا خلق الله الجنة، قالت الملائكة: يا ربنا اجعل لنا هذه نأكل منها ونشرب، فإنك خلقت الدنيا لبني آدم، فقال الله تعالى: لن أجعل صالح ذريّة من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان)). انتهى كلام ابن كثير كَّتُهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ ابن كثير حسن جدّاً، إلا أن الأولى والأحسن عندي أن لا نخوض في هذه المسألة وأمثالها التي ما كلّفنا الله بمعرفتها، فما أنزل بها آية، ولا فصّلها النبيّ وَّر تفصيلاً، فالخوض والمناقشة في مثل هذا من فضول الكلام الذي لا يعني الإنسان، وقد ثبت عنه ◌َّ: ((من حُسن إسلام المرء تَرْكه ما لا يعنيه))، فلا ينبغي للإنسان أن يشتغل بمثل هذه المسائل، فيضيع وقته الذي هو رأس ماله، فيخسر، والله الهادي إلى سواء السبيل. ثم إن المراد بالملائكة في حديث الباب غير الحفظة والكتبة، وهم الذين يطوفون بالرحمة، والتبريك، والاستغفار. وأما الحفظة، والكتبة، فيدخلون كل بيت، وكذا الموكلون بقبض الأرواح، وقيل: المراد عموم الملائكة لظاهر الحديث، لكن الأول أَولى للأدلة الأخرى، كما سبق تحقيقه قريباً، والله تعالى أعلم. (١) قال عثمان الدارميّ كَُّ في أثناء كلام له: حدّثناه عبد الله بن صالح، حدّثني الليث، حدّثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((لقد قالت الملائكة: يا ربّنا ... )) الحديث، وصحّح الحديث الشيخ أحمد محمد شاكر، وضعّفه الشيخ الألباني بسبب عبد الله بن صالح. انظر ما كتبه على: ((شرح العقيدة الطحاويّة)) ص٣٠٥ - ٣٠٨، لكن الذي يظهر لي أن الحديث حسنٌ، فإن عبد الله بن صالح أخرج له البخاريّ في ((صحيحه))، كما صرّح به الحافظ في ترجمته من ((تهذيب التهذيب))، فأعدل الأقوال فيه ما قاله الحافظ ابن القطّان كثُّهُ: هو صدوقٌ، ولم يثبت عليه ما يَسقط له حديثه، إلا أنه مختلف فيه، فحديثه حسنٌ. انتهى. راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٢/ ٣٥٦، فالظاهر أن الحديث حسنٌ، والله تعالى أعلم. (٢) ((البداية والنهاية)) ٤٩/١. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة (بَيْتاً)؛ أي: مسكناً يستقر فيه الشخص سواء كان بناء، أم خيمة، أم غيرهما، (فِيهِ كَلْبٌ) جملة من مبتدأ وخبر، صفة لـ((بيت))، (وَلَا صُورَةٌ)) قال الفيّوميّ: الصورة: التِّمْثَال، وجَمْعها صُوَر، مثل غُرفة وغرف. انتهى، وقد تقدّم البحث في هذا في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي طلحة به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥ /٥٥٠٣ و٥٥٠٤ و٥٥٠٥ و٥٥٠٦ و٥٥٠٧] (٢١٠٦)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٢٥) و((المغازي)) (٤٠٠٢) و ((اللباس)) (٤٩٥٩ و٥٨٥٩)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤١٥٣ و٤١٥٥)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨٠٤)، و(النسائيّ) في ((الصيد)) (١٨٥/٧) و((الزينة)) (٢١٢/٨) و((الكبرى)) (١٤٨/٣)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٦٤٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٩٧/١٠)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٤/ ٢٦٥ و١٩٨/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨/٤ - ٢٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٣/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩/٣ و٢٠)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٢٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥١/١ و٢٨٨/٧)، و((شُعَب الإيمان)) (١٨٧/٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٠٤] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَم﴾ يَقُولُ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، والغرض منه بيان متابعة يونس لابن عيينة، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد والمنّة. ٨٥ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٥ - ٥٥٠٦) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٠٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ، وَذِكْرِهِ الأَخْبَارَ فِي الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب. وقوله: (وَذِكْرِهِ الأَخْبَارَ فِي الإِسْنَادِ) بجرّ ((ذكره)) عطفاً على ((حديث))، والضمير ليونس، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، و((الأخبارَ)) بالنصب على المفعوليّة لـ((ذكر))، وهو بفتح الهمزة، جمع خبر، ويَحْتَمل أن يكون بكسرها مصدراً، والمراد أن مَعْمَراً ذَكَر في الإسناد سماع عبيد الله عن ابن عبّاس، وهو عن أبي طلحة، وهو عن النبيّ وَّ، كما ذكره يونس، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها الترمذيّ تَظُّ في ((جامعه))، فقال : (٢٨٠٤) - حدثنا سلمة بن شبيب، والحسن بن عليّ الخلال، وعبد بن حميد، وغير واحد، واللفظ للحسن بن عليّ، قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه سمع ابن عباس يقول: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب، ولا صورة تماثيل))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحیحٌ. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٠٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ))، قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَکَی زَيْدٌ بَعْدُ(٢)، فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، قَالَ: فَقُلْتُ (١) ((جامع الترمذيّ)) ١١٤/٥. (٢) وفي نسخة: ((زيد، فعُدناه)). ٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة لِعُبَيْدِ اللهِ الْخَوْلَانِيِّ، رَبِيبٍ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َّرِ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: إِلَّا رَقْماً (١) فِي ثَوْبٍ؟). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. ٢ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] مات سنة مائة (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١. ٣ - (زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ) الصحابيّ المشهور، مات بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٠) وله (٨٥) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٨/٣٤. والباقون ذكروا في الباب، وقبل بابین. شرح الحديث: (عَنْ بُكَيْرٍ) بالموحّدة مصغّراً، وفي الرواية التالية: ((حدّثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكير بن الأشجّ حدّثه، أن بُسر بن سعيد حدّثه، أن زيد بن خالد الجهنيّ حدّثه ... )) الحديث، (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضم الباء الموحّدة، وسكون السين المهملة، وفي رواية عمرو بن الحارث المذكورة: ((أن بسر بن سعيد حدّثه))، (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) هو الجهنيّ الصحابيّ ◌َظُبه، وفي رواية عمرو المذكورة أيضاً: ((أن زيد بن خالد الجهنيّ حدّثه، ومع بسر عبيد الله الْخَوْلانيّ، ولفظ البخاريّ: ((ومع بُسر بن سعيد عبيدُ الله الْخَوْلانيّ الذي كان في حِجر ميمونة)). (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) هو زيد بن سهل الأنصاريّ الصحابيّ المشهور ظه، وفي الإسناد تابعيان في نسق، وصحابيان في نسق، وعلى رواية بُسر عن عبيد الله الْخَوْلانيّ للزيادة الآتي ذكرها يكون فيه ثلاثة من التابعين في نسق، وكلهم مدنيون، ووقع في رواية عمرو بن الحارث المذكورة: ((أن أبا طلحة حدثه)). (صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ وَّ) بجرّ (صاحب)) صفة لأبي طلحة، (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ (١) وفي نسخة: ((إلا رقم)). ٨٧ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٦) الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ))) قال في ((الفتح)): كذا لكريمة، وغيرها: ((صورة)) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرّ عن مشايخه، إلا المستملي: ((صُوَرٌ)) بصيغة الجمع، وكذا في قوله: ((فإذا على بابه سترٌ فيه صورةٌ))، ووقع في رواية عمرو بن الحارث المذكورة: ((فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير))، وهي تقوي رواية أبي ذرّ. انتهى(١). (قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ)؛ أي: ابن خالد الْجُهنيّ، (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد ذلك الوقت، ووقع في بعض النُّسخ: ((ثم اشتكى زيد، فعُدناه))، بإسقاط لفظ ((بعدُ))، (فَعُدْنَاهُ) بضمّ العين المهملة؛ أي: زُرناه، يقال: عُدتُ المريض عِيادةً: زُرته، فالرجل عائد، وجَمْعه عُوّد، والمرأة عائدة، وجَمْعها عُوّاد، بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا كلام العرب. انتهى. وإلى هذين الجمعين أشار في ((الخلاصة)) حيث قال: وَفُعَلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وَذَانٍ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا وَمِثْلُهُ الْفُعَالُ فِيمَا ذُكِّرًا (فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ) ((إذا)) هي الفُجائيّة؛ أي: ففاجأنا وجود ستر على بابه، والسِّتر بالكسر: الساتر، وقوله: (فِيهِ صُورَةٌ) جملة في محلّ رفع صفة لـ «سترٌ)). (قَالَ) بُسر: ((فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللهِ الْخَوْلَانِيّ)؛ أي: الذي كان معه، كما بيّنته رواية عمرو بن الحارث التالية، قال في ((الفتح)): وعبيد الله هو ابن الأسود، ويقال: ابن أسد، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في ((الصلاة) من روايته عن عثمان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عبيد الله الخولانيّ المذكور، ثقةٌ [٣] تقدّمت ترجمته في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٩٤/٤، وليس له عند مسلم إلا الحديثان اللذان عند البخاريّ، كما ذكره الحافظ، فتنبّه. (رَبِيبٍ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ) لُقّب بذلك؛ لأنها كانت رَبَّتْه، وكان من مواليها، ولم يكن ابن زوجها. انتهى. (١) ((الفتح)) ٤٧٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٨). ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة (أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ)؛ أي: حكمها، وهو التحريم (يَوْمَ الأَوَّلِ؟) بالإضافة، من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ أي: في اليوم الأول الذي مضى قبل هذا؛ أي: فكيف يَجعل على بابه ستراً فيه صورة؟ (فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ)؛ أي: ألم تسمع زيداً (حِينَ قَالَ: إِلَّا رَقْماً) هذا هو الصواب، ووقع في بعض النُّسخ: ((إلا رقم))، بالرفع، والظاهر أنه غلطٌ. (فِي ثَوْبٍ) وفي رواية عمرو بن الحارث التالية: ((قال: إنه قال: إلا رقماً في ثوب، ألم تسمعه؟ قلت: لا، قال: بلى قد ذكر ذلك)). قال القرطبيّ ◌َُّهُ: (وقولُ بُسر لعبيد الله الخولانيّ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ)؛ يعني: زيد بن خالد، وذلك أنه لَمّا دخل منزل زيد، فرأى الستر فيه صورٌ ذكّر بسرٌ عبيدَ الله الخولانيّ بالحديث الذي حدّثهم به زيد، عن أبي طلحة، صاحب رسول الله وَّ ر الذي سمع من رسول الله وَل قوله: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة))، وكان أبو طلحة ظبه قد ذَكَرَ مع ذلك، متّصلاً به قوله : ((إلا رقماً في ثوب))، فاستثنى المرقوم من الصور، فحصل منه أن الملائكة لا تمتنع من دخول بيت فيه صورة مرقومة. ومن هنا: فَهِم القاسم بن محمد جواز اتخاذها في البيوت مطلقاً، كما حكيناه عنه ترجيحاً لهذا الحديث على حديث عائشة، أو نَسخاً له، وفيه بُعْدٌ، والجمهور على المنع، فمنهم من مَنَعه تحريماً، وهو مذهب ابن شهاب ترجيحاً لحديث عائشة على حديث زيد، والجمهور حملوه على الكراهة، وهو الأَولى إن شاء الله؛ إذ ليس نصّاً في التحريم، فأقل ما يُحمل ما ظهر منه على الكراهة، وحديث زيد لا يقتضي الجواز، إنَّما مقتضاه: أن الملائكة تدخل البيت الذي فيه الصور المرقومة بخلاف الصور ذوات الظل؛ فإنَّها لا تدخل بيتاً هي فيه، وهذا وجه حسن؛ غير أنَّه تكدّر بما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((أتاني جبريل ظلّله، فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرام فيه صور، وكان في البيت كلب))، وذكر الحديث، وهذا يدلّ دلالة واضحة أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة مرقومة، وعند هذا يتحقق التعارض، والمخلِّص منه الترجيح، ولا شك في ترجيح حديث مسلم، ٨٩ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٧ -٥٥٠٨) فالتمسك به على ما قررناه أولى، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُهُ(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه فيما قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٠٧] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ حَدَّثَهُ، أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَِيَّ حَدَّثَهُ، وَمَعَ بُسْرِ عُبَيْدُ اللهِ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثَّهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ صُورَةٌ»، قَالَ بُسْرٌ: فَمَرِضَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْتِهِ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللهِ الْخَوْلَانِيِّ: أَمْ يُحَدِّثْنَا فِي التَّصَاوِيرِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: إِلَّا رَقْماً فِي ثَوْبٍ، أَلَمْ تَسْمَعْهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: بَلَى، قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٠٨] (٢١٠٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، أَبِي الْحُبَابِ، مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَّنِيِّ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهـ يَقُولُ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ))، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا يُخْبِرُنِي أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا (١) «المفهم)) ٤٢٣/٥ - ٤٢٥. ٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة ت مَّائِيلُ))، فَهَلْ سَمِعْتِ رَسُولَ اللهِ وَِّ ذَكَرَ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: لَا: وَلَكِنْ سَأُحَدِّئُكُمْ مَا رَأَيْتُهُ فَعَلَ، رَأَيْتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاتِهِ، فَأَخَذْتُ نَمَطاً، فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ، فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ، فَجَذَبَهُ، حَتَّى هَتَكَهُ، أَوْ قَطَعَهُ، وَقَالَ: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ، وَالطِّينَ))، قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ، وَحَشَوْتُهُمَا لِيفاً، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، أخرج له البخاريّ مَّقروناً، وتعليقاً [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، أَبُو الْحُبَابِ، مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ) المدنيّ، ثقةٌ متقنٌّ [٣] (ت١١٧) أو قبلها (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦١٤/٥. والباقون ذُكروا في الباب، ولطائفه تقدّمت في الإسناد الماضي. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، أَبِي الْحُبَابِ) بضمّ الحاء المهملة، وتخفيف الباء الموحّدة، (مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ) هكذا عند مسلم، وقال الحافظ: اختلف في ولائه لمن هو؟ فقيل: مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقران، أو مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني النجّار، والصحيح أنه غير سعيد ابن مَرْجانة(١). انتهى(٢). (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) ◌َبِهِ (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ) ◌َظُه أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ))) بالفتح: جمع تمثال، بالكسر: هي الصورة المصوّرة، قاله الفيّوميّ(٣). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): والتَّمْثال بالفَتْحِ: التَّمْثيل، وهو مصدرُ (١) هو: سعيد بن عبد الله القرشيّ العامريّ، ومَرْجانة أمه. اهـ. ((تت)) ٤١/٢. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٥١/٢، و((التقريب)) ص١٢٧. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٤. ٩١ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٨) مَثَّلْتُ تَمْثِيلاً، وتَمْثَالاً، وبالكَسْرِ الصُّورَةُ، وهي الشيءُ المَصنوعُ مُشَبَّهاً بخَلقٍ من خَلْقِ اللهِ وَ، وأصلُه من مَثَلْتُ الشيءَ بالشيءٍ: إذا قَدَّرْتَه على قَدْرِهِ، والجمعُ التَّماثيل، ومنه قَوْله تَعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ﴾؛ أي: الأصنام، وقَوْله تَعالى: ﴿مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ﴾ هي صُوَرُ الأنبياءِ لَّهِ، وكانَ التَّمْثِيلُ مُباحاً (١) في ذلك الوقت. انتهى(٢). (قَالَ) سعيد بن يسار (فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ) ◌ِؤُّنَا (فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا)؛ يعني: زيد بن خالد الْجُهنيّ ◌َُّه (يُخْبِرُنِي)؛ أي: أخذاً عن أبي طلحة ◌َبه، (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قَالَ: (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ))، فَهَلْ سَمِعْتِ) بكسر التاء خطاباً لعائشة خوًّا، (رَسُولَ اللهِ إِ ذَكَرَ ذَلِكَ؟) الذي حدّثنيه، (فَقَالَتْ: لَا)؛ أي: لم أسمع هذا النصّ منه وَلِّ، (وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ)؛ تعني: سعيداً، ومن معه، (مَا) موصولة مفعول ثاني لـ((أُحَدّث))، (رَأَيْتُهُ) وَيِّ (فَعَلَ) صلة ((ما)) حُذف كما قال فى ((الخلاصة)): منه العائد؛ لكونه فضلة، وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ بِفِعْلِ اوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ)) وقولها: (رَأَيْتُهُ خَرَجَ) بيان لِمَا فعله، (فِي غَزَاتِهِ) بفتح الغين المعجمة، بمعنى الغَزْو، وهذه الغَزاة الظاهر أنها غزوة تبوك. وفي رواية أبي داود: ((ولكن سأحدثكم بما رأيته فَعَل، خرج رسول الله وَّلـ في بعض مغازيه، وكنت أتَحَيَّن قُفوله، فأخذت نمطاً كان لنا، فسترته على الْعَرْض، فلما جاء استقبلته، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أعزّك، وأكرمك، فنظر إلى البيت، فرأى النمط، فلم يَرُدّ عليّ شيئاً، ورأيت الكراهية في وجهه ... )) الحديث. [تنبيه]: قال القرطبيّ ◌َخُّْ: حديث عائشة ﴿ّا كَثُرت رواياته، واختلفت ألفاظه، حتى يُتوهم أنه مضطرب، وليس كذلك؛ لأنَّه ليس فيه تناقض، وإنَّما كانت القضية مشتملة على كل ما نُقِل من الكلمات، والأحوال المختلفة، لكن (١) هذا يحتاج إلى نقل صحيح، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (٢) ((تاج العروس)) ٧٥٠٤/١. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة نَقَل بعض الرواة ما سَكَت عنه غيرهم، وعبَّر كل منهم بما تيسّر له من العبارة عن تلك القضية، ويجوز أن يَصْدُر مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحد في أوقات مختلفة، ولا يُعد تناقضاً، فإنَّه إذا جُمِعت تلك الروايات كلها انتظمت، وكملت الحكاية عن تلك القضية، وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن، فإنَّه تعالى يذكرها في موضع وجيزة، وفي آخر مطوّلة، ويأتي بالكلمات المختلفة الألفاظ مع اتفاقها على المعنى، فلا يُنْكَر مثل هذا في الأحاديث. انتهى كلام القرطبيّ كَّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (فَأَخَذْتُ نَمَطاً) - بفتحتين - قال النوويّ: المراد بالنمط هنا بساط لطيف له خَمْلٌ، وفي ((فتح الودود)): ثوب من صُوف يُفرش، ويُجْعَل ◌ِتْراً، ويُطْرَح على الْهَوْدج. انتهى (٢). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقولها: ((فأخذت نمطاً، فسترته على الباب))، هذا النمط هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى بـ ((الدَّرنوك))، ويقال بضم الدَّال، وفتحها، وهو: الستر الذي كان فيه تماثيل الخيل ذوات الأجنحة، و(الباب)) يراد به هنا باب السَّهْوة المذكورة في الرِّواية الأخرى، وهي بيت صغير يشبه الْمَخْدَعِ، وقال الأصمعيّ: هي شبه الطاق، يجعل فيه الشيء، وقيل: شبه الْخِزانة الصغيرة، وهذه الأقوال متقاربة. انتهى (٣). (فَسَتَرْتُهُ)؛ أي: جعلته ساتراً (عَلَى الْبَابِ)؛ أي: سترت به الباب، أو جعلته ستراً على الباب، (فَلَمَّا قَدِمَ) بكسر الدال؛ أي: رجع وَّ من غزاته، ووصل المدينة (فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ) إنما عَرَفت الكراهيةَ في وجهه؛ لأنَّه تلوَّن وجهه، ووَقَف، ولم يدخل، كما جاء في الطريق الآخر، ولما رأت تلك الحال خافت، فقدَّمت في اعتذارها التوبة، ثمَّ سألت عن الذنب، فإنَّها لم تعرفه، فعند ذلك جبذ النمط، فهتكه. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٥/٥. (٢) ((عون المعبود)) ١٣٩/١١. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٥/٥. ٩٣ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٨) فحصل من مجموع هذه القرائن أن اتخاذ الثياب التي فيها التماثيل محرَّم، رقماً كان فيها، أو صنعاً، وهو مذهب ابن شهاب، فإنَّه منع الصور على العموم، واستعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، رقماً كانت، أو غيره، في ثوب، أو حائط، يُمْتَهَن، أو لا يمتهن؛ تمسُّكاً بعمومات هذا الباب، وبما ظهر من هذا الحديث. وذهب آخرون: إلى جواز كل ما كان رقماً في ثوب، يُمْتَهَن أو لا ، معلَّقاً كان أو لا، وهو مذهب القاسم بن محمد تمسُّكاً بحديث زيد بن خالد حين قال: ((إلا ما كان رقماً في ثوب)). وذهب آخرون: إلى كراهة ما كان منها معلَّقاً، وغير ممتهَن؛ لأنَّ ذلك مضاهاة لمن يعظم الصور، ويعبدها كالنصارى، وكما كانت الجاهلية تفعل .. والحاصل من مذاهب العلماء في الصور: أن كل ما كان منها ذا ظل فصنعته، واتخاذه حرام، ومنكر يجب تغييره، ولا يُخْتَلَف في ذلك إلا ما ورد في لعب البنات لصغار البنات، وفيما لا يبقى من الصور؛ كصور الفخار، ففي كل ذلك منهما قولان، غير أن المشهور في لعب البنات، جواز اتخاذها للرخصة في ذلك، لكن كَرِه مالك شراء الرجل لها لأولاده؛ لأنَّه ليس من أخلاق أهل المروءات والفضل، غير أن المشهور فيما لا يبقى المنع، وأما ما كان رقماً، أو صبغاً مما ليس له ظل: فالمشهور فيه الكراهة. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّهُ(١). (فَجَذَبَهُ)؛ أي: مدّه وَلِّ بيده الشريفة (حَتَّى هَتَكَهُ)؛ أي: خرقه، يقال: هَتَكَ زيد الستر هَتْكاً، من باب ضرب: خَرَقِهِ، فَانْتَهَكَ، وقال الزّمخشريّ: جَذَبه حتى نزعه من مكانه، أو شَقّه حتى يَظْهَر ما وراءه، وتَهَتَّكَ السِّترُ مثل انْهَتَكَ، وهَتَكْتُ الثوبَ: شَقَقْتُهُ طُولاً، وهَتَكَ الله ستر الفاجرة: فضحه، قاله الفيّوميّ(٢). وقال القرطبيّ تَخْثُ: وقولها: ((فجذبه، حتى هتكه)) يدلّ على أن ما صُنِعٍ (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٦/٥ - ٤٢٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٣/٢. ٩٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة على غير الوجه المشروع لا مالية له، ولا حرمة، وأن من كسر شيئاً منها، وأتلف تلك الصورة لم يلزمه ضمان. انتهى(١). وقوله: (أَوْ قَطَعَهُ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، (وَقَالَ) ◌َّهِ (( إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ، وَالطِّينَ)))، وفي رواية أبي داود: ((إن الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الطين والحجارة)). قال القرطبيّ تَُّ: هذا يفهم منه كراهة ستر الحيطان بالستر؛ لأنَّ ذلك من السَّرف، وفضول زهرة الدنيا؛ التي نهى الله تعالى النبيّ وَّر أن يمد عينه إليها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾. الآية [طه: ١٣١]، ولذلك قال في الرواية الأخرى: ((فإني كلما دخلت ذكرت الدنيا»، وهذا الستر هو الذي كان يصلِّي إليه، وكانت صوره تَعْرِض (٢) في صلاته، كما قال البخاري: ((فإنَّه لا تزال تصاويره تَعْرِض لي في صلاتي)). ويفيد مجموع هذه الروايات أن هتك هذا السِّتر إنما كان بعد تكرار دخول النبيّ وَّ، ورؤيته له، وصلاته إليه، فلما بُيِّن له حكمه امتنع مرَّة من دخول البيت حتى هتكه، وقد فعل سلمان الفارسيّ ظُه نحو هذا لما تزوَّج الكندية، جاء ليدخل بها، فوجد حيطان البيت قد سُترت، فلم يدخل، وقال منكراً لذلك: ((أمحموم بيتكم! أم تحوَّلت الكعبة في كندة))، فأزيل كل ذلك، ودعا ابنُ عمر أبا أيوب، فرأى ستراً على الجدار، فقال: ما هذا؟ فقال: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنتُ أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لك طعاماً! فرجع. ذكره البخاريّ. وقد أفاد حديث عائشة ◌ّا المنع من ستر حيطان البيوت، ومما يَجُرُّ إلى المَيْل إلى زينة الدنيا، ومن اتخاذ الصور المرقومة، ومن الصلاة إلى ما يشغل (٣) عنها. انتهى . وأفاد في ((الفتح)) أنه احتجّ بهذا من منع ستر البيوت والجدران، وجزم (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٧/٥. (٢) من بابي ضرب، وفَهِم؛ أي: ظهر. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٧/٥ - ٤٢٨. ٩٥ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٨) جمهور الشافعية بالكراهة، وصرح الشيخ أبو نصر المقدسيّ منهم بالتحريم، واحتَجّ بحديث عائشة ◌ُنا هذا . قال البيهقيّ كَّتُهُ: هذه اللفظة تدلّ على كراهة ستر الجدار، وإن كان في بعض ألفاظ الحديث أن المنع كان بسبب الصورة، وقال غيره: ليس في السياق ما يدلّ على التحريم، وإنما فيه نفي الأمر لذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي، لكن يمكن أن يُحتجّ بفعله بَّر في هتكه، وجاء النهي عن ستر الجدر صريحاً، منها في حديث ابن عباس ◌ًا عند أبي داود وغيره: ((ولا تستروا الجُدُر بالثياب))، وفي إسناده ضعف، وله شاهد مرسل عن عليّ بن الحسين، أخرجه ابن وهب، ثم البيهقيّ من طريقه، وعند سعيد بن منصور، من حديث سلمان موقوفاً أنه أنكر ستر البيت، وقال: أمحموم بيتكم؟ أو تحولت الكعبة عندكم؟ قال: لا أدخله حتى يُهتك، وأخرج الحاكم، والبيهقيّ من حديث محمد بن كعب، عن عبد الله بن يزيد الخطميّ، أنه رأى بيتاً مستوراً، فقعد، وبَكَى، وذكر حديثاً عن النبيّ وَ ◌ّ فيه: ((كيف بكم إذا سترتم بيوتكم ... )) الحديث، وأصله في النسائيّ(١). (قَالَتْ) عائشة ◌َّا (فَقَطَعْنَا) بتخفيف الطاء، (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الستر (وِسَادَتَيْنِ) بكسر الواو؛ أي: مِخدّتين، (وَحَشَوْتُهُمَا)؛ أي: ملأت جوفهما (لِيفاً) بكسر اللام؛ أي: لحاء شجر، (فَلَمْ يَعِبْ) بكسر العين المهملة، (ذَلِكَ) الفعل (عَلَيَّ) فيه جواز اتّخاذ الوسادة، واستعمالها، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَّلُهُ: قول عائشة ظنيًا: ((فقطعنا منه وسادتين حشوتهما ليفاً)) يَحْتَمِل أن يكون هذا التقطيع أزال شكل تلك الصور، وأبطلها، فيزول الموجب للمنع، ويَحْتَمِل أن تكون تلك الصور، أو بعضها باقياً، لكنها لما امْتُهِنت بالقعود عليها سامح فيها، وقد ذهب إلى كل احتمال منهما طائفة من العلماء. والحقّ أن كل ذلك مُحْتَمِلٌ، وليس أحد الاحتمالين بأوَلى من الآخر، ولا معيِّن لأحدهما، فلا حجَّة في الحديث على واحد منهما، وإنما الذي يفيده (١) ((الفتح)) ٥٥٣/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨١). ٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة هذا الحديث: جواز اتخاذ الثَّمارق، والوسائد في البيوت. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي طلحة بنظُه هذا بقصّة عائشة طوّا من أفراد المصنّف نَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٠٨/٢٥] (٢١٠٧)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٧٣/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٦٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٦١/١١)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٨٢/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧١/٧)، و((شُعَب الإيمان)) (١٥ ٢٥٦ و٢٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما كان عليه السلف من تتبّع النصوص عند من يظنّون أنه أعلم، وأجمع لها من غيره. ٢ - (ومنها): ما كانت عليه عائشة رضيّا من العلم، فقد كان الصحابة والتابعون ﴿ يأتونها ينهلون من علمها، وإذا اختلفوا في النصوص كانت المرجع لهم؛ لِمَا حفظته، من رسول الله وَ ﴿ من النصوص الكثيرة. ٣ - (ومنها): أنه يُستدلّ بهذا الحديث لتغيير المنكر باليد، وهَتْك الصور المحرمة، والغضب عند رؤية المنكر. ٤ - (ومنها): بيان جواز اتّخاذ الوسائد، والاتّكاء عليها . ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ: استدلوا بهذا الحديث على أنه يُمنع من ستر الحيطان، وتنجيد البيوت بالثياب، وهو منع كراهة تنزيه، لا تحريم، هذا هو الصحيح، وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسيّ من أصحابنا - يعني: الشافعيّة -: هو حرام، وليس في هذا الحديث ما يقتضي تحريمه؛ لأن حقيقة (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٨/٥. ٩٧ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٩) اللفظ: ((إن الله تعالى لم يأمرنا بذلك))، وهذا يقتضي أنه ليس بواجب، ولا مندوب، ولا يقتضي التحريم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((حَوِِّي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ، فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا))، قَالَتْ: وَكَانَتْ لَنَا قَطِيفَةٌ، كُنَّا نَقُولُ: عَلَمُهَا حَرِيرٌ، فَكُنَّا نَلْبَسُهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قبل بابين. ٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢١. ٣ - (عَزْرَةُ) - بفتح العين المهملة، وسكون الزاي - ابن عبد الرحمن بن زرارة الْخُزاعيّ الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٦] (م « ت س) تقدم في ((اللعان)) برقم (٣٧٤٦). ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْحِميريّ البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٩١. ٥ - (سَعْدُ بْنُ هِشَام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] استُشهد بأرض الهند (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٨٨/١٥. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيات المصنف كَّهُ، وأنه مسلسل بالبصريين غير شیخه، فبغداديّ، وعزرة، فكوفيّ، والباقيان مدنيان، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن روايةَ داود بن أبي هند، عن عزرة من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن داود من الطبقة الخامسة؛ لأنه رأى أنس بن مالك ظه، وعزرة من السادسة، والله تعالى أعلم. (١) (شرح النوويّ)) ٨٦/١٤. ٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌ِّنا أنها (قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ) بكسر، فسكون؛ أي: ساتر (فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ) بكسر التاء؛ أي: صورته، والجملة صفة لـ((ستر))، (وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ)؛ أي: قابله، وواجهه، (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ: ((حَوِّلِي هَذَا) أمرٌ من التحويل، وهو النقل؛ أي: انقليه إلى موضع آخر؛ أي: غيّري مكانه، واجعليه في مكان، لا أراه فيه، (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: إنما أمرتك بتحويله من مكانه لأني (كُلَّمَا دَخَلْتُ) البيت (فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا)))؛ أي: زخارفها، وزينتها، فأخشى أن يميل قلبي إليها، وتمتدّ عيني إليها، وقد نهائي الله رَّ عن ذلك حيث قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْخَوِْ الدُّنْيَا لِنَفِتْنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَيِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: ١٣١]. وقال السنديّ تَخْلُهُ في ((حاشية النسائيّ)): لا يلزم منه الميل إليها، بل يجوز أن يذكرها مع الكراهة، ومع ذلك كرِه أن يحضر لديه صورة الدنيا بأيّ وجه كان، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال النوويّ كَّتُهُ: هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة، فلهذا كان رسول الله85* يدخل، ويراه، ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة. انتهى(١). (وَكَانَتْ لَنَا قَطِيفَةٌ) بفتح القاف، وكسر الطاء: هي (قَالَتْ) عائشة دِثارٌ له خَمْلٌ (٢)، والجمع قطائفُ، وقُطْفٌ بضمّتين، قاله الفيّوميّ(٣)، وقال في (النهاية)): القطيفة: كساءٌ له خَمْلٌ. انتهى. (كُنَّا نَقُولُ: عَلَمُهَا حَرِيرٌ) يقال: أعلمتُ الثوبَ: إذا جعلت له عَلَماً من طراز وغيره، وهي العلامة، وجَمْع العَلَم أعلام، وجَمْع العلامة علامات(٤). (فَكُنَّا نَلْبَسُهَا) زاد في رواية عبد الأعلى التالية: ((فلم يأمرنا رسول الله (وَلّر بقطعه))، وفي رواية النسائيّ: ((فلم نقطعه))؛ أي: العَلَم؛ إذ العَلَم من الحرير مباح الاستعمال. (١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٨٧. (٢) ((الْخَمْلُ)) بوزن فَلْس: الْهُدْبُ. اهـ. ((المصباح)) ١٨٢/١. (٣) (المصباح المنير)) ٥٠٩/٢. (٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٢٧. ٩٩ (٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١٠) وقال القرطبيّ ◌َّثُهُ: وفيه دليل على جواز لباس الثوب فيه العَلَم من الحرير، وقد تقدم القول فيه، ولم يَرِد في شيء من الأحاديث أن هذا الثوب الذى كُنِّي عنه بالدَّرنوك، والقِرام، والنَّمَط أنه كان حريراً، وكذلك النمرقة، فلا حجَّة في شيء من ذلك لعبد الملك على قوله: إنَّه يجوز افتراش ثياب الحرير، ورأى ذلك ليس لباساً لها، وهذا قولٌ شذَّ به عن جميع العلماء، فإنَّهم رأوا ذلك لباساً منهّاً عنه، ولباس كل شيء بحسب ما جرت العادة باستعماله، والله تعالى أعلم. انتهى(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ؤنا هذا من أفراد المصنّف وظّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٠٩/٢٥ و٥٥١٠] (٢١٠٧)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٢١٣/٨)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (٢٤٦٧)، و((الكبرى)) (٥٠١/٥)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (١٣٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٩/٦ و٥٣ و٢٤١)، وفي ((الورع)) (١٤٢/١)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٧١٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (١٣٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): البعد عن زخارف الدنيا، والزهد فيها. ٢ - (ومنها): جواز استعمال الستر للحاجة. ٣ - (ومنها): جواز لبس القطيفة، وهي كساء له خَمْلٌ، كما تقدّم. ٤ - (ومنها): إباحة العَلَم من الحرير، وقد تقدّم حديث عمر ظُه في جوازه مقدار أربع أصابع، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٥١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الأَعْلَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَزَادَ فِيهِ - يُرِيدُ عَبْدَ الأَعْلَى -: فَلَمْ يَأْمُرْنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ بِقَطْعِهِ). (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٩/٥ - ٤٣٠. ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، أحد مشايخ الجماعة بغير واسطة، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥. وقوله: (حَدَّثَنِيهِ ... إلخ)؛ أي: حديث عائشة المذكور قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بالإسناد الذي قبله، وهو: ((عن داود، عن عزرة ... إلخ))، فكلّ من ابن أبي عديّ، وعبد الأعلى يرويان عن داود بن أبي هند، عن عزرة، عن حميد بن عبد الرحمن الْحِمْيريّ، عن سعد بن هشام، عن عائشة ها . [تنبيه]: رواية عبد الأعلى، عن داود بن أبي هند ساقها إسحاق بن راهويه نَخّْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٣٢١) - أخبرنا عبد الأعلى، نا داود، وهو ابن أبي هند، عن عزرة، أو غيره، عن حميد بن عبد الرحمن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: كانت قُبالة بابي ستر فيه تماثيل طير، فقال رسول الله وَار: (يا عائشة حوّليه، فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا))، قالت: وكانت لنا قطيفة نلبسها، نرى(١) رسول الله وَ﴾، فلم يأمرنا بقطعه. انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥١١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِيِّ دُرْنُوكاً، فِيهِ الْخَيْلُ، ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ، فَأَمَرَنِي، فَتَزَعْتُهُ). (١) هكذا النسخة، ولعله ((يراه رسول الله ... إلخ))، أو نحو ذلك، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. (٢) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٧١٨/٣.